رواية ريشة والصقر الفصل العاشر 10 والاخير بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل العاشر
كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا حين فتحت ريشة عينيها ببطء.
لثوانٍ لم تعرف أين هي، ولا لماذا السقف فوقها أبيض نظيف لا يشبه صاج غرفتها فوق السطوح، ولا لماذا رائحة القهوة الرجالية تملأ المكان.
ثم شعرت به.
ذراع ثقيلة ملتفة حول خصرها بإحكام.
صدر صلب تستند إليه.
ونَفَس دافئ يلامس شعرها.
زين.
تجمدت لحظة، ثم رفعت رأسها قليلًا.
كان ما يزال نائمًا… أو يبدو نائمًا.
دقنه النابتة الخشنة تحتك بجبينها، وملامحه هادئة على غير عادته، كأن الحرب التي تسكنه هدأت لساعات فقط.
لكن ما لم يهدأ أبدًا كان المسدس المستقر في يده الأخرى فوق الكنبة.
حتى وهو نائم… يحرسها.
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تزحزح نفسها بهدوء.
فجأة خرج صوته خشنًا ناعسًا:
"رايحة فين؟"
انتفضت.
"صحيت؟"
فتح عينًا واحدة ونظر إليها.
"بسألك."
قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
"هقوم أعمل فطار… ولا ناوي تسيبني ف حضنك كدا لحد الضهر؟"
رفع حاجبه بتكاسل.
"حضن إجباري."
زقته بكفها في صدره.
"إجباري إيه يا خويا؟ دا انت كاتم ع نفسي."
ضحك.
ضحكة قصيرة، رجولية، خرجت منه غصبًا، فشعرت بشيء دافئ يهتز تحت أذنها.
"ماشي يا ريشة… قومي."
حررها أخيرًا.
قامت بسرعة، وعدلت الترينج الواسع عليها، ثم مشت نحو المطبخ وهي تشعر أن قلبها يطرق ضلوعها بلا سبب مفهوم.
بعد نصف ساعة
كانا يجلسان في الصالة.
هو يحتسي قهوته السوداء المعتادة، جالسًا بكامل تركيزه كأنه في اجتماع حرب.
وهي على الطرف الآخر من الكنبة، تلف طرحتها حول رقبتها وتنظر إلى الخريطة المفتوحة فوق الطاولة.
قال زين وهو يضع الفنجان:
"النهارده باقي خمس أيام. علي العزايزي مش هيسكت."
رفعت عينيها إليه.
"أنا… أنا حقيقي آسفة."
نظر لها.
"على إيه؟"
بلعت ريقها.
"عشان دخلتك في الليلة دي كلها. عشان بقيت ضد اللواء، وضد شغلك، وضد الناس… عشاني."
سكت لحظة.
ثم قال بصوت أخفض، أصدق:
"متتأسفيش… أنا بحارب عليكي. ودا كفاية."
ارتجف شيء داخلها.
هذه الجملة… لم تكن تعرف كيف تستقبلها.
رجل مثله لا يقول كلمات كهذه إلا إذا كانت خارجة من عمق لم يصل إليه أحد.
خفضت عينيها سريعًا.
"طب… هنروح المقبرة إمتى؟"
فهم هروبها، لكنه لم يعلق.
"بالليل. النهار خطر. عيون علي في كل مكان. بس قبلها… لازم أأمنك."
رفعت رأسها.
"تأمني؟"
قام من مكانه.
"أيوه."
اتجه نحو شماعة البدلات، وسحب جاكيته الميري.
استدارت نحوه بحيرة.
"بتعمل إيه؟"
التفت وقال ببساطة شديدة، كأنه يخبرها أنه سيشرب ماء:
"هكتب كتابي عليكي. دلوقتي."
سقطت الكوب من يدها وانكسرت.
"نعم؟!"
"سمعتي."
قامت واقفة.
"إزاي يعني؟ إنت اتهبلت؟"
اقترب منها.
"رزق الحاوي لما يظهر، وعلي لما يعرف مكانك، هتبقي في خطر أكبر. بنت الحاوي سهلة تتاخد. سهلة تتحبس. سهلة تتباع. لكن مرات الرائد زين المنصوري؟"
ضرب على صدره.
"دي ليها ضهر. ليها اسم. ليها قانون وجيش."
صرخت:
"جواز إيه في نص الحرب دي؟ القيامة قايمة وإنت عايز تتجوزني؟"
قرب أكثر.
"آه. عايزك."
رمشت بسرعة.
"عايزك وبعف نفسي فيكي… فيها مشكلة؟"
عينها لمعت بالدموع.
"بردو شايفني جسم؟ عمرك ما هتشوفني بني آدمة وتسألني أنا عايزة إيه؟"
مد يده فجأة وأمسك وجهها بين كفيه.
"انتي ليه شايفاني كده؟"
سكتت.
لأنها لا تعرف.
لأن كل الرجال قبلَه كانوا هكذا.
نظر في عينيها طويلاً.
"ومين قال إني هاخده أمر مسلم بيه؟"
قالتها بعناد متحشرج.
"مش يمكن أقول لأ؟"
مال عليها حتى صار نفسه فوق شفتيها.
"قولي لأ…"
همس.
"وأوعدك… هخطفك وتكوني مراتي بردو."
اتسعت عيناها.
وفي اللحظة نفسها—
دق الباب.
ثلاث دقات ثقيلة.
تبادلا النظرات.
زين استدار فورًا، وسحب طبنجته.
"روحي الأوضة."
"بس—"
التفت صارخًا:
"اتحركي يا ريشة!"
جرت.
اختفت داخل الغرفة وأغلقت الباب.
زين تقدم بحذر وفتح.
ثلاثة عساكر، ومعهم نقيب.
النقيب أدى التحية بتوتر.
"أوامر اللواء يا فندم."
"خير؟"
"البنت اللي عندك… ريشة الحاوي. مطلوب تسليمها فورًا."
ثبت زين نظره فيه.
"فيها ضبط وإحضار؟"
النقيب تلعثم.
"لسه… بس دي تعليمات مباشرة."
رفع زين سلاحه ببطء.
العساكر شهقوا.
"طالما مفيهاش ورق… يبقى اللي هيحط رجل جوه بيتي هيطلع على نقالة."
"يا باشا… إنت كده بتتمرد ع الأوامر."
زين اقترب حتى صار فوهة السلاح على صدر النقيب.
وقال بصوت جهوري متعمد:
"أنا كده بحمي حرم الرائد زين المنصوري."
داخل الغرفة… ريشة سمعت الكلمة.
شهقت ووضعَت يدها على فمها.
في الخارج أكمل:
"واللي مش عاجبه يبلغ اللواء إني مستنيه. بس مش هنا."
النقيب ابتلع ريقه.
"فين يا فندم؟"
زين قال وهو يغلق الباب في وجوههم:
"في المقبرة."
سند ظهره على الباب، وأنفاسه تعلو وتهبط.
ثم سمع نحيبًا مكتومًا من الغرفة.
فتح.
وجدها واقفة تبكي.
ليست دموع خوف… بل دموع انهيار.
"إنت هتودّي نفسك في داهية عشاني."
اقترب.
"تعالي."
شدها إلى حضنه.
هذه المرة لم تقاوم.
دفنت وجهها في صدره.
قال فوق شعرها:
"يلا."
"على فين؟"
"نكتب الكتاب."
رفعت رأسها.
"دلوقتي؟"
"دلوقتي."
"مفيش شهود…"
"فيه."
أخرج هاتفه.
اتصل.
"ألو يا شيخ حسن؟ محتاجك حالًا. ومعاك اتنين شهود. عنواني."
أغلق.
ونظر لها.
"ساعة… وتبقي مراتي."
همست بضعف:
انت مسيطر ومتحكم
أمسك يدها ووضعها فوق قلبه.
بس بحبك
جلس الشيخ حسن في الصالة، وبجواره شاهدان من رجال زين الموثوقين.
ريشة كانت جالسة في الطرف الآخر، ترتدي عباية سوداء نظيفة وطرحة بيضاء بسيطة أعطاها لها.
وجهها شاحب.
وقلبها يرتعد.
زين جلس أمام الشيخ بكامل هيبته الميرية.
قال الشيخ:
"موافقة يا بنتي؟"
رفعت عينيها نحو زين.
كان ينظر إليها بثبات، كأنه يقول: القرار لكِ.
لأول مرة… القرار لها.
بللت شفتيها.
"موافقة."
خرجت الكلمة ضعيفة.
لكنها خرجت.
زين أغمض عينيه ثانية كأنه كان يحبس نفسه حتى يسمعها.
بدأ الشيخ في الإجراءات.
أسماء. مهر. شهود.
ثم—
"بارك الله لكما وبارك عليكما."
انتهى.
ريشة صارت زوجته.
رسميًا.
شرعًا.
وقانونًا.
وقبل أن تستوعب…
زين مال على يدها.
ورفعها.
وقبّل ظهر كفها أمام الجميع.
ثم قال وهو ينظر في عينيها:
"مبروك يا حرم الصقر."
في السيارة...
كان الصمتُ بينهما غريبًا.
صمتُ زوجين كُتب اسماهما على ورقةٍ واحدة، بينما الموتُ نفسه يركض خلفهما.
ريشة تُحدّق من النافذة، أصابعها تعبث بالدبلة الجديدة كأنها لا تصدّق أنها هناك.
دبلة بسيطة، لكن ثِقلها في يدها كان أثقل من الدنيا.
ثِقل اسم جديد.
ثِقل رجلٍ قال أمام الجميع: حرم الرائد زين المنصوري.
أما زين...
فكان يقود وعيناه على الطريق، لكن يده اليمنى لم تترك يدها لحظة.
الساعة 9 مساءً — طريق المقبرة.
وصلوا.
الجبل واقف في وشهم كوحشٍ أسود،
والهواء محمّل برائحة تراب قديم... ورائحة موت.
نزل زين أولًا.
ربط الحبل في الصخرة بإحكام.
شدّه مرتين.
"أنا الأول." قال بحزم.
"سوا."
قالتها وهي تمسك الحبل بجانبه.
"قلت لك... على الحلوة والمرة."
التفت إليها.
حدّق فيها ثانيتين.
في عينيها كان هناك شيء لم يعد يعرفه فيها:
لا راقصة،
لا غجرية،
لا شاهدة قضية...
بل امرأة تقف في صفه.
امرأته.
تنهد وقال:
"ماشي يا حرم الصقر... سوا."
ونزلا.
الحبل يئنّ تحت ثقلهما.
الظلام يبتلع جسديهما شيئًا فشيئًا.
حتى لامست أقدامهما الأرض الحجرية أسفل البئر.
أمامهما...
باب ضخم من الصخر.
منقوش عليه صقر باسط جناحيه، وبين مخالبه مفتاح.
ريشة شهقت.
"هي دي..."
زين أخرج المفتاح الذهبي.
تقدّم.
أدخله في الفتحة.
تك.
صوت التكة دوّى كأنه فتح قبر.
الباب انزلق ببطء.
صريرُه يشبه أنين ميتٍ قام من نومه.
دخلوا.
هواء بارد ضرب وجهيهما.
رائحة عتاقة.
تراب.
رطوبة.
وأسرار عمرها سنين.
وفي عمق المقبرة...
وقف التمثال الذهبي.
صقر ضخم، جناحاه مفرودان، عيناه من حجر أخضر يلمع في الظلام.
وجانبه...
رزق الحاوي.
مكبّل، وجهه شاحب، لحيته طويلة، لكنه حي.
وريشة شهقت:
"أبويا!"
لكن الصدمة لم تكتمل...
لأن أمام التمثال كان يقف علي العزايزي،
مبتسمًا كشيطانٍ وجد فريسته.
وعلى يمينه...
ليلى.
وفي يدها مسدس مصوّب مباشرة على رأس ريشة.
ضحك علي ضحكة طويلة.
"مفاجأة حلوة، صح؟"
زين تحرك فورًا ووقف أمام ريشة كالدرع.
"اللي يقرب لها..." قال بصوت منخفض مرعب،
"هشيله من على وش الأرض."
ليلى كانت ترتعش من الغضب.
وجهها محمّر، عيونها زايغة.
"مراتك؟!" صرخت.
"اتجوزتها يا زين؟! اتجوزت رقاصة؟! غجرية؟!"
وتقدمت ناحيته كالمجنونة تريد أن تمسكه.
زين رمقها باحتقارٍ جلي.
وقال ببرود قاسٍ:
"اتجوزت ستّك وتاج راسك...
اللي تساوي مية من عينتك."
كلماتُه نزلت على ليلى كصفعة.
أما ريشة...
فاشتعل دمها.
تقدمت نصف خطوة، رغم السلاح على رأسها.
"شيلي إيدك من على جوزي يا خطافة الرجالة!" صاحت.
ليلى التفتت لها بنظرة سمّ.
"جوزك؟ إنتِ؟
واحدة غجرية اتربت في حضن الرجالة؟
متقلقيش... يومين وهيعرف حقيقتك ويزهق منك."
رفعت ريشة يدها، وأظهرت الدبلة في إصبعها.
"أنا مراته."
قالتها ببطء، بكل شماتة العالم.
"على ورق... وعلى سنة الله.
وإنتِ؟
ولا حاجة."
صرخت ليلى صرخة هستيرية...
وضغطت الزنا
زين رمى نفسه على ريشة.
الرصاصة مرّت فوق كتفه بشعرة، وخبطت في الحائط الحجري.
وقعا على الأرض.
"قلت لك ورا ضهري يا حمارة!" زعق وهو يسحب مسدسه.
"متشتمش!" زعقت وهي تطلع المطواة من جيبها.
وفجأة...
انفجرت المقبرة نارًا.
رجالة علي خرجوا من الجوانب.
رصاص.
صراخ.
شرر يرتطم بالحجر.
رزق الحاوي يصرخ من مكانه:
"سيبوهم يا كلاب!"
علي يضحك بجنون:
"اقتلوهم! خلصوا عليهم!"
زين يطلق النار بدقة وحش
واحد سقط.
الثاني انخرم كتفه.
ليلى تصرخ وتستخبى خلف التمثال.
وريشة...
كانت تزحف على الأرض كالقطّة البرية.
ثم فجأة قفزت.
نطت على ليلى.
المسدس وقع من يد ليلى.
وريشة لفّت ذراعها حول رقبتها، والمطواة التصقت بجلدها.
"حركة واحدة..." قالت ريشة وهي تلهث،
"أدبحك."
ليلى شهقت، جسمها اتخشب.
ريشة قربت شفتيها من أذنها وهمست بشر:
"أنا ريشة... عَ سنّ ورمح.
كل ده بتعامل معاكي بأخلاق.
لو وريتك شغل العوالم...
مش هسيب فيكي حتة سليمة.
هدبحك يا ليلى زي الفرخة."
"ريشة سيبيها!" صرخ زين.
"لا!"
عينها كانت جحيمًا.
"دي كانت عايزة تاخدك مني! وتسجني!
وديني ما أنا عاتقاها!"
وفي تلك اللحظة...
علي العزايزي رفع سلاحه من الخلف.
صوبه على ريشة.
زين لمح اللمعة.
اللحظة كانت أسرع من التفكير.
استدار.
رفع مسدسه.
وضرب
ثلاث رصاصات مستقرة... في صدر علي.
اتسعت عينا علي.
ترنح.
ثم وقع على التمثال الذهبي.
دمه سال على جناح الصقر...
كأن الصقر شرب ثأره أخيرًا.
الصمت.
صمتٌ ثقيل...
بعد كل هذا الجحيم.
ليلى فقدت وعيها بين ذراعي ريشة.
ريشة دفعتها بعيدًا.
وجرت.
جرت على زين.
ارتمت في حضنه.
"يا راجلي يا جامد!"
"خلصت عليه! معلم كبير والله!"
زين لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه بقوة.
"عشانك..." همس وهو يلهث.
"أدخل النار وأتحرق فيها."
ثم شدها أكثر...
وقبّلها.
قبلة لم تكن هادئة.
بل قبلة نجاة.
قبلة رجل خرج من فم الموت ووجد جَنّته في فمها.
قبلة شغف.
قبلة تملك.
قبلة غيرة.
قبلة وعد.
ريشة تشبثت به كأنها لن تتركه لو انشقت الأرض.
وحين ابتعدا...
كان رزق الحاوي يبكي.
زين أسرع إليه، فكّ قيوده.
وريشة ارتمت في حضن أبيها.
رزق ضمّهما معًا إلى صدره.
وبكى بصوت رجلٍ انكسر ثم جُبر.
"كده..." قال وهو يمسح دموعه،
"كده أقدر أموت وأنا مرتاح.
بنتي... في عِشّ صقر."
ثم نظر إلى زين.
"خد بالك منها يا ولدي."
زين احتضن ريشة من كتفها، وسحبها ناحيته.
"دي روحي يا عم رزق."
ريشة رفعت عينيها له.
والمرّة الأولى...
لم ترَ فيه الظابط.
رأت البيت.
تمت
كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا حين فتحت ريشة عينيها ببطء.
لثوانٍ لم تعرف أين هي، ولا لماذا السقف فوقها أبيض نظيف لا يشبه صاج غرفتها فوق السطوح، ولا لماذا رائحة القهوة الرجالية تملأ المكان.
ثم شعرت به.
ذراع ثقيلة ملتفة حول خصرها بإحكام.
صدر صلب تستند إليه.
ونَفَس دافئ يلامس شعرها.
زين.
تجمدت لحظة، ثم رفعت رأسها قليلًا.
كان ما يزال نائمًا… أو يبدو نائمًا.
دقنه النابتة الخشنة تحتك بجبينها، وملامحه هادئة على غير عادته، كأن الحرب التي تسكنه هدأت لساعات فقط.
لكن ما لم يهدأ أبدًا كان المسدس المستقر في يده الأخرى فوق الكنبة.
حتى وهو نائم… يحرسها.
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تزحزح نفسها بهدوء.
فجأة خرج صوته خشنًا ناعسًا:
"رايحة فين؟"
انتفضت.
"صحيت؟"
فتح عينًا واحدة ونظر إليها.
"بسألك."
قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
"هقوم أعمل فطار… ولا ناوي تسيبني ف حضنك كدا لحد الضهر؟"
رفع حاجبه بتكاسل.
"حضن إجباري."
زقته بكفها في صدره.
"إجباري إيه يا خويا؟ دا انت كاتم ع نفسي."
ضحك.
ضحكة قصيرة، رجولية، خرجت منه غصبًا، فشعرت بشيء دافئ يهتز تحت أذنها.
"ماشي يا ريشة… قومي."
حررها أخيرًا.
قامت بسرعة، وعدلت الترينج الواسع عليها، ثم مشت نحو المطبخ وهي تشعر أن قلبها يطرق ضلوعها بلا سبب مفهوم.
بعد نصف ساعة
كانا يجلسان في الصالة.
هو يحتسي قهوته السوداء المعتادة، جالسًا بكامل تركيزه كأنه في اجتماع حرب.
وهي على الطرف الآخر من الكنبة، تلف طرحتها حول رقبتها وتنظر إلى الخريطة المفتوحة فوق الطاولة.
قال زين وهو يضع الفنجان:
"النهارده باقي خمس أيام. علي العزايزي مش هيسكت."
رفعت عينيها إليه.
"أنا… أنا حقيقي آسفة."
نظر لها.
"على إيه؟"
بلعت ريقها.
"عشان دخلتك في الليلة دي كلها. عشان بقيت ضد اللواء، وضد شغلك، وضد الناس… عشاني."
سكت لحظة.
ثم قال بصوت أخفض، أصدق:
"متتأسفيش… أنا بحارب عليكي. ودا كفاية."
ارتجف شيء داخلها.
هذه الجملة… لم تكن تعرف كيف تستقبلها.
رجل مثله لا يقول كلمات كهذه إلا إذا كانت خارجة من عمق لم يصل إليه أحد.
خفضت عينيها سريعًا.
"طب… هنروح المقبرة إمتى؟"
فهم هروبها، لكنه لم يعلق.
"بالليل. النهار خطر. عيون علي في كل مكان. بس قبلها… لازم أأمنك."
رفعت رأسها.
"تأمني؟"
قام من مكانه.
"أيوه."
اتجه نحو شماعة البدلات، وسحب جاكيته الميري.
استدارت نحوه بحيرة.
"بتعمل إيه؟"
التفت وقال ببساطة شديدة، كأنه يخبرها أنه سيشرب ماء:
"هكتب كتابي عليكي. دلوقتي."
سقطت الكوب من يدها وانكسرت.
"نعم؟!"
"سمعتي."
قامت واقفة.
"إزاي يعني؟ إنت اتهبلت؟"
اقترب منها.
"رزق الحاوي لما يظهر، وعلي لما يعرف مكانك، هتبقي في خطر أكبر. بنت الحاوي سهلة تتاخد. سهلة تتحبس. سهلة تتباع. لكن مرات الرائد زين المنصوري؟"
ضرب على صدره.
"دي ليها ضهر. ليها اسم. ليها قانون وجيش."
صرخت:
"جواز إيه في نص الحرب دي؟ القيامة قايمة وإنت عايز تتجوزني؟"
قرب أكثر.
"آه. عايزك."
رمشت بسرعة.
"عايزك وبعف نفسي فيكي… فيها مشكلة؟"
عينها لمعت بالدموع.
"بردو شايفني جسم؟ عمرك ما هتشوفني بني آدمة وتسألني أنا عايزة إيه؟"
مد يده فجأة وأمسك وجهها بين كفيه.
"انتي ليه شايفاني كده؟"
سكتت.
لأنها لا تعرف.
لأن كل الرجال قبلَه كانوا هكذا.
نظر في عينيها طويلاً.
"ومين قال إني هاخده أمر مسلم بيه؟"
قالتها بعناد متحشرج.
"مش يمكن أقول لأ؟"
مال عليها حتى صار نفسه فوق شفتيها.
"قولي لأ…"
همس.
"وأوعدك… هخطفك وتكوني مراتي بردو."
اتسعت عيناها.
وفي اللحظة نفسها—
دق الباب.
ثلاث دقات ثقيلة.
تبادلا النظرات.
زين استدار فورًا، وسحب طبنجته.
"روحي الأوضة."
"بس—"
التفت صارخًا:
"اتحركي يا ريشة!"
جرت.
اختفت داخل الغرفة وأغلقت الباب.
زين تقدم بحذر وفتح.
ثلاثة عساكر، ومعهم نقيب.
النقيب أدى التحية بتوتر.
"أوامر اللواء يا فندم."
"خير؟"
"البنت اللي عندك… ريشة الحاوي. مطلوب تسليمها فورًا."
ثبت زين نظره فيه.
"فيها ضبط وإحضار؟"
النقيب تلعثم.
"لسه… بس دي تعليمات مباشرة."
رفع زين سلاحه ببطء.
العساكر شهقوا.
"طالما مفيهاش ورق… يبقى اللي هيحط رجل جوه بيتي هيطلع على نقالة."
"يا باشا… إنت كده بتتمرد ع الأوامر."
زين اقترب حتى صار فوهة السلاح على صدر النقيب.
وقال بصوت جهوري متعمد:
"أنا كده بحمي حرم الرائد زين المنصوري."
داخل الغرفة… ريشة سمعت الكلمة.
شهقت ووضعَت يدها على فمها.
في الخارج أكمل:
"واللي مش عاجبه يبلغ اللواء إني مستنيه. بس مش هنا."
النقيب ابتلع ريقه.
"فين يا فندم؟"
زين قال وهو يغلق الباب في وجوههم:
"في المقبرة."
سند ظهره على الباب، وأنفاسه تعلو وتهبط.
ثم سمع نحيبًا مكتومًا من الغرفة.
فتح.
وجدها واقفة تبكي.
ليست دموع خوف… بل دموع انهيار.
"إنت هتودّي نفسك في داهية عشاني."
اقترب.
"تعالي."
شدها إلى حضنه.
هذه المرة لم تقاوم.
دفنت وجهها في صدره.
قال فوق شعرها:
"يلا."
"على فين؟"
"نكتب الكتاب."
رفعت رأسها.
"دلوقتي؟"
"دلوقتي."
"مفيش شهود…"
"فيه."
أخرج هاتفه.
اتصل.
"ألو يا شيخ حسن؟ محتاجك حالًا. ومعاك اتنين شهود. عنواني."
أغلق.
ونظر لها.
"ساعة… وتبقي مراتي."
همست بضعف:
انت مسيطر ومتحكم
أمسك يدها ووضعها فوق قلبه.
بس بحبك
جلس الشيخ حسن في الصالة، وبجواره شاهدان من رجال زين الموثوقين.
ريشة كانت جالسة في الطرف الآخر، ترتدي عباية سوداء نظيفة وطرحة بيضاء بسيطة أعطاها لها.
وجهها شاحب.
وقلبها يرتعد.
زين جلس أمام الشيخ بكامل هيبته الميرية.
قال الشيخ:
"موافقة يا بنتي؟"
رفعت عينيها نحو زين.
كان ينظر إليها بثبات، كأنه يقول: القرار لكِ.
لأول مرة… القرار لها.
بللت شفتيها.
"موافقة."
خرجت الكلمة ضعيفة.
لكنها خرجت.
زين أغمض عينيه ثانية كأنه كان يحبس نفسه حتى يسمعها.
بدأ الشيخ في الإجراءات.
أسماء. مهر. شهود.
ثم—
"بارك الله لكما وبارك عليكما."
انتهى.
ريشة صارت زوجته.
رسميًا.
شرعًا.
وقانونًا.
وقبل أن تستوعب…
زين مال على يدها.
ورفعها.
وقبّل ظهر كفها أمام الجميع.
ثم قال وهو ينظر في عينيها:
"مبروك يا حرم الصقر."
في السيارة...
كان الصمتُ بينهما غريبًا.
صمتُ زوجين كُتب اسماهما على ورقةٍ واحدة، بينما الموتُ نفسه يركض خلفهما.
ريشة تُحدّق من النافذة، أصابعها تعبث بالدبلة الجديدة كأنها لا تصدّق أنها هناك.
دبلة بسيطة، لكن ثِقلها في يدها كان أثقل من الدنيا.
ثِقل اسم جديد.
ثِقل رجلٍ قال أمام الجميع: حرم الرائد زين المنصوري.
أما زين...
فكان يقود وعيناه على الطريق، لكن يده اليمنى لم تترك يدها لحظة.
الساعة 9 مساءً — طريق المقبرة.
وصلوا.
الجبل واقف في وشهم كوحشٍ أسود،
والهواء محمّل برائحة تراب قديم... ورائحة موت.
نزل زين أولًا.
ربط الحبل في الصخرة بإحكام.
شدّه مرتين.
"أنا الأول." قال بحزم.
"سوا."
قالتها وهي تمسك الحبل بجانبه.
"قلت لك... على الحلوة والمرة."
التفت إليها.
حدّق فيها ثانيتين.
في عينيها كان هناك شيء لم يعد يعرفه فيها:
لا راقصة،
لا غجرية،
لا شاهدة قضية...
بل امرأة تقف في صفه.
امرأته.
تنهد وقال:
"ماشي يا حرم الصقر... سوا."
ونزلا.
الحبل يئنّ تحت ثقلهما.
الظلام يبتلع جسديهما شيئًا فشيئًا.
حتى لامست أقدامهما الأرض الحجرية أسفل البئر.
أمامهما...
باب ضخم من الصخر.
منقوش عليه صقر باسط جناحيه، وبين مخالبه مفتاح.
ريشة شهقت.
"هي دي..."
زين أخرج المفتاح الذهبي.
تقدّم.
أدخله في الفتحة.
تك.
صوت التكة دوّى كأنه فتح قبر.
الباب انزلق ببطء.
صريرُه يشبه أنين ميتٍ قام من نومه.
دخلوا.
هواء بارد ضرب وجهيهما.
رائحة عتاقة.
تراب.
رطوبة.
وأسرار عمرها سنين.
وفي عمق المقبرة...
وقف التمثال الذهبي.
صقر ضخم، جناحاه مفرودان، عيناه من حجر أخضر يلمع في الظلام.
وجانبه...
رزق الحاوي.
مكبّل، وجهه شاحب، لحيته طويلة، لكنه حي.
وريشة شهقت:
"أبويا!"
لكن الصدمة لم تكتمل...
لأن أمام التمثال كان يقف علي العزايزي،
مبتسمًا كشيطانٍ وجد فريسته.
وعلى يمينه...
ليلى.
وفي يدها مسدس مصوّب مباشرة على رأس ريشة.
ضحك علي ضحكة طويلة.
"مفاجأة حلوة، صح؟"
زين تحرك فورًا ووقف أمام ريشة كالدرع.
"اللي يقرب لها..." قال بصوت منخفض مرعب،
"هشيله من على وش الأرض."
ليلى كانت ترتعش من الغضب.
وجهها محمّر، عيونها زايغة.
"مراتك؟!" صرخت.
"اتجوزتها يا زين؟! اتجوزت رقاصة؟! غجرية؟!"
وتقدمت ناحيته كالمجنونة تريد أن تمسكه.
زين رمقها باحتقارٍ جلي.
وقال ببرود قاسٍ:
"اتجوزت ستّك وتاج راسك...
اللي تساوي مية من عينتك."
كلماتُه نزلت على ليلى كصفعة.
أما ريشة...
فاشتعل دمها.
تقدمت نصف خطوة، رغم السلاح على رأسها.
"شيلي إيدك من على جوزي يا خطافة الرجالة!" صاحت.
ليلى التفتت لها بنظرة سمّ.
"جوزك؟ إنتِ؟
واحدة غجرية اتربت في حضن الرجالة؟
متقلقيش... يومين وهيعرف حقيقتك ويزهق منك."
رفعت ريشة يدها، وأظهرت الدبلة في إصبعها.
"أنا مراته."
قالتها ببطء، بكل شماتة العالم.
"على ورق... وعلى سنة الله.
وإنتِ؟
ولا حاجة."
صرخت ليلى صرخة هستيرية...
وضغطت الزنا
زين رمى نفسه على ريشة.
الرصاصة مرّت فوق كتفه بشعرة، وخبطت في الحائط الحجري.
وقعا على الأرض.
"قلت لك ورا ضهري يا حمارة!" زعق وهو يسحب مسدسه.
"متشتمش!" زعقت وهي تطلع المطواة من جيبها.
وفجأة...
انفجرت المقبرة نارًا.
رجالة علي خرجوا من الجوانب.
رصاص.
صراخ.
شرر يرتطم بالحجر.
رزق الحاوي يصرخ من مكانه:
"سيبوهم يا كلاب!"
علي يضحك بجنون:
"اقتلوهم! خلصوا عليهم!"
زين يطلق النار بدقة وحش
واحد سقط.
الثاني انخرم كتفه.
ليلى تصرخ وتستخبى خلف التمثال.
وريشة...
كانت تزحف على الأرض كالقطّة البرية.
ثم فجأة قفزت.
نطت على ليلى.
المسدس وقع من يد ليلى.
وريشة لفّت ذراعها حول رقبتها، والمطواة التصقت بجلدها.
"حركة واحدة..." قالت ريشة وهي تلهث،
"أدبحك."
ليلى شهقت، جسمها اتخشب.
ريشة قربت شفتيها من أذنها وهمست بشر:
"أنا ريشة... عَ سنّ ورمح.
كل ده بتعامل معاكي بأخلاق.
لو وريتك شغل العوالم...
مش هسيب فيكي حتة سليمة.
هدبحك يا ليلى زي الفرخة."
"ريشة سيبيها!" صرخ زين.
"لا!"
عينها كانت جحيمًا.
"دي كانت عايزة تاخدك مني! وتسجني!
وديني ما أنا عاتقاها!"
وفي تلك اللحظة...
علي العزايزي رفع سلاحه من الخلف.
صوبه على ريشة.
زين لمح اللمعة.
اللحظة كانت أسرع من التفكير.
استدار.
رفع مسدسه.
وضرب
ثلاث رصاصات مستقرة... في صدر علي.
اتسعت عينا علي.
ترنح.
ثم وقع على التمثال الذهبي.
دمه سال على جناح الصقر...
كأن الصقر شرب ثأره أخيرًا.
الصمت.
صمتٌ ثقيل...
بعد كل هذا الجحيم.
ليلى فقدت وعيها بين ذراعي ريشة.
ريشة دفعتها بعيدًا.
وجرت.
جرت على زين.
ارتمت في حضنه.
"يا راجلي يا جامد!"
"خلصت عليه! معلم كبير والله!"
زين لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه بقوة.
"عشانك..." همس وهو يلهث.
"أدخل النار وأتحرق فيها."
ثم شدها أكثر...
وقبّلها.
قبلة لم تكن هادئة.
بل قبلة نجاة.
قبلة رجل خرج من فم الموت ووجد جَنّته في فمها.
قبلة شغف.
قبلة تملك.
قبلة غيرة.
قبلة وعد.
ريشة تشبثت به كأنها لن تتركه لو انشقت الأرض.
وحين ابتعدا...
كان رزق الحاوي يبكي.
زين أسرع إليه، فكّ قيوده.
وريشة ارتمت في حضن أبيها.
رزق ضمّهما معًا إلى صدره.
وبكى بصوت رجلٍ انكسر ثم جُبر.
"كده..." قال وهو يمسح دموعه،
"كده أقدر أموت وأنا مرتاح.
بنتي... في عِشّ صقر."
ثم نظر إلى زين.
"خد بالك منها يا ولدي."
زين احتضن ريشة من كتفها، وسحبها ناحيته.
"دي روحي يا عم رزق."
ريشة رفعت عينيها له.
والمرّة الأولى...
لم ترَ فيه الظابط.
رأت البيت.
تمت