📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل التاسع 9 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل التاسع 9 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

امتلأ بيت البيبية بالمعزين منذ ساعات الصباح الأولى.
رجال المحلة جلسوا في الحوش وأمام البيت.
والنسوة تجمعن داخل الغرف.
وكان الحزن يلف المكان كله.
فالبيبية لم تكن مجرد عجوز.
كانت أماً للفقراء.
وسنداً لليتامى.
ووجهاً يعرفه كل بيت في الثورة.
جلست شعاع في زاوية الغرفة.
وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
بينما جلس سلمان قرب الجدار صامتاً.
لا يتكلم.
ولا يرفع رأسه.
وكأنه فقد آخر شخص كان يربطه بالدنيا.
عند الظهر...
دخلت سعاد إلى بيت العزاء.
وخلفها علي وحسين.
كانت تحمل صينية كبيرة من الطعام.
وتتصنع الحزن أمام النسوة.
وما إن وقعت عيناها على شعاع حتى أسرعت نحوها.
وضمتها إلى صدرها.
وقالت بصوت مرتفع حتى تسمعه النساء:
الله يصبرج يمه.
البيبية جانت مثل الأم إلج.
شعرت شعاع بالارتباك.
واكتفت بهز رأسها.
أما سعاد فجلست قربها.
وأخذت تربت على كتفها.
وكأنها أم حنون.
وفي الجهة الأخرى من الغرفة...
كانت وداد تراقب المشهد بصمت.
وعيناها مليئتان بالضيق.
فلم يعجبها أن ترى سعاد تتصرف وكأنها الأقرب لشعاع.
اقتربت قليلاً.
وقالت ببرود:
هسه تذكرتي البنية؟
ساد الصمت.
والتفتت النسوة نحوها.
أما سعاد فابتسمت ابتسامة صفراء.
وقالت:
هاي بنت رجلنا بالنهاية.
أجابت وداد بسرعة:
طول عمرها بنت رجلج.
بس ما شفتج سألتِ عليها إلا هسه.
توتر الجو فجأة.
وبدأت النسوة تتبادلن النظرات.
اقتربت أم حسين محاولة تهدئة الموقف.
لكن وداد كانت تحمل في قلبها سنوات من الغضب.
فقالت:
الغريب مو اللي يترك البنية.
الغريب اللي يتذكرها من يصير عدها بيت ودكان.
ساد الصمت.
وشحب وجه سعاد للحظة.
لأن الكلام أصابها مباشرة.
لكنها تماسكت.
وقالت:
وانتي؟
مو إنتِ تاركة سلمان من عمره أشهر؟
سكتت الغرفة كلها.
أما وداد فتجمدت في مكانها.
وكأن أحداً صفعها.
فهي تعرف أن الكلام صحيح.
في تلك اللحظة...
شعرت شعاع بالاختناق.
ونهضت من مكانها.
وخرجت إلى الحوش.
فهي لم تعد تحتمل سماع المزيد.
في الخارج...
كان مجلس الرجال عامراً بالمعزين.
وفي صدر المجلس جلس الحاج جبار.
وعلى يمينه الأستاذ كاظم.
أما سلمان فكان جالساً قرب الجدار.
صامتاً.
شارد الذهن.
تنهد الأستاذ كاظم.
وقال للحاضرين:
والله فقدنا إنسانة ما تتعوض.
هز الرجال رؤوسهم.
وأضاف:
لو لا أم سلمان...
جان لا سلمان عاش هالعيشة.
ولا شعاع بقت على قيد الحياة.
قال أبو حسين:
صدگت.
هاي المرأة ربت جيل كامل مو بس سلمان.
سكت الأستاذ قليلاً.
ثم نظر نحو سلمان.
وقال:
اسمعني وليدي.
رفع سلمان رأسه ببطء.
فأكمل:
البيبية تعبت طول عمرها حتى توصلك لهاليوم.
واليوم دورك تكمل الطريق.
امتلأت عينا سلمان بالدموع.
لكنه بقي صامتاً.
وأضاف الحاج جبار:
هسه إنت رجال بيت.
وعدك زوجة.
وعدك رزق.
والبيبية كانت مطمنة عليك.
رفع سلمان رأسه.
وسأل بصوت مكسور:
تتصورون جانت راضية عني؟
ساد الصمت للحظة.
ثم ابتسم الأستاذ كاظم.
وقال:
لو ما جانت راضية...
جان ما ماتت وهي تبتسم.
انخفض رأس سلمان.
وبكى بصمت.
أما في آخر المجلس...
فكان عبد الرزاق جالساً بين الرجال.
يستمع لكل كلمة.
لكن عقله لم يكن مع العزاء.
ولا مع الدعاء.
ولا مع الحزن.
بل كان يفكر بشيء واحد فقط.
البيت.
والدكان.
وكيف سيصبحان ملكاً له.
بينما كان الأستاذ كاظم...
يراقبه من بعيد.
ويشعر أن الأيام القادمة...
لن تكون سهلة أبداً.
...
مرّ أكثر من شهر على وفاة البيبية.
وكان الحزن قد خفّ قليلاً...
لكن الفراغ الذي تركته لم يملأه شيء.
ظل سلمان وشعاع يعملان في الدكان من الصباح حتى المساء.
يحاولان المحافظة على كل ما بنته البيبية خلال سنوات عمرها.
أما وداد وعبد الرزاق...
فكانا يعيشان في البيت وكأنهما أصحابه منذ البداية.
وفي أحد الأيام...
عاد سلمان وشعاع من الدكان قبل الظهر بقليل.
فتفاجآ بوجود رجل غريب يجلس في الحوش.
وبجانبه عبد الرزاق.
كان الرجل يتفحص الجدران والسقف.
ويعد خطواته بين الغرف.
وكأنه يقيم المكان.
تبادلت شعاع وسلمان النظرات.
ثم اقترب سلمان.
وقال:
خير إن شاء الله؟
ابتسم عبد الرزاق بسرعة.
وقال:
ماكو شي.
مجرد رجال أعرفه.
لكن الرجل الغريب كان ما يزال يتأمل البيت.
ويطرح أسئلة غريبة.
مساحة الحوش شكد؟
والبيت على أي شارع؟
والدكان داخل بالحسبة لو لا؟
شعرت شعاع بانقباض في قلبها.
بعد أن غادر الرجل...
دخل سلمان إلى الغرفة.
وكان القلق واضحاً على وجهه.
أما شعاع فلم تستطع السكوت أكثر.
فتوجهت نحو وداد.
وقالت:
خالة...
منو هذا الرجال؟
رفعت وداد رأسها ببرود.
واحد جاي يشوف البيت.
تجمدت شعاع.
يشوف البيت ليش؟
أجابتها وداد وكأن الأمر طبيعي جداً:
لأن نفكر نبيعه.
ساد الصمت.
وكأن البيت كله توقف عن التنفس.
أما سلمان...
فوقف مصدوماً.
وقال:
تبيعون البيت؟
هزت وداد رأسها.
إي.
اقترب منها سلمان أكثر.
وقال بصوت مرتبك:
بس هذا بيت البيبية.
وبيتنا.
وإحنا وين نروح؟
رفعت وداد رأسها نحوه.
وكان صوتها بارداً بشكل لم يتوقعه.
سلمان...
بيبيتك الله يرحمها ماتت.
وأني بنتها الوحيدة.
وأني الوريثة الشرعية.
ومن حقي أتصرف بملكي.
شعر سلمان وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
أما شعاع...
فقالت بصوت مرتجف:
وإحنا؟
شنسوي؟
أجابت وداد ببرود أكبر:
هذا مو شغلي.
أنتو شباب.
دبّروا نفسكم.
استأجروا بيت.
روحوا يم أي أحد.
هذا مو ذنبي.
شحب وجه سلمان.
ولأول مرة منذ عودة أمه...
شعر أنه لا يعرف هذه المرأة.
ليست الأم التي تخيلها في أحلامه طوال طفولته.
وليست الأم التي كان ينتظر عودتها.
أما عبد الرزاق...
فكان واقفاً عند الباب يراقب المشهد بصمت.
وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
ابتسامة رجل يعتقد أن الأمور تسير كما يريد تماماً.
في تلك الليلة...
جلس سلمان وشعاع وحدهما في الحوش.
تحت شجرة الرمان.
نفس الشجرة التي لعبا تحتها وهما طفلان.
قال سلمان بصوت مكسور:
شعاع...
يمكن نطلع من البيت.
لم تستطع الرد.
فهي أيضاً كانت تشعر بالخوف.
خوف فقدان البيت.
والدكان.
وآخر ذكرى تركتها البيبية لهما.
وفي الجهة الأخرى من البيت...
كان عبد الرزاق يضحك مع وداد.
ويقول:
باچر أجيب المشتري مرة ثانية.
وأعتقد راح يشتريه البيت على شارع تجاري
هزت وداد رأسها بالموافقة.
دون أن تعلم...
أن البيبية قبل وفاتها كانت قد أعدّت مفاجأة ستقلب كل شيء.
مفاجأة لو عرفها عبد الرزاق الآن...
لما استطاع النوم تلك الليلة...



تعليقات