رواية شعاع لا ينطفئ الفصل العاشر 10 بقلم امجاد القيسي
بارت العاشر
مرّت أيام ثقيلة على سلمان وشعاع.
أيام لم يكونا يتخيلان أنهما سيعيشانها يوماً.
فبعد أن قضيا طفولتهما وشبابهما بين جدران بيت البيبية، أصبحا الآن ينامان في صفٍ مهجور داخل المدرسة المقابلة للبيت.
كانت العطلة الصيفية قد أغلقت أبواب المدرسة.
لكن أهل المحلة فتحوا لهما أحد الصفوف.
وضعوا فيه فراشين قديمين.
ومروحة صغيرة.
وبعض الأواني البسيطة.
وقال الحاج جبار يومها:
لحد ما تنفرج عليكم... هذا الصف بيتكم.
في الصباح...
كانت شعاع تستيقظ قبل الجميع.
تكنس أرض الصف.
وترتب الأغطية.
ثم تخرج إلى الدكان الذي ما يزال يعمل بفضل أهل المحلة.
أما سلمان...
فكان يجلس عند الباب الخشبي للصف.
يمسك عصاه.
وينصت لأصوات الزقاق الذي عاش فيه عمره كله.
لكن هذه المرة...
لم يعد يخرج من بيته.
بل من صف مدرسة.
وفي الجهة المقابلة من الشارع...
كان بيت البيبية ما يزال واقفاً.
بنفس الجدران.
ونفس الباب.
ونفس شجرة الرمان.
لكن شيئاً واحداً تغير.
لم يعد البيت لهم.
أو هكذا كانوا يعتقدون.
أما الأستاذ كاظم...
فكان بعيداً عن كل ما يحدث.
في السماوة.
عند أخيه المريض.
لا يعلم أن الأمور تتسارع بهذا الشكل.
ولا يعلم أن البيت الذي دافعت عنه البيبية طوال عمرها أصبح على وشك أن يُباع.
وفي داخل البيت...
كانت وداد تمشي بثقة لم يعرفها عنها أحد من قبل.
فهي مقتنعة تماماً أنها الوريثة الشرعية الوحيدة.
وأن البيت صار حقاً خالصاً لها.
أما عبد الرزاق...
فكان أكثر اطمئناناً منها.
خصوصاً بعد أن قبض عربون البيت.
كان يخرج كل ليلة من جيبه رزمة النقود.
ويعدها مرة بعد مرة.
ثم يبتسم.
وكأن البيع قد انتهى فعلاً.
وفي إحدى الأمسيات...
جلس مع وداد في الحوش.
وقال وهو يشعل سيكارته:
المشتري مستعجل.
يريد البيت بأقرب وقت.
سألته وداد:
والباقي؟
ابتسم.
من نسلمه المفاتيح.
يدفع كل المبلغ.
هزت رأسها بالموافقة.
ثم نظرت نحو غرفة البيبية.
وقالت:
غريبة...
لهسه ما لكينا أي ورقة.
ضحك عبد الرزاق بثقة.
وقال:
خليج مرتاحة.
حتى لو ما لكينا الحجة.
نطلع بدل ضائع.
ونسوي قسام شرعي.
وإنتِ بنتها الوحيدة.
والبيت يصير باسمج.
تنفست وداد براحة.
وكأن آخر مخاوفها قد اختفى.
في تلك الأثناء...
كان سلمان وشعاع يجلسان داخل الصف المدرسي.
يتناولان عشاءً بسيطاً أرسلته أم حسين.
ساد الصمت بينهما.
ثم قالت شعاع:
لو البيبية عايشة...
جان ما صار بينا هيج.
خفض سلمان رأسه.
ولم يجب.
بعد لحظات قال بصوت مكسور:
أكثر شي يوجعني مو البيت.
نظرت إليه شعاع.
فأكمل:
أمي.
حسبالي من رجعت راح تعوضني عن كل هالسنين.
سكت قليلاً.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
طلع البيت أغلى من ابنها.
شعرت شعاع بغصة في حلقها.
ولم تعرف ماذا تقول.
فاكتفت بالإمساك بيده.
وفي الخارج...
كانت أنوار البيت القديم تضيء الحوش.
بينما يجلس عبد الرزاق مطمئناً.
ووَداد تحلم بثمن البيت.
والمشتري ينتظر يوم التسليم.
أما أهل المحلة...
فكانوا يراقبون بصمت.
غير راضين عما يحدث.
لكنهم لا يملكون دليلاً واحداً يوقف البيع.
ولم يكن أحد منهم يعلم...
أن البيبية قبل موتها بأيام قليلة...
كانت قد أخفت سراً كبيراً.
سراً قادراً على قلب كل شيء.
لكن ذلك السر...
كان بعيداً الآن.
في حقيبة رجل مسافر إلى السماوة.
....
حلّ الليل على مدينة الثورة.
وكانت الريح الحارة تداعب أبواب المدرسة المغلقة.
داخل الصف الصغير...
كانت شعاع تفترش الأرض قرب النافذة.
أما سلمان فكان مستيقظاً.
لا يستطيع النوم.
منذ طردهما من البيت وهو يشعر أن شيئاً انكسر داخله.
قالت شعاع بصوت خافت:
بعدك صاحي؟
تنهد سلمان.
إي.
النوم ما يجي.
سكت قليلاً ثم قال:
كل ما أغمض عيني أتذكر البيبية.
أتذكر فراشها.
أتذكر صوتها وهي تكعدنا للفجر.
شعرت شعاع بغصة في قلبها.
وقالت:
الله يرحمها.
ساد الصمت.
ولم يبقَ سوى صوت المروحة القديمة وهي تدور ببطء.
وفجأة...
سمع سلمان صوت سيارة تتوقف عند رأس الشارع.
رفع رأسه.
وأرهف سمعه.
نزل شخص من السيارة.
وأغلق الباب خلفه.
ثم بدأ يمشي في الزقاق.
خطوات بطيئة ومتعبة.
كأنه قادم من سفر طويل.
أما شعاع فلم تنتبه.
لكن سلمان اعتدل في جلسته فجأة.
وقال:
شعاع...
رفعت رأسها.
شبيك؟
قال وهو ينصت:
أكو واحد جاي.
اقتربت الخطوات أكثر.
ثم أكثر.
حتى وصلت قرب المدرسة.
وفجأة...
سمعا الصوت.
صوت رجل يعرفانه جيداً.
يقول:
السلام عليكم يا أهل الثورة.
قفز سلمان واقفاً.
وارتجفت شفتاه.
وقال:
أستاذ كاظم؟
تجمدت شعاع في مكانها.
ثم ركضت نحو الباب.
وقف الأستاذ كاظم تحت ضوء المصباح الخافت.
متعباً.
ومغبر الثياب.
وفي يده حقيبة سفر جلدية قديمة.
نظر إلى شعاع وسلمان.
فرأى التعب على وجهيهما.
ورأى الفراش داخل الصف.
وساد الصمت.
تغيرت ملامحه فجأة.
وقال بصدمة:
شنو هذا؟
ليش نايمين بالمدرسة؟
نظرت شعاع إلى الأرض.
أما سلمان فقال بصوت مكسور:
طلعونا من البيت.
ساد الصمت.
ثم أمسك الأستاذ كاظم بالحقيبة بقوة.
حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
وقال:
عبد الرزاق سوّاها؟
هز سلمان رأسه.
وسكت الأستاذ كاظم للحظات طويلة.
ثم ظهرت ابتسامة صغيرة غريبة على وجهه.
ابتسامة لم يفهمها أحد.
وقال بهدوء:
زين...
خليهم يفرحون هالليلة.
نظرت شعاع إليه باستغراب.
أما سلمان فقال:
شتقصد أستاذ؟
رفع الأستاذ كاظم حقيبته قليلاً.
ثم قال:
باچر الصبح...
خلي يجتمعون كلهم.
عبد الرزاق.
وداد.
المشتري.
وأهل المحلة.
بمضيف الحاج جبار.
ازداد استغراب سلمان.
وقال:
ليش؟
ابتسم الأستاذ كاظم.
ونظر نحو بيت البيبية في الجهة المقابلة.
ثم قال:
لأن أم سلمان...
قبل ما تموت...
تركت إلهم مفاجأة عمرهم ما يتوقعوها.
وانتهى الكلام.
أما شعاع وسلمان...
فبقيا ينظران إليه بدهشة.
بينما كانت الحقيبة الجلدية القديمة تستقر بجانبه...
حاملة سراً قادراً على قلب مصير الجميع.
....
في صباح اليوم التالي...
امتلأ مضيف الحاج جبار برجال المحلة.
جاء أبو حسين.
وجاء أبو علي.
وجاء المختار.
وجاء المشتري الذي دفع عربون البيت.
أما عبد الرزاق...
فدخل وهو يبتسم بثقة.
وكأنه جاء ليستلم ثمن البيت لا أكثر.
وبجانبه جلست وداد.
رافعـة رأسها.
مقتنعة أن كل شيء حُسم لصالحها.
أما سلمان وشعاع...
فجلسا في آخر المجلس.
صامتين.
لا يعرفان لماذا طلب الأستاذ كاظم هذا الاجتماع.
بعد دقائق...
دخل الأستاذ كاظم.
حاملاً حقيبته الجلدية القديمة.
وساد الصمت في المكان.
قال الحاج جبار:
خير أستاذ؟
تنحنح كاظم.
ثم نظر إلى عبد الرزاق.
وقال:
سمعت تريدون تبيعون بيت أم سلمان.
ابتسم عبد الرزاق.
إي.
البيت ملك وداد.
والمشتري موجود.
وأشار إلى الرجل الجالس قربه.
هز الأستاذ كاظم رأسه.
وقال:
ومنو كال البيت ملك وداد؟
تغيرت ملامح الجميع.
أما عبد الرزاق فضحك.
شلون مو ملكها؟
هاي بنتها الوحيدة.
فتح الأستاذ كاظم حقيبته بهدوء.
وأخرج ظرفاً بنياً قديماً.
ثم وضعه أمام الحاج جبار.
وقال:
قبل أسبوع من وفاتها...
إجتني أم سلمان.
وطلبت أوصلها للطابو.
ساد الصمت.
أما وداد...
فشحب وجهها.
وأكمل الأستاذ كاظم:
وسوت معاملة رسمية.
وسجلت البيت والدكان.
باسم سلمان وشعاع.
وكأن صاعقة نزلت في المضيف.
وقف عبد الرزاق دفعة واحدة.
مستحيل!
فتح الحاج جبار الظرف.
وأخذ يقرأ الأوراق.
ثم رفع رأسه.
وقال:
الأوراق رسمية.
ومصدقة.
والبيت فعلاً باسم سلمان وشعاع.
شهقت وداد.
وأخذت تنظر بين الوجوه.
وكأنها لا تصدق ما تسمعه.
أما سلمان...
فجلس مكانه مصدوماً.
وقال بصوت مرتجف:
البيبية... سوت هيج؟
ابتسم الأستاذ كاظم.
وقال:
كانت تعرف إن الأيام مو مضمونة.
وكانت تريد تطمّن عليكم قبل لا تموت.
أما شعاع...
فانهمرت دموعها.
وشعرت أن البيبية عادت لتحميها من جديد.
حتى بعد رحيلها.
في تلك اللحظة...
نهض المشتري من مكانه.
ونظر إلى عبد الرزاق.
وقال بغضب:
رجع عربوني.
ساد الارتباك.
وتراجع عبد الرزاق خطوة.
لأول مرة منذ أشهر.
أما الحاج جبار...
فضرب الأرض بعصاه.
وقال بصوت سمعه الجميع:
من اليوم...
هذا البيت بيت سلمان وشعاع.
وأي واحد يتعرض إلهم...
يتعرض لكل رجال المحلة.
تعالت أصوات الرجال بالموافقة.
وفي آخر المجلس...
رفع سلمان رأسه نحو السماء.
وكأنه يحاول أن يوجه كلامه لشخص واحد.
وقال بصوت اختنق بالبكاء:
الله يرحمج يمه...
ما خذلتيني حتى بعد موتج.
أما في الخارج...
كانت شجرة الرمان القديمة تهتز مع نسمة الصباح.
وكأن البيبية نفسها...
تبتسم أخيراً.
....
عاد عبد الرزاق ووداد إلى البيت بعد اجتماع مضيف الحاج جبار.
لكن هذه المرة...
لم يكن البيت كما تركاه صباحاً.
فالجدران نفسها.
والحوش نفسه.
وغرفة سلمان نفسها.
لكن شيئاً واحداً تغيّر.
لم يعد البيت ملكاً لهما كما كانا يظنان.
لقد انتصر سر البيبية.
دخل عبد الرزاق الغرفة بعصبية واضحة.
وفك أزرار ياقة قميصه.
ثم خلع سترته ورماها فوق الفراش.
وأخذ يفتح الحقيبة الجلدية الكبيرة.
ويجمع أغراضه بعنف.
وهو يتمتم بينه وبين نفسه:
راحت...
راحت كل التعبانة.
راحت البيعة.
راحت الفلوس.
أما وداد...
فبقيت واقفة وسط الغرفة.
لا تتحرك.
تنظر إلى الجدران الطينية القديمة.
إلى السقف الذي عاشت تحته طفولتها.
إلى النافذة الصغيرة التي كانت أمها تجلس قربها كل عصر.
شعرت لأول مرة أن البيت لا يرفضها...
بل هي التي خانته سنوات طويلة.
قال عبد الرزاق بضيق:
يلا وداد.
لمي أغراضج.
شنو ناطرة؟
لم تجبه.
فقط انحنت بصمت.
وبدأت تجمع ملابسها القليلة.
ويداها ترتجفان.
في تلك اللحظة...
سمعا صوت عصا سلمان تطرق الأرض خارج الغرفة.
ثم اقتربت الخطوات ببطء.
حتى توقف عند الباب.
قال بهدوء:
يمه؟
رفعت وداد رأسها فوراً.
وشعرت بغصة تخنقها.
أما سلمان...
فلم يرَ الحقيبة.
ولم يرَ الدموع.
لكنه سمع حركة الملابس.
وسمع ارتجاف أنفاس أمه.
فتقدم خطوة.
وقال:
شصاير؟
ليش دا تلمين أغراضج؟
خرج صوت وداد مكسوراً:
راح نطلع.
ساد الصمت للحظات.
ثم سأل سلمان:
وين؟
لم تعرف ماذا تجيب.
فقالت بعد تردد:
ما أعرف.
ظل سلمان ساكتاً.
كأنه يفكر.
ثم سأل:
عدج أهل؟
هزت رأسها.
ونسيت أنه لا يراها.
فقالت بصوت خافت:
لا.
عدج بيت؟
لا.
عدج مكان تروحين له الليلة؟
هنا انكسرت وداد تماماً.
ونزلت دموعها.
وقالت:
لا وليدي.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى عبد الرزاق توقف عن جمع أغراضه.
اقترب سلمان أكثر.
ومد يده أمامه.
حتى لامس طرف عباءة أمه.
فأمسكها برفق.
وقال بصوت هادئ:
منو عندج غيري؟
شهقت وداد وبكت.
وأكمل:
أني من كنت صغير...
كل يوم أنتظر ترجعين.
وكل سنة أكول يمكن هالسنة أشوف أمي.
ارتجفت شفتاها.
ولم تستطع رفع رأسها.
وقال:
هسه من رجعتي...
ما أريدج تطلعين.
في تلك اللحظة...
رفع عبد الرزاق رأسه بغضب.
وقال:
سلمان لا تتدخل.
لكن سلمان أكمل وكأنه لم يسمعه.
إذا ما عدج مكان...
ابقَي هنانة.
البيبية ما كانت ترضى أحد يبات بالشارع.
انفجرت وداد بالبكاء.
وأخذت تغطي وجهها بيديها.
أما عبد الرزاق...
فنظر إليها بعدم رضا.
فرفعت رأسها نحوه.
وقالت برجاء لم يسمعه منها من قبل:
رزاق...
خلينا نبقى.
غرفة وحدة تكفينا.
وما عدنا مكان نروحله.
قطب حاجبيه.
ولم يجب.
فأكملت:
أرجوك.
هذا بيت أمي.
وآخر ذكرى بقت إلي منها.
ساد الصمت.
أما سلمان...
فأفلت عباءة أمه بهدوء.
واستدار نحو الباب.
ثم قال قبل أن يغادر:
البيبية جانت تكول...
البيت من يضيق بأهله...
يبطل بيت.
وخرج من الغرفة.
مستنداً إلى عصاه.
بينما بقيت وداد تبكي بصمت.
لأول مرة منذ سنوات طويلة...
تشعر أنها خسرت أمها مرتين.
مرة حين تركتها.
ومرة حين عادت إليها متأخرة جداً.
...
مرّت السنوات...
كما تمر مياه دجلة.
هادئة أحياناً.
وقاسية أحياناً أخرى.
كبر دكان شعاع وسلمان.
وتحول من دكان صغير إلى بقالة معروفة في المنطقة.
وأصبح أهل المحلة يقولون:
هذا رزق البيبية بعده يبارك بيهم.
أما وداد...
فبقيت تعيش في إحدى غرف البيت.
وأصبحت أكثر هدوءاً من السابق.
وكأن الأيام كسرت شيئاً من عنادها.
أما عبد الرزاق...
فلم ينسَ خسارة البيت.
لكنه لم يستطع فعل شيء.
ومرت الأعوام.
وكبر التوأم علي وحسين.
وأصبحا شابين يافعين.
أحدهما يشبه أباه بالهدوء.
والآخر يحمل في قلبه شيئاً من نار أمه سعاد.
وفي أحد أيام الربيع...
امتلأ البيت بالزغاريد.
فقد تزوج علي أولاً.
وأقام أهل المحلة له عرساً بسيطاً.
كانت شعاع ترقص مع النسوة وتبكي من الفرح.
وكأنها ترى طفلاً ربته بيديها يغادر إلى حياته الجديدة.
وبعد عام واحد فقط...
تزوج حسين أيضاً.
لكن حسين بقي أكثر قسوة.
وأقل قرباً من شعاع.
رغم أنها لم تبخل عليه يوماً بشيء.
ومع مرور الوقت...
بدأت رائحة الحرب تقترب من البيوت.
وأصبحت أخبار الحدود تتردد في المقاهي والأسواق.
ثم جاء اليوم الذي لم يكن أحد يريد سماعه.
أُعلنت الحرب.
وامتلأت الشوارع باللافتات والأناشيد.
وبدأت أسماء الشباب تُكتب في سجلات التجنيد.
وفي صباح حزين...
وقف علي مرتدياً بدلته العسكرية.
وخلفه حسين ببدلته هو الآخر.
يحملان حقائبهما الصغيرة.
ويستعدان للرحيل إلى الجبهة.
كانت سعاد تبكي لأول مرة منذ سنوات.
وتضم ولديها إلى صدرها.
أما أبو شعاع فوقف صامتاً.
يحاول أن يخفي دموعه.
واقتربت شعاع من علي.
وعدلت ياقة بدلته العسكرية.
وقالت:
انتبه على نفسك يمه.
ابتسم علي.
وقبل رأسها.
وقال:
لا تخافين عليّ خالتي.
أرجعلكم بسرعة.
أما حسين...
فاكتفى بمصافحتها.
وبقيت بينهما تلك المسافة القديمة التي لم تختفِ تماماً.
تحركت الحافلة العسكرية ببطء.
ولوّح الشابان بأيديهما.
بينما بقي أهل المحلة واقفين يراقبونها حتى اختفت.
وفي تلك الليلة...
جلس سلمان وشعاع أمام البيت.
تحت شجرة الرمان القديمة.
وساد الصمت بينهما.
ثم قالت شعاع وهي تنظر إلى السماء:
شكد كبروا بسرعة.
ابتسم سلمان.
وقال:
الدنيا تركض شعاع.
لكن شعاع لم تكن تفكر بالحرب.
ولا بالتجنيد.
ولا بالسنوات التي مضت.
كانت تفكر بشيء آخر.
شيء يؤلمها منذ زمن طويل.
شيء لم تحصل عليه رغم كل ما منحته الحياة للآخرين.
طفل...
تناديه باسمها.
وفي مكان بعيد...
على حدود مشتعلة بالنار والدخان...
كانت الأقدار تستعد لكتابة فصل جديد من حكاية عائلة شعاع.
فصلاً سيحمل الحب...
والفقد...
وأسراراً لم يكن أحد يتوقعها.