رواية دروب قرية جابر الفصل التاسع 9 بقلم الماس ال حمد
في ساحة الرجال.. كان "العرضة" في أوجها، وصوت البواريد والسيوف يلمع تحت ضو القمر. الكل كان يبارك لـ كحيلان اللي شاقة الابتسامة وجهه، ما يدري عن النار اللي تأكل بقلب ولد خالتها.
كايد كان واقف بعيد، عيونه جمر وهي تراقب فرحة كحيلان، وقال بنبرة مليانة قهر: "شوفه يا غازي.. شوف كيف مبتسم، ولا كنه باق حلمي من يديني!"
غازي (يحاول يهديه): "خلاص يا ولد.. تعوذ من إبليس واهجد، لا تسوي لنا فضيحة قدام العرب."
عايض (بقلق): "إي والله يا كايد، اركد.. الله يعوضك بأخير منها."
وفجأة.. دخل الشيخ لمجلس الحريم عشان ياخذ "الملكة" والشور الأخير. ساد هدوء قاطع، وكايد كانه يحس بذبحته تقرب. سمع صوت الشيخ من وراء الباب وهو يسأل: "تقبلين يا بنتي كحيلان زوجٍ لك على سنة الله ورسوله؟"
جاء صوت أميرة مخنوق، مكسور، لكنه نطق بـ: "نعم."
في هالحظة، انقطع آخر عرق للصبر عند كايد. اندفع لوسط الساحة وسحب واحد من السيوف، وبدأ يرقص بـ "عرضة" ما شافت الحارة مثلها.. كانت رقصة قهر، رقصة وداع.
بدت الدفوف تضرب بقوة، والكل قام يلعب، لكن كايد سرق الأنظار بجموحه. كان يلعب بالسيف يمنة ويسرة، يرميه في السما ويصيده بقوة، وحركاته كانت سريعة وعنيفة لدرجة إن الناس وقفت تطالعه بذهول واستغراب.
غازي كان قلبه يحترق على خويه، وعايض يشوف الانكسار في عيون كايد رغم شجاعة رقصته. الكل كان يقول في نفسه: "عز الله إن كايد الليلة فيه بلا.. رقصته رقصة ذيبٍ مجروح!"
بعد دقيقة من الرقص اللي خلى كل اللي في الساحة يسولفون فيه، غرز كايد السيف في يد واحد من الرجال، ولف وجهه ومشى بخطوات سريعة ولا التفت وراه. ركب سيارته وشغلها، وداس على البنزين وهو يبي ينحاش من الضيق اللي كتم أنفاسه.
في هالحظة، كانت رتيل طالعة من بيت العرس مستعجلة، تبي تجيب الهدايا اللي نسيتها في بيتهم. كانت متغشية وتركض بشويش، وفجأة.. شعاع أنوار قوية عمى عيونها!
صرخت رتيل وضمت نفسها بخوف وهي تنتفض، وكايد بصدمة سحب "الدركسيون" بقوة لين صرخت الكفرات بالأرض ووقف السيارة على شعرة منها. رتيل من روعتها وغضبها، تقدمت وضربت بيديها على كبوت السيارة وهي تصيح: "وجع! تبي تموتني أنت؟ تراني ما شبعت من عمري، باقي أبي الحياة!"
نزل كايد من السيارة وهو يرتجف، والروع مالي قلبه: "صار لك شي؟ تعورتِ؟"
رتيل (وهي تتنفس بسرعة): "إي جاني روعٍ بيذبحني! ما تشوف قدامك؟"
وقفت رتيل تعدل نفسها وتمسح على فستانها، ومع الحركة طاحت طرحتها وبان وجهها تحت ضوء السيارة والأنوار المعلقة بالشارع. فزت بسرعة ورفعتها تغطي وجهها وهي تقول بحدة: "انتبه مرة ثانية، لا تذبح خلق الله بعجلةٍ مالها سنع!"
سكت كايد لحظة، كنه انبهر من الموقف أو غاب عن الوعي لثواني، ثم سأل بنبرة غريبة: "إيش اسمك؟"
وقفت رتيل مكانها، وقبل لا تمشي وتتركه، التفتت عليه وقالت بكل ثقة وقوة: "وش تبي فيه؟ خلك في دربك وبس!"
تركت رتيل المكان وركضت يم بيتهم، وبقى كايد واقفٍ عند باب سيارته يطالع في أثرها، وكأن هالموقف أنساه—ولو للحظات—جرح "أميرة" ووجع قلبه.
في وسط بيت أميرة، كانت الأنوار تبرق والدفوف تزلزل المكان. أميرة العروس كانت جالسة بوقار، وعيونها تراقب فرحة بنات الحي وضحكاتهن اللي تملا الصالة، وكأن رقص البنات خفف عنها ثقل هالليلة.
كانت شيخة في قمة حماسها، تتمايل بخصرها وتلعب بجمال، وتقابلها أفنان اللي نسفت شعرها الأسود الطويل يمين ويسار وهي ترقص بانتظام وشموخ، وبوسطهن مشاعل تزيد الجو حلا وتتمايل معهن بخفة.
في هالحظة، دخلت رتيل وهي تتنفس بسرعة عقب روعتها مع كايد، لفت بعيونها وشافت نوير وهمست لها: "نوير، وين أمي؟"
أشرت لها نوير بيدها، وراحت رتيل مدت الهدايا لأم العروس، وعقب ما أدت الواجب، رمت عباتها وقالت: "جاء دوري!" وانخرطت بوسط البنات ترقص وتفرغ الروعة اللي كانت بقلبها.
نوير لمحت غادة الصغيرة واقفة تطالعهم بانبهار، سحبتها لوسط الملعبة وبدأت ترقص قدامها. غادة بدأت تقلد البنات وتلعب بشعرها الصغير، ونوير ممسكة يدينها الصغيرتين وترقصها وتضحك معها.
على جنب، كانت أم حاكم تراقب المشهد، مالت على وضحى وهمست لها:
"ما شاء الله تبارك الرحمن.. شوفي يا وضحى نوير وشلون مهذبة وحنونة، شوفي كيف تحب غادة بنت ولدك وتلعب معها، كأنها قطعة منها."
وضحى طالعت نوير بإعجاب وابتسامة رضا وقالت:
"إي والله، البنت سنعة وقلبها أبيض.. وخير إن شاء الله، الله يكتب اللي فيه الصالح."
انتهى اليوم الطويل وضجته، وهدت أصوات الدفوف، وكلٍ رجع لبيته وهو شايل معه ذكرى من هالليلة.
في غرفة نوير وشيخة..
رغم التعب، كانت شيخة لسه فيها بقايا حماس، وقفت قدام المرايا تكمل "تنكس" وتتمايل قدام نوير وهي تضحك: "تخيلي يا نوير يجي ذاك اليوم اللي تتزوجين فيه، والله لأرقص في عرسك رقصٍ يخلي كل الحريم يسولفن فيه سنة قدام!"
نوير وجهها غدا أحمر، سحبت المخدة ورمتها على شيخة وهي تقول: "أقول اعقلي بس، وتزوجي أنتِ أول وفكينا من شرك!"
وبنص ضحكهن ومزحهن، فز قلبهن يوم سمعن صوت أبوهن في الممر وهو ينادي: "يا بنات.. وش هاللجة؟ ورانا صلاة فجر، اذكرن الله ونمن!"
بلمحة بصر، طفن الأنوار، وكل وحدة انخشت تحت لحافها وسوت نفسها نايمة من ساعة، والسكينة عمت البيت عقب يومٍ مليان أحداث ومشاعر.
مع بداية يوم جديد، والسوق بدأت تدبّ فيه الحركة والنشاط، نزل الجد جابر بهيبته المعهودة، والكل من أهل الحي يلقي عليه السلام ويقبل رأسه تقديراً له. مشى الجد بخطوات رزينة لين وقف أمام محل الذهب اللي يديرونه أحفاده.
كان عايض وكايد مجهزين المحل، وأول ما شافوا جدهم فزوا له. سلموا عليه بحفاوة، وقال الجد جابر: "بشروا.. كيف المحل معكم؟ عسى الأمور زينة؟"
عايض (بابتسامة): "أبشرك بخير ونعمة، تفضل اقلط يا جدي."
كايد صبّ الفنجال ومده لجده وقال: "سمّ يا جدي، تقهوى."
الجد جابر: "سمّ عدوك يا وليدي، مير ماني بمطول، بس بغيت آخذ لي جولة وأشوف أحوال الحي والناس."
طلع الجد جابر وكمل طريقه لين وصل عند محل الجدة شريفة. دخل وسلم عليها، وكانت مشاعل واقفة تساعد جدتها. أول ما شافت الجد جابر، استأذنت بذرابة: "يا جدي، أنا بطلع شوي لمحل أفنان وأرجع لكم."
طلعت مشاعل وتركت الكبار يسولفون، والتفت الجد جابر على الجدة شريفة وقال: "طمنوني عنكم، وكيف الشغل في هالمحل؟ عساكم مرتاحين؟"