رواية دروب قرية جابر الفصل العاشر 10 بقلم الماس ال حمد
في بيت عيسى..
كانت نوير في عالم ثاني، منسدحة ومندمجة مع أحداث المسلسل وقصة الحب اللي تتابعها، وفجأة.. وقفت فوق راسها ثنتين بعباياتهن ومغطيات وجيههن كأنهن "عصابة".
نوير (فزت وصرخت): "بسم الله الرحمن الرحيم! وجع.. روعتوني!"
شيخة (بضحكة): "وشو اللي روعك؟ كأنك شايفة إبليس! أقول اخلصي وازهبي، جدي يبيك تروحين معه عند الحلال الحين."
نوير (بتقرف): "وع! أروح عند النياق والريحة والحر؟ مستحيل، ماني براايحة."
رتيل (تضحك): "والله يا نوير، أختك شيخة هي اللي قالت لجدي إنك تموتين في الحلال وتحبين روحة البر، وهو الحين يحتريك!"
وقفت نوير وشرار الغضب في عيونها، ومدت يدها ومسكت أذن شيخة بقوة: "هين يا شيخة.. أنا تبيعيني عشان تفتكين؟ والله لردها لك!"
ومع كذا، ما قدرت تكسر كلمة جدها، سحبت عباتها وتغشت وطلعوا الثلاث برى البيت، ولقوا الجد جابر جالس وراء دركسيون الشاص ويحتري.
نوير (بذكاء): "أنا بركب قدام!" وفتحت الباب اللي جنب جدها وركبت وقفلت الباب بسرعة، والتفتت على شيخة ورتيل من الشباك وأشرت لهن على "الصندوق" وراء وهي تضحك عليهم.
شيخة (بصدمة): "لااا.. مو من جدها ذي! نركب وراء في الغبار؟"
رتيل (بتحلطم): "أنا وش ذنبي؟ أنتن اللي تتهاوشن وأنا اللي آكلها!"
في هالحظة، طلع الجد جابر رأسه من الشباك وصاح بهن: "اركبوا بسرعة لا بارك الله في بليسكم.. الشمس حمت!"
انصاعن للأمر وطلعن وراء في الصندوق، وهن يتبادلن نظرات القهر لنوير اللي جالسة في البراد قدام، وتحرك الشاص غباره يغطي المكان متجهاً للفيافي.
طلع لهم كلب بدوي من وراء الشجر وقام يلحق الشاص وينبح بقوة ويناقز يبي يلحق اللي في الصندوق.
رتيل (تصرخ بأعلى صوتها وهي متمسكة بالحديد): "جديييي! وقف بنموت! الكلب بياكلنا!"
أما داخل الغمارة، الجو كان "رايق" ولا كأن فيه كارثة وراهم. نوير حطت شريط محمد عبده لجدها، وصوت "الأماكن" مالي المكان، والجد جابر يهز رأسه منسجم مع النغم والخط.
شيخة (بقهر وهي تشوفهم يضحكون): "يا ربي! بنموت وحنا طعام للكلاب وهم منضربين داخل في حضارتهم!"
سحبت شيخة عجرة حطب من الصندوق ورمتها بكل قوتها على الكلب وهي تصيح: "اذلف! جعلك الماحي!"
فجأة، وقف الجد جابر الشاص عند الشبوك. نزلت نوير بكل برود، وكانت ماخذة نظارة جدها الشمسية ولابستها، وقالت بلهجة استهزاء: "هاه يا بنات؟ بشروا.. كيف كانت الجولة السياحية وراء؟"
شيخة نزلت وهي تنفض غبار الشاص عن عباتها ووجهها يغلي: "توكلي عني لا أهبدك بهالحطبة! أنتي وجدك والكلب اللي ورانا."
الجد جابر (نزل ومشى بهيبة): "يالله يا بنات، بلا كثرة هرج، تعالن وراي نشوف الحلال ونطمن عليه."
بدو يمشون الثلاث وراء جدهم، وهو يتفقد الإبل والغنم وحدة وحدة، ويتحقق من العلف والموية، والبنات يمشون بحذر بين الشبوك، شيخة ورتيل عيونهن على الأرض خوفاً من العقارب، ونوير مسوية نفسها "الخبيرة" اللي تشرف على الشغل مع جدها.
وقفت شيخة مذهولة قدام ناقة من نياق "المجاهيم" الكبار، ولفت نظرها شي يبرق في رقبتها، قربت وشهقت: "يا جدي! حتى الناقة غدت تلبس ذهب؟ وش هالدلع!"
الجد جابر (بابتسامة فخر): "هذي 'نبيلة'، الناقة الغالية حق عايض ولد عمك، والذهب هذا وسام فوزها في المزاين، تستاهل الذهب وأغلى منه."
أما نوير، فكانت في عالم ثاني، راحت بعيد شوي وجلست على طرف "عقم" ترابي وهي رافعة طرف عباتها ومتقرفة من كل شي حولها، وتتحلطم بصوت واطي عن المسلسلات اللي فاتتها.
شيخة (تنادي): "نوير! رتيل! شرايكم نسوي سباق ركض؟ اللي يوصل لهذيك السمرة أول هو الفائز."
تحمست رتيل، ونوير شافت إنها فرصة ترفه عن نفسها، وقالت: "يالله، أنا الحكم، بصفر لكم وانطلقوا!"
انطلقت شيخة ورتيل يركضون وسط النفود، والغبار يثور وراهم وأصوات ضحكهم مالي المكان، ونوير واقفة تراقبهم من بعيد.
وفي هالحظة، وصلت سيارة ثانية ووقفت قريب من الشبوك.. نزل منها عايض، وغازي، وكايد.
عايض اتجه فوراً لنياقه، أما غازي وكايد فوقفوا يسولفون عند طرف الشبك.
نوير (من بعيد، لمحت غازي وطقت كبيدتها): "يا ربي.. وش جاب هالعلة هنا؟ المغرور هذا ما وراه إلا غثا البال."
في الجهة الثانية، كانت شيخة راجعة تركض بكل قوتها، موجهة وجهها لرتيل اللي كانت وراها بمسافة، وتصرخ بفخر وهي مو منتبهة للي قدامها: "أنا اللي بفوز يا رتيل! قلت لك مالحقتيني!"
رتيل (تعبانة وتلهث): "خلاص.. نوير.. شيخة هي اللي فازت.."
لفت شيخة وجهها للجهة اللي فيها نوير، ورفعت يدينها فوق وقالت بكل غرور ومزح: "هاه.. مين الأميرة الحين؟"
ما درت إنها واقفة بالضبط قدام "الشباب"، وإن صرختها وضحكتها وصلت لمسامع غازي وكايد وعايض اللي التفتوا كلهم يطالعون هـ "الأميرة" اللي طلعت لهم وسط الغبار!
..
شيخة ورتيل أول ما لمحوا العيال، انلجمت وجيههم وانسحبوا ركض يمة نوير، كل وحدة تسحب طرف عباتها وتتغشى زين وهي ميتة من الفشيلة. أما العيال، فمشوا بثقل ورزانة يتجهون لجدهم جابر.
عايض (بهمس وهو يطالع البنات من بعيد): "الحين وش جايب هالبنيّات هنا؟ مالهن ومال الحلال والشموس؟"
غازي (بثقل): "اهجد يا ولد، ترى أختي معهم، أكيد جدي اللي جابهم."
كايد: "أقول اتركوا الهرج، جدي ينادينا، مشينا له."
عايض تركهم وراح يم ناقته "نبيلة"، وبدأ يلمس رقبتها بحنية ويمسح عليها ويقبلها، كأنها أغلى ما يملك في هالدنيا.
عند البنات..
شيخة (طالعت عايض بقرف وهمست لرتيل): "شوفي بالله.. شوفي كيف يقبل الناقة، كأنها زوجته! وععع على هالمنظر."
رتيل (ميتة ضحك): "يا ويلي منك! لا يكون غرتي من الناقة بس؟"
شيخة (بصدمة): "أنا أغار من ذي؟ مهبولة أنتي صح؟ شفتي وجهه وشلون غادٍ من الشمس والكد؟"
نوير ما ردت عليهم، وقفت وهي تنفض عباتها، وبدأت تمشي بخطوات حذرة وهي كأنها تمشي على بيض، ملامح القرف واضحة على وجهها من ريحة المكان والتراب، ولا همها لا عيال عم ولا نياق، تبي بس متى ترجع لبرد الغرفة والمسلسلات.
غازي (وهو يطالع رتيل بحدة): "اهجد يا عايض، ترى أختي رتيل معهم، وجدي هو اللي حاشرهم وجايبهم هنا."
عند البنات..
شيخة (بهمس لرتيل): "شوفي أخوك غازي يطالعنا كننا مسوين جريمة، أحس ودّه يدفننا بمكاننا!"
رتيل (وهي ترتب طرحتها بخوف): "يا ويلي منه، غازي إذا عصب يقلب السوق فوق تحت، خلونا نهجد لا يجينا شي."
شيخة (تطالع عايض اللي لسه مهتم بالناقة): "أقول اتركيك من أخوك، شوفي ولد عمك عايض، ذبحنا بنبيلة ذي! والله لو إنها "باربي" ما سوى كذا.. وععع على الرومانسية البدويّة."
نوير (تمشي وهي رافعة طرف العباة): "أقول خلصونا، غبار، وحر، ووجيهٍ تقطع الرزق.. متى نرجع البيت بس؟"
مشت نوير وهي متقرفة، بينما رتيل وشيخة يحاولون يختبئون وراء الشبك عشان يبعدون عن أنظار غازي اللي عيونه ما فارقت أخته رتيل.
الجد جابر فك شبوك النياق وبدأ يمشي بها في الفلاة، والتفت على البنات وقال بلهجة حازمة: "يالله يا بنيات، الحقوني ورا الحلال، نبي نمشيهن شوي."
مشى الجد وفي أثره النياق، ومن وراهم نوير اللي كانت تمشي بخوف، وتتبعها رتيل وشيخة. نوير كان قلبها يدق بقوة، كل ما التفتت ناقة صوبها تحس روحها بتطلع، وقالت بصوت يرجف: "يا جدي، تكفى.. خلني أقعد في الشاص، والله مالي بذا العلوم!"
غازي كان يمشي خلف جده يسانده، أما عايض وكايد فظلوا واقفين عند شبك "نبيلة" يتفقدونها.
نوير وهي تحاول تبعد عن طريق النياق وتناقز بين الحجر، غدرت بها خطوتها؛ انلوت قدمها وطاحت بالأرض وهي تصرخ من الوجع. في ذيك اللحظة، كان غازي قريب منها وماسك خِطام وحدة من النياق، وقف فجأة يوم شافها طايحة.
نوير (وهي مغطية وجهها وتأشر بيدها برعب): "أبعدها عني! تكفى يا غازي أبعدها لا تدوسني!"
غازي (بصدمة واستغراب من نبرة الصوت): "اركدي يا بنت.. وصوتك لا يرتفع، هدي!"
بدأت نوير تبكي من صدق، وجع قدمها مع خوفها من الناقة اللي واقفة فوق رأسها خلاها تنهار: "أبعدها.. ما أبيها تقرب مني، والله خايفة!"
غازي على طول سحب الناقة بعيد وربطها، ورجع لجهة نوير وهو واقف بمسافة ويناظرها بقلق: "خلاص أبعدتها.. أنتِ بخير؟ جاك شي في رجلك؟"
نوير بالم صاحت على رتيل: "يا رتيل الحقيني.. والله إن موتي دنا، رجلي غدت نصين!"
غازي يوم سمع الاسم، فز قلبه وتغير وجهه، همس لروحه: "أثرها نوير!"
جت رتيل تركض، والروع ماليٍ عيونها: "نوير! يا بعد روحي وش صابك؟"
نوير بدت تبكي وتشهق: "انكسرت يا رتيل، انكسرت.. تكفين الفزعة، المستشفى يا رتيل!"
رتيل رفعت راسها وصاحت بأخوها: "غازي! جيب الموتر بسرعة، البنت بتموت بين يديني!"
غازي، وباله عند الكلمة اللي سمعها من نوير وهي خايفة من الناقة يوم تقول: "لا تخليها هنا"، راح وسحب الناقة رجعها ورا الشبك، وشغل موتره وجاهم يدرج.
ركبوا السيارة، وغازي داس لها لين وصلوا المستشفى. رتيل أول ما وقفت السيارة، نزلت وسحبت الكرسي ركض، وسندت نوير وركبتها ودخلت بها الطوارئ وهي تصيح بالطبيب.
في غرفه نوير بالمستشفى، كان الدكتور يكتب التقرير والتفت عليها وقال: "سلامات يا بنتي، بس انتبهي.. رجلك ذي ما تدوسين عليها لمدة ثلاث أيام، لازم ترتاحين."
نوير بضيق ونبرة تعب: "طيب يا دكتور، تكفى اكتب لي إجازة، تراك تدري إني مدرسة وما أقدر على الوقفة والشرح وهذي حالتي."
الدكتور: "أبشري، حقك وما يضيع." ثم لف على الممرضة وقال: "اكتبي لها الإجازة واصرفي لها الأدوية اللي في الوصفة."
فجأة، انفتح الباب ودخلت شيخة وهي مخترعة وتدور أختها بعيونها، وأول ما شافتها صاحت: "بنت! وش صابك؟ وش هالبلا اللي جالك؟"
نوير تنهدت وقالت لها السالفة باختصار: "طحت بالحلال والتوت رجلي، بس الحمد لله بسيطة."
بينما هم يسولفون، دخل عيسى وأخوها فايز ومعهم الجد جابر.
اتجه عيسى لسرير بنته وحضنها بخوف: "سلامات يا بعد أبوك، ما تشوفي شر."
نوير وهي مندفنة في حضن أبوها: "الله يسلمك يا يبه، الشر ما يجيك إن شاء الله."
عيسى ابتسم وباس رأسها وقال يبي يرفع معنوياتها: "أنتي قوية يا نوير.. مو أنتي معلمة وأجيال تحت يدك؟ المفروض تصيرين صلبة."
هنا تدخل الجد جابر وقال بكلمته الحكيمة: "هي قوية يا عيسى وما عليها خلاف، بس البنت دايم تضعف أمام أبوها وتبي دلاله."