رواية اقدار مؤجلة الفصل التاسع 9 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟗: حربًا مؤجلة
by Volny_morya
أريدُ وصالها وتريدُ بُعدي
فما أشقى مُريدًا لا يُرادُ
24
. . . .
" لست متفرغة..."
قالتها إيكاترينا بنبرةٍ يابسة وهي ترفع كعبها عن الأرض بتوتر، ثم تنقله إلى الأرضية الصلبة كمن يحاول أن يفرغ ضيقه في صوت الخطوات..
10
الكعب العالي الذي اختارته لها صوفيا بنفسها هذا الصباح كان مؤلمًا، لا يناسب صرامة يومها ولا خطواتها ...
1
الفستان الزهري الطويل الذي ينسدل على جسدها بانضباطٍ مملّ، والسترة الحريرية التي تغلقها على صدرها، كل شيء فيها اليوم ليس من اختيارها ؛ بل من اختيار طفلتها ذات الأعوام خمس التي قررت أن تكون أمها أنيقة بما يليق بـ أم راقصة الرئيسية لعرض الباليه اليوم..
5
الساعة تقترب من الثانية ظهرا، وعرض الباليه سيبدأ بعد عشر دقائق فقط...
1
خلف الستار، كانت صوفيا تقف أمام المرآة الكبيرة تتأمل انعكاسها بعينين تمتلئان نورًا، ترتدي بذلة الفراشة الزهرية، أجنحتها الصغيرة تتلألأ بالترتر الفضي، ومصففة الشعر انتهت للتو من ربط خصلاتها الذهبية في كعكة محكمة تتدلى منها شرائط حريرية بلون السماء..
5
المختصة بالمكياج كانت منحنية على وجهها الصغير، ترسم فراشة وردية على جفنيها بعنايةٍ كأنها تكتب حلمًا، فيما كانت صوفيا تبتسم كل لحظة وتغني همسًا النغمة التي سترافق رقصتها...
اسم العرض: الفراشة المتحررة.. اسم اختارته المدرّبة بنفسها، لكن صوفيا تؤمن أنها وُلدت من أجله..
أما الأم... إيكاترينا، فكانت في الممر خلف الكواليس، تمسك بهاتفها بإحكامٍ حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، تصغي بملامحٍ صخرية إلى صوت والدتها عبر الخط، ذلك الصوت الذي لم يتغير منذ طفولتها، نغمة الأوامر، صيغة لا تعرف للطلب أو التفاهم معنى..
5
"إيكاترينا، تأكدي أن تصلي في الوقت..السيدة بولياكوف ستكون حاضرة..."
3
هكذا قالت ميرا، كعادتها، وكأن العالم كله يدور حول حفلات المساء ووجوه المجتمع الراقي.. و هي تأمرها بمجيء إلى وقت التسوق لحفلة الليلة في دار الأوبرا..
3
إيكاترينا أغمضت عينيها لثانية وهي تحاول أن تستجمع أعصابها، شعرت بحرارة الغضب تصعد من عنقها إلى وجهها...
تمنت أن تقطع الخط فورًا، لكنها كانت تعرف أن أي فعلٍ كهذا سيُعتبر "وقاحةً" في قاموس والدتها..
"أمي، لديّ عرض لصوفيا... يبدأ بعد عشر دقائق... لا أستطيع الآن .."
2
"صوفيا؟ يا ابنتي، من يهتم بتلك الألعاب الصغيرة؟ لن تحصلي على وقتٍ كهذا مجددًا، حفلة الليلة أهمّ من رقص الطفلات.."
.
ذلك البرود اللاذع في صوت ميرا جعل شيئًا ما ينكسر ببطء داخل صدر إيكاترينا، لكنها لم تردّ..
اعتادت أن تبتلع الغضب كما تبتلع الماء..
2
نظرت عبر الممر، رأت القاعة الكبيرة وقد بدأت تمتلئ، الجمهور يجلس في صفوفٍ أنيقة، وأصواتهم تتعالى بالضحك والحديث والانتظار..
الأطفال الصغيرات خلف الكواليس يقفزن بحماس، يتحسسن أجنحتهن الورقية، والضحكات الصغيرة تملأ الجوّ كغبارٍ ذهبي..
كم تبدو بعيدة عن هذا المشهد.. كم تشعر بالانفصال عن كل هذا الفرح..
عادت والدتها على الخط، بنبرةٍ أكثر حدّة:
"إيكاترينا ستكون السيدة بولياكوف هناك، من الوقاحة ألا تحضري.. لدي نصف ساعة وسأنهي عملي ، أريدك جاهزة.. لا أريد أعذارًا.."
كانت تلك الجملة الأخيرة كإغلاق بابٍ في وجهها..
لم ترد، فقط أغلقت الخط ببطء وهي تحدق في شاشة الهاتف لثانيةٍ طويلة، ثم شهقت بصمتٍ لتفرغ الهواء المحبوس في صدرها...
لا غضب ظاهر على وجهها، لا تلعثم...فقط ذلك الجمود الذي يشبه تمثالًا يُدار من الداخل، وكأنها لم تُصنع للعاطفة بل للواجبات..
لكن ما إن رفعت بصرها، حتى وقعت عيناها على صوفيا التي خرجت بخطواتٍ صغيرة من الغرفة المجاورة، تقف بوجهها المضيء تناديها:
"مامااا، انظري! أنا الفراشة المتحررة!"
6
ابتسمت إيكاترينا..
ابتسامة حقيقية هذه المرة، ناعمة، دافئة، تشبه النور الوحيد في بيتٍ مظلم.. ركعت أمام طفلتها، وضعت كفيها على وجنتيها الناعمتين، وقبّلت جبينها بلطفٍ نادر الظهور...
"جميلة... يا إلهي، كم أنتِ جميلة يا صغيرتي.."
ضحكت صوفيا ( تفضل منادتها بإسمها الأول الذي إختاره لها غير إسم الوسط {ليوبا}،الإسم الذي كان من إختيار والديها ) بخجلٍ ودوّرت حول نفسها فرفرفت أجنحتها الصغيرة..
9
حينها فقط، شعرت إيكاترينا بشيء يتحرك داخلها، دفءٍ مؤلم يخترق صدأها الداخلي... لم تعد تسمع صدى والدتها في رأسها، لم تعد تذكر الحفلة أو الفستان أو الاسم الذي يجب أن تحافظ عليه... كان كل ما يهمّها هو هذه الصغيرة التي تشعّ كضوء في قلب العتمة..
3
بدايتها باردة، كصلابة الزجاج، لكن قرب طفلتها يذيبها كثلجٍ يتنفس قرب شمعة..
3
مرّت الدقائق كأنها سراب من الطمأنينة القصيرة، لحظات نادرة تتنفس فيها إيكاترينا بسلام وهي تراقب ضحكات صوفيا التي تملأ المكان بدفءٍ طفولي لا يشبه شيئًا في هذا العالم..
كانت تجلس على أحد المقاعد الجانبية خلف الكواليس، تُصلح شريطًا حريريًا على خصر ابنتها الصغيرة، وتستمتع بتلك اللحظات التي تُنسيها العالم، قبل أن يرن الهاتف في يدها فجأة ويقطع ذلك الصفاء الهش كالسيف..
رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى الشاشة - رقم المستشفى..انعقد صدرها.. أجابت دون تفكير، وصوتها منخفض لكنه متحفّز:
"مرحبًا؟ .."
جاءها الصوت من الجهة الأخرى مسرعًا، مضطربًا، كأن صاحبه يلهث:
"إيكاترينا، معذرة، ليس لدي وقت، أردت فقط أن أبلغك أن شقيقتك جليندون نُقلت إلى قسم الطوارئ قبل ساعتين.. "
7
كلمة الطوارئ و جليندون اخترقت سمعها كصاعقة..
" ماذا؟!.. "
تردد صدى صوتها في الممر الضيق، ثم بدأ الطنين في أذنها، ذلك الصوت الخافت الذي يسبق الكارثة، لكنها تماسكت بصعوبة..
"أين الدكتورة ميرا؟ هل لديها وردية مع المتدربين اليوم في قسم المستعجلات؟"
ترددت الممرضة لثوانٍ وهي تقلّب صفحات اللوائح، ثم أجابت:
" لحظة... نعم، نوبتها تبدأ بعد خمسٍ وعشرين دقيقة بالضبط.. "
أسدلت إيكاترينا جفونها، وضغطت على أنفها بسبابتها كما لو تحاول حبس توترها..
" شكرًا لكِ.. "
وأغلقت الخط..
تبا... الحظّ لم يكن يومًا حليفها..
خمسٌ وعشرون دقيقة - إن لم تصل قبلها فستلتقي جليندون بوالدتهما في المستشفى، ولن يكون اللقاء رحيمًا..
8
تخيلت المشهد للحظة: ميرا تدخل غرفة الطوارئ، عيناها الباردتان تحدّقان في ابنتها الراقدة، ثم تبدأ الكلمات المسمومة بالتطاير كالسكاكين، تلك العبارات التي اعتادت جليندون أن تردّ عليها سابقًا بعنف، لكنها في السنتين الأخيرتين أصبحت تتجاهلها...
2
تجاهلٌ لم يُطفئ نار الأم، بل زادها اشتعالًا..
الآن يجب أن تذهب.. أن تمنع الكارثة قبل أن تبدأ..
لكن ..صوفيا...
التفتت نحو طفلتها التي كانت تضحك مع صديقتها، تدور حول نفسها بجناحين صغيرين، غير واعية بأن عالم والدتها ينهار في تلك اللحظة..
اقتربت منها إيكاترينا بخطواتٍ سريعة، انخفضت على ركبتيها حتى صارت بمستوى وجهها، وصوتها هذه المرة كان أكثر ليونة من أي وقتٍ مضى:
" حبيبتي... والدتك تحبك، تعرفين هذا، أليس كذلك؟.. "
رفعت صوفيا عينيها البريئتين إليها، وفيهما بريق فخرٍ طفولي :
"أمي، وأنا أيضًا أحبك!. "
ابتسمت إيكاترينا ...
" وأنا أحبك أكثر يا فراشتي الصغيرة..لكن هناك أمرٌ مهم يجب أن أفعله... قد لا أتمكن من حضور عرضك اليوم.. "
الدهشة ضربت ملامح الطفلة فورًا، ارتسمت الصدمة على وجهها كظلّ ثقيل، وتراجعت خطوة إلى الوراء :
1
" أمي! لقد وعدتني! وعدتِني أنك ستشاهدينني وأنا أرقص!"
5
تنهّدت إيكاترينا، شعرت بالذنب يجثم على صدرها، لكنها تمالكت نفسها..
اقتربت منها أكثر، وضعت كفها على كتفها الصغير وقالت بحيلةٍ ناعمة، تزرع في قلب ابنتها حيلة الأم التي اعتادت تحويل الألم إلى قصة بطولية :
" اسمعي يا صوفي، خالتك جليندون مريضة الآن.. أتذكرين كيف كنتِ تقولين إن أمك بطلتك لأنها تنقذ الأرواح؟ أخبريني، كيف ستكون البطلة إن تركت شقيقتها تموت؟ ماذا سيقول الناس عنها؟.. "
2
ترددت صوفيا، عبست بوجهها الصغير، نظرت إلى الأرض، ثم إلى أمها التي كانت تحدق فيها بقلقٍ متوسّل..
مرت لحظة طويلة قبل أن تنطق بصوتٍ مرتجف:
"أممم... لا أعرف... فقط اذهبي يا أمي، لكن عديني أنك ستجعلين خالتي تتحدث معي بعد أن تنقذيها.. "
6
اتسعت ابتسامة إيكاترينا، مزيج بين الفخر والألم..
" أعدكِ، يا حبّي.. ستكونين أجمل فراشة اليوم.. "
رفعت صوفيا رأسها بشموخٍ طفولي وقالت بثقةٍ تثير الدهشة:
" أعلم ذلك، اذهبي الآن يا أمي!.. "
1
ضحكت إيكاترينا بخفوت، ثم طوّقت وجه ابنتها بكلتا يديها وقبّلتها قبلة كبيرة على خدها الصغير... وقفت بسرعة، التفتت نحو مدربة صوفيا التي كانت تراقب المشهد من بعيد، وتقدمت نحوها بخطواتٍ متوترة بسبب حذائها..
أخرجت من حقيبتها الكاميرا وقدمتها إلى المدربة قائلة:
"رين، أرجوكِ، اعتني بصوفيا وسجّلي العرض بأكملت.. لا أريد أن يفوتني شيء.."
أومأت رين بتفهم وربّتت على كتفها برفقٍ مطمئن..
في تلك اللحظة، لم يكن هناك وقت لأي كلمة إضافية..
خرجت إيكاترينا من القاعة بخطواتٍ مسرعة، الهواء البارد ضرب وجهها كصفعة، وأصوات التصفيق البعيد بدأت تملأ المكان خلفها ...العرض بدأ..
لكنها لم تلتفت..
رفعت طرف فستانها الطويل بيدٍ واحدة، وخلعت حذاءها ذو الكعب العالي بيدها الأخرى، ثم ركضت..
4
كانت الأرض مبللة بالثلج الذائب، وبرودته تسري في قدميها كلسعاتٍ مؤلمة، لكنها لم تتوقف..
كل خطوة كانت أقرب إلى الجنون، شعرها يتطاير خلفها، أنفاسها تتقطع في الهواء البارد، ويديها تشدّ الحذاء كأنها تخاف أن يهرب منها..
ركضت بين السيارات، تجاوزت الأرصفة، وفتح لها الحارس الباب الخارجي دون أن يفهم ما يحدث سوى أنها تركض حافية القدمين بفستانٍ زهري ووجهٍ شاحب كالموت..
قفزت إلى مقعد السائق، وضغطت زر التشغيل بعنف، ثم انطلقت..
الإطارات صرخت على الإسفلت المبتلّ، والسيارة اندفعت في الطريق العام، وأضواء المدينة الكئيبة انعكست على وجهها المتجمد..
. . . .
صفير حادّ كالسلك الكهربائي المقطوع اخترق أذنيها، ارتفع حتى صار طنينًا يملأ رأسها ويكاد يفجره..
حاولت أن تتنفس، لكن الهواء كان يرفض الدخول إلى صدرها.. خدرٌ بارد أخذ يزحف من أطراف أصابعها حتى ضلوعها، وتلك اللسعة الجافة في حلقها جعلتها تشعر وكأن أحدهم قد ملأ فمها بالتراب الحار...
3
عطشٌ خانق، وجفافٌ مؤلم في حلقها.. حاولت أن تبلع ريقها فلم تستطع، وكل ما خرج منها كان سعالًا متقطعًا كأن صدرها يُمزّق من الداخل..
في تلك اللحظة، لمحت أول خيطٍ من الضوء الأبيض يخترق الظلام خلف جفنيها، نورٌ قوي، لاذع، كأنه يصفعها لتعود إلى الحياة..
فتحت عينيها بصعوبة، لم تفهم ما حولها أولًا...كل شيء ...أبيض، بارد، ومليء برائحة المطهرات الحادة التي تكاد تخنق الأنفاس..
جدران المستشفى، أنابيب المحاليل، الأجهزة التي تومض بخفوت، والبرد الذي يسكن أطرافها... كانت في قسم الطوارئ، على ما يبدو؛ مكانٌ تحكمه الفوضى المنظمة، وصوت الخطوات فيه يختلط بصفير الأجهزة الطبية..
"هل أنتِ بخير؟ لحظة، سأستدعي الطبيب.. "
2
صوتٌ رجولي خشن، قريب من أذنها، لكنها لم تستطع رؤيته بوضوح.. سمعت خطواته الثقيلة وهي تبتعد، تصطدم بأرضية المستشفى الصلبة..
حاولت أن تتحرك لكنها شعرت بأن أطرافها مثقلة، كأنها مربوطة بخيوط غير مرئية..
سعلت مجددًا، هذه المرة بقوةٍ أكبر، حتى دمعت عيناها..الهواء الذي دخل صدرها كان كالسكاكين، لكنه منحها حياةً مؤقتة..
فتحت جفنيها مرة أخرى، ورأت ظلين يتحركان نحوها؛ الطبيب والممرضة.. كان الطبيب في منتصف العمر، يرتدي نظارات شفافة، ملامحه جامدة..أما الممرضة، فكانت تحمل لوحة صغيرة تسجل فيها المؤشرات الحيوية..
بدأ الطبيب يتحدث، كلماته كانت غريبة، متقطعة في ذهنها، وكأن اللغة نفسها لم تعد مألوفة لعقلها المرهق.. ثم انحنى فوقها قليلًا، رفع جفنها الأيمن بإبهامه وسلّط الضوء الأبيض الصغير إلى داخل عينيها، فشهقت من شدة الوهج..
كرر الأمر في العين الثانية، ثم قال بشيء لم تلتقطه تمامًا، لكن عقلها استعاد جزءًا من وعيه وبدأ يجمع الخيوط..
الأحداث عادت إليها متلاحقة...
المكتب... الصراخ... ورقة الطلاق... الغضب الذي جعلها تحطم كل ما حولها... والوجه الذي ظل ثابتًا رغم فوضويتها..ذلك الوجه الذي تعرفه أكثر من أي وجهٍ آخر؛ أورلوف..
اللعين... الوغد... زوجها..
4
شعرت بدمٍ ساخنٍ يندفع إلى وجهها، لكن جسدها كان أضعف من أن يترجم غضبها.. لم تستطع حتى أن ترفع يدها.. الطبيب ما زال يتحدث، هذه المرة بصوتٍ منخفض موجّه إلى ذلك الرجل الذي يقف في الظل بجانب السرير، تستشعر حضوره دون أن تراه..
1
سمعت همهمتهما، ثم وقع خطوات الطبيب والممرضة يغادران الغرفة، وبقيت وحدها معه..
مرت ثوانٍ طويلة لم تتحرك فيها سوى مؤشرات الأجهزة بجانبها..
سمعت خشخشة خفيفة ؛ أورلوف يبحث في كيسٍ على الطاولة القريبة أو حقيبة .. لا تعرف ماذا يفعل..ربما يحاول أن يلهي نفسه عن التفكير... أو ربما يحاول أن يبدو مشغولًا حتى لا يضطر لمواجهتها...
1
تأمل ذلك لكي لا تنهي ما بدأته و تنهيه أيضا ..
لكنها لم تستطع معرفة شيء بعد ذلك، لأن المخدّر بدأ يسري في عروقها مجددًا.. شعرت بارتخاءٍ مفاجئ في عضلاتها، ودفءٍ غريب يغمر أطرافها.. آخر ما رأته قبل أن تُغلق جفنيها، كان ظل أورلوف وهو يجلس على الكرسي المقابل، ظهره مستقيم، رأسه منخفض قليلًا نحو الأرض..
3
. . . .
مرّت خمس عشرة دقيقة بعد مغادرة الطبيب..
الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى صوت جهاز المراقبة الذي ينبض على وتيرة ثابتة، وصوت تنفسها الهادئ..
جلس أورلوف في الكرسي المواجه للسرير، ذراعيه متشابكتان، رأسه مسند إلى الجدار خلفه.. لم يتحرك، فقط يراقبها ؛ وجهها الشاحب، أنفاسها الخافتة، خصلات شعرها التي التصقت بجبهتها من أثر العرق..
ترددت في ذهنه كلمات الطبيب:
«لا شيء خطير، إنها مصابة بحمى شديدة وإنفلونزا بسبب البرد..كما أن لديها نقصًا غذائيًا واضحًا. ..لتحاليل ستظهر خلال ساعتين، لكنها بخير.. المحلول سيساعدها على استعادة طاقتها، وستستيقظ بعد أن ينتهي تمامًا..»
3
تنهد بعمق، أغمض عينيه للحظة وهو يضغط بأصابعه على صدغيه..
لم يكن يعرف ما الذي يشعر به الآن.. الغضب؟ القلق ؟ اليأس؟ كل شيء مختلط..
3
الشيء الوحيد المؤكد أنه لم يكن يتوقع ردّ فعلها بتلك القسوة..
3
هو يعرفها؛ أو هكذا كان يظن...يعرف عنادها، يعرف قوتها، لكنه لم يتخيل أن تلك القوة ستتحول إلى طوفانٍ يهدده هو نفسه..
3
رفع بصره نحوها مجددًا.. وجهها الآن بدا هادئًا، ناعمًا، بلا ملامح الغضب التي اعتادها منها... في لحظة، بدت له كأنها تلك الفتاة التي التقاها أول مرة؛ قبل أربع سنوات، عندما كانت تبتسم بتلك الطريقة الماكرة وتختبئ خلف ثقتها المبالغ فيها..
2
لكن كل ذلك تغيّر..
2
المرأة التي أمامه الآن لم تعد هي تلك الفتاة..
هذه امرأةٌ نضجت، وابتعدت عنه حتى في نظراتها..
امرأةٌ لا تريد منه شيئًا... سوى الانفصال..
1
ضغط كفيه معًا فوق ركبتيه، حدّق في الأرض..
يعرف شيئًا واحدًا:
أنه لا يمكنه السماح لها بالرحيل..
16
رفع نظره نحوها مجددًا، ملامحه أصبحت أكثر صرامة، وصدره يعلو بهدوءٍ ثقيل..
ثم مد يده نحوها، مرر أصابعه على طرف كفها الدافئ..ولم يقل شيئًا..
اكتفى بأن يراقبها، كجنديٍ على حافة ساحة معركةٍ يعرف أنه خسرها، لكنه لا يزال يقف فيها منتظرًا الأمر الأخير..
1
أخرج الممرّض أورلوف من شروده بصوتٍ رتيبٍ خالٍ من أي انفعال، قائلًا وهو يقف أمامه بوقفةٍ مهنية جامدة:
"هل أنت من عائلة المريضة؟"
رفع أورلوف رأسه ببطءٍ من مكانه، عيناه ما زالتا متعلّقتين بجسدها الممدّد، ثم التقتا بعيني الرجل...لم يُجِب فورًا، فقط زفر أنفاسه الثقيلة من صدره العسكري المتصلّب، قبل أن يردّ بصوته العميق، الجهوريّ، الذي يحمل أثر القيادة والانضباط:
"زوجها.. "
5
ارتسمت على وجه الممرّض إيماءة خفيفة من الفهم، ثم قال:
"جيد، هل لديك بطاقة ОМС؟"
توقف أورلوف لحظة، حاجباه انخفضا قليلًا، وكأنه يترجم المصطلح في رأسه.. بطاقة التأمين الطبي الإلزامي، التي تحمل كل تفاصيل المريض، سجله الصحي، أرقامه، وكل ما يخصه في النظام الفيدرالي..
لكنها... تخصها هي.. جليندون..
فكيف له أن يعرف إن كانت تملكها أصلًا، وهو الذي لم يجرؤ منذ زمن أن يسألها عن أبسط تفاصيل حياتها؟..
2
أجاب بنبرةٍ مقتضبة، جافة كحدّ السيف:
"لا.."
أومأ الممرض دون تعليقٍ، ثم أضاف وهو يشير بيده إلى ممرٍ جانبي:
"حسنًا، يمكنك المساعدة بملء استمارة المعلومات الطبية، طالما أنك زوجها ... من فضلك، من هذا الاتجاه.. "
نهض أورلوف بثقله، وقام بحركةٍ واحدة مستقيمة..قبض على سترته العسكرية الملقاة على الكرسي، وأعاد ارتداءها بينما تبع الممرّض بخطواتٍ رصينة، كل خطوةٍ له كانت تضرب الأرض بنغمةٍ معدنيةٍ خافتة، تثير في المكان رهبة خفية..
1
عند كل حركةٍ له، يتدلّى من كتفه شعار الوحدة العسكرية التي يقودها، والنجمة الفولاذية على صدره تعكس ضوء المصابيح الباردة في الممر..
توقف الممرض عند نافذة الاستقبال، سحب ورقة طويلة ذات أعمدة ضيقة، ومدّها نحوه مع قلمٍ أزرق، ثم قال باقتضاب:
"املأ هذه، رجاءً.. وإذا واجهت أي سؤال، نادِ عليّ.. "
رحل الممرض، وبقي أورلوف واقفًا أمام الزجاج، والورقة بين يديه كأنها تقرير مهمّة حربية لا تحتمل الخطأ..
بدأ من الأعلى، بخطٍّ واضحٍ متينٍ يعكس شخصيته المنضبطة..
الاسم: أورلوف كوزوسوف..
رقم الهاتف... العنوان...
ثم وصل إلى الخانة التالية، المخصصة لها..
الاسم: جليندون فولكوف - كوزوسوف..
العمر... الوزن...
4
كان يكتب ببطءٍ هذه المرة، لأن كل كلمةٍ تنقله إلى واقعٍ لم يعد يعرفه... لم يعرف كم فقدت من وزنها مؤخرًا، ولا إن كانت تعاني من أمراض مزمنة، ولا حتى إن كانت لديها حساسية من أي دواء..
كل الخانات التي كانت تعني تفاصيل حياتها بدت له فجأةً كجبهات حربٍ مجهولة..
توقّف قلمه عند خانة «الحساسية»، وجمّد نظره على السطر الأبيض..
بدأت عضلة فكه تنقبض تدريجيًا، وصوته الداخلي يعصف في رأسه كعاصفةٍ ثلجية..
4
قبض أصابعه على القلم حتى كاد ينكسر بين يديه..
كانت الأوراق ترتجف خفيفةً فوق الرخام عندما وقفت أمامه ممرضةٌ شابة، شعرها مشدودٌ للأعلى، ملامحها مشوبة بالقلق.. قالت بنبرةٍ مترددة:
"سيدي... هل تحتاج مساعدة؟"
رفع نظره إليها، حدّق فيها لثانيةٍ واحدةٍ فقط، لكن نظراته كانت كفيلة بأن تتراجع خطوة للخلف..
كان في عينيه بريق حادّ، مزيج من تعبٍ دفين وغضبٍ مكبوت..
فتح فمه ليردّ، لكن صوته انقطع حين سمع صوتًا مألوفًا يأتي من الجهة المقابلة..
"ها هي البطاقة، إيريني. ستجدين كل شيء هنا.. "
تجمّد جسده للحظةٍ واحدةٍ فقط، لكنها كانت كافية ليعيد إحكام توازنه..
التفت ببطءٍ نحو مصدر الصوت..
إيكاترينا فولكوف.
كانت واقفة أمام الزجاج، بشعرٍ مرتب بعناية، ومعطفٍ طبي أبيض يغطي فستانها الوردي، وجهها متجهم لكنه متماسك..
1
وضعت بطاقة زرقاء صغيرة على سطح الرخام بانسيابيةٍ متقنة، دون أن تنظر إليه مباشرة..
بطاقة ОМС..
3
بطاقة التأمين الطبي الخاصة بـزوجته، جليندون..
رفعت الممرضة البطاقة، وشكرَتها بابتسامةٍ سريعة، ثم انشغلت بتسجيل البيانات..
أما أورلوف، فظلّ واقفًا مكانه، عينيه تضيّقتا شيئًا فشيئًا، وصدره ارتفع في شهيقٍ طويلٍ كمن يحبس الغضب لئلا يفيض..
نظر إليها..
إلى تلك المرأة التي كانت دائمًا تقف في الجهة المقابلة من حياتهما، قاضيةً، حَكَمًا، متحدثة باسم عائلتها، وباسم الماضي الذي حاولت جليندون أن تهرب منه..
عيناه الرماديتان كانتا ثابتتين أسفل عينيها مباشرة، حدّق في ملامحها المرسومة كأنها منحوتة من الجليد، وفي طريقة رفعها رأسها بتحدٍّ خالٍ من أي نبرة حنان..
بالطبع..
همس في نفسه وهو يزفر ببطءٍ كجنديٍ يضحك في ساحةٍ من الرماد..
بالطبع ستكون لديها بطاقة... فهي ابنة العائلة التي لا تفقد السيطرة على شيء... طبيبة في المستشفى الذي أسسه والدها العظيم، وفي النهاية، الكلمة الأخيرة تبقى دائمًا لهم... آل فولكوف..
4
عدّل وقفته العسكرية، وضع يديه خلف ظهره بإحكام، ونظر إلى الأمام بثباتٍ مهيبٍ يعكس كل سنوات الانضباط التي حفرتها الحرب فيه..
من تحت هدب عينيه المائلتين بالصلابة، نظر إليها بثباتٍ صامتٍ لا يخلو من حدّةٍ جافة، نظرة جنديٍ يعرف كيف يزن خصومه دون كلمة واحدة..
كانت إيكاترينا تقف أمامه، قريبة بما يكفي ليشم رائحة العطر الطبي التي تفوح من معطفها، لكنها كانت أبعد من أن تمسّه، لأن الكراهية التي تشعّ من عينيها خلقت بينهما جدارًا لا يُرى..
1
خطت خطوة نحوه، جسدها مشدود، كتفاها يعلوان مع كل نفسٍ غاضبٍ يخرج منها، وصوتها خرج حادًا كهمسٍ يقطّع الهواء:
" ما الذي يجعل جليندون تفقد الوعي بسبب سوء تغذية وزكام قوي في الوقت نفسه؟! ألستَ زوجها؟!"
5
لم يُحرّك ساكنًا..ظلّ واقفًا، يحدّق فيها بنظرةٍ محايدة، لكنها كانت نظرة رجلٍ لو شاء لجمّدها في مكانها..
استمرت، صوتها يرتفع تدريجيًا، بينما الكلمات تسقط كرصاصٍ باردٍ على بلاط المستشفى:
"هل تظن أنّ مجرد أنّها تحمل اسمك، انتهى بها الأمر دون أن تبقى لها هويتها، دون اسم والدها؟! هل تُطبّق على أختي عداوة أبي ضدّك؟ أم تظن أن الزواج كان انتقامًا مقنّعًا؟!"
6
شدّ أورلوف فكّه السفلي ببطء، وارتجفت عضلة دقيقة عند صدغه، علامة الغضب الصامت التي لم يجرؤ أحد على تفسيرها يومًا..
عداوة أبيها؟ تطبيق؟ أي هراء هذا؟...
لم يرفع صوته، لم يتكلّم حتى، فقط نظر إليها بنفس تلك النظرة التي تحمل في صمتها تحذيرًا صريحًا: توقّفي قبل أن تتجاوزي حدّك..
بدا أن ما قالته لم يترك أثرًا واضحًا عليه، وهذا ما جعلها تزداد غليانًا... فصمته كان أقسى من أي ردّ، إذ يُشعرها وكأنها تصرخ في جدارٍ من حديد..
1
تابعت بتهكمٍ متقطع:
"جليندون لم تكن ضعيفة..لم تكن يومًا تهمل نفسها..لكن منذ أن ظهرتَ في حياتها وهي تذوب ببطءٍ، تنسحب من العالم خطوة بعد خطوة..والآن تنهار في مستشفى كأي غريبة بلا أحد! ألا ترى ما فعلت بها؟!"
لم يتحرّك، فقط أدار رأسه ببطء نحو الممرّ، وكأنه يطالع شيئًا أبعد منها، شيئًا يخصّ جليندون وحدها.. لم يكن اعتباطًا هذا التجاهل، بل كان قراره المعتاد عندما يتحدّث أحد عن حياته الخاصة..
هو رجلٌ لا يسمح لأحد أن يخترق حدوده، ولا يعترف لغيره بحقّ السؤال..
ظلّ صامتًا، ويداه خلف ظهره، وصدره يتسع بانضباطٍ مهيب..
من تظنين نفسك؟..
فكّر ببرودٍ وهو يتأمل انعكاس وجهها في زجاج النافذة أمامه..
لكن لم يقل ذلك..
هو لا يبرّر، لا يفسّر، ولا يشارك مشاعره مع أحد..
في حياته العسكرية، كان الصمت لغةً من الهيبة والانضباط، أما في حياته الشخصية، فهو جدار يحمي ما تبقّى منه من التطفّل والشفقة..
إيكاترينا لم تتوقف.. بدا الغضب يستهلكها، وكأنها تُفرغ ما راكمته لسنوات في صدرها..
"أتعلم؟ حين تزوجتما، لم أتحدث..كنت غاضبة منها، نعم، لكنها تبقى أختي.. لم أتوقع أنك ستتركها لتصل إلى هذه المرحلة! أين كنت؟!"
عندها فقط، رفع عينيه نحوها ببطء، حدّق في وجهها للحظة واحدةٍ طويلة..
نظرة خالية من أي انفعال، لكنها محمّلة بكل معنى الرفض...ثم أدار وجهه عنها، وكأنه أنهى حوارًا لم يبدأ أصلًا..
3
ذلك التجاهل البارد كان كصفعةٍ صامتة جعلتها تبتلع بقية كلماتها..
مرّ الممرّض ذاته قربهما، لحظ الموقف بطرف عينه ثم تابع طريقه دون أن ينبس بحرف، كأنه خشي أن يتورّط في صمتٍ متوترٍ يشبه حافة نصل..
كانت ضوضاء المستشفى تمتصّ كل ما تبقّى من توترٍ بينهما، تبتلع الغضب والأنفاس المرتفعة، وتعيدها كصدى خافتٍ بين الجدران البيضاء الباردة..
استدار أورلوف بخطواتٍ محسوبةٍ، كل خطوةٍ منه مدروسة كأنها جزء من عرضٍ عسكريّ، متجهًا نحو باب الغرفة التي ترقد خلفها جليندون..
الأرض بدت تعرف وزنه، تحفظ صدى خطواته كما تحفظ الذاكرة نبض صاحبها..
إيكاترينا شدّت على معصمها لتكتم غضبها، لكن أنفاسها الثقيلة كانت تفضحها..
ظلت تتابعه بنظراتٍ مشتعلة حتى عبر رجلٌ ضخم الجسد، ركبة ساقه بضمادٍ أبيض، يمشي بعكازين تحت إبطيه، ترافقه امرأة طويلة بملابس لافتة، فاخرة ومبالغة في جرأتها..
ابتسمت تلك المرأة لإيكاترينا بابتسامة اجتماعية قصيرة، فردّت لها ابتسامةً مجاملةً باردة، ثم تابعت طريقها بخطواتٍ سريعة خلف أورلوف، كأنها تخشى أن يضيع منها بين الممرات الطويلة..
كانت تقترب منه وهي تشعر بأن الدم يغلي في عروقها..
ضغطت قبضتيها بقوة حتى كادت أظافرها تنغرس في كفيها، وكل خلية في جسدها تصرخ غضبًا..
سأتخطاه، سأوقفه هذه المرة مهما حدث... إن تجاهلني مرة أخرى فسأمزّقه أمام الجميع..
لكن عندما حاولت أن تسير بجانبه، لم يلتفت..
لم يُبطئ من خطواته، لم يبدِ أي علامة أنه يسمعها حتى...
ذلك البرود المتعمد أشعلها أكثر مما كانت تتصور..
توقف الهواء في صدرها من شدة الغيظ وهي تفكر: كيف وقعت شقيقتي مع هذا الوغد؟ هذا المتغطرس الذي يمشي وكأن الأرض له وحده؟!..
2
أقسمت في سرها أنها لو أمسكت بمقص جراحي الآن لانتزعت منه غروره قبل أن تنتزع قلبه..
1
تبا له... من يظن نفسه؟!
لم تفهم جليندون يومًا، لا نوع الرجال الذين تفضّلهم ولا العالم الذي تعيش فيه..
كانت علاقتهما دومًا متوترة، لا تشبه علاقة أختين..
لكن لو عاشت مئتي عام، ما كانت لتتخيل أن شقيقتها ستختار رجلاً مثل أورلوف كوزوسوف، رجلاً يفيض حوله الصمت كالسلاح..
توقفت خطواتها فجأة عندما لاحظت أنه هو نفسه قد توقف...رفعت بصرها لتدرك السبب، وعندها تجمّد الهواء في صدرها...
أمامهما مباشرة، وقفت والدتها، الدكتورة ميرا فولكوف..
9
كانت ميرا ترتدي معطفها الأبيض الطويل، ينسدل برقيٍّ يليق بمكانتها، شعرها الأصفر المشدود للخلف بعناية يلمع تحت ضوء المصابيح، ونظراتها تحمل ذلك المزيج المألوف من الكبرياء والبرود الأرستقراطي..
كانت تتابع عن قرب المتدربين الخمسة المجتمعين حول مريضٍ مسنّ يرقد على السرير المجاور لجليندون..
يدها تمسك بلوحٍ إلكتروني، تسجّل عليه الملاحظات وتراقب أداء طلابها بصرامةٍ تُخيف حتى الهواء حولها..
أومأت عندما أنهت إحدى المتدربات فحصها للمريض، دون كلمة شكرٍ أو نقد، فقط نقرة حادة على الشاشة، ثم استدارت بخطواتٍ محسوبة نحو السرير الآخر؛ سرير جليندون..
في تلك اللحظة، أحست إيكاترينا بدمها يتجمد..
لكنها كانت تعرف أمها جيدًا..
تعرف أنها مهما كانت قاسية، فهي لا تكشف وجهها الحقيقي وسط مكان العمل.. إنها تعرف كيف تحافظ على صورتها اللامعة..
1
تحتفظ بسمّها لوقتٍ أكثر خصوصية..
وقفت ميرا أمام سرير جليندون، تتأملها بنظرةٍ متفحصة دون أن تنبس بحرف، ثم سمحت للمتدربة التالية بأن تبدأ الفحص..
الفتاة الشابة أخذت نفسًا مضطربًا وهي تنظر إلى المريضة أمامها.. ؛ جليندون..
عينان مفتوحتان تحدّقان بالسقف بلا رمشة، وملامح جامدة كأنها فقدت الإحساس بما حولها..
تمتمت بصوتٍ مرتجف:
"أحم... الاسم جليندون فولكوف كوزوسوف... المؤشرات..."
توقفت لوهلةٍ بعد أن أدركت الاسم الذي لفظته..
تبادلت النظرات مع زملائها، الارتباك واضح على وجوههم...ابنة الدكتورة ميرا فولكوف... يا للمصيبة..
ارتبكت أكثر وهي تتابع، خائفة من أن ترتكب خطأ أمام أعين مشرفتها..
"سأقيس الضغط أولاً... فقط لحظة..."
يدها كانت ترتجف وهي تضع الرباط حول ذراع جليندون، تكاد تسمع دقات قلبها أعلى من صوت الجهاز نفسه..
ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو غضبت؟ ماذا لو طردتني؟!
2
لكنها لم تحتج للانتظار طويلاً، إذ جاءها صوت ميرا البارد، كالسيف حين يُسحب من غمده:
"أوووف، ستعودين يا عزيزتي إلى حيث بدأتِ... لتبحثي عن مستشفى أخرى تُكملي فيها تدريبك.. مطرودة."
رفعت ميرا معصمها، نظرت إلى الساعة برشاقةٍ باردة، ثم سلّمت اللوح الإلكتروني إلى رئيس قسم الطوارئ قائلة بنبرةٍ صارمةٍ خالية من أي نبرة بشرية:
"إلى اللقاء..تمنى لي حفلًا سعيدًا، برفيسور ألبر.."
7
بقيت المتدربة في مكانها، وجهها شاحب، فمها مفتوح من الصدمة، بينما غادرت ميرا بخطواتٍ رشيقةٍ واثقة..
وفي طريقها إلى الخارج، لمحت إيكاترينا تقف قرب الباب، متوترة بين الغضب والقلق..
رفعت ميرا رأسها قليلًا، ونظرت إليها بنظرةٍ باردةٍ متعالية، فيها خليط من التوبيخ والاحتقار، ثم قالت بصوتٍ مرتفعٍ متعمّدٍ ليسمعه الجميع، وخاصة جليندون التي ترقد بجمودٍ على السرير:
"كنت أعلم أنك ستأتين، يا إيكاترينا..لم تخيّبي ظنّي كالعادة.. "
2
أدارت وجهها نحو أورلوف، تأملته بنظرةٍ قصيرةٍ فيها ازدراءٌ مكشوف، كأنها ترى شيئًا لا يستحق الهواء الذي يتنفسه، ثم أضافت بجفاءٍ متعمد:
"أتمنى لكما... حياةً هادئة، إن كان ذلك ممكنًا.. "
7
ثم مضت بخطواتٍ متزنةٍ ثابتة، تتبعها رائحة عطرٍ قويٍّ وعيون الموظفين المتجمدة على مشهدٍ لم يجرؤ أحدٌ على التعليق عليه..
أما أورلوف، فبقي واقفًا مكانه، صامتًا كتمثالٍ من الحديد، وعيناه تتابعان جليندون دون أن يتحرك جفنه..
1
لم يبدُ عليه التأثر بكلمات ميرا، ولا بتلك النظرات التي صُوّبت نحوه..
وإيكاترينا؟
وقفت ساكنة، تراقب والدتها تبتعد، وتراقب أورلوف بجانبه يظل كصخرةٍ لا تُكسر، ثم رمقت وجه أختها الجامد على السرير...
وشعرت لأول مرة أن العاصفة لم تبدأ بعد؛ بل كانت تلك فقط النسمة الأولى قبل الانفجار الحقيقي..
2
أما أورلوف فوقف ساكنًا دون حراك....ليس لأنه لم يتأثر بكلمات ميرا فولكوف، والدة زوجته، بل لأنه لم يسمعها أصلًا..
7
لم يُكلّف نفسه حتى النظر إليها..
كان واقفًا كأن جسده تجمّد في مكانه، بينما عقله كان يبرمج تلك النظرة الفارغة في عيني جليندون، يحاول فهم ما يراه دون أن يجد تفسيرًا منطقيًا واحدًا له..
6
المرأة التي ترقد أمامه كانت تائهة، تنظر إلى السقف ببرودٍ يُشبه الموت، والمرأة التي وقفت عند قدمي السرير - والدتها - تتعامل معها كأنها مريضة غريبة، لا كابنتها الوحيدة..
2
والأعجب من ذلك، أن جليندون نفسها لم تتعامل مع والدتها كأم، بل كأنها مجرد طبيبة مجهولة جاءت لتدوّن الملاحظات ثم ترحل..
1
وعندما التفت قليلًا نحو الجانب، لمح إيكاترينا تقف بجانبه منذ البداية، جامدة، صامتة، لا تقترب من أختها ولا تحاول حتى أن تلقي نظرة قريبة عليها..
كان المشهد برمّته مشوّهًا، غير طبيعي، كأنهم جميعًا يتقنون دورًا في مسرحيةٍ خالية من المشاعر..
8
لكن كل شيء تبدّل حين لمح جليندون تخفض بصرها عن السقف، وتطلق آهة متعبة، محاولة الجلوس..
في تلك اللحظة تحرك جسده دون وعيٍ منه - كأن عضلاته تقود نفسها..
1
خطا بخطواتٍ سريعة نحوها، متجاهلًا كل من حوله..
5
المتدربون الذين حاولوا مساعدتها ابتعدوا حالما اقترب، فصوته الجاف القصير كان كافٍ ليجعلهم يتراجعون..
3
مدّ يده إليها برفقٍ لم يعرفه عن نفسه من قبل..
2
كانت أصابعه تلمس ذراعيها بحذرٍ يكاد لا يُرى..
جفلت حين شعرت بلمسته، رفعت عينيها نحوه وفيهما غضبٌ صامت، غضب امرأةٍ لا تعرف إن كانت تكرهه لأنه عاد أم لأنها لم تعد قادرة على كرهه كما يجب..
لكن قبل أن ترفض مساعدته، لاحظ نظرتها تتجاوز كتفه، تتجه نحو إيكاترينا الواقفة عند الباب تراقبهما..
عندها فقط، أطلقت زفيرًا متعبًا واستسلمت..
سمحت له بأن يرفعها قليلًا ويسندها حتى تجلس، ثم مدت يدها إلى الطاولة الصغيرة بجانب السرير، التقطت حقيبتها الجلدية السوداء، وضعتها في حجرها، وعدّلت جلستها بإصرارٍ خافت..
فتحت الحقيبة ببطء، أخرجت منها بطاقة سوداء أنيقة، مرسوم على جانبها شعار مكتبها القانوني..
نظرت إلى المتدربة التي ما زالت شاحبة الوجه، تائهة بين خوفها وذهولها مما حدث منذ قليل، وقالت لها بصوتٍ هادئ لكنه يحمل نصلًا في طيّاته:
"تواصلي معي غدًا، إن كنتِ ترغبين برفع قضية على المستشفى... وعلى الدكتورة ميرا فولكوف بتهمة الطرد التعسفي.."
39
تجمّدت الفتاة في مكانها، كأن الزمن توقف للحظة..
نظرت إلى البطاقة التي قُدّمت لها بيدٍ أنيقة ترتجف من الضعف لا من الخوف، ثم نزلت دمعة من عينها دون إرادة، أخذت البطاقة بين أصابعها، تقلّبها بذهولٍ غير مصدّق، قبل أن تهمس بشكرٍ متقطع لم يسمعه أحد..
سعلت جليندون فجأة، صوتها مبحوحٌ وجاف..
قبل أن تتمكن المتدربة من التحرك، كان أورلوف قد سبقها بالفعل، التقط كأس الماء من الطاولة وناوله لها..
تناولته منه دون أن ترفع بصرها نحوه، شربت ببطء، ثم أعادت الكأس بصمت..
تقدم أحد المتدربين، أشار إليه ألبر، رئيس القسم، بفحص حالتها من جديد..
أُعيد قياس الضغط، وسُجلت المؤشرات الحيوية بدقة، والكل التزم الصمت كما لو أن أحدهم فرض حظرًا على الكلام..
وقفت إيكاترينا في مكانها تراقب المشهد، وعندما سمعت ما قالته شقيقتها للفتاة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حاولت كبتها، لكنها فشلت..
4
نفسها دائمًا... حتى وهي مريضة، تتحدث وكأنها في قاعة محكمة..
أنهى ألبر الفحص وأعاد الجهاز إلى مكانه، ثم قال بنبرةٍ مهنية:
"كل شيء مستقرّ.. يمكنكِ الخروج الآن، أو الانتظار حتى تصدر نتائج التحاليل.."
1
ثم التفت إلى طلابه وقال بصرامةٍ مختصرة:
"انتهينا، يمكنكم الانصراف.."
غادر هو والمتدربون جميعًا، وبقيت متدربة واحدة لتساعدها على إزالة الأجهزة العالقة بجسدها..
في تلك اللحظة، رفعت جليندون طرف نظرها نحو أختها التي تراقبها بصمتٍ متردد..
نظرة سريعة، لكنها كانت كافية لتعيد بينهما ذلك الجدار الزجاجي القديم، الذي لم يُكسر يومًا..
3
حين أنهت المتدربة مساعدتها، حاولت جليندون الوقوف، لكن خطواتها كانت واهنة..
مدّ أورلوف ذراعه دون كلام، فترددت لحظة، ثم قبلت، فقط لأنها لاحظت إيكاترينا ما زالت تتابعهما بنظرةٍ دقيقة، تلتقط كل حركة وكل لفتة..
تركته يحمل حقيبتها، وأسندت نفسها عليه، فكانت المسافة بينهما قريبة إلى حدٍّ موجع، ورغم ذلك بقيت باردة كقطعة ثلجٍ في منتصف جمر..
سارا معًا عبر الممر الطويل نحو الخارج، دون أن تتبادل الأختان كلمة واحدة..
لم تحاول إيكاترينا الاقتراب، ولم تجرؤ جليندون على النظر خلفها..
أما أورلوف، فكان عقله يعجّ بالأسئلة التي لا يريد أن يطرحها..
لماذا هذا الجفاء؟ لماذا كل هذا الحطام بينهنّ؟
ولماذا شعر، وسط كل هذا الصقيع، بأن شيئًا بداخله يتحطم من أجلها ببطء؟..
6
حين وصلوا إلى المخرج، خلع سترته العسكرية الثقيلة - تلك التي تحمل رتبته وذكرياته - ووضعها على كتفي جليندون، دون أن ينطق بكلمة..
كانت ملامح وجهه جامدة، لكن عينيه تنطقان بشيءٍ آخر، شيءٍ لم يُخلق ليقال..
وما إن خرجوا إلى ساحة الموقف، حتى توقف بجانب السيارة السوداء..
فتح لها الباب بصمتٍ كامل..
عندها فقط استدارت نحوه، ودفعت صدره بخفّةٍ خائرة من الإرهاق والغضب معًا، ثم خلعت السترة ورمتها عليه قائلة بنبرةٍ متوترة متكسّرة:
1
"أكره هذه السترة..."
3
لم يردّ، فقط أمسكها بيده، عيناه تراقبانها تدخل السيارة وتغلق الباب بعنفٍ جعل الزجاج يرتجف..
كانت تعرف أنه فهم ما تعنيه..
هي لا تكره السترة، بل تكره كل ما تمثّله - العسكرية، الانضباط، البعد، الجدران العالية التي فصلت بينهما منذ البداية..
هي تكره مهنته، وصرامته، وصمته... وربما تكره نفسها لأنها لا تزال تتألم من أجله..
جلس أورلوف خلف المقود بصمت..
لم يتكلم طوال الطريق، ولم تفعل هي أيضًا..
1
كانت تنظر عبر النافذة إلى الأضواء التي تتلاشى في الزجاج، بينما هو يترك لها المساحة التي تحتاجها لتقاتل وحدها عاصفتها الداخلية..
لم يكن الصمت بينهما هدوءًا...
كان حربًا مؤجلة،
وبين كل نفسٍ وآخر،
كان الخوف يتسلل إليه من فكرةٍ واحدة ..
أن جليندون، في صمتها هذا، ربما بدأت تنساه فعلاً..
6
. . . . .
توقّفت سيارة أورلوف ببطء أمام المنزل، ذاك الذي لم يزر أبوابه منذ زمنٍ بدا وكأنه عمرٌ كامل إلا البارحة..
لم تنتظره جليندون حتى يطفئ المحرك أو يلتفت إليها..ما إن توقفت السيارة حتى فتحت الباب بقوة، خرجت منها بخطواتٍ متسارعة، تحمل في حركتها كل الغضب المكبوت، وكل ما لم يُقال منذ سنوات..
1
لم تلتفت خلفها، ولم تطلب عونًا، ولم تترك له فرصةً واحدة ليلفظ حتى كلمة..
كانت خطواتها على الثلج حادة كالنصال، تترك آثارها الواضحة إلى أن وقفت أمام الباب الخشبي الداكن، أخرجت المفتاح من حقيبتها بيدٍ ترتجف، ليس من البرد، بل من الحنق، من ذاك الشعور الذي لا يعرف له اسمًا سوى الخذلان المتكرر..
أدارت المفتاح، دفعته إلى الداخل، ثم وقفت تمسك بمقبض الباب كأنها تتمسك بآخر خيطٍ من صبرها..
اقترب أورلوف بخطواتٍ سريعة، ملامحه جامدة، لكن عينيه كانتا تفضحان اضطرابًا مكتومًا..
1
ولمّا صار على بعد خطوة منها، أدار جسده نحوها لتستوقفه كلماتها، حادة، باردة، وقاطعة:
"لن تطأ قدمك منزلي مرة أخرى دون إذني...
وقّع على ورقة الطلاق... وارحل كما تفعل دائمًا.."
5
ثم دفعت الباب، أغلقتَه في وجهه بقوةٍ جعلت صوته يرتد صداه في صدره لا في الممر..
ارتجّ الزجاج، وتبعه صمتٌ ثقيل، كأن المدينة بأكملها تجمّدت معه في تلك اللحظة..
ظلّ واقفًا، يسند ظهره إلى الجدار البارد، يراقب الباب المغلق أمامه، والثلج يذوب على كتفيه ببطءٍ مؤلم..
لم يكن هناك ما هو أبرد من قلب جليندون الآن...
ولا ما هو أثقل من صمته هو..
3
أطلق زفرةً طويلة، نفاذ صبرٍ ممتزجًا بعجزٍ مكتوم، ثم ابتعد عن الباب، عائدًا إلى سيارته..
جلس خلف المقود، يضع يديه على عجلة القيادة دون أن يحركها، وعيناه ثابتتان على النوافذ المطفأة أمامه..
1
من الخارج بدا هادئًا، متماسكًا كما كان دائمًا،
لكن داخله كان يغلي، كبركانٍ أُجبر على الصمت..
مرت ثلاثون دقيقة ببطءٍ متعمد، لم يتحرك خلالها سوى ضوءٍ واحد من نافذة غرفتها، ثم خفت شيئًا فشيئًا حتى انطفأ...
عشر دقائق أخرى، ظلّ يراقب فيها ظلال الستائر الساكنة، ينتظر... يتأكد من أنها نامت أخيرًا..
حينها فقط، فتح باب السيارة، خرج منها بخطواتٍ ثابتة،
الثلج يغوص تحت حذائه الثقيل، وصوت احتكاكه بالأرض يكسر سكون الليل..
5
وصل إلى الباب الرئيسي، أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا،أداره بهدوءٍ دقيق، حتى فتح القفل دون أن يصدر أي صوت..
2
كان يعرف أنه يخترق وعدها...
لكن ما فعله الليلة لم يكن خيانة بقدر ما كان حماية على طريقته القاسية..
لقد اتصل به اليوم في المستشفى مهندس العقار، يخبره أن مساعدة جليندون تواصلت معه بشأن تغيير مفاتيح المنزل بأكمله، خوفًا من اقتحامٍ أو سرقة، وقد ساعدها هو بنفسه في ذلك..
حينها تذكّر المفتاح الاحتياطي الذي وجده في حقيبتها أثناء وجودها بالمستشفى..
5
لم يكن فخورًا بذلك - لكنه لم يكن نادمًا أيضًا.. في نظره، لم يسرق شيئًا...
3
هو فقط استعاد الحق في البقاء قربها، حتى ولو من بعيد..
4
دخل بخطواتٍ صامتة، أزال حذاءه عند الباب احترامًا للسكينة التي تسكن المكان..
تجوّل عبر الممرات المظلمة حتى وصل إلى الغرفة التي يعرفها جيدًا ..غرفتها، التي كانت لتكون يومًا غرفتهما، لولا أنه قرر الرحيل..
4
طرد الفكرة فورًا من رأسه كما يطرد الجندي ذكرى هزيمته..
أدار مقبض الباب بخفوتٍ شديد..
الظلام دامس، لكنه لم يحتج الضوء ليراها..
كان صوت تنفسها المنتظم كافٍ ليهديه طريقه..
1
اقترب من السرير بخطواتٍ مدروسة، بحث بعينيه عن حقيبتها، لمحها على الطاولة المقابلة، بعيدة قليلًا عنها..
أخذ الحقيبة، جلس قرب النافذة، أخرج حاسوبها المحمول، وبدأ يعمل عليه بلمساتٍ سريعة، دقيقة، كمن ينفذ خطةً وضعها منذ زمنٍ بعيد..
10
لم يكن هناك ضوءٌ سوى الخافت المنعكس من الشاشة، وكان وجهه هادئًا، لكن عينيه تلمعان بتصميمٍ بارد، لا يعرف الرحمة ولا التردد..
استغرق دقائق فقط، ثم أغلق الحاسوب بإحكام، أعاده إلى مكانه، وتأكد من أن كل شيء بدا كما كان تمامًا..
ثم نهض، اتجه نحو السرير بخفة ظلّ، انحنى قربها، أبعد خصلة شعرٍ ناعمة عن وجهها الشاحب، مرر إبهامه برفقٍ على خدها، وكأن لمسته تحمل اعتذارًا لا يستطيع النطق به..
2
همس بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع:
"آسف على ما فعلت الآن، زوجتي الصغيرة ...لكنّي مضطر.. لم تتركي لي سوى هذه الطريقة..."
26
ارتجفت أنفاسه الأخيرة في الهواء، وغادر كما دخل، بخفة ظلّ لا تترك أثرًا..
توجه إلى الغرفة المقابلة، الغرفة التي قضى فيها الليلة السابقة، دخلها، أغلق الباب وراءه، وجلس على الأريكة المظلمة..
لم يكن يدري أيّهما أشدّ برودة في تلك اللحظة...هواء المدينة، أم قلبه الذي بدأ يدفن نفسه في الصمت...
2
. . . .
🎬🎬🎬🎬🎬
يتبع.....