📁 آخر الروايات

رواية اقدار مؤجلة الفصل العاشر 10 بقلم volny_morya

رواية اقدار مؤجلة الفصل العاشر 10 بقلم volny_morya


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟎: حبل النجاة

  .       .         .

- قد لا يزعجنا القول ولكن يؤلمنا القائل، وقد لا يؤثر فينا الفعل ولكن يصدمنا الفاعل.
11

   .    .    .    .      .     .

في قلب موسكو، وبين المباني التي تحمل ذاكرة القرون، ترتفع دار الأوبرا الإمبراطورية القديمة، كتحفةٍ معمارية نُحتت لتقاوم الزمن، لا لتُعجِب العيون فحسب... بل لتُرهِبها أيضاً..
8

داخل القاعة...

ما إن تُفتح الأبواب الثقيلة المصنوعة من خشب البلوط الداكن، حتى يستقبلك ممرّ طويل مُغطّى بسجادٍ قرمزي عميق، كأنك تسير فوق صفحةٍ من تاريخٍ مُلطّخ بالذهب والدم معًا..
2

رائحةٍ هادئة من خشبٍ قديم، ممزوجة بعطر الزوار الفاخر، تسبح في الهواء كأنها جزء من ديكور المكان..
1

وحين تدخل إلى القاعة الرئيسية، تتّسع الرؤية فجأة...
كأنك خرجت من العالم العادي إلى عالمٍ آخر..

القاعة دائرية واسعة، ترتفع على ما يقارب سبعة طوابق من الشرفات المنحوتة بدقة مذهلة، كل شرفة تحمل زخارف متشابكة من الذهب الروسي العتيق، يلمع تحت الأضواء كأنها قطع شمسٍ صغيرة معلقة في الهواء..

الجدران مكسوة بطبقات متعددة من اللوحات الجدارية، رسمت عليها مشاهد أسطورية من التراث الروسي-
فرسان، معارك، راقصات باليه، أبراج بيزنطية، وغابات ثلجية تغرق في السحر..

في قلب السقف، تنتشر لوحة ضخمة مستديرة تُجسّد قصة خرافية:

امرأة من نور تخرج من دوامة ثلج، يطاردها ظلّ أسود يمتد على حدود اللوحة...

اللوحة تتغير حسب زاوية النظر-
مرّة تبدو حيّة...
ومرة أخرى تبدو مشؤومة كأحلامٍ سيئة..

ومن السقف ذاته يتدلّى الثريا الشهيرة:
كتلة بلورية هائلة، وزنها يتجاوز طناً كاملاً،
مكوّنة من آلاف قطع الكريستال النمساوي،
تنشر ضوءًا ينساب بنعومة فوق المقاعد المخملية، لامعًا بقدر ما هو مخيف..

قيل إن هذه الثريا سقطت مرة في أوائل القرن الماضي،ومنذ ذلك الحين...
يقول الزوار إنها تتحرك أحيانًا دون تيار هواء..
4

المسرح واسع، أرضيته من خشب الأبنوس الداكن اللامع،
ستارته ضخمة بلون عنّابي، مُطرّزة بخيوط ذهبية تُشكّل شعار العائلة الإمبراطورية القديمة..

وعلى جانبيه أعمدة من المرمر الأبيض، نُحتت بتصاميم رفيعة تمثل وجوهًا كلاسيكية-
بعضها مبتسم، وبعضها يبتسم بوحشية غامضة..

المقاعد مصفوفة في انحناء نصف دائري، من المخمل القرمزي، يحدّها إطار خشبي مُطعّم بنقوش روسية دقيقة..
.

الإضاءة خافتة، تُلقي بظلال طويلة على الأرض والجدران،كأن المكان لا يعرف إن كان مسرحًا...
أم مزارًا لطقوس قديمة..

وأصوات الزائرين تنعكس في القاعة بشكل ناعم،
فتبدو الهمسات كأنها ترددات موسيقية قديمة..

وفي هذا المكان المهيب...

يتحرك الزمن بطريقةٍ أخرى،
وتشعر بأن كل خطوة تخطوها فوق السجاد العميق
تُسمَع في ذاكرة القاعة قبل أن تسمعها أنت..

هنا...

في هذه القاعة التي تتنفّس الفن وتُخفي الأسرار، قاعةٌ تتراكم فيها طبقات من البشر...الآلاف في الأسفل، وعدد قليل في الأعلى، لكن حضورهم يعلو فوق كل شيء..

الشرفة الخاصة كانت إحدى هذه الطبقات المختارة، حيث تجلس عائلة لها وزنها الاجتماعي، ووزن المشكلات التي تتظاهر أنها لا تملكها..
4

جلست إيكاترينا في المنتصف تقريبًا؛ إلى يمينها والدتها ميرا فولكوف، بملامح منحوتة فوق طبقة من الكبرياء البارد..
4

وإلى جانب ميرا تجلس السيدة بولياكوف، امرأة تبدو وكأن الابتسامات تُصنع خصيصًا لتُخفي مخالبها..

ومن الجهة الأخرى، جلس والدها سيرجي فولكوف،

بجانبه السيد بولياكوف...رجُلان متماثلان في هدوئهما الرسمي، وفي صلابتهما التي تفرض وجودهما دون كلمة..

كان صوت الأوركسترا يتلألأ في الفضاء الواسع،

يتسلّق الجدران المزخرفة، يتشابك مع الضوء الذهبي الذي ينساب من الثريّات العملاقة..

كل نوتة كانت تهتز في الهواء ،كما لو أن القاعة نفسها تتنفس لحنًا واحدًا..

على المسرح، كانت مغنية الأوبرا تهدر بصوتٍ يمزّق السكون ويرفع القاعة إلى ذروة لا يصلها سوى الفن...
1

حضورها، صوتها، وقفتها؛ كل شيء كان يُجبر العيون على الثبات عليها..

إلا عيني إيكاترينا..

كانت جالسة بجسدٍ مستقيم، لكن عقلها منهار فوق حقائق يومٍ انقلب رأسًا على عقب:

خطيب محتمل

لا تعرف عنه شيئًا سوى اسمه...

وابنتها التي إنتظرت اليوم منذ شهور لكن أدت رقصتها من دونها...

وأختها التي كانت ترقد قبل ساعات

في سرير المستشفى...

والله وحده يعلم إن كانت ستسامحها على تركها..

ليلة واحدة، ومئة سبب يجعل الرأس ينفجر..

فقط تريد السكون..


سرير..

صمت..

نسيان..

لكن لا...ليس الليلة..

صوت المغنية ارتفع في الختام، صرخة لحنية شقت الهواء،

وجرّت خلفها موجة تصفيق هائلة..

انضمت إيكاترينا للتصفيق، رفعت يديها، ابتسمت للسيدة بولياكوف التي أعادت لها الابتسامة نفسها- ابتسامة مصنوعة، مرقمة، لها طبقة سكر تخفي بداخلها تركيبة مجهولة..

كانت المرأة تراقبها منذ دخولها، تزن كل حركة، كل كلمة،

كل رمشة..

إيكاترينا تعرف هذه اللعبة، تلعبها منذ سنين...

لعبة العروس المناسبة للعائلة المناسبة..

لكن اليوم... كانت أقرب للانفجار من أي وقت مضى..

تراقب السيد بولياكوف...السلوك ذاته، التعالي ذاته، نسخة طبق الأصل من والدها..

لا شك أن ابنهما سيكون مثلهم:
4

متكبرًا، حادًا، لا يرى في النساء سوى أوراق تفاوض..

لأول مرة منذ فترة طويلة...خافت من احتمال جديد..

وفُتح الباب...التفت الجميع..

ودخل الرجل الذي سيُقدم على أنه "الخطيب المحتمل"..
4

كان أطول قليلًا مما توقعت لأنها كانت مع شخص أيقنت أنها لن ترى أحد بطوله و.... لتصمت و تمحي أثره من رأسها، بذلته السوداء مُفصلة بدقة، والربطة بلون واحد، كل شيء فيه محسوب كما لو أنه خُلق ليتقن البروتوكول..

لكن...ابتسامته..

ابتسامة هادئة، غير متكلفة، لا تخفي نية، ولا تُظهر نفاقًا،

ابتسامة... غريبة..

غريبة لأنها بسيطة، ولأنها غير مطلية بالزيف ولأنها جعلتها تشعر بشيء نسيت اسمه:

"ارتياح.."

لم تكن تعرف أنها تفتقده..

اقترب الرجل خطوة بعد خطوة، صافح والديها أولًا، ثم السيدة بولياكوف، ثم تحرك نحوها..

وتوقف.. كانت الوحيدة الجالسة..الجميع ينتظرها..

أدركت الموقف بسرعة، فنهضت بهدوء، مدّت يدها إليه- وهو مد يده ببطء مدروس، كأنه يخشى أن يكسر شيئًا فيها..

أمسك يدها بأطراف أصابعه، خفيفًا... كأنها قطعة زجاج رقيق، ثم انحنى قليلًا، ولامست شفتاه ظهر يدها بقبلة قصيرة، رسمية، لكن مؤثرة بما يكفي أن تجعل قلبها يختل نصف نبضة..

تحدث بصوت منخفض، رخيم، محمّل بثقة هادئة:

"تشرفتُ بمعرفتكِ آنسة إيكاترينا. كنتُ أسمع الكثير عن لطفك...وأرى الآن أن الكلام لم يكن مبالغًا فيه.."
5

رفعت حاجبها، مستغربة هذه البداية الهادئة..ابتسامته اتسعت قليلًا، دون تكلف:

"أتمنى ألا يكون وجودي الليلة عبئًا عليكِ...أعرف أن اللقاءات الرسمية... مرهقة أحيانًا.."

كأن الرجل قرأ ما في رأسها حرفيًا..

ثم أضاف، بعد لحظة قصيرة من الصمت:

"لكنّي واثق أننا سنجد طريقة...
1

لنمرّر هذه الليلة بسهولة.."

قالها بنبرة خفيفة، كأنهما يتشاركان سرًا صغيرًا، رغم أن هذه أول مرة تلتقيه فيها..

وللمرة الأولى في هذا المساء... وجدت نفسها تستنشق نفسًا كاملًا بدون شعور بالاختناق..

"أسف على تفويت جزء الموسيقى لكنني كنتُ مشغولة، أتمنى ألّا يكون هذا شيئًا أزعجكِ آنسة إيكاترينا..."
6

خرج صوته سلسًا، صادقًا، خاليًا من تلك النبرة اللزجة التي تتقنها الطبقة الراقية في المناسبات الرسمية. رمشت هي الأخرى في وجه ذلك الوسيم المهذّب، تتساءل-للمرة العاشرة منذ دخوله-كيف يمكن أن يكون هذا الرجل ابن عائلة بولياكوف..
1

هل هو ابن غير شرعي؟ متبنّى؟ هل فقدا ابنهما الحقيقي في العاصفة وربّيا هذا بدلًا عنه؟ لا... مستحيل.. ملامحه تحمل من والدته حدّة العيون، ومن والده صلابة الفكين... نسخة لينة من أصل صلب..

لكن صمتها طال أكثر من اللازم، وجذب أنظارًا كثيرة نحوها..

تنفست، جمعت شتات نفسها، وردّت له ابتسامة صغيرة حملتها شعورًا خفيفًا بالذنب... ابتسامتها بدت باهتة أمام ابتسامته الصادقة، لكنها... هذا كل ما تملك..

"لا بأس، ليكن في يوم آخر.. "

لاحظت كيف أومأت ميرا فور انتهاء كلماتها، مراقبة نبرة صوتها، اختيار مفرداتها، طريقة وقوفها وجلوسها... كما تفعل المعلمة الحازمة مع تلاميذها أمام المدير..

إيكاترينا لطالما كانت الطالبة الممتازة في مسرح الظهور الاجتماعي... لكن ذلك الإرهاق كان يضغط على كتفيها أكثر مما يحتمله جسد واحد..

أفلت ريكاردو يدها بالرقة نفسها التي أمسكها بها، ثم استدار نحو والديهما قائلاً بنبرة هادئة:

"سأخرج مع الآنسة إيكاترينا لبعض الوقت... إن لم يكن لديكم مانع..لعلّها فرصة لنتعرف بشكل أفضل.. "

ثم التفت إليها في آخر جملة، وكأنه ينتظر موافقتها أمام الجميع.. أومأت ببطء، بلا تردد، كما لو أنها تتنفس هواءً ملوثًا في هذه الشرفة وتحتاج للهروب بأسرع ما يمكن..

"بالتأكيد... لتأخذا راحتكما.. "

قالها السيد بولياكوف، و وافقه الآخرون..

انحنت لتلتقط حقيبتها وقفازاتها، لكن قبل أن تتحرك، انتُزع معطفها الأسود الصوفي من المِعطف المعلّق.. التفتت لتجده ممسكًا به، يرفعه قليلًا لها..

"أتسمحين؟"

بحكم النظرات المتحفزة حولها، أومأت مرة أخرى، وتركت له مجالًا لمساعدتها في ارتداء المعطف... كان حريصًا على ألا تلامس أصابعه بشرتها... هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا ينتبه لها إلا القليل، جعلت دفاعاتها تنخفض درجة واحدة..

فتح الباب كنبيل حقيقي، وانتظرها لتعبر أولًا.. وبعد خطوة ثابتة خارج الشرفة، استدارت قليلًا ورأت ما تمنّت ألّا تراه:

ابتسامة والدتها... تلك الابتسامة التي تحفظها جيدًا، ابتسامة تحمل أكثر مما تُظهر..

وابتسامة السيدة بولياكوف... المفترسة..

والرجال يتبادلون نظرة مرتاحة، نظرة تُعلن أن الاتفاق تم... أن أمر «أبنائهما» حُسم..

أغلق ريكاردو الباب خلفهما، ثم أشار لها أن تسير بجانبه..تبعته... محاولة تجاهل الثقل في صدرها..

وحين مشت قربه، ركزت على طوله... لم يكن بطول فيـ-

توقفي..

شتمت نفسها داخليًا.. لماذا ما زالت تقارن كل رجل به؟

اصمتي يا إيكاترينا، يكفي..

واصلت السير، تعاتب ذاتها سرًا، إلى أن وصلا إلى باب آخر يقف أمامه حارس.. فتح الحارس الباب فورًا، ودخلت هي أولًا، يسبقها صدى خطواتها على الأرض الرخامية، ثم دخل ريكاردو خلفها..

الغرفة كانت صالة صغيرة خاصة، ذات أرائك مريحة وإضاءة دافئة تكسر أجواء الرهبة خارجها.. أشار لها أن تجلس على الأريكة، بينما توجّه هو إلى البار الصغير، فتح زجاجة نبيذ أحمر، وسكب ببطء كأسين... وضع أحدهما أمامها ، ثم جلس على الكرسي المنفرد مقابلاً لها، متكئًا بشكل مريح، وقال:

" إذن... إيكاترينا..دعينا نسقط الرسميات، رجاءً..لستُ من محبي الأجواء المتوترة..."

ضحك بخفة، نبرة ضحوكة تنزلق من بين كلماته كأنها جزء منه، دون تصنّع..

نظرت إليه... ولاحظ على الفور أنها تحدّق مطولًا.. رفع حاجبه بطريقة ساخرة لطيفة:

"هل قلت شيئًا مضحكًا؟ أم أن وجهي يستحق التحديق؟"

ارتبكت للحظة، لكنها تداركت نفسها:

"معذرة... فقط أحاول فهم كيف أصبحت الشخص الوحيد الهادئ في هذه الليلة الفوضوية.. "

ضحك مجددًا، هذه المرة أطول بقليل..

"هذا أفضل ثناء سمعته منذ زمن.. صدقيني... لا يُولد المرء هادئًا، بل يضطر ليتعلم الهدوء إن أراد النجاة من العائلة التي ينتمي إليها.. "
2

ارتخت كتفيها قليلًا، وشعرت بشيء مشابه للراحة..

" وماذا عنكِ؟"

سأل وهو يدير الكأس بين أصابعه..

"أخبريني... ما خطبكِ خارج هذه الدائرة التي تحميكِ منها والدتك بعناية مذهلة؟"

رفّت ابتسامتها بخفة..

"أنا... طبيبة.. "

مال برأسه، بإعجاب صادق..

"طبيبة؟ الآن بدأتُ أشعر بالضغط.. أنا مجرد طفل مدلل لعائلة تملك شركة تجارية ضخمة.."

رأت في عينيه و فهمت من نبرته أنه يحاول أن يجعلها تشعر بالإرتياح بالمزاح حتى و إن كان هذا يكلفه صورته..

تنهد بخفة، ثم أضاف:

"لكن... في الحقيقة، شغفي ليس في الأعمال.. أحب التكنولوجيا... أعمل سرًا على بناء شركتي الخاصة.. شيء بعيد تمامًا عن إرث العائلة.. "

رفعت حاجبها:

"سرًا؟"

" أجل... لو علم والدي... سيعتبر الأمر إهانة شخصية.. "

ابتسم بأسف هادئ..

"تقاليد العائلة، أنتِ تعرفين.. "

أومأت، وهي تشعر بشيء يتفتح بداخله... وبداخِلها..

للمرة الأولى منذ مدة طويلة كانت المحادثة-سهلة، غير متوترة، بلا قيود... بلا حفّار يفتش نواياها أو صياد يحدد قيمتها..

هنا، في هذه الزاوية الدافئة من قاعة الأوبرا...كانت تشعر بأنها إنسانة، لا مشروعًا..

وهو؟

يبدو أنه يعرف كيف يجعل حتى الفوضى تتوقف لحظة...
4

لتسمح لها بالتنفس..

امتدَّ الهدوء بينهما كخيط رفيع يُنسج بعناية فوق مساحة صغيرة من الراحة، مساحة لم تعتدها إيكاترينا في لقاءات "الخُطّاب" السابقة، ولم يتوقعها ريكاردو في ليلة رسمتها عائلتاهما بدقّة عقود سياسية لا عاطفية...

كانا يجلسان في تلك الغرفة الجانبية، إضاءة خافتة تلامس وجهيهما بنعومة، والنبيذ الأحمر يعكس وهجًا خفيفًا على الزجاج..

تابعا الحديث عن العمل، عن السفر، عن الموسيقى، وكل موضوع كان ينزلق بسلاسة إلى موضوع آخر... كما لو أن بينهما خيطاً خفياً يجرّ الكلمات دون جهد..

قالت وهي تعبث بحافة الكأس:

" أظنني لم أحصل منذ زمن طويل على حديث بهذه السلاسة..."

ابتسم ريكاردو وهو يعقد يديه أمامه:

"لهذا السبب عرضت الخروج من تلك الشرفة.. الجو هناك يمكنه تحويل أبسط جملة إلى محاكمة اجتماعية كاملة.. "

ضحكت بخفّة، ثم سألته:

"وماذا عنك؟ ماذا تفعل عندما لا تكون محاصراً بين والدين متسلطين ومناسبات اجتماعية خانقة؟.. "

" أهرب.. "

قالها بنبرة هادئة، ثم تابع:

"أسافر... أو أختبئ في المختبر الذي أعمل فيه، أبرمج شيئًا جديدًا، أو أبني نموذجًا أوليًا لجهاز قد لا يراه النور أبدًا...التكنولوجيا بالنسبة لي... مساحة التنفّس الوحيدة.. "

أومأت له بإعجاب صادق، ثم استندت إلى الأريكة أكثر..

وبينما هي تحدّثه عن إحدى الحالات الطبية المعقدة التي واجهتها، كان يستمع باهتمام حقيقي، لا تظاهر فيه..

لكن فجأة...

توقّف عن تحريك الكأس، رفع نظره إليها، وقال بجملة صريحة، هادئة... لكنها هزّتها من الداخل:

"سمعت أنكِ... أمّ.. "

اتسعت عيناها فجأة..قطعت أنفاسها للحظة..انقبض صدرها..

لافتة "حماية" أضاءت داخلها فورًا، تبخّر كل الهدوء الذي نسجه الحديث قبل قليل، وسقطت كل الفقاعات الدافئة التي خلقتها ابتسامته..

ردّت بنبرة حذرة:

"أجل أنا كذلك.."

مال برأسه بخفّة...

"والدتي ذكرت الأمر قبل الحفل.. قالت إنكِ تملكين طفلة صغيرة..."

تجمدت..

يدها انكمشت على الكوب، وكأنها تحاول السيطرة على ارتجاف لم يظهر بعد، لكن صوتها خرج أكثر جمودًا مما أرادت:

"ولم يزعجك هذا؟"

"بل... أعجبني.. "
7

رفعت نظرها بسرعة نحوه، غير مصدّقة..نظرته كانت صافية، صادقة، بلا ارتباك..

ولم يكن يبتسم ابتسامة المجاملة... بل ابتسامة شخص يقصد ما يقوله تمامًا..

"أعجبك؟"

ترددت الكلمة بين شفتيها وكأنها غريبة عن قاموس علاقات الخطاب..

"أجل.. "

أجاب بثبات..

"في الحقيقة... اخترتُك قبل أن أرى صورتك حتى.. عندما سمعت صدفة أن هناك "مرشحة" لديها طفلة... قلت نعم دون تردد.. "
2

ارتفعت حاجباها بدهشة صامتة..

كان بإمكانه الاختيار من عشرات الفتيات اللاتي يقدّمهن له والديه... ومع ذلك اختار الأكثر "تعقيدًا"..

"ولماذا؟"

خرج سؤالها بخفوت، محمّلًا بتوجّس دافئ وغريب...

أراح مرفقيه على ركبتيه، وانحنى قليلًا للأمام، صوته أصبح أكثر شخصية:

"لأني أحب الأطفال...أنا فقط... أشعر أنهم يمنحون العالم طاقة لم يعد البالغون يعرفون كيف يصنعونها.. الراحة. الصدق. تلك اللحظات الصغيرة التي تنسيك صخب الحياة.. "

ترددت، وشعرت بشيء يتغيّر في صدرها..

"وتعتقد أن امرأة لديها طفلة... ستكون ماذا؟"

ابتسم بخفّة:

"شخصًا يعرف معنى المسؤولية... يعرف قيمة الوقت..أكثر ثباتًا... أكثر نضجًا من فتاة مدللة تنتظر من يأخذ بيدها.. "

انخفضت عيناها نحو الكأس..

قال بنبرة أعمق:

"تصوّرتك تقريبًا... كما أنتِ الآن.. "

رفعت نظرها ببطء..

وجدته ينظر إليها بدون بحث أو فضول مزعج، بل بنظرة هادئة، متفهمة، وكأنه يعطيها مساحة لتتنفس... من دون أن يقترب أكثر مما يجب..

"هل... تخيّلت طفلتها أيضًا؟.. "

سألت بنبرة مرتعشة لا تدري لماذا خرجت منها..

"ربما.. "
2

مال ظهره على الكرسي، ابتسامة خفيفة تزيّن فمه..

"تخيّلتها تشبهك قليلًا.. لأن الجمال الهادئ عادةً ما يُورّث.. "

احمرّت وجنتاها بخفّة... ليس خجلًا، بل لأن أحدهم أخيرًا قال شيئًا لطيفًا عنها كونها أم عازبة و عن إبنتها دون أن يريده كسلاح أو مجاملة زائفة..

تنفست ببطء..

هدأ صدرها تدريجيًا، وبدأ ذلك الخوف القاسي الذي لامس قلبها قبل قليل يذوب شيئًا فشيئًا..

قالت بنبرة لينة:

"أنت... مختلف.. "
7

ضحك بخفّة:

" لا أفهم المعنى لكني أتمنى أن يكون ذلك شيئًا جيدًا.. "

ابتسمت لأول مرة بصدق..وانسدل الصمت بينهما...لكنّه لم يكن صمتًا ثقيلًا..

كان صمت راحة، صمت بداية حوار أطول، صمتًا يقول:

ربما هذه الليلة لن تكون مُرهِقة كما توقعت..
كان ريكاردو قد استرخى تمامًا في مقعده، ساقاه ممتدتان إلى الأمام قليلًا، وكتفاه مرتاحان، وكأنه أخيرًا وجد مساحة يستطيع أن يكون فيها نفسه دون قناع اجتماعي…

ثم قال بنبرة خفيفة، دافئة، جعلت إيكاترينا لا تشعر بالتهديد الذي تشعره عادة من أسئلة الخُطّاب:

"أووه… سمعتُ أنكِ تريدين أن تبدئي مشروعًا جديدًا.. هل تشاركينني ببعض المقتطفات؟ إن لم يكن الأمر يزعجك طبعًا.. "

رفعت حاجبًا خفيفًا، مستغربة كيف قالها بكل بساطة، بلا فضول زائد، بلا محاولة لكشف أسرارها، فقط اهتمامٌ صادق… فتنفست وأجابت ببطء:

"ليس هناك ما أُخفيه… هو مجرد مشروع ما زال في رأسِي فقط.. مختبر… اخترتُ تخصصه، حدّدت طاقمه الأساسي تقريبًا، لكنني…"

ترددت لحظة، ثم تابعت:

"مترددة... ربما لأنها المرة الأولى التي أمتلك فيها شيئًا لي أنا، لا يمت بصلة لوالديّ أو شركاتهما.. "

"مختبر؟.. "

سألها برفق، كمن يريد أن يدفعها للحديث أكثر دون أن يضغط عليها..

"نعم… مختبر تحاليل متقدم بتقنيات حديثة.. أشرف على عدة مختبرات بالفعل، لكن جميعها تابعة لوالديّ... أريد شيئًا يبدأ باسمي أنا… لكن…"

لم تستطع منع تنهيدة قصيرة..

"لا أملك مستثمرًا.. ومِن دون رأس مال خارجي كبير، الأمر مستحيل.. "

راح يُقلّب كأسه بيده، ثم قال بحزم ناعم:

"وما الذي يمنعني أن أكون المستثمر؟.. "

رفعت نظرها سريعًا نحوه، دهشة صافية انعكست في عينيها..

"أنت… ماذا؟.. "

ابتسم بزاوية فمه:

"أقترح أن أكون شريكًا.. أُدخل رأس المال، وأنتِ تديرين المشروع.. أنا مختص بالإلكترونيات وتقنيات الأجهزة الطبية، ويمكنني أن أقدّم لك تجهيزات لن تجديها بسهولة..سيكون هذا… مفيدًا جدًا لمختبرك.. "

ظلت تحدّق به، غير قادرة على استيعاب سهولة العرض… وسخاوته..

"ريكاردو… لا.. "

قالتها بنبرة واضحة، قاطعة، ليست فظة… بل صادقة..

"ولماذا؟.. "

سأل بهدوء، وكأنه لا يرى أي مانع..

"لأنني… لا أريد أن يكون للمستثمر أي علاقة بوالديّ..لا مباشرة ولا غير مباشرة ولا حتى معنوية... أريد شيئًا لا تتحكم فيه عائلتي… ولا عائلتك.. "

ارتدّ قليلاً للخلف، وكأنه تلقّى كلماتها بصدر مفتوح لا يهرب منه..

"إيكاترينا… أنا لا أريد السيطرة على مشروعك.. أنت من يديره.. كل ما سأفعله هو دعم يحتاجه المختبر فقط.. "

هزّت رأسها، هذه المرة أبطأ، أعمق:

"لا. أشكرك، لكن… لا.. "

ساد الصمت لثوانٍ..

ثم فجأة…

أخرج هاتفه من جيب السترة، فتحه سريعًا، كتب شيئًا على الشاشة، ثم أغلقه ووضع الهاتف جانبًا... بعد ذلك مدّ يده الأخرى إلى جيب بذلته الداخلي وأخرج بطاقة صغيرة فارغة، ثم أخرج قلمًا أسود وكتب عليه رقماً واضحًا بخط حادّ ودقيق..

مدّ البطاقة نحوها..

"هذا رقم صديق لي.. يستثمر في المشاريع المربحة فقط، وليس له علاقة لا بوالديّ ولا بوالدتك.. مستقل تمامًا.. جربي أن تتصلي به… لن يرفض عرضًا ناجحًا كهذا.. "
13

نظرت إلى البطاقة وكأنها شيء ثقيل… ليس بسبب الرقم، بل بسبب احترامه لرفضها وعدم إلحاحه..

مدّت يدها ببطء، أخذت البطاقة، ثم وضعتها في جيب حقيبتها إلى جانب أشيائها الأساسية، وهي تقول بصوت منخفض:

"شكرًا… حقًا.. "

ابتسم بخفة:

"أنا فقط أقدّم خيارًا… القرار دائمًا ملكك أنتِ.. "

وللحظة قصيرة…

شعرت إيكاترينا أن أحدًا للمرة الأولى لا ينظر إلى أحلامها كترف، ولا مشروعها كدعاية عائلية… بل كاختيار شخصي يستحق الدعم..
4

.         .        .       .

توقّفت سيارة V-Class أمام المنزل المترامي الأطراف، ذاك الذي بدا أشبه بقصرٍ منفيٍّ في حافة موسكو…

كانت الثلوج قد ابتلعت الممرات والحجارة، وغطّت الأقواس العالية، وتمركزت فوق تماثيل البرونز، حتى صارت ملامح المكان ثقيلة، خانقة، كأن الهواء نفسه متجمّد..

رياح الليل صفعت الواجهات، ونسفت خصلات الثلج من فوق المصابيح الصفراء، فحوّلت الضوء الدافئ إلى وهجٍ بائس، خافت، يحرّض القلق في صدر أي عابر..

ترجّل السيد سيرجي أولاً، يعدّل معطفه السميك، ثم لحقت به ميرا بخطوات ثابتة، وفتح الحارس الباب الخلفي لـ إيكاترينا التي تشبثت بمعطف الفرو حول كتفيها، ترتجف من البرد ومن النقاشات التي كانت تحاصرها طوال الطريق..

كان والدها ووالدتها يتبادلان الحديث بحماسٍ لا ينتهي، يمدحان عائلة بولياكوف كما لو أن السماء أنزلتهم بشهادات ذهبية… يتحدثان عن ريكاردو ومؤهلاته وأعماله وكأنهما عثرا أخيرًا على جائزة العمر..

وإيكاترينا… كانت تسير خلفهما بصمت، تشعر أن كلماتهم ترتدّ في صدرها كحجارة..

وصلوا إلى باب القصر..

استدارت نحوهم وقالت ببرودٍ لطيف:

" تصبحون على خير.."

كادت تخطو بعيدًا حين أوقفتها والدتها بصوتٍ ثقيل:

" لنتحدث قليلًا… كاتي... "
1

تجمّد الهواء في صدرها..

كانت ستقول لا، لكن والدها تدخّل سريعًا:

" لِتتحدثا غدًا يا ميرا... الوقت متأخر.. "

اومأ لها سيرجي بصرامةٍ لطيفة، فالتقطت تلك الإشارة بسرعة ونفضت قدميها من المكان، تصعد السلالم بخطوات تشبه الركض… كأنها تهرب من فخّ..

وقفت أمام باب غرفة صوفيا، سمتها الصغيرة، وفتحته بحرص شديد…

لكن المفاجأة صعقتها..

كانت صوفيا مستيقظة..

وما إن رأت ظلّ والدتها يظهر بين شق الباب… حتى قفزت من سريرها بكل ما لديها من قوة وركضت نحوها..

انحنت إيكاترينا فورًا والتقطت جسدها الصغير، تضمه إليها كمن فقد طفلته وعثر عليها مجددًا..

" لماذا ما زلتِ مستيقظة، صوفيا؟ "

" كنت بانتظارك… "
2

غرقت إيكاترينا في الذنب، تنهدت وهي تضم رأس الصغيرة إلى كتفها:

" أووه… أنا آسفة يا حبيبتي بشأن اليوم، اعذريني… لن تتكرر مرة أخرى.. "

" لا مشكلة… رغم أنك لم تدعي خالتي جليندون تتحدث معي عبر الهاتف… لكنني سأسامحك لأن الصحبة مع فيكتور كانت أحسن..شكراً لك يا ماما لأنك سمحتي لصديقك أن يصطحبني اليوم بعد العرض… "
1

توقّف العالم..

كلمتان فقط…

"مع فيليب.."

وانهارت الأرض تحت قدمي إيكاترينا..

ارتجّت ركبتاها..

ثِقَل هائل ضرب معدتها..

وطنين حاد اخترق أذنيها كصفارة قطار..

هل قالت… فيليب؟
أم أن السمع خانها؟
هل اختل عقلها؟
10

وضعت صوفيا على الأرض ببطء مخيف، خوفًا من أن تسقطها يد مرتجفة..

ثم جلست إيكاترينا أمام الباب، تسند ظهرها إليه، وصوفيا في حضنها… لكن العالم كان صامتًا..

فجأة… صامت تمامًا..

كانت ترى شفتَي ابنتها تتحركان… لكن الصوت اختفى..

كأن طبلة أذنها تحولت إلى حجر..

رأت الذعر في عيني الطفلة..

رأت كيف مدت صوفيا يديها تتحسس وجنتي والدتها الباردتين، تهزّها، فمها يتحرك بقلق كبير… لكنها لم تسمع شيئًا..

ثم شاهدتها تقفز من حضنها وتركض نحو الباب، محاولة فتحه، فمها مفتوحٌ بالصراخ؛ لكن لا صوت..  لا تستطيع سمع أي شيء..

أمسكت إيكاترينا بيد ابنتها الصغيرة، تمنعها من الخروج..

سحبتها إلى صدرها واحتضنتها بقوة، تحاول تهدئتها رغم أنها لا تسمع سوى ذلك الصوت الحادّ الذي يثقب رأسها..

شيئًا فشيئًا…

بدأ الصفير يتلاشى…

وصوت شهقات صوفيا يحلّ مكانه تدريجيًا..

تنفست إيكاترينا بارتياح ممزوج بالغثيان.. لكن الحجارة الثقيلة بقيت على معدتها..

قبّلت رأس الصغيرة مرارًا، وكأن كل قبلة اعتذار مذعور..

ثم حملتها، وضعتها على السرير، ومسحت دموعها بإبهام مرتجف..

جلست قربها وقالت بصوت منخفض، هادئ، يكاد يخفي عاصفة داخلية:

" تنفّسي يا صوفيا… شهيق… زفير… الماما بخير، حسناً؟ فقط… ضغط الدم ارتفع قليلًا.. لا تخافي.."

أومأت الصغيرة بخجل، فأخذت إيكاترينا نفسًا عميقًا ثم سألت بحذر:

" من الذي اصطحبك اليوم بعد عرضك؟ أهمم… أخبريني، صغيرتي.. "
1

رفعت صوفيا عينيها الواسعتين نحو والدتها، ثم قالت:

" لقد تحدث معي بعد العرض… قال إنه صديقك… وأنك أنتِ من أخبرتيه بمكاني… "

تجمدت ملامح إيكاترينا، لكنها أبقتها هادئة..

" ماذا قال أيضًا؟ "

" أعطاني باقة ورد صغيرة… وهدية… كانت علبة زجاجية بداخلها راقصة باليه ومعها ثلوج تتساقط… قال إنها هدية تأديبية… "
2

تسارعت دقات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها في حلقها..

" ثم ماذا… صوفي؟ "

" ذهبنا لمطعم… تناولنا الغداء وحدنا.. كان المطعم فاضي بطريقة غريبة… لكن فيليب كان لطيف.. أريد مقابلته مرة أخرى… "
5

توقفت أنفاس إيكاترينا، لكنها لم تُبدِ ذلك..

" صوفيا… أوصفيه لي… فقط لأتأكد… كيف كان شكله؟ "
1

ابتسمت صوفيا بخجل طفولي:

" كان طويلاً!!!… أطول رجل رأيته في حياتي! وضخم… ويرتدي بذلة مثل التي يرتديها جدي سيرجي... "
3

بلعت إيكاترينا ريقها ببطء، ببطء قاتل..

" وأعينه؟ "

" رمادية… ولونه جميل كـلون عيناي… وكان وسيم.. حتى أم صديقتي ساشا حاولت تتكلم معه… سألت:
هل هو والدك؟ وقالت له إنها تحتاج رقمه لو صار أي شيء بخصوصي… لكنه رفض.. قال أن لها تطلب رقمك أنتِ يا ماما في المرة القادمة.. "
3

عند تلك الجملة الأخيرة…

انطفأ شيء داخل إيكاترينا..

وانهار جدار آخر في صدرها..

هذا…

هو فيليب..

لا شك..

لا احتمال..

لا هروب..

أدخلت صوفيا في سريرها برفقٍ يشبه الانكسار أكثر مما يشبه العناية… ثم تبعت جسدها الصغير تحت الغطاء، تمدّدت إلى جانبها دون أن تنزع فستانها الحريري، دون أن تلمس المكياج الذائب تحت عينيها، دون أن تغيّر قرطًا أو تفكّ ربطة شعرها.. كانت منهكة بطريقة لا تسمح لأي حركة إضافية أن تكتمل..

تحت الغطاء، كان البرد يزحف كالظلام، يلتفّ حول خصرها ويصعد عمودياً نحو كتفيها حتى شعرت أنها ترتجف في الداخل فقط، بينما جسدها بقي ثابتًا خوفاً من إيقاظ صوفي…

مدّت ذراعها وسحبت الصغيرة نحوها، واحتضنتها بقوةٍ مرتعشة—كما لو أن ذراعيها تحاولان حبس العالم بعيدًا عنها، وكأن صوفيا آخر ما تبقى لها من الهواء..
للحظةٍ، اعتقدت أن قلبها سيهدأ…

لكن شيئًا أثقل من الألم بدأ ينساب داخل جسدها، شيء لاذع… مُرّ…

الخوف..

الخوف القديم الذي ظنّت أنها دفنته تحت السنوات، عاد الآن بقسوة، يتصاعد في حلقها كدخان يحرق رئتيها..

أغمضت عينيها، حاولت تهدئة نفسها بأنفاسٍ قصيرة، سريعة، غير فعّالة…

لكن عقلها كان يلهث..
ماذا لو عاد؟

ماذا لو عرف؟

ماذا لو أخذ صوفيا؟
كانت الأفكار تتساقط فوق رأسها مثل حجارة، كل واحدة أكبر من الأخرى، أكثر حِدّة، أكثر سوادًا…
2

رأت صورًا تتلاحق، صورًا لم تجرؤ يومًا أن تفكر فيها بوضوح:

صوفيا تبكي…
أبواب تُغلق…
أيادٍ تنتزع ابنتها منها…

ونظره واحدة من تلك العيون الرمادية التي تعرفها جيدًا، تكفي لإنهاء كل شيء..

ضمّت الطفلة أقرب، قبلت أعلى رأسها، ثم دفنت وجهها في شعر صوفيا الناعم، لعلّه يخفي رعشة لم تستطع السيطرة عليها..

كانت تسمع أنفاس الصغيرة—ناعمة، منتظمة،  مطمئنة—كأن جسدها لم يلمس الخطر الذي يسري في هواء الغرفة..

انتظرت…

انتظرت حتى هدأت تلك الأنفاس أكثر، حتى ذابت في السكينة، حتى أدركت أن صوفيا غفت أخيرًا..
أما هي…

فلم تستطع إغلاق جفنيها..

عينٌ على السقف المظلم…

أذنٌ على صمتٍ يضرب جدران البيت…

وقلبٌ يركض بمفرده، كأنه يحاول الهرب دون جسد..
فكّرت في كل شيء:
في الهدية…
في المطعم الفارغ…
في الورد…
في العلبة الزجاجية…

في كلمة فيكتور وهي تتدحرج من فم صوفيا كأنها كلمة عادية، ليست السكين التي مزّقت قلب أمها..
كيف وجدها؟
كيف سمحت لنفسك أن تقترب؟
كيف عثرت علينا؟
الأسئلة تنهمر، بلا إجابات، بلا توقف..
3

ثم تشتد..

ثم يتسع الظلام حولها، يتثقل، يتكاثف، يضغط..
رتّبت ذراعها حول صوفيا بحذر، وكأنها تحاول صنع جدارٍ بشريّ لن يحمي ابنتها من شيء… لكنه كل ما تملكه الآن..
ظلت مستيقظة…

دقائق؟

ساعة؟
ساعتين؟
لا تدري..
كانت الأفكار تدور بلا نهاية، تهدد، تنذر، تخنق… حتى انقضّ عليها التعب القاسي، وسحب جفونها نحو الأسفل رغم المقاومة، ورغم ارتجاف أنفاسها…

فسقطت في نومٍ مضطرب، نومٍ بلا أمان، بلا ضوء…

  ❀•°❀°•❀     

غسلت يديها ببطء في المغسلة الرخامية، كأن الماء البارد يحاول أن يُخرس ذلك الارتجاف الضئيل في أصابعها..

أعادت تمرير أحمر الشفاه الشفاف على شفتيها، بحركة مكرّرة تُخفي توترًا لا يجيد وجهها المزيّف تخبئته..

خلف الباب، كانت موسيقى الأوبرا تتسرّب كصوتٍ مكتوم، يشبه طرقًا بعيدًا على جدار صدرها لا يتوقف..

رفعت رأسها، نظرت إلى عينيها في المرآة…

عاكستها نظرة ثابتة، لكن الشعور في داخلها لم يكن يشبه الثبات..

كان ضغطًا غامضًا، غريزيًا، حدسيًا…

شعور "الخطر" الذي لا يُخطئ..

أغلقت حقيبتها، التقطت أنفاسًا محسوبة—تمرينٌ تعلمته من سنين طويلة—ثم وضعت يدها على مقبض الباب، دار ببطء…

وفُتح..

خطت خطوة واحدة—
ثم اختفى الهواء..

ذراعٌ قاسية التفت حول ذراعها، قبضةٌ أخرى أمسكتها من كتفها بقوةٍ كفيلة بأن تُنذر بكسر، ثم سُحبت خارج الضوء كأن جسدها لا يساوي شيئًا..
4

شهقت، لم تعرف هل الشهقة خرجت منها أم انحبست في حلقها، لكن الأذن التي كانت تريد أن تسمعها… لم تهتم..

ذلك الظهر العريض، تلك الخطوات الثقيلة، ذلك السحب الخشن الذي جعل ركبتها ترتطم بقوة وتتعثر— لكن قبل أن تسقط، ارتفعت من جديد بقبضته..

ارتفعت رغمًا عنها..رغم الوجع الذي قطع كتفها..

الصراخ؟ مستحيل.. لا في هذا المكان..

لا وسط هذا الحشد المصقول..

لا باسم عائلةٍ نشأت على درسٍ واحد:

"السيدة الراقية لا تُحدث فوضى… مهما احترق العالم تحت قدميها.."

فغطت نصف وجهها بخصلات شعرها، وتبعت ذلك الوحش الذي يجرّها، بينما تتسارع أنفاسها بداخلها فقط..

انعطف بها فجأة—زاوية ضيقة، مخفية عن الأعين،
وحين لم تلحظها كانت دفعة جسده تسحبها إلى الداخل وتُغلق عليها الظلام..

ظلامٌ كثيف…
ساكن…
لا صوت فيه إلا أنفاسه الغاضبة، الثقيلة،
التي كانت كفيلة بإيقاف نبضها للحظات..

وعندما تعوّدت عيناها أخيرًا على الظلام ،
كادت أن تراه..

لكن صوته سبق وجهه..

صوتٌ تعرفه روحها قبل عقلها—
نبرة منخفضة، باردة، مُحكَمة…
كأنها صُنعت خصيصًا لتهديمها..

"إيكاترينا.."

انخفضت الأرض تحت قدميها..
تقلّص الهواء..
وتجمّد الدم في عروقها..
لو لم تُثبتها قبضتاه على الجدار،
لكانت انهارت على البلاط..

حاولت أن تفتح فمها:

"ر—"

لكن كلمتها لم تكتمل..

حرفٌ واحد فقط، قبل أن يقطع الصمت بصوتٍ يجلد الهواء:
3

"صه… أُسكتي.."

لم يكن أمرًا بقدر ما كان حكمًا..

وعندما صمتت، انفجر السرّ في صدرها—
السرّ الذي أعدّت له ألف كذبة
وألف طريق للهروب
وألف عذرٍ للهزيمة…
2

لكن كل تلك الخطط تساقطت أمام نبرة واحدة:

"كيف تجرأتِ؟"

ارتجف جسدها..

لم تعرف أيهما أقوى:

الخوف؟ أم ذلك الاحتمال المرعب بأن الحقيقة قد خرجت من قبضتها أخيرًا؟

نبضها ضرب ضلعًا بعد ضلع، حتى شعرت أن قلبها يريد أن يكسر قفصها ليهرب..

وتلك القبضة…اقتربت من عنقها..

أصابعه صعدت ببطء،
لم يخنقها…
لكنه جعل الهواء يضيق،
يجعل الألم يبدأ—
البداية فقط..
1

إنذار أولي قبل العاصفة..

انحنى صوته فوق أذنها،
أخفض، أعمق، أخطر:

"ستدفعين الثمن…وسأُسقِط العالم الذي صنعته…
حجرًا، بعد حجر…أمام عينيك.."

شعرت بدمعة حارقة تكاد تنهار، ولكنه سبقها،
قربه وحده كان كافيًا ليكسرها دون لمس..

"لن تفلتِي…هذه المرة.."
1

كأن جدار الواقع نفسه اهتزّ.. كأن الليل يبتلع صوتها، ويبتلع معه تلك  سنوات…التي ظنّت أنها دفنتها جيدًا..

استيقظت…
6

وكأن أحدهم انتزعها من أعماق بئرٍ مظلم..

شهقةٌ حادّة اخترقت السكون، تبعتها ارتجافةٌ في صدرها كضربة موج على صخرة..

تفتّحت عيناها بسرعة، اتّسعتا حتى كاد البياض يغلبهما..

احتاجت ثوانٍ لتدرك أن الظلام فوقها هو سقف غرفتها… لا سقف تلك الزاوية الخانقة في دار الأوبرا..

لكن عقلها لم يصدّق..

جسدها لم يصدق..

قلبها كان لا يزال يركض… يركض بجنون، كأنه يحاول الهروب من يدٍ ما تزال مغروسة في كتفها..

رفعت يدها تلقائيًا إلى رقبتها؛ أصابعها لامست بشرتها، باردة، رطبة، كأن أثر قبضته ما زال محفورًا هناك..

شهقت مرة ثانية، هذه المرة أبطأ… أعمق…

وذراعها تمتد إلى الطاولة الجانبية بحثًا عن الماء…

قبضتها اصطدمت بالهواء…

مرة…

مرتين…

لا شيء..

لا قارورة..

لا كأس..

حافتُ الهلع لم تُترك لها فرصة لتبتعد..

نهضت من السرير بسرعة لم تسمح لقدميها بالثبات، فتعثّرت طرف الغطاء، كادت أن تسقط، لكنها أمسكت بحافة السرير ونهضت…

ركضت نحو الباب، فتحته بيد مرتعشة، وضغطت على الجدار تبحث عن المفتاح…

لكنها توقفت..

النور يعني إيقاظ صوفيا..

والخوف الذي في صدرها كان أعمى… لكنه لم يكن خائنًا، لم يسمح لها بأن تزعج الصغيرة..

فخرجت في الظلام..

نزلت السلم خطوة خطوة، كأن كل درجة تسحب من رئتيها نصف أنفاسها المتبقيّة..

كانت قدماها حافيتين، تتلمسان الخشب البارد، تهربان من ضوء، من ظل، من أثر صوتٍ لم يفارق أذنها بعد:

—"ستدفعين الثمن."

—"لن تفلتي."

كل حرفٍ منه كان يضرب ضلعًا في جسدها، كأنه لم يخرج من حلم بل من الواقع نفسه..

وصلت إلى المطبخ..

لم تُشعل الضوء..

لم تجرؤ..

ظلام المطبخ كان مختلفًا…أعمق…أثقل…

له رائحة صمتٍ قديم، لا يُخبر أحدًا بما يراه..

فتحت خزانة الأكواب وهي تحبس أنفاسها، لكن يدها اصطدمت بشيء اسقطته…

ارتطم بالصندوق الخشبي ثم بالأرض..

صوتٌ خافت… لكنه كافٍ كي يقطع ما تبقى من ثباتها..

فجأة…ركبتاها لم تعدا تحملانها..

سقطت.. على الأرض الباردة…مباشرة..

انكمشت بجسدها، كأنها تحاول أن تحتمي من ظل لا يُرى..

وضعت يديها على رأسها، ثم على كتفيها، ثم على صدرها…تحاول أن تقفل على نفسها أن تجمع شتاتها
أن تمنع الحلم من أن يتسلل أكثر..

لكن الدموع سبقتها..

دموع حارقة، مفاجئة، تدقّ على خديها كأنها اعتراف…

كأن الألم الذي سجَنته لسنوات قرر أن يطفو الآن بلا إذن..
1

كانت تبكي بصوتٍ مبحوح، مكتوم، محاصر في صدرها،
لكن يكفي أن يصدَم الهواء أمام شفتيها كي تشعر أنها تنكسر…

وتنكسر…

وتنكسر..

كل مشهد في الحلم ظل ينهال عليها:

قبضته على كتفها…نفَسه البارد على أذنها…جدار الظلام…
نبرته التي تعرفها جيدًا، ذلك الصوت القاتل الذي لا يصرخ… لكنه يأمر الوعي كله أن ينهار..

شعرت أن كل خلية في جسدها ترتجف..

ليس من الخوف فقط…بل من الذاكرة..

من الحقيقة التي تدقّ باب عقلها منذ سنوات تحاول تجاهلها..

شدّت يديها حول نفسها أكثر، كأنها تريد أن تختبئ داخل جلدها، كأنها تريد أن تغلق العالم…

وتبقى لحظة واحدة فقط بلا ذلك الصوت..

لكن صدى كلماته ما زال يدور…

ببطء…
بقسوة…
كما لو أنه ينطق داخل المطبخ الآن:

"سأسقِط عالمك… حجرًا بعد حجر.."

شهقت، ثم وضعت يدها على فمها تخنق صوتها، كي لا يسمعها أحد..

كي لا تستيقظ صوفيا.. رغم أنها بعيدة عنها بطابق..

كي لا يعود ذلك الحلم…

كي لا يعود هو..

وفي العتمة…

وحدها، على أرض المطبخ البارد…

كانت تشهق وكأنها تحاول التنفس بعد غرقٍ طويل..

كان هذا أكثر من حلم..كان ذاكرة سُمّمت بالحاضر..

وكانت تدرك شيئًا واحدًا فقط:

الهروب…لم يعد هروبًا..

لقد بدأ الزمن يضيق.. فعلا و يخنقها بإسرار الماضي..

.      .      .      .     .

تململت جليندون وسط الفراش بتعب ، تحاول التحرر من ثقل الملاءة التي التصقت بها طوال الليل..
9

كان الإرهاق يرسم خيوطه على ملامحها الجميلة، فبشرتها البيضاء كانت شاحبة جداً، و أسفل حدقتاها حفرة سوداء بالتأكيد لن تحبذ رؤيتها في المرآة..

كما أن أثر الدواء بقي يتلاعب بإحساسها، يجرّها نحو النوم أكثر بينما الألم يشق رأسها بحدة لا ترحم.. وبعد مدة فتحت عينيها الزرقاوين ببطء، تحدّق في السقف كمن يستعيد ذاكرته قطعة قطعة..

عادت لإغلاقها مجدداً، وذكريات أمس تعصف برأسها بحدة أخرجت منها أنين خافت، إلا أنه في الأخير أفرجت عن نفسها..

دفعت جسدها إلى الجلوس رغم الخمول، شعرت بتحسن ...بسيط—الزكام لم يعد يطحن صدرها كما بالأمس، والتنفس صار أقل وطأة..

نهضت إلى الحمام، تركت الماء يلامس وجهها حتى بدأت تحسّ بعودتها إلى ذاتها.. حين خرجت، التقطت الرداء الرقيق الملقى على الأريكة، ارتدته فوق منامتها الحريرية ،ثم التقطت هاتفها..

ما إن انفتح حتى تدفقت الرسائل العملية:
تعليمات، ملفات مؤجلة، استفسارات لا تنتهي، ودهشة مكتومة من غيابها المفاجئ بعد حادثة الإغماء..

نزلت السلالم بتأنٍ، الهاتف في يد، والأخرى تضغط على صدغها تحاول تهدئة الطنين الذي ما زال يدقّ بصلابة..

ومع اقترابها من المطبخ، اخترقت أذنها أصوات لم تنتمِ لبيتها :

ضحكات، احتكاك فناجين، أحاديث متداخلة.. توقفت في منتصف السلم. لحظة صمت. لم تكن قد شغّلت التلفاز، ولا يوجد سبب لوجود أصوات في منزلها المغلق بإتقان..

و للحظة فقط، للحظة توقفت وانعقاد حاجبيها زين ملامحها بإستغراب ثم دفعتها الريبة للنزول بسرعة أكبر.. كانت تتوقع ما هو غريب… لكن ليس هذا..

دققت في الأوجه أمامها بصدمة، ليست تلك لينا المتدربة… مهلا هل هذا آرون .. ما اللعنة التي تحدث في منزلها؟ بتحديد في مطبخها!!!
1

بل مكتب المحاماة بأكمله يجلس في مطبخها، حول طاولتها المستطيلة، يتناولون من الكعك الذي أعدّته قبل يومين، يشربون القهوة بارتياح، وكأن صباح هذا اليوم اجتماع غير رسمي… في بيتها..

لفت انتباهها جسد ضخم  يتحرك بسلاسة وقبل أن تلتف عضت على شفاهها، تدعوا أن تكون اخطأت التقدير.. لا يمكن، لا بـ…

اللعين ذو رأس الصلب كان يبتسم لها، يقف عند ماكينة القهوة وكأنه صاحب المكان، يرتدي بنطالًا رياضيًا رماديًا وقميصًا أسود ضيّقًا يرسم بنية كتفيه وذراعيه، وتحمل ملامحه هدوء رجل يعرف جيدًا كيف يفرض حضوره دون صوت..

يبتسم ابتسامة كسولة لها بينما  يتحدث مع زملائها بنبرة منخفضة، واثقة، وبشيء من الوقار الذي يجعل الجميع يصمت حين يرفع عينيه..

نظراته مثبة عليها جذبت إنتباه باقي الموظفين ، و كأن هناك من ألقى تعويذة سحرية عليهم.. المطبخ الذي كان يعج بالأصوات ساد سكون يصم الآذان..
4

نفسها، نفسها رئيستهم من ترتدي البدلات الرسمية و الألوان الغامقة.. كانت تقف أمامهم بمنامة حريرية حمراء من ساتان تصل إلى فخذيها ، رداء شفاف يلامس الأرضية ، ونعال منزلية من الفرو الأبيض.. في حين خصلاتها التي لم يرونها يوماً مفرودة!! كانت مثل شلالات حريرية على أكتافها..
8

في ظل ذلك الصمت تقدم أورلوف إليها بثبات…خطوة… ثم أخرى..

ولحد الآن لم تظهر ردة فعلها على ما تراه في مطبخها، يداه تسللت إلى خصرها و بنفسه جذب رداءها يغلقه على سائر جسدها، وللكل كان يظهر أنه يلقي عليها تحية بطريقة حميمية جدا، إلا أنهم لم يستمعوا إلى ما همس إليه عند أذنها :
1

" تصرفي بشكل يليق بإمرأة متزوجة جليندون، لا أعتقد أنك ستحبذين فكرة أن يمضغك موظفيك على أفواههم…"
5

ثم استدار إلى وجوه موظفيها المصدومة، بابتسامة هادئة، ثابتة، تحمل من الوقاحة بقدر ما تحمل من الفخامة:
"أظن أن لقائي بكم… أمس، لم يكن بأفضل صورة. أعترف أنني كنت غير مهذّب.."

رفع يده قليلًا، كمن يعلن اعترافًا رسميًا، ثم التفت نحو جليندون، يثبّت عينيه عليها بثقة من يعرف أنه يمسك بالخيوط كلها:

"خصوصًا… بسبب شجارنا صغير..كان خطئي وحدي.. كان ينبغي عليّ ألا أتأخر عن عيد زواجنا الرابع.."
13

شجار قصير يبدو أن إصطدام المزهرية برأسه السميك لم تغير شيء.. هي بحق الجحيم هدمت المكتب عليه، شجار انتهى بها في المستشفى… و مازال يقول صغير..

ارتفعت همهمات صغيرة حول الطاولة؛ دهشة، فضول، محاولة فهم سياق لم يكتمل بعد..

أما جليندون، فجلست كصخرة مضروبة بصاعقة… لا تتحرك، لم تومئ و لم تعلق على  شيء..

كيف يجرؤ؟.. عيد زواج؟..تأخر؟..اعتذار؟
وكل ذلك أمام موظفيها؟..

هو فعلا لم يحظر في عيد زواجهما الرابع قبل شهر، كما فعل مع العيد الأول و الثاني و الثالث، لم يحضر لأي منهما قط.. فعلا.. لكن أن يعتذر؟!..  لا هذا ليس أورلوف الذي تعرف، هذا ليس زوجها الوغد… هذا يحاول لعب لعبة و إدخالها كبيدق دون أي قواعد..
1

وكأن عقلها يحاول اللحاق بواقع اخترعه للتو، بينما هو يعيد ترتيب العالم حولهما كما يشاء..

اقترب منها خطوة أخرى، خفيفة، محسوبة… انحنى إليها قليلًا، يترك صوته ينساب بعمقٍ لا يسمعه سواها:

"أعرف أنني كنت قاسيًا معكِ… وهذا آخر مكان يجب أن تذرفي فيه دمعة.."

وغد، إنه وغد لكن إن كان يظن حقا أنها ستذرف عليه الدموع بعد الأن فهو حقا دخل اللعبة الخطأ..
3

ثم استقام، ينقل نظره للجميع بثقة رجل يملك مطعمًا ويدعو زبائنه لتجربة الطبق المفضل لديه:

"أرجو أن تعذروني جميعًا… زوجتي تستحق أفضل مما كنت سأقدمه.."

الجملة الأخيرة سقطت في المكان كحجر ثقيل…

وثقيل جدًا على صدرها هي..

قبل أن تستفيق من صدمتها، مد يده ليقودها إلى الكرسي بجانبه؛ حركة لطيفة في الظاهر، لكن قبضته على منتصف ذراعها كانت تذكيرًا صارخًا بمن يملك زمام الدور المسرحي..

جلست… مجبرة، مرتبكة، وداخليًا غاضبة حد الاختناق..

كيف دخل؟..من فتح له الباب؟..من استدعى هؤلاء؟..كيف عرف أنهم سيأتون؟..ولماذا… لماذا الجميع يجلس في مطبخها وكأنهم في اجتماع عمل داخل منزل زوجين مثاليين؟..

فكرة بطيئة، خانقة، بدأت تلتف حول عقلها كدخان أسود…فكرة كان يجب أن تتوقعها…فكرة لا تؤذي الجسد بقدر ما تؤذي الإدراك:

هذا اللعين… يرسم صورة.. واجهة..مسرحية كاملة..

واجهة الزوج المُخلِص، المندم، الحاضر أمام زملائها..

واجهة الحياة الزوجية الهادئة التي لم يعرفها أيّ منهم…واجهة تجعل من المستحيل… المستحيل أن يُصدَق عبارة:

"لسنا متزوجين.."

وإن استلمت هي القضية ضده؟. .ستظهر بمظهر المرأة التي تسعى لإسقاط رجل “يعشقها” حسب ما يراه الجميع…ستفقد مصداقية عملها و عملائها… كإمرأة لا يُثق بها، أطاحت بزوجها في غرض المال أو سلطة، فكيف سيستطيع أحد أن يوكلها كمحامية له بينما هي رفضت أن تكون وكيلة لزوجها؟!!!
9

غير منطقي، صحيح، لكن هكذا يرى قانون المدافعين…

فخ.. .مصيدة.. والأسوأ… أنه يبتسم وكأنها ليست أول مرة يفعل هذا..

أعادها إلى الواقع همس الكراسي، حين بدأ فريقها يسألها…ليس بحماس، بل بحذر ظاهر..

"جليندون… هل تشعرين بتحسن؟"

"كيف حال الصداع؟ هل أصبح أخف؟"

"هل تحتاجين أن نتكفل ببعض الملفات اليوم؟"

كانت كلماتهم تهطل عليها كما لو أنها تأتي من تحت الماء…

بعيدة، مبللة، غير مفهومة..قلبها يدق أسرع من قدرتها على الرد..

تشعر أنها محاصرة في بيتها، وسط قوقعتها ، بجانب رجل لا يجب أن يكون هنا…ولا يجب أن يلمسها…ولا يجب أن ينطق كلمة زوجتي..

وقبل أن تجد صوتها، كان بافيل ينهض من كرسيه، يبتسم نحوها بقلق حقيقي:

"ظننتُ أنك لن تنهضي اليوم… هل أنتِ بخير الآن؟"

اقترب منها، منحها عناقًا سريعًا، مهنّيًا… لكنه يبقى عناقًا…دوّى الصمت..
5

وجه أورلوف لم يتحرك، لكن عينيه أصبحتا سكينين باردتين؛لا يرف لهما جفن..
1

نظرة حادة، صامتة، مرعبة، كافية لقطع الهواء بينهما..

ابتعد بافيل فورًا، دون أن يعرف لماذا… فقط شعر أن مكانه لم يعد ملكه..
4

ثم سكب لها أورلوف قهوتها بصمت، وضع الصينية أمامها ببطء دقيق كأن كل حركة جزء من عرض محسوب،ثم مال إليها و نظراته مازلت تخترق بافيل :

"تناولي شيئًا… لن تجلسي أمام موظفيك بهذه الشحوب .."

دفع لها صحن الحلوى، وتابع بنبرة منخفضة، مطمئنة…لكنها خالية من أي دفء:

"هذه الحلوى من إعداد زوجتي… لذيذة بما يكفي لزحزحة انضباطي الرياضي لو لم أكن صارمًا.."
11

ضحكات خفيفة صعدت من الطاولة..ضحكات مبالغ بها—بينما بقيت جليندون صامتة، جامدة، مدركة أخيرًا ما فعله:

أورلوف لم يقتحم منزلها فقط…بل اقتحم روايتها كلها وأعاد كتابتها أمام الجمهور بالطريقة التي تخدمه وحده..

والأخطر من ذلك…أن الجميع بدأ يصدقها..

مرت خمس وأربعون دقيقة كاملة…

خمس وأربعون دقيقة من تمثيل محسوب، من تنفّس مضبوط، من إيماءات صغيرة تشبه الخيوط التي يخنق بها شخصان بعضهما بابتسامة..

هو يلعب اللعبة بثقة ساحرة…وهي تسايره لأن الانفجار أمام موظفيها سيكون كارثة قانونية قبل أن يكون كارثة عاطفية..

وما إن شعرت أن الهواء صار ضيقًا، وأن وجودهم في بيتها صار كإبرة في صدرها، حتى رسمت تلك الابتسامة…

الابتسامة المدبّبة التي تعرف مساعدتها معناها جيدًا..

قالت، وهي تجمع ذقنها برفق كمن يفرض النظام:

"هل رتبتم ملف قضية الظهيرة لليوم؟"

توقّف الحديث كله.. التفتت العيون نحو مساعدتها والمتدربين، يبحثون عن أي مانع يفك شفرة هذا التحول..

فهموا سريعًا؛ جليندون تتكلم عن عمل الآن..

وهذا، في عرف المكتب، ليس سؤالًا… بل إشارة نهائية:

انهضوا..
5

بدأت المساعدة تتلعثم عن الملفات، عن النقاط، عن المرافعة. كلماتها لم تكن مهمة…المهم أنها قامت عن الكرسي.

وعندما وقفت، تبعها إثنين متدربين دفعة واحدة و زملاء الكثيرين كأوراق شجر تجرها الريح، ثم توقفت أمام جليندون، مترددة، نبرة صوتها ناعمة، قلقة:

"ألا يجب أن تكوني اليوم في راحة؟"

رفعت جليندون حاجبًا رفيعًا، وازدادت ابتسامتها زيفًا حتى لمع الأزرق في عينيها كحدّ شفرة:

"لا يا عزيزتي… ومن أخبركِ بهذا؟"

نطقتها بصوت ساكن، رخيم، لكنه يحمل تحت طبقاته إنفجار مكتومًا لا يسمعه سوى امرأة تعرف حدود الصبر..

فهموا الرسالة فورًا..

ارتفعوا جميعًا، يشكرون الضيافة بتوتر مهذّب، يلمّون أغراضهم بسرعة…

وأورلوف يسير بينهم كـمضيف ملكي، يفتح لهم الطريق بلباقة، يبتسم بثقة تليق برجل يعرف أنه ربّ المعركة حتى حين يخسرها..

رافقتهم جليندون حتى الباب، كتفها مشدود، شفتيها ثابتتان…حتى خرجوا واحدًا تلو الآخر..

وما إن انغلق الباب خلف آخر واحد منهم، وقبل حتى أن يستدير أورلوف نحوها، سمع صفيرًا حادًا يمر بجانب أذنه..

ثم بــهــدّة مكتومة ارتطمت المزهرية برأسه من الخلف، وانفجرت قطعها على الأرض كزجاج يصرخ..
31

ارتكز بيده على الباب، يضغط على الخشب بقوة، يزفر بضحكة صغيرة، مستسلمة، وقحة..

ضحكة رجل تلقّى الضربة وأعجبته جرأتها..ثم قال، دون أن يحاول الاحتماء:

"اصبري… حتى نسمع هدير المحركات وهم يغادرون.."
5

لم تنتظر ثانية..مدّت يدها إلى خزانة الأحذية، أمسكت بنعالها الأول، ثم الثاني…
4

ورمتهما نحوه بسرعة دقيقة جعلته يرفع ذراعه بلا جدوى..

الأول أصاب كتفه..الثاني ارتطم بساعده…والثالث… حاول التقاطه، نجح نصف نجاح، لأنه كان في الوقت نفسه يتلمّس مؤخرة رأسه حيث اصطدمت المزهرية..

هز رأسه بضحكة قصيرة :

"لقد أصبتُ بجروح معكِ أكثر مما أصبتُ في ميدان الحرب.."
9

قالها في اللحظة نفسها التي دوّى فيها صوت محركات سيارات الفريق وهي تتراجع خارج الساحة..

تقدمت نحوه بخطوات سريعة، قوية، كتفها يصدمه بقسوة مقصودة، فتحت الباب من جديد، نظرت إلى الخارج لثانية واحدة… فقط لتتأكد..

وحين تأكدت أنهم جميعًا غادروا؛ فتحت الباب على وسعه، عادت إليه، وقفت أمامه كجدار..
1

دفعت صدره براحتها بقوة، دفعة جعلته يتراجع خطوة نحو العتبة.. ثم قالت من بين أسنانها، بنبرة منخفضة، تهتز من الغضب، بينما زرقة عينيها اتسعت كعاصفة:

"اخرج من هنا…قبل أن أقتلك.
هذه المرة… أقسم أنني سأفعلها.."
2

وقفت ثابتة، لا ترمش، لا تتراجع، كتفها يعلو وينخفض من شهيق غاضب..

وهو… واقف عند الباب، يحدق فيها بابتسامة خافتة، غامضة، كأنه يرى شيئًا لا يراه غيره؛ شيئًا يزيده رغبة بالبقاء، لا الرحيل..

ومع ذلك، تحرك..لأنها لم تعد تطلب..كانت تهدّد..

سمح ليديها الصغيرتين أن تدفعه إلى الخارج… لم يقاوم، لم يشدّ ذراعها، لم يقُل كلمة واحدة. فقط تركها تفعل..

ترك إصبعين فقط يضغطان على صدره في البداية، ثم راحة يد كاملة، ثم كلا الكفين… تدفعه، تدفعه، حتى عبر العتبة..

وحين أغلقت الباب؛ أغلقت بعنفٍ جعل الخشب يرتجّ في المفاصل وجعل الأرض تتحرّك تحته كأن البيت بكامله ارتطم به..
2

لم تترك له حتى صوت تنفّسها خلف الباب… فقط الصمت..الصمت الذي يشبه صفعة..

خرج مباشرة إلى العاصفة.. الثلج كان يتساقط عشوائيًا، قطرات ثقيلة تلسع الوجه كالحصى، والهواء سديم بارد يخترق الجلد..

ومع ذلك لم يهتزّ…لا شيء في هذا البرد كان قادرًا على الوصول إليه كما فعلت نظرتها قبل دقائق—نظرتها المستسلمة، الهادئة بشكل مؤلم، تلك التي تخنقه أكثر من أي صراخ كانت ستطلقه في وجهه.. أو مزهرية..
2

كان يتمنى لو أن لديه طريقة أخرى… لو أنّ كل خطوة لم تكن حسابًا خاطئًا يدفع ثمنه قبلها..لكن الحقيقة القاسية كانت تطرق جمجمته:
1

بقاؤها معه… ليس في صالحها..

ما إن اختفى وجهها خلف الخشب، حتى سقط عن ملامحه ذلك القناع اللعوب الذي ارتداه أمام موظفيها، وبدلًا منه ظهرت نظرة رجلٍ مستنزف… رجلٍ يعرف أنه يمسك نارًا بيدٍ عارية ولا يستطيع فعل شيء سوى تركها تلتهمه..
1

أدخل يده في جيب بنطاله الرياضي، تحسّس المفاتيح..

الحمد لله لم يتركها في الداخل.. هاتفه أيضًا كان في جيبه..انغرزت خطواته في الممر الثلجي، تتثاقل بين الثلج والماء مثل خطى رجل يعود من معركة وليس من مطبخ امرأة لا تريده بالقرب منها..

وصل سيارته، فتح الباب، جلس، أغلقه بقوة كأنّه يغلق على إحساس لا يريد مواجهته..

شغّل المحرك، ضغط على البنزين، خرج من ساحة المنزل بسرعة متوترة…كأنه يريد الهروب من شيء يتبعه من الداخل لا من الخارج..

لم يكن هذا ما أراده…لم يكن يريد تمزيق طمأنينتها بهذا الشكل، ليس الآن، وليس هكذا…

ذلك يقتله…يقتله حين يرى ألمًا يمرّ في زرقة عينيها ثم تختبئه خلف جدران من صرامة لا تلائم ملامحها الرقيقة..

يقتله أنها تنظر إليه وكأنه غريب… بعد أن كان كل عالمها لوهلة..
5

هو يريد حمايتها…لكنه نسي تمامًا أن يحميها منه..
1

أربع سنوات بعيدًا عنها…استنزفته..طحنته..وملأته بنفاد صبرٍ مرّ..
3

ضغط على البنزين أكثر، فارتفعت السيارة فوق طبقات الماء والثلج كما لو كانت تكاد تنفصل عن الإسفلت..

لافتات علامات التحذير تتوالى على جانبي الطريق..لكنه كان أعمى عن كل شيء..

كل تفكيره… فيها..فقط فيها..

لحظة واحدة فقط من شرودٍ أطول من اللازم؛ فسقطت السيارة نحو الانحدار الزلق، انزلقت مثل حجر على سطح جليدي، وجنح المقود من بين أصابعه..
9

شدّه بكل قوته، أوقف السيارة في آخر لحظة، أنفاسه تتضاعف، صدره يرتفع بشكل مؤلم، وحرارة أعصابه تتصادم مع برودة الهواء داخل السيارة..
3

لم يرَ شيئًا أمامه…سوى زرقة عينيها..

وجهها..تفاصيلها الصغيرة..

جسدها حين ارتجف أمامه لأول مرة..

كله…كل شيء فيها يسكنه..
وكل شيء يدمّره..

دمّر علاقتهما قبل أن تبدأ… قبل خمس سنوات..خمسة لعينة…قبل حتى عام ما زواجهما..

خمس سنوات وهو يهرب منها…

ويتجاهل أنها زوجته…ويحارب هوسًا أعمى أدمنه منذ اللحظة الأولى..
6

أغلق عينيه، زفر عميقًا، ثم سحب حقيبته العسكرية الصغيرة من المقعد الخلفي، أخرج الحاسوب المحمول، فتحه..

وبحركة اعتيادية، فتح هاتفه، نقل له الشيفرة التي أخذها بالأمس؛ أخذها وهي نائمة، في اللحظة التي كاد يستسلم فيها لرغبة الانزلاق بجانبها تحت الملأت…
2

لكنه بدل ذلك أرسل البريد الإلكتروني إلى موظفيها، يدعوهم بلطفٍ رسمي للحضور صباحًا..

كان كل شيء… مخطّطًا.. وكل لمسة منحها إياها امامهم… كان يستغلّها قبل أن تتبخر منه مجددًا..
4

أدخل الشيفرة..عبث بإعدادات الحاسوب..

ثم انفتحت أمامه صفحة جديدة…مرآة رقمية تعرض شاشة حاسوبها بالكامل، كما لو كان بين يديه..
3

تجاهل رسائل العمل..تجاهل الملفات…ودخل إلى ملف الصور.

صور لها وهي تطبخ…
صور ليدها تقطع الخضار…
صور لكعكتها الصغيرة و حلويات…

كان يحدق، وعيناه تشتعلان بشيء يشبه النار؛  نار رغبة، وندم، وتملّك، وشيء آخر… أسوء من كليهما..
1

ثم—توقّف..

صور لهما..

معًا..
لم تحذفها كما قالت له..

كذبت.. كذبت عليه..
3

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة… داكنة..

ابتسامة رجل يعرف أن ما يكسره، يكسره لأنه يريده بشدة لا يقدر على احتمالها..

كبَّر الصورة..

هو، في بزته العسكرية، يتكئ على شاحنة ميدانية…

وهي… جالسة في حضنه، بزي عسكري ضيّق، شعرها مربوط للأعلى، ووجهها يلمع بحيوية أثقلت قلبه منذ أول نظرة..
10

كانت أجمل امرأة رأته عينه—وما زالت.. وستظل..

لكن هوسه…

ذلك الذي شخّصه له معالج القاعدة العسكرية…هو الذي جمعهما بعد فراق .. وهو الذي يعذّبها الآن..
4

وهو الذي لا يستطيع السيطرة عليه..

ورغم ذلك…رغم كل شيء…لم يندم يومًا أنه تزوجها..
ولا ندم أنه استغلّ ضعفها حينها..
3

لأن الحقيقة التي يحاول دفنها منذ خمس سنوات ليست معقّدة:

هي له..ولطالما كانت له..

رنّ هاتفها على شاشة هاتفه هو..

لثانية توقّف قلبه… ثم تسارعت نبضاته كأنها طلقة انطلقت في صدره..

ظهور اسم جليندون على هاتفه ..كان كأن شيئًا في داخله استدار نحو الضوء فجأة… شيء لم يعترف به منذ زمن، لكنه كان دائمًا هناك، ينهش، ينتظر فرصة..
2

فتح المكالمة قبل أن يكتمل الرنين الثاني.. لم يقل شيئًا… فقط علّق أنفاسه ليستمع..

وصل صوتها مشتعلاً، منقطعًا بين الغضب والتحكم في النفس، يرافقه خيط متوتر من زفرات قصيرة:

"عُد إلى المنزل الآن… عائلتك بأكملها هنا.. "
13

استقام في مقعده ببطء، ظهره يلتصق بالمقعد، كتفاه يتشنجان معًا، والجليد في عينيه يتحوّل إلى حدّة لامعة..

قال بحدة منخفضة:

"…ماذا؟"
2

جاء صوتها أسرع:

"قلت لك، والداك و إخوتك هنا.. تعال الآن… وبسرعة.. "
1

انفلت من صدره نفس طويل..نفس منحوت على شكل ابتسامة خطيرة تتسلّق ملامحه، تلك الابتسامة التي لا يظهرها إلا حين يخسر آخر قيد كان يمسك نفسه به..

لم يصدّق أنها اتصلت به.. حتى لو كان السبب فوضى عائلته التي اقتحمت منزلها دون إذن…

هو لا يهتم…المهم أنها اتصلت.. المهم أن صوتها يبحث عنه..

لامست أصابعه ذقنه، ثم قال بصوت أجشّ، خشن، مشبع بغرور يتقن ارتداءه:

"ترجيني.. "
سكون..
23

ثم صرخة حقيقية من طرفها الآخر، حادة، مصدومة:
3

"ماذا؟!"

اتسعت ابتسامته، خطيرة، وغامرة بلذّة صغيرة لا يعرف إخفاءها:

"كما سمعتِ… ترجيني كي أعود.. "
9

سمع خطواتها تتسارع— خشخشة أرضية تحت قدميها… باب يُغلق بعنف… ثم صوتها يندفع عبر السماعة مثل سهم يحترق:

"أقسم يا أورلوف… إن لم تعد خلال عشر دقائق، سأطردهم جميعًا.. كما طردتُكَ أنت قبل خمس دقائق.. "
13

ثم— طعنة صوتية. إغلاق الخط في وجهه..
4

تجمّد للحظة..ثم انفلتت منه ضحكة حقيقية… ليست ساخرة، بل متفاجئة، مذهولة، وعميقة من مكانٍ لم يعترف به منذ سنوات..
1

رفع الهاتف، نظر إلى رقمها، إلى اسمها يلمع أمامه، وقال بصوت منخفض يقترب من الهمس:

"كانت مزحة… لماذا غضبتِ؟.. "
12

ازدادت الضحكة، خافتة وهو يدير السيارة بعزم جديد، ملامحه تتقلّب بين التحدي والافتراس والشيء الذي لا يريد الاعتراف به:

لهفةٌ تشدّ أنفاسه نحوها… خرابٌ جميل لا يخص إلا جليندون وحدها..
8

.     .     .      .     .


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات