رواية احفاد نصار الفصل الثامن 8 بقلم دنيا كريم
8 = أحفاد نصار "مكتملة" - الفصل 8 "خطة للنجاة" - 8 /
للجميع@
الفصل 8 "خطة للنجاة"
استلقت على فراشها تنظر إلي السقف بشرود لتبتسم تلقائيًا عندما تذكرت هذا الحديث الذي دار بينهم قبل ساعات قليلة والذي منذ حينها وهي لا تستطيع إلا أن تتذكر كلماته لها و تبتسم ...
شعرت بالملل من هذه الجلسة لتستقيم من مقعدها وتقول وهي تتجه للشرفة:
" ها اقعد في البلكونة شوية اشم هوا "
تركتهم و ذهبت الي الشرفة لتقف بها ، اخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها واخذت تنظر فيها لتعدل من وضعية حجابها الذي لم تعتد عليه بعد و بعد أن انتهت أعادت المرآة الي حقيبتها مرة أخرى و اخذت تنظر إلي الفراغ أمامها بشرود ، قاطع شرودها دلوف أحدهم الي الشرفة لتنظر وتجد أنه الوحيد الذي لم تتوقع مجيئه ، رفعت حاجبيها بدهشة عندما جلس على احد المقاعد يعبث بهاتفه دون الاكتراث لها ، لترسم ابتسامة ساخرة على جانب ثغرها وتعود للنظر الي الشارع بالاسفل مرة أخرى لكن هذه المرة بغيظ .
دام الصمت عدة دقائق لتقرر الذهاب الي الداخل وقبل أن تتجه ناحية الخارج أوقفها وهو يقول بهدوئه المعتاد :
" استني "
وقفت ثم نظرت إليه تنتظر أن يسترسل حديثه ، ليترك مقعده ويقف أمامها ثم يشير على حجابها ويسألها :
" لبستيه علشان الكلام الي انا قولتهولك ؟ "
رفعت حاجبيها بدهشة و أجابت على سؤاله بسؤال آخر بعيدًا عن إجابة سؤاله:
" هو انت بجد لو ماقولتش كلام قليل الذوق ويضايق مش بتحس انك مرتاح ؟؟ "
كانت نظراته لها ثابتة لم يتأثر ولو قليلًا بحديثها لتضع يدها على خصرها وتقول متعمدة اغاظته :
" طب معلش فكرني اي الكلام الي انت قولته علشان نسيته وماكنش هاممني "
اومأ برأسه وقال بابتسامة أثارت غيظها :
" طبعًا و ماله ، قولت انك غبية ومش بتعرفي تاخدي حقك ... ابقي افتكري بقى كويس "
اشتعلت غضبًا وضغطت على قبضة يدها وهي تطالعه بغيظ بينما هو بادلها تلك النظرات الحادة بابتسامة جعلتها تغضب أكثر ، وللمرة التي لا تعرف عددها تخسر أمامه في حرب الاستفزاز التي بينهم و يستطيع هو ببراعة إشعال فتيل غضبها ويراقب اشتعالها بكل هدوء !
كانت سوف تغادر لكنها تراجعت وقررت المواجهة لتعود و تقف أمامه قائلة بتحدي :
" على فكرة بقى انا مش غبية وبعرف اخد حقي كويس وماسمحلكش تقول عني كده "
عاد للجلوس على مقعده بأريحية وأخذ كوب القهوة الخاص به ليرتشف منه ثم وضعه على الطاولة مرة أخرى ليعود للنظر إليها ويسألها بابتسامة :
" كنتِ بتقولي حاجة يا هنا ؟ "
ليضع يده على رأسه متصنعًا التذكر ثم يقول بسرعة كأنه تذكر للتو :
" يا اسيل sorry "
رفعت حاجبيها وهي تطالعه بغير تصديق لتومئ برأسها من بعد ذلك وهي تقول بابتسامة صفراء:
" ولا يهمك يا طارق "
ثم تأففت بضيق وقالت وهي تتأهب للرحيل :
" وعلشان امشي من هنا قبل ما ارتكب جريمة ، حابة اعرفك بس اني مالبستش الحجاب علشان اي حاجة انت قولتها ، انا بس ببساطة ماكنتش مقتنعة بيه ولما شوفت سما و بسمله لابسينه حبيته وكمان لما اتعاكست في الشارع حسيت إن أنا اديت للشباب دول الفرصة أنهم يعاكسوني وعلشان كده قررت اخد خطوة واطور من نفسي ، و بما اني بقيت بصلي يبقى لازم اتحجب كمان "
اومأ برأسه وقال بأختصار :
" كويس "
انهت ما أرادت أخباره به وأعطته ظهرها لتغادر لتسمعه يقول من الخلف :
" لا بس شكلك حلو "
لم تستطع وأد تلك الابتسامة التي علت وجهها عند سماع كلماته ، ليكمل هو :
" دكتور التجميل عامل شغل جامد "
تلاشت ابتسامتها لتنظر إليه بصدمة ، لتغادر وتغلق باب الشُرفة خلفها بغيظ عائدة إلي الداخل وفي النهاية ارتسمت ابتسامة على محياها عندما تذكرت ما حدث مرة أخرى ! .
تنهدت وهي تطالع السقف ولم تستطع إزالة تلك الابتسامة التي رافقتها منذ ذلك الحين ، ليقطع شرودها هذا دلوف «هنا» الي الغرفة والتي قالت بسخرية :
" وده من اي ده ؟ "
انتبهت إليها «اسيل» لتقول بغيظ :
" الضحك حرمتوه علينا كمان "
جلست «هنا» جوارها على الفراش لتقول وهي تعبث بإحدى خصلاتها :
" لا ، بس لما يكون ضحك ليه سبب "
ثم اقتربت منها وقالت بنبرة مستفزة :
" ولا السقف بيقول نكت ؟ "
تأففت «اسيل» بأنزعاج لتسحب الغطاء عليها وتعطي ظهرها لشقيقتها مُقررة النوم دون استكمال هذا الشجار عديم الفائدة .
_________________________________
دلفت «هنا» الي القاعة الخاصة بمحاضرتها التالية وهي تتثائب بنعاس بعدما لم تأخذ وقتها الكافي في النوم ، جلست على أحد المقاعد تعبث بهاتفها منتظرة قدوم دكتور المادة لتسمع صوت من خلفها يقول بمرح :
" وانا بقول المدرج نور ليه "
التفتت لترى المتحدث لتجده أحد زملائها والذي يدعى «مروان» لتطالعه و تقول بنعاس :
" مش فايقة والله يا مروان تعالى استظرف في وقت تاني "
كانت تبدو مُضحكة للغاية وهي تتثائب كل دقيقة ومع قولها هذا لزيملها بنبرتها الناعسة جعل جميع اصدقائه الذين كانوا يقفون معه ينفجرون في الضحك
عادت هي للنظر في هاتفها متجاهلة وجودهم لتجده يقفز من المقعد الذي خلفها ويجلس بجانبها لتقلب عيناها بملل وتقرر تجاهله ، كانت تنتظر منه اي مضايقات كعادته لكن ما استغربته هو هدوئه الشديد ، فقط كان ينظر إليها في صمت ما دفعها لسؤاله :
" هو في حاجة على وشي ولا اي ؟ "
ابتسم و اجاب بنبرة هائمة :
" زي القمر "
تأففت بأنزعاج وكادت تغادر المكان مُقررة أن تجلس في مكان اخر لتسمعه يقول من الخلف :
" يعني ها تفضلي مش واخدة بالك اني بكراش عليكِ ؟"
انكمش حاجبيها باستغراب و رغم عدم فهمها لما قاله للتو غادرت دون أن تسأل وذهبت لتجلس في مكان اخر .
________________________________
دلفت «اسيل» الي مكتب المدير بعدما سمح لها بالدخول لتضع بعض الأوراق على مكتبه وهي تقول :
" كل الحسابات بتاعت الاسبوع ده كده مظبوطة "
اومأ لها برأسه و قال بابتسامته البشوشة :
" ماشي يا اسيل ، انا برضو ها اراجعهم كمان مرة "
ابتسمت له وكادت تغادر لكنها توقفت لتسأله بتردد :
" هو حضرتك تعبان يا استاذ هاشم ؟ "
انتبه لسؤالها ليقول بمرح :
" ده هما شوية صداع بس انا لسه بصتحي وشباب اهو "
ضحكت على مزاحه ثم قالت بجدية :
" بس لازم تكشف برضو اصل ... بصراحة شكلك تعبان اوي "
" ماغلطش لما قولت اني بحب اعاملك زي بنتي "
هكذا قال وكانت ابتسامته تدل على امتنانه لها تعلو وجهه لتبتسم هي الاخر و تقول بصدق :
" ربنا يعلم يا استاذ هاشم اني فعلًا بحسك زي بابا بالظبط اكتر من صاحب الشغل بكتير "
اومأ لها ليقول بنبرته المرحة :
" وعلشان عيونك الحلوة دي أنا ها اروح اكشف ياستي "
اتسعت ابتسامتها لتومئ له عدة مرات وتغادر بعدما دعت له بالشفاء لتعود إلي عملها من جديد .
_______________________________
لا يدري كم من الوقت قد مر وها هو كعادته يجلس في هذا المقهى الذي ارتاده منذ اسبوع واصبح يأتي إليه يوميًا و بداخله لا يدري ما السبب لكنه ببساطة يرغب في رؤيتها ، آفاقه من شروده صوتها الرقيق وهي تقول :
" البرتقال يا فندم"
نظر إليها ليبتسم بهيام و يقول :
" احلى برتقال في الدنيا ده ولا اي ؟ "
ضحكت على مشاكسته لتغادر وهي تنظر إليه بابتسامة ليبادلها هو تلك الابتسامة ويشرب مشروبه وهو يطالع أثرها بهيام وكل ما يشغل تفكيره هو طريقة ليراها كل يوم وقت أطول من هذا .
مر اليوم الذي انتظره الجميع أن ينتهي بفارغ الصبر وها هم أخيرًا مجتمعين في النادي الخاص بهم وكل منهم يسرد ماحدث معه اليوم كعادته ، كانت «سما» تضع يدها على وجنتها بملل وهي تعبث بهاتفها بعدما وجدت أن الجميع منشغل في سرد ما حدث في يومه بينما هي ظلت في المنزل دون فعل شيء .
كان «يزن» يجلس في صمت وهذا ما استغربه الجميع فليست عادته الهدوء لتسأله «سما» باندهاش :
" اي الهدوء ده يا يزن لا ماتقولش انك عقلت ! "
طالعها «يزن» بضجر دون أن يتحدث ليعود ليشرد أمامه مرة أخرى ، وبعد عدة دقائق وهو على هذه الحال هتف بحسم :
" انا قررت اشتغل دليفري "
انكمشت تعابير «سما» لتسأله بعدم فهم:
" وده ليه ده ؟ "
حرك كتفيه وهو يقول ببساطة :
" علشان مش لاقي شغل بشهادتي وفي مطعم كده جنب الكافيه الي انا بروحه طالب طيارين دليفري ها اجرب حظي "
" وجهة نظر تحترم "
قالتها «هنا» باقتناع بينما سألته «سما» وهي تفكر :
" طيب مش المفروض تقريبًا يبقى معاك موتوسيكل ؟ "
اتسعت عيناه بصدمة بعدما أدرك للتو احتياجه للدراجة النارية كي يوصل الطلبات ليقول بتردد وهو يحاول التمسك بالأمل :
" ها احاول اشتري واحد "
تنهدت بيأس وهي تحرك رأسها بلا فائدة ، كان «طارق» يتابع حديثهم في صمت ليخرج من صمته مؤيدًا فكرة «يزن» :
" حلو انك بتحاول ، أسعى يالا وماتخليش حد يحبطك "
كان ينظر إلي «سما» بطرف عينه لتنظر هي اليه بدهشة بعدما فهمت أنه يتحدث عنها لتشيح بنظرها عنه وهي تعقد ذراعيها بتذمر .
ضحك «طارق» على مظهرها الطفولي وقال وهو يضحك :
" عاملة زي نور بالظبط لما بتزعل "
انهى جملته لينظر حوله وهو يقول بإدراك :
" هي فين نور ؟ "
لاحظ الجميع الان عدم تواجدها وقبل أن يقول أحدهم اي شيء وجدو «نور» تدلف الي الداخل مندفعة وتقول وهي تلهث بتعب :
" لقد تم خداعنا يا رفاق "
نظر إليها الجميع بعدم فهم لتجلس هي على أحد المقاعد وتتناول زجاجة المياه وتشرب وهي مازالت تلهث ليسألها «طارق» بدهشة :
" في اي يابنتي هو أنتِ كنتِ في سباق الجري 100 كيلوا ؟ ، بتنهجي كده ليه ؟ وبعدين اتخدعنا ازاي بالظبط ؟ "
كانت تشرب من زجاجة المياه و كأنها لم تشرب منذ قرون ، وهو انهال عليها بأسئلته لتشير له بيدها أن يتمهل ، و بعد أن روت عطشها وضعت الزجاجة جانبًا ثم بدأت في قص عليهم ما حدث قائلة :
" كنت واقفة مع ماما في المطبخ لا بيا ولا عليا قولت اخلص معاها الاكل وبعد كده اطلع اقعد معاكوا وكنا واقفين بنتكلم عادي لقيتها بتقولي كويس أنكوا بقيتوا بتاكلوا اكل كتير من بتاع مصر وبالذات الفول علشان ها ناكله كتير الايام الي جاية "
كانوا جميعًا يستمعون إليها باهتمام لتكمل ما بدأته قائلة :
" طبعًا أنا سألتها اشمعنا الايام الي جاية راحت قالتلي علشان رمضان خلاص فاضله حوالي عشر ايام "
صمتت لترى ردة فعلهم لتسألها «هنا» عندما وجدتها إطالة الصمت :
" أيوة يابنتي فين المشكلة ؟ "
تنهدت «نور» لتكمل لكن هذه المرة تذكرهم بأحد المواقف التي حدثت معهم :
" فاكرين اول يوم فطرنا فيه مع تيتا وسيبنا الاكل و مشينا ؟ "
اومأ لها الجميع دلالة على تذكرهم فأكملت قائلة:
" اليوم ده تيتا قالتلهم ها اجيبكم تفطروا معايا تاني بعد شهر وعايزة اشوف تصرف احسن من ده من عيالكوا "
تأففت «سما» و قالت بأنزعاج:
" ما تخلصي يا نور ، فاكرين كل ده بس برضو أي علاقة ده برمضان ؟ "
" ماتصبري يا سما مش بشرح "
استغفرت «سما» بصوت منخفض ثم نظرت إليها قائلة بنفاذ صبر :
" اتنيلي ياختي وخلصينا "
طالعتها «نور» بسخط ثم أسترسلت حديثها:
" انا بقى لما حسبت المدة الي تيتا اديتها لعمامي وبابا مع المدة الي عدت طلعت شهر برضو ، يعني ده معناه أن تيتا ها تخلينا نفطر معاها اول يوم رمضان "
قالت اخر كلماتها بذعر ما جعل «اسيل» تقول وهي تستجمع كل ما قالته «نور» بتركيز :
" انا بحاول افهم فين المشكلة "
وضعت «نور» يدها على رأسها بيأس ثم أسترسلت حديثها بنفاذ صبر لعلهم يفهمون :
" تيتا اختارت اول يوم رمضان بالذات علشان تعرف احنا عرفنا نتأقلم على الوضع الجديد ولا لا "
كان «طارق» يستمع الي شقيقته بأنصات ليضع يده على ذقنه سائلًا بحيرة:
" اشمعنا رمضان يعني الي ها تكتشف فيه احنا اتكيفنا فيه مع الأوضاع ولا لا ؟ ، طب ما ممكن تختار اي يوم عادي يعني "
طفح كيلها لتهتف بضجر هذه المرة :
" لا طبعًا ، رمضان بتختلف فيه الأوضاع أولهم السحور الي ها يبقى عبارة عن فول و طعمية وكل الاكل الي احنا بنحاول نتعود عليه ده ، غير بقى الفطار الي ها يبقى عبارة عن أكل عمرنا ما شوفناه في حياتنا ، يعني من الاخر كده اجواء رمضان دي مايتأقلمش معاها غير المصري الاصيل "
كانت «هنا» تنظر إليها بدهشة ليراودها سؤال اخر لتسألها بفضول :
" وأنتِ عرفتي كل ده عن اجواء رمضان ازاي ؟ "
عقدت «نور» ذراعيها وقالت بغرور :
" انا معرفتي واسعة يابنتي "
رمقها «طارق» بنظرة مندهشة ساخرة لتفك عقدة ذراعيها و تمط شفتيها قائلة بتوتر:
" اتفرجت على فيلم عسل اسود "
هتفت «اسيل» بغيظ :
" بقى مصدعة دماغ امنا من الصبح عن الكوارث الي ها تحصل في رمضان وأنتِ واخدة الفكرة عن رمضان كلها من فيلم عسل اسود؟! "
" على فكرة بقى احداث الفيلم حقيقية "
قالتها «نور» وهي ترمق «اسيل» بأنزعاج لتقول «اسيل» بتحدي :
" مش حقيقية "
وقبل أن يبدأ الشجار بينهم اقترحت «هنا» :
" خلاص يا جدعان مش ها نتخانق ، اي رأيكم نسأل بسمله هي الي عايشة هنا وعارفة اجواء رمضان عاملة ازاي "
وافق كل منهما على الاقتراح الذي قدمته لينظرا في اتجاه «بسمله» والتي رفعت كفيها سريعًا قائلة بأرتباك :
" انا ماعرفش حاجة "
" جاوبي "
هكذا هتف الاثنين بأصرار لتجيب بتردد :
" شبه الفيلم شوية "
لم تكن إجابة حاسمة بالنسبة لكليهما لذلك فضلن الصمت ، لتقول «بسمله» بابتسامة :
" تصدقوا فعلًا حالتكم شبه حالة مصري في الفيلم اوي "
اومأت «نور» مؤكدة على حديثها :
" فعلًا حسيت أنه شبه وضعنا اوي والفيلم عجبني بصراحة ، بس لما لقيت انه في النهاية قرر يعيش في مصر قفلت التلفزيون "
ضحك الجميع على جملتها الأخيرة التي لم يتوقعوها ، ليقول «يزن» من بين ضحكاته:
" وجهة نظر تحترم "
اومأت «هنا» برأسها لتقول مؤكدة وهي تعبث بأحدى خصلاتها :
" عندك حق هي نهاية مش مقنعة اصلًا ، ازاي كان مش طايق البلد وفجأة واحدة حبها وعاش فيها كمان ؟ "
كانت «بسمله» تستمع لهم وهي تفكر في شيء ما لتتسع عيناها وتقول بصدمة بعدما تذكرت شيء :
" الا لو تيتا شربتكم عرق سوس "
انكمشت ملامحهم لتسألها «نور» :
" اي البتاع ده "
اعتدلت في جلستها لتقول وكأنها ستحكي قصة مرعبة في منتصف الليل :
" ده بقى مشروب كانوا بيعذبوا بيه العيال زمان الي بيفطرو في رمضان "
كانوا يطالعونها بدهشة لتردد خلفها «سما» بخوف :
" بيعذبوا بيه العيال ! "
اومأت لها مؤكدة ثم هبت واقفة بعد أن جاءتها فكرة لتقول وهي تتجه الي الخارج :
" جاتلي فكرة ، تيتا بتحبه اوي علشان كده على طول بيبقى عندها ، ها اجيبلكم منه تدوقوه "
بالفعل ذهبت الي شقة جدتها وأتت بعد قليل بحامل معدني به اكواب صغيرة بعددهم تحوي ذاك المشروب الذي أخبرتهم عنه لتبدأ بتوزيع الاكواب عليهم ، اخذت منها «سما» الكوب وهي تقول بتعجب :
" أنتِ جبتي حجم الكوبيات ده منين ؟؟ "
كانت تقصد حجم الكوب الذي كان صغيرً جدًا يحوي فقط مللي لترات من المشروب لتجيب عليها وهي تعطي باقيتهم اكوابهم:
" الحجم ده مناسب انكم تدوقو لان لو حطيت كتير ها تبقى كارثة ومش عايزين نبوظ السجاد الجديد "
انتهت من توزيع الاكواب و وقفت أمامهم وهي تضع يدها على خصرها ثم قالت :
" تقدرو تشربوا "
بدأو بالفعل بالشرب وكانت هي تنتظر ردة أفعالهم ليلوي «يزن» شفتيه وهو يطالع الكوب بتعجب :
" ده بطعم المرار الطافح ! "
ضحكوا جميعهم على هذا التعليق السخيف الذي صدر منه والذي يصف بالنسبة لهم مذاق هذا الشيء بشدة ، ليتبعه «مؤمن» قائلًا :
" عامل زي البيبسي من غير صودا "
بينما وضعت «هنا» الكوب على الطاولة وهي تضع يدها على فمها وتقول بصدمة :
" هو انتوا متأكدين أن البتاع ده قابل للشرب ؟ "
تبعها الجميع في ترك اكوابهم لتقول «اسيل» بخوف :
" احنا لازم نهرب من هنا قبل ما تيتا تجبرنا نشرب البتاع ده "
وافقها الجميع لتقول بحسم :
" يبقى لازم نكمل الي بدأناه في خطة التأقلم المزيف بس نعلي ال Level شوية "
أثارت فضولهم بكلماتها لتجعلهم ينتبهوا لها لتكمل وهي تلقي على «اكرم» نظرة خاطفة لترى ردة فعله و التي كانت باردة كعادته:
" احنا لازم نوريهم التأثير السلبي بتاع الإقامة هنا على شخصياتنا "
" ازاي بقى ؟ "
كان سؤال «يزن» والذي هو المقترح الأساسي للخطة لتجيب على سؤاله بعد أن اشاحت بنظرها عن «اكرم» بعدما علمت أنه لن يهتم لما يقولونه :
" نخليهم يطلعوا هنا ونعمل كأننا قاعدين على طبيعتنا خالص بس احنا ها نبقى بنمثل أن دي طبيعتنا "
لم تكن كلماتها واضحة بالنسبة لهم ما دفعه ليحرك رأسه بعدم لتقول هي بنبرة حاسمة غير قابلة للاستسلام :
" بصوا الي ها يحصل بقى "
انصتوا الي ما ستقوله لتنظر هي الي «بسمله» وتبتسم بمكر لتقابل «بسمله» تلك النظرات بتوتر وهي تشعر أن القادم لا يُبشر بالخير ابدًا .
________________________________
مر ثلاثة أيام وكانوا قد استعدوا تمامًا لتلك الخطة التي وضعتها «اسيل» ولم يتبقى لهم سوى النتفيذ .
اجتمعوا جميعًا هنا في النادي الخاص بهم وبدأت «اسيل» بترتيب أدوارهم وماذا سيفعل كل منهم لينسحب «مازن» من وسطهم قائلًا:
" لا أنا مش معاكوا في الحكاية دي "
انكمشت تعابير «اسيل» وسألته بأستغراب :
" ليه يا مازن ده انت اكتر واحد ماكنتش عايز تقعد وكنت عايز تمشي ؟ "
اومأ برأسه ثم قال :
" انا فعلًا كنت عايز امشي وده ماتغيرش ، بس انا عندي دلوقتي حاجة اهم لازم اعملها كملوا انتوا بقى "
غادر المكان بعد كلماته لتتنهد «اسيل» و تكمل تجهيزات خطتهم بعد استبعاد شقيقها ، انتهوا الآن وكل منهم حفظ دوره جيدًا لتسألهم «اسيل» للمرة الأخيرة :
" ها كل واحد عرف ها يعمل اي ؟ "
حركوا جميعهم رؤوسهم بالايجاب في نفس اللحظة التي استقام فيها «اكرم» من مكانه مُقررًا الرحيل لتتمسك «نور» بذراعه وتقول برجاء :
" بليز يا اكرم خليك معانا "
كان يطالعها بهدوء ليحرك رأسه نافيًا ليتدخل «طارق» محاولًا إقناعه :
" يا اكرم انت ها تفيد في الخطة ، كل الي عليك انك تقعد وماتعملش حاجة واحنا ها نتصرف ، ياعم انت حابب تفضل هنا بس كلنا عايزين نمشي ، انت كده ها تضيع املنا كلنا "
تنهد «اكرم» وعاد الي مكانه مرة أخرى ليبتسم جميعهم بسعادة بعد أن وافق على البقاء ، بدأت الخطوة الأولى والتي كانت «بسمله» هي من ستنفذ هذه الخطوة ، لتذهب الي الاسفل حيث شقة جدتها واليوم يوم الجمعة وتحديدًا اليوم الذي يجتمع به أشقاء والدتها الثلاثة مع زوجاتهم في منزل جدتها ، دلفت الي الداخل ورحبت بهم ثم قالت بارتباك حاولت جاهدة إخفائه :
" انا شايفة انكم متجمعين النهاردة علشان كده جيه في بالي انكم ماشوفتوش السطح فوق بعد ما غيرناه وعملنا فيه حاجات كتيرة اوي ، اي رأيكم تيجوا تشوفوه وتقولوا رأيكم بما انكم كلكم هنا ؟ "
رأت الاقتناع في نظراتهم فشعرت بنجاح خطتها متغافلة تمامًا عن نظرات جدتها والتي رأت الارتباك الظاهر عليها فهي أكثر من يعرفها وتعرف كيف ترتبك عندما تكذب ما دفعها للشك لكنها أخفت شكها وقالت مؤيدة لها :
" بسمله عندها حق ، انا طلعت وشوفت المكان فوق و فعلًا بقى حلو اوي اطلعوا انتوا كمان شوفوا هما غيروه ازاي "
" ماشي يا ستي ها نطلع نقييم زي ما أنتِ عايزة "
كان هذا قول «محمود» المرح لتتنهد براحة بينما صعدوا هم الي الاعلى وظلت هي واقفة تطالع أثرهم وتدعوا داخليًا أن يمر ما يفعلونه اقربائها من دون كارثة ، كانت في حالة من التوتر كافية لتجعلها تُفزع عند سماع صوت جدتها تقول :
" مش ها تطلعي معاهم ؟ "
نفت برأسها عدة مرات ثم قالت بتلعثم :
" لا أنا... انا... ها اروح الشقة علشان بدر زمانه راجع من الشغل جعان ها احضرله الاكل "
انهت جملتها وهربت سريعًا الي شقتها كي لا تصطدم بأي سؤال من جدتها قد يُفسد كل ما فعلوه
________________________________
دلف كل من «محمد» و «محمود» و «احمد» برفقة زوجاتهم الي السطح بهدوء لكن سرعان ما تحول نظرهم الي الصدمة من ما رأوه ، كان يجلس «طارق» على أحد الارائك و يضع قدم فوق الاخرى قائلًا بصوت مرتفع :
" واحد شاي يا نور سكر برا ... اه و اعملي القهوة لاكرم على الريحة "
لتجيب «نور» و هي تدلف الي المطبخ بابتسامة واسعة و دلال :
"عنيا يا اخويا "
في الجهة الأخرى من الغرفة كانت تقف «هنا» أمام «سما» و هي تضع يدها على خصرها ثم قالت بنبرة أشبه " بالردح " :
" لا يا عنيا فوقي لا تكوني فاكرة أن لما ترفعيلي حاجبك و تعلي صوتك ها اخاف و اكش هي اي سايبه ولا خدوهم بالصوت ها ، انا ممكن اجيبك من شعرك دلوقتي تحت رجليا ، أعقلي كده و اهدي ها اهدي "
لتضع «سما» هي الأخرى يدها على خصرها وتقول بسخرية :
" اسم الله ياختي عليكِ بقيتي بتعرفي تجيبي من الشعر تحت رجلك ، يا بت ده أنتِ ماتساويش اتنين مليم في سوق الحريم ده انا الي نضفتك يا جربوعة يا عرة النسوان "
شهقت كل من «مروة» و «هدى» على حديث ابنتيهما ، و لم يكن هذا و حسب ، في أحد زواية الغرفة كان يجلس كل من «يزن» و «مؤمن»و جوارهم «اسيل» يلعبان أحد الالعاب المصرية الشهيرة و التي تدعى " بالدومينو " ، وضع «مؤمن» أحد البطاقات من يده و قال بانتصار :
" شيش بيش يا معلم "
القى «يزن» البطاقات من يده وقال بأعتراض :
" لا يسطا انت بتغش و حاطط الورق على مزاجك ماهو مش صدفة أن كل الشيش عندك و انا واخد البلاطة الا ما جالي دوش واحد "
" لا يا معلم دي شطارة ، انت لما بتلاقي نفسك اتزنقت بتروح قافل اللعبة دي تالت عشرة تقفلها وجاي دلوقتي تقولي بخم ؟ "
قال «مؤمن» جملته وهو يضع قدم فوق الاخرى بتعالي لينظر «يزن» الي «اسيل» و يقول بغيظ :
" طب تصدقي ها العب عشرتين زيادة "
نظرت إليه «اسيل» لتقول بدهشة :
" و انا مالي انا يا لمبي الله ؟ "
لم يستطيعوا الصمت أكثر من هذا لتهتف «مروة» بغضب :
" هو اي ده ! ، بت يا هنا اي الكلام الي أنتِ بتقوليه ده ؟ "
نظرت إليها «هنا» وقالت مصطنعة الارتباك :
" اي ده... ماما... انا سمعت واحدة بتقول كده في الشارع "
ضربت «مروة» كفًا فوق الآخر و غادرت بل غادروا جميعًا و لم يستطيعوا البقاء أكثر من هذا بعد ما رأوه !
تأكدوا من أنهم غادروا جميعًا لتصرخ «سما» و تقول بسعادة :
" شوفتوا وشوشهم كانت عاملة ازاي ؟ عرفنا نأثر عليهم انا متأكدة أن كلها بكرا بالكتبر و هما الي ها يجوا بنفسهم يقولولنا مالكوش قعاد في البلد دي تاني "
عادت «نور» من المطبخ وقالت بسعادة :
و الله و نجحنا يا رجالة ، و علشان المناسبة دي ها اروح اعملنا كلنا حاجة نشربها احتفال بالنصر ده "
ايد الجميع فكرتها و ذهبت هي الي المطبخ برفقة «هنا» و «اسيل» و «سما» ليعدوا المشروبات بينما جلس الشباب يتسامرون و يحتفلون بهذا النجاح غافلين عن تلك التي كانت تقف على الباب تستمع لكل كلمة قالها لتحرك يدها بالتمهيل وتقول بتوعد :
" بقى كده ، ماشي اصبروا عليا أما وريتكم التمثيل على حق "
ووويُتبع
للجميع@
الفصل 8 "خطة للنجاة"
استلقت على فراشها تنظر إلي السقف بشرود لتبتسم تلقائيًا عندما تذكرت هذا الحديث الذي دار بينهم قبل ساعات قليلة والذي منذ حينها وهي لا تستطيع إلا أن تتذكر كلماته لها و تبتسم ...
شعرت بالملل من هذه الجلسة لتستقيم من مقعدها وتقول وهي تتجه للشرفة:
" ها اقعد في البلكونة شوية اشم هوا "
تركتهم و ذهبت الي الشرفة لتقف بها ، اخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها واخذت تنظر فيها لتعدل من وضعية حجابها الذي لم تعتد عليه بعد و بعد أن انتهت أعادت المرآة الي حقيبتها مرة أخرى و اخذت تنظر إلي الفراغ أمامها بشرود ، قاطع شرودها دلوف أحدهم الي الشرفة لتنظر وتجد أنه الوحيد الذي لم تتوقع مجيئه ، رفعت حاجبيها بدهشة عندما جلس على احد المقاعد يعبث بهاتفه دون الاكتراث لها ، لترسم ابتسامة ساخرة على جانب ثغرها وتعود للنظر الي الشارع بالاسفل مرة أخرى لكن هذه المرة بغيظ .
دام الصمت عدة دقائق لتقرر الذهاب الي الداخل وقبل أن تتجه ناحية الخارج أوقفها وهو يقول بهدوئه المعتاد :
" استني "
وقفت ثم نظرت إليه تنتظر أن يسترسل حديثه ، ليترك مقعده ويقف أمامها ثم يشير على حجابها ويسألها :
" لبستيه علشان الكلام الي انا قولتهولك ؟ "
رفعت حاجبيها بدهشة و أجابت على سؤاله بسؤال آخر بعيدًا عن إجابة سؤاله:
" هو انت بجد لو ماقولتش كلام قليل الذوق ويضايق مش بتحس انك مرتاح ؟؟ "
كانت نظراته لها ثابتة لم يتأثر ولو قليلًا بحديثها لتضع يدها على خصرها وتقول متعمدة اغاظته :
" طب معلش فكرني اي الكلام الي انت قولته علشان نسيته وماكنش هاممني "
اومأ برأسه وقال بابتسامة أثارت غيظها :
" طبعًا و ماله ، قولت انك غبية ومش بتعرفي تاخدي حقك ... ابقي افتكري بقى كويس "
اشتعلت غضبًا وضغطت على قبضة يدها وهي تطالعه بغيظ بينما هو بادلها تلك النظرات الحادة بابتسامة جعلتها تغضب أكثر ، وللمرة التي لا تعرف عددها تخسر أمامه في حرب الاستفزاز التي بينهم و يستطيع هو ببراعة إشعال فتيل غضبها ويراقب اشتعالها بكل هدوء !
كانت سوف تغادر لكنها تراجعت وقررت المواجهة لتعود و تقف أمامه قائلة بتحدي :
" على فكرة بقى انا مش غبية وبعرف اخد حقي كويس وماسمحلكش تقول عني كده "
عاد للجلوس على مقعده بأريحية وأخذ كوب القهوة الخاص به ليرتشف منه ثم وضعه على الطاولة مرة أخرى ليعود للنظر إليها ويسألها بابتسامة :
" كنتِ بتقولي حاجة يا هنا ؟ "
ليضع يده على رأسه متصنعًا التذكر ثم يقول بسرعة كأنه تذكر للتو :
" يا اسيل sorry "
رفعت حاجبيها وهي تطالعه بغير تصديق لتومئ برأسها من بعد ذلك وهي تقول بابتسامة صفراء:
" ولا يهمك يا طارق "
ثم تأففت بضيق وقالت وهي تتأهب للرحيل :
" وعلشان امشي من هنا قبل ما ارتكب جريمة ، حابة اعرفك بس اني مالبستش الحجاب علشان اي حاجة انت قولتها ، انا بس ببساطة ماكنتش مقتنعة بيه ولما شوفت سما و بسمله لابسينه حبيته وكمان لما اتعاكست في الشارع حسيت إن أنا اديت للشباب دول الفرصة أنهم يعاكسوني وعلشان كده قررت اخد خطوة واطور من نفسي ، و بما اني بقيت بصلي يبقى لازم اتحجب كمان "
اومأ برأسه وقال بأختصار :
" كويس "
انهت ما أرادت أخباره به وأعطته ظهرها لتغادر لتسمعه يقول من الخلف :
" لا بس شكلك حلو "
لم تستطع وأد تلك الابتسامة التي علت وجهها عند سماع كلماته ، ليكمل هو :
" دكتور التجميل عامل شغل جامد "
تلاشت ابتسامتها لتنظر إليه بصدمة ، لتغادر وتغلق باب الشُرفة خلفها بغيظ عائدة إلي الداخل وفي النهاية ارتسمت ابتسامة على محياها عندما تذكرت ما حدث مرة أخرى ! .
تنهدت وهي تطالع السقف ولم تستطع إزالة تلك الابتسامة التي رافقتها منذ ذلك الحين ، ليقطع شرودها هذا دلوف «هنا» الي الغرفة والتي قالت بسخرية :
" وده من اي ده ؟ "
انتبهت إليها «اسيل» لتقول بغيظ :
" الضحك حرمتوه علينا كمان "
جلست «هنا» جوارها على الفراش لتقول وهي تعبث بإحدى خصلاتها :
" لا ، بس لما يكون ضحك ليه سبب "
ثم اقتربت منها وقالت بنبرة مستفزة :
" ولا السقف بيقول نكت ؟ "
تأففت «اسيل» بأنزعاج لتسحب الغطاء عليها وتعطي ظهرها لشقيقتها مُقررة النوم دون استكمال هذا الشجار عديم الفائدة .
_________________________________
دلفت «هنا» الي القاعة الخاصة بمحاضرتها التالية وهي تتثائب بنعاس بعدما لم تأخذ وقتها الكافي في النوم ، جلست على أحد المقاعد تعبث بهاتفها منتظرة قدوم دكتور المادة لتسمع صوت من خلفها يقول بمرح :
" وانا بقول المدرج نور ليه "
التفتت لترى المتحدث لتجده أحد زملائها والذي يدعى «مروان» لتطالعه و تقول بنعاس :
" مش فايقة والله يا مروان تعالى استظرف في وقت تاني "
كانت تبدو مُضحكة للغاية وهي تتثائب كل دقيقة ومع قولها هذا لزيملها بنبرتها الناعسة جعل جميع اصدقائه الذين كانوا يقفون معه ينفجرون في الضحك
عادت هي للنظر في هاتفها متجاهلة وجودهم لتجده يقفز من المقعد الذي خلفها ويجلس بجانبها لتقلب عيناها بملل وتقرر تجاهله ، كانت تنتظر منه اي مضايقات كعادته لكن ما استغربته هو هدوئه الشديد ، فقط كان ينظر إليها في صمت ما دفعها لسؤاله :
" هو في حاجة على وشي ولا اي ؟ "
ابتسم و اجاب بنبرة هائمة :
" زي القمر "
تأففت بأنزعاج وكادت تغادر المكان مُقررة أن تجلس في مكان اخر لتسمعه يقول من الخلف :
" يعني ها تفضلي مش واخدة بالك اني بكراش عليكِ ؟"
انكمش حاجبيها باستغراب و رغم عدم فهمها لما قاله للتو غادرت دون أن تسأل وذهبت لتجلس في مكان اخر .
________________________________
دلفت «اسيل» الي مكتب المدير بعدما سمح لها بالدخول لتضع بعض الأوراق على مكتبه وهي تقول :
" كل الحسابات بتاعت الاسبوع ده كده مظبوطة "
اومأ لها برأسه و قال بابتسامته البشوشة :
" ماشي يا اسيل ، انا برضو ها اراجعهم كمان مرة "
ابتسمت له وكادت تغادر لكنها توقفت لتسأله بتردد :
" هو حضرتك تعبان يا استاذ هاشم ؟ "
انتبه لسؤالها ليقول بمرح :
" ده هما شوية صداع بس انا لسه بصتحي وشباب اهو "
ضحكت على مزاحه ثم قالت بجدية :
" بس لازم تكشف برضو اصل ... بصراحة شكلك تعبان اوي "
" ماغلطش لما قولت اني بحب اعاملك زي بنتي "
هكذا قال وكانت ابتسامته تدل على امتنانه لها تعلو وجهه لتبتسم هي الاخر و تقول بصدق :
" ربنا يعلم يا استاذ هاشم اني فعلًا بحسك زي بابا بالظبط اكتر من صاحب الشغل بكتير "
اومأ لها ليقول بنبرته المرحة :
" وعلشان عيونك الحلوة دي أنا ها اروح اكشف ياستي "
اتسعت ابتسامتها لتومئ له عدة مرات وتغادر بعدما دعت له بالشفاء لتعود إلي عملها من جديد .
_______________________________
لا يدري كم من الوقت قد مر وها هو كعادته يجلس في هذا المقهى الذي ارتاده منذ اسبوع واصبح يأتي إليه يوميًا و بداخله لا يدري ما السبب لكنه ببساطة يرغب في رؤيتها ، آفاقه من شروده صوتها الرقيق وهي تقول :
" البرتقال يا فندم"
نظر إليها ليبتسم بهيام و يقول :
" احلى برتقال في الدنيا ده ولا اي ؟ "
ضحكت على مشاكسته لتغادر وهي تنظر إليه بابتسامة ليبادلها هو تلك الابتسامة ويشرب مشروبه وهو يطالع أثرها بهيام وكل ما يشغل تفكيره هو طريقة ليراها كل يوم وقت أطول من هذا .
مر اليوم الذي انتظره الجميع أن ينتهي بفارغ الصبر وها هم أخيرًا مجتمعين في النادي الخاص بهم وكل منهم يسرد ماحدث معه اليوم كعادته ، كانت «سما» تضع يدها على وجنتها بملل وهي تعبث بهاتفها بعدما وجدت أن الجميع منشغل في سرد ما حدث في يومه بينما هي ظلت في المنزل دون فعل شيء .
كان «يزن» يجلس في صمت وهذا ما استغربه الجميع فليست عادته الهدوء لتسأله «سما» باندهاش :
" اي الهدوء ده يا يزن لا ماتقولش انك عقلت ! "
طالعها «يزن» بضجر دون أن يتحدث ليعود ليشرد أمامه مرة أخرى ، وبعد عدة دقائق وهو على هذه الحال هتف بحسم :
" انا قررت اشتغل دليفري "
انكمشت تعابير «سما» لتسأله بعدم فهم:
" وده ليه ده ؟ "
حرك كتفيه وهو يقول ببساطة :
" علشان مش لاقي شغل بشهادتي وفي مطعم كده جنب الكافيه الي انا بروحه طالب طيارين دليفري ها اجرب حظي "
" وجهة نظر تحترم "
قالتها «هنا» باقتناع بينما سألته «سما» وهي تفكر :
" طيب مش المفروض تقريبًا يبقى معاك موتوسيكل ؟ "
اتسعت عيناه بصدمة بعدما أدرك للتو احتياجه للدراجة النارية كي يوصل الطلبات ليقول بتردد وهو يحاول التمسك بالأمل :
" ها احاول اشتري واحد "
تنهدت بيأس وهي تحرك رأسها بلا فائدة ، كان «طارق» يتابع حديثهم في صمت ليخرج من صمته مؤيدًا فكرة «يزن» :
" حلو انك بتحاول ، أسعى يالا وماتخليش حد يحبطك "
كان ينظر إلي «سما» بطرف عينه لتنظر هي اليه بدهشة بعدما فهمت أنه يتحدث عنها لتشيح بنظرها عنه وهي تعقد ذراعيها بتذمر .
ضحك «طارق» على مظهرها الطفولي وقال وهو يضحك :
" عاملة زي نور بالظبط لما بتزعل "
انهى جملته لينظر حوله وهو يقول بإدراك :
" هي فين نور ؟ "
لاحظ الجميع الان عدم تواجدها وقبل أن يقول أحدهم اي شيء وجدو «نور» تدلف الي الداخل مندفعة وتقول وهي تلهث بتعب :
" لقد تم خداعنا يا رفاق "
نظر إليها الجميع بعدم فهم لتجلس هي على أحد المقاعد وتتناول زجاجة المياه وتشرب وهي مازالت تلهث ليسألها «طارق» بدهشة :
" في اي يابنتي هو أنتِ كنتِ في سباق الجري 100 كيلوا ؟ ، بتنهجي كده ليه ؟ وبعدين اتخدعنا ازاي بالظبط ؟ "
كانت تشرب من زجاجة المياه و كأنها لم تشرب منذ قرون ، وهو انهال عليها بأسئلته لتشير له بيدها أن يتمهل ، و بعد أن روت عطشها وضعت الزجاجة جانبًا ثم بدأت في قص عليهم ما حدث قائلة :
" كنت واقفة مع ماما في المطبخ لا بيا ولا عليا قولت اخلص معاها الاكل وبعد كده اطلع اقعد معاكوا وكنا واقفين بنتكلم عادي لقيتها بتقولي كويس أنكوا بقيتوا بتاكلوا اكل كتير من بتاع مصر وبالذات الفول علشان ها ناكله كتير الايام الي جاية "
كانوا جميعًا يستمعون إليها باهتمام لتكمل ما بدأته قائلة :
" طبعًا أنا سألتها اشمعنا الايام الي جاية راحت قالتلي علشان رمضان خلاص فاضله حوالي عشر ايام "
صمتت لترى ردة فعلهم لتسألها «هنا» عندما وجدتها إطالة الصمت :
" أيوة يابنتي فين المشكلة ؟ "
تنهدت «نور» لتكمل لكن هذه المرة تذكرهم بأحد المواقف التي حدثت معهم :
" فاكرين اول يوم فطرنا فيه مع تيتا وسيبنا الاكل و مشينا ؟ "
اومأ لها الجميع دلالة على تذكرهم فأكملت قائلة:
" اليوم ده تيتا قالتلهم ها اجيبكم تفطروا معايا تاني بعد شهر وعايزة اشوف تصرف احسن من ده من عيالكوا "
تأففت «سما» و قالت بأنزعاج:
" ما تخلصي يا نور ، فاكرين كل ده بس برضو أي علاقة ده برمضان ؟ "
" ماتصبري يا سما مش بشرح "
استغفرت «سما» بصوت منخفض ثم نظرت إليها قائلة بنفاذ صبر :
" اتنيلي ياختي وخلصينا "
طالعتها «نور» بسخط ثم أسترسلت حديثها:
" انا بقى لما حسبت المدة الي تيتا اديتها لعمامي وبابا مع المدة الي عدت طلعت شهر برضو ، يعني ده معناه أن تيتا ها تخلينا نفطر معاها اول يوم رمضان "
قالت اخر كلماتها بذعر ما جعل «اسيل» تقول وهي تستجمع كل ما قالته «نور» بتركيز :
" انا بحاول افهم فين المشكلة "
وضعت «نور» يدها على رأسها بيأس ثم أسترسلت حديثها بنفاذ صبر لعلهم يفهمون :
" تيتا اختارت اول يوم رمضان بالذات علشان تعرف احنا عرفنا نتأقلم على الوضع الجديد ولا لا "
كان «طارق» يستمع الي شقيقته بأنصات ليضع يده على ذقنه سائلًا بحيرة:
" اشمعنا رمضان يعني الي ها تكتشف فيه احنا اتكيفنا فيه مع الأوضاع ولا لا ؟ ، طب ما ممكن تختار اي يوم عادي يعني "
طفح كيلها لتهتف بضجر هذه المرة :
" لا طبعًا ، رمضان بتختلف فيه الأوضاع أولهم السحور الي ها يبقى عبارة عن فول و طعمية وكل الاكل الي احنا بنحاول نتعود عليه ده ، غير بقى الفطار الي ها يبقى عبارة عن أكل عمرنا ما شوفناه في حياتنا ، يعني من الاخر كده اجواء رمضان دي مايتأقلمش معاها غير المصري الاصيل "
كانت «هنا» تنظر إليها بدهشة ليراودها سؤال اخر لتسألها بفضول :
" وأنتِ عرفتي كل ده عن اجواء رمضان ازاي ؟ "
عقدت «نور» ذراعيها وقالت بغرور :
" انا معرفتي واسعة يابنتي "
رمقها «طارق» بنظرة مندهشة ساخرة لتفك عقدة ذراعيها و تمط شفتيها قائلة بتوتر:
" اتفرجت على فيلم عسل اسود "
هتفت «اسيل» بغيظ :
" بقى مصدعة دماغ امنا من الصبح عن الكوارث الي ها تحصل في رمضان وأنتِ واخدة الفكرة عن رمضان كلها من فيلم عسل اسود؟! "
" على فكرة بقى احداث الفيلم حقيقية "
قالتها «نور» وهي ترمق «اسيل» بأنزعاج لتقول «اسيل» بتحدي :
" مش حقيقية "
وقبل أن يبدأ الشجار بينهم اقترحت «هنا» :
" خلاص يا جدعان مش ها نتخانق ، اي رأيكم نسأل بسمله هي الي عايشة هنا وعارفة اجواء رمضان عاملة ازاي "
وافق كل منهما على الاقتراح الذي قدمته لينظرا في اتجاه «بسمله» والتي رفعت كفيها سريعًا قائلة بأرتباك :
" انا ماعرفش حاجة "
" جاوبي "
هكذا هتف الاثنين بأصرار لتجيب بتردد :
" شبه الفيلم شوية "
لم تكن إجابة حاسمة بالنسبة لكليهما لذلك فضلن الصمت ، لتقول «بسمله» بابتسامة :
" تصدقوا فعلًا حالتكم شبه حالة مصري في الفيلم اوي "
اومأت «نور» مؤكدة على حديثها :
" فعلًا حسيت أنه شبه وضعنا اوي والفيلم عجبني بصراحة ، بس لما لقيت انه في النهاية قرر يعيش في مصر قفلت التلفزيون "
ضحك الجميع على جملتها الأخيرة التي لم يتوقعوها ، ليقول «يزن» من بين ضحكاته:
" وجهة نظر تحترم "
اومأت «هنا» برأسها لتقول مؤكدة وهي تعبث بأحدى خصلاتها :
" عندك حق هي نهاية مش مقنعة اصلًا ، ازاي كان مش طايق البلد وفجأة واحدة حبها وعاش فيها كمان ؟ "
كانت «بسمله» تستمع لهم وهي تفكر في شيء ما لتتسع عيناها وتقول بصدمة بعدما تذكرت شيء :
" الا لو تيتا شربتكم عرق سوس "
انكمشت ملامحهم لتسألها «نور» :
" اي البتاع ده "
اعتدلت في جلستها لتقول وكأنها ستحكي قصة مرعبة في منتصف الليل :
" ده بقى مشروب كانوا بيعذبوا بيه العيال زمان الي بيفطرو في رمضان "
كانوا يطالعونها بدهشة لتردد خلفها «سما» بخوف :
" بيعذبوا بيه العيال ! "
اومأت لها مؤكدة ثم هبت واقفة بعد أن جاءتها فكرة لتقول وهي تتجه الي الخارج :
" جاتلي فكرة ، تيتا بتحبه اوي علشان كده على طول بيبقى عندها ، ها اجيبلكم منه تدوقوه "
بالفعل ذهبت الي شقة جدتها وأتت بعد قليل بحامل معدني به اكواب صغيرة بعددهم تحوي ذاك المشروب الذي أخبرتهم عنه لتبدأ بتوزيع الاكواب عليهم ، اخذت منها «سما» الكوب وهي تقول بتعجب :
" أنتِ جبتي حجم الكوبيات ده منين ؟؟ "
كانت تقصد حجم الكوب الذي كان صغيرً جدًا يحوي فقط مللي لترات من المشروب لتجيب عليها وهي تعطي باقيتهم اكوابهم:
" الحجم ده مناسب انكم تدوقو لان لو حطيت كتير ها تبقى كارثة ومش عايزين نبوظ السجاد الجديد "
انتهت من توزيع الاكواب و وقفت أمامهم وهي تضع يدها على خصرها ثم قالت :
" تقدرو تشربوا "
بدأو بالفعل بالشرب وكانت هي تنتظر ردة أفعالهم ليلوي «يزن» شفتيه وهو يطالع الكوب بتعجب :
" ده بطعم المرار الطافح ! "
ضحكوا جميعهم على هذا التعليق السخيف الذي صدر منه والذي يصف بالنسبة لهم مذاق هذا الشيء بشدة ، ليتبعه «مؤمن» قائلًا :
" عامل زي البيبسي من غير صودا "
بينما وضعت «هنا» الكوب على الطاولة وهي تضع يدها على فمها وتقول بصدمة :
" هو انتوا متأكدين أن البتاع ده قابل للشرب ؟ "
تبعها الجميع في ترك اكوابهم لتقول «اسيل» بخوف :
" احنا لازم نهرب من هنا قبل ما تيتا تجبرنا نشرب البتاع ده "
وافقها الجميع لتقول بحسم :
" يبقى لازم نكمل الي بدأناه في خطة التأقلم المزيف بس نعلي ال Level شوية "
أثارت فضولهم بكلماتها لتجعلهم ينتبهوا لها لتكمل وهي تلقي على «اكرم» نظرة خاطفة لترى ردة فعله و التي كانت باردة كعادته:
" احنا لازم نوريهم التأثير السلبي بتاع الإقامة هنا على شخصياتنا "
" ازاي بقى ؟ "
كان سؤال «يزن» والذي هو المقترح الأساسي للخطة لتجيب على سؤاله بعد أن اشاحت بنظرها عن «اكرم» بعدما علمت أنه لن يهتم لما يقولونه :
" نخليهم يطلعوا هنا ونعمل كأننا قاعدين على طبيعتنا خالص بس احنا ها نبقى بنمثل أن دي طبيعتنا "
لم تكن كلماتها واضحة بالنسبة لهم ما دفعه ليحرك رأسه بعدم لتقول هي بنبرة حاسمة غير قابلة للاستسلام :
" بصوا الي ها يحصل بقى "
انصتوا الي ما ستقوله لتنظر هي الي «بسمله» وتبتسم بمكر لتقابل «بسمله» تلك النظرات بتوتر وهي تشعر أن القادم لا يُبشر بالخير ابدًا .
________________________________
مر ثلاثة أيام وكانوا قد استعدوا تمامًا لتلك الخطة التي وضعتها «اسيل» ولم يتبقى لهم سوى النتفيذ .
اجتمعوا جميعًا هنا في النادي الخاص بهم وبدأت «اسيل» بترتيب أدوارهم وماذا سيفعل كل منهم لينسحب «مازن» من وسطهم قائلًا:
" لا أنا مش معاكوا في الحكاية دي "
انكمشت تعابير «اسيل» وسألته بأستغراب :
" ليه يا مازن ده انت اكتر واحد ماكنتش عايز تقعد وكنت عايز تمشي ؟ "
اومأ برأسه ثم قال :
" انا فعلًا كنت عايز امشي وده ماتغيرش ، بس انا عندي دلوقتي حاجة اهم لازم اعملها كملوا انتوا بقى "
غادر المكان بعد كلماته لتتنهد «اسيل» و تكمل تجهيزات خطتهم بعد استبعاد شقيقها ، انتهوا الآن وكل منهم حفظ دوره جيدًا لتسألهم «اسيل» للمرة الأخيرة :
" ها كل واحد عرف ها يعمل اي ؟ "
حركوا جميعهم رؤوسهم بالايجاب في نفس اللحظة التي استقام فيها «اكرم» من مكانه مُقررًا الرحيل لتتمسك «نور» بذراعه وتقول برجاء :
" بليز يا اكرم خليك معانا "
كان يطالعها بهدوء ليحرك رأسه نافيًا ليتدخل «طارق» محاولًا إقناعه :
" يا اكرم انت ها تفيد في الخطة ، كل الي عليك انك تقعد وماتعملش حاجة واحنا ها نتصرف ، ياعم انت حابب تفضل هنا بس كلنا عايزين نمشي ، انت كده ها تضيع املنا كلنا "
تنهد «اكرم» وعاد الي مكانه مرة أخرى ليبتسم جميعهم بسعادة بعد أن وافق على البقاء ، بدأت الخطوة الأولى والتي كانت «بسمله» هي من ستنفذ هذه الخطوة ، لتذهب الي الاسفل حيث شقة جدتها واليوم يوم الجمعة وتحديدًا اليوم الذي يجتمع به أشقاء والدتها الثلاثة مع زوجاتهم في منزل جدتها ، دلفت الي الداخل ورحبت بهم ثم قالت بارتباك حاولت جاهدة إخفائه :
" انا شايفة انكم متجمعين النهاردة علشان كده جيه في بالي انكم ماشوفتوش السطح فوق بعد ما غيرناه وعملنا فيه حاجات كتيرة اوي ، اي رأيكم تيجوا تشوفوه وتقولوا رأيكم بما انكم كلكم هنا ؟ "
رأت الاقتناع في نظراتهم فشعرت بنجاح خطتها متغافلة تمامًا عن نظرات جدتها والتي رأت الارتباك الظاهر عليها فهي أكثر من يعرفها وتعرف كيف ترتبك عندما تكذب ما دفعها للشك لكنها أخفت شكها وقالت مؤيدة لها :
" بسمله عندها حق ، انا طلعت وشوفت المكان فوق و فعلًا بقى حلو اوي اطلعوا انتوا كمان شوفوا هما غيروه ازاي "
" ماشي يا ستي ها نطلع نقييم زي ما أنتِ عايزة "
كان هذا قول «محمود» المرح لتتنهد براحة بينما صعدوا هم الي الاعلى وظلت هي واقفة تطالع أثرهم وتدعوا داخليًا أن يمر ما يفعلونه اقربائها من دون كارثة ، كانت في حالة من التوتر كافية لتجعلها تُفزع عند سماع صوت جدتها تقول :
" مش ها تطلعي معاهم ؟ "
نفت برأسها عدة مرات ثم قالت بتلعثم :
" لا أنا... انا... ها اروح الشقة علشان بدر زمانه راجع من الشغل جعان ها احضرله الاكل "
انهت جملتها وهربت سريعًا الي شقتها كي لا تصطدم بأي سؤال من جدتها قد يُفسد كل ما فعلوه
________________________________
دلف كل من «محمد» و «محمود» و «احمد» برفقة زوجاتهم الي السطح بهدوء لكن سرعان ما تحول نظرهم الي الصدمة من ما رأوه ، كان يجلس «طارق» على أحد الارائك و يضع قدم فوق الاخرى قائلًا بصوت مرتفع :
" واحد شاي يا نور سكر برا ... اه و اعملي القهوة لاكرم على الريحة "
لتجيب «نور» و هي تدلف الي المطبخ بابتسامة واسعة و دلال :
"عنيا يا اخويا "
في الجهة الأخرى من الغرفة كانت تقف «هنا» أمام «سما» و هي تضع يدها على خصرها ثم قالت بنبرة أشبه " بالردح " :
" لا يا عنيا فوقي لا تكوني فاكرة أن لما ترفعيلي حاجبك و تعلي صوتك ها اخاف و اكش هي اي سايبه ولا خدوهم بالصوت ها ، انا ممكن اجيبك من شعرك دلوقتي تحت رجليا ، أعقلي كده و اهدي ها اهدي "
لتضع «سما» هي الأخرى يدها على خصرها وتقول بسخرية :
" اسم الله ياختي عليكِ بقيتي بتعرفي تجيبي من الشعر تحت رجلك ، يا بت ده أنتِ ماتساويش اتنين مليم في سوق الحريم ده انا الي نضفتك يا جربوعة يا عرة النسوان "
شهقت كل من «مروة» و «هدى» على حديث ابنتيهما ، و لم يكن هذا و حسب ، في أحد زواية الغرفة كان يجلس كل من «يزن» و «مؤمن»و جوارهم «اسيل» يلعبان أحد الالعاب المصرية الشهيرة و التي تدعى " بالدومينو " ، وضع «مؤمن» أحد البطاقات من يده و قال بانتصار :
" شيش بيش يا معلم "
القى «يزن» البطاقات من يده وقال بأعتراض :
" لا يسطا انت بتغش و حاطط الورق على مزاجك ماهو مش صدفة أن كل الشيش عندك و انا واخد البلاطة الا ما جالي دوش واحد "
" لا يا معلم دي شطارة ، انت لما بتلاقي نفسك اتزنقت بتروح قافل اللعبة دي تالت عشرة تقفلها وجاي دلوقتي تقولي بخم ؟ "
قال «مؤمن» جملته وهو يضع قدم فوق الاخرى بتعالي لينظر «يزن» الي «اسيل» و يقول بغيظ :
" طب تصدقي ها العب عشرتين زيادة "
نظرت إليه «اسيل» لتقول بدهشة :
" و انا مالي انا يا لمبي الله ؟ "
لم يستطيعوا الصمت أكثر من هذا لتهتف «مروة» بغضب :
" هو اي ده ! ، بت يا هنا اي الكلام الي أنتِ بتقوليه ده ؟ "
نظرت إليها «هنا» وقالت مصطنعة الارتباك :
" اي ده... ماما... انا سمعت واحدة بتقول كده في الشارع "
ضربت «مروة» كفًا فوق الآخر و غادرت بل غادروا جميعًا و لم يستطيعوا البقاء أكثر من هذا بعد ما رأوه !
تأكدوا من أنهم غادروا جميعًا لتصرخ «سما» و تقول بسعادة :
" شوفتوا وشوشهم كانت عاملة ازاي ؟ عرفنا نأثر عليهم انا متأكدة أن كلها بكرا بالكتبر و هما الي ها يجوا بنفسهم يقولولنا مالكوش قعاد في البلد دي تاني "
عادت «نور» من المطبخ وقالت بسعادة :
و الله و نجحنا يا رجالة ، و علشان المناسبة دي ها اروح اعملنا كلنا حاجة نشربها احتفال بالنصر ده "
ايد الجميع فكرتها و ذهبت هي الي المطبخ برفقة «هنا» و «اسيل» و «سما» ليعدوا المشروبات بينما جلس الشباب يتسامرون و يحتفلون بهذا النجاح غافلين عن تلك التي كانت تقف على الباب تستمع لكل كلمة قالها لتحرك يدها بالتمهيل وتقول بتوعد :
" بقى كده ، ماشي اصبروا عليا أما وريتكم التمثيل على حق "
ووويُتبع