رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثامن 8 بقلم امجاد القيسي
قبل أكثر من سبعة عشر عاماً...
يوم ولد سلمان أعمى...
لم يحتمل أبوه الخبر.
كان رجلاً اسمه جاسم.
يحب المال أكثر مما يحب الناس.
ويرى أن الولد يجب أن يكون قوياً ومعافى حتى يفخر به أمام الآخرين.
وحين أخبره الطبيب أن ابنه ولد فاقداً للبصر...
بدأ قلبه يبتعد عنه منذ تلك اللحظة.
أما أم سلمان...
فكان اسمها وداد.
امرأة جميلة تهتم بنفسها أكثر من أي شيء آخر.
وكانت ترى أن الفقر أكبر مصيبة في الحياة.
وبعد أشهر قليلة من ولادة سلمان...
بدأت المشاكل تكبر بين الزوجين.
كل واحد منهما يلقي اللوم على الآخر.
ووسط تلك الخلافات...
كان الطفل الصغير يدفع الثمن.
حتى جاء اليوم الذي طلق فيه جاسم زوجته.
بعد الطلاق...
تزوج جاسم امرأة أخرى.
وبحث عن حياته الجديدة.
أما وداد...
فلم تنتظر طويلاً.
فقد تزوجت هي الأخرى.
وكان زوجها الجديد تاجراً صغيراً يكبرها بسنوات.
لكنه كان شديد الطمع.
لا يرى الناس إلا بقدر ما يملكون.
ولا يقيس الأشياء إلا بقيمتها المادية.
في البداية...
أخذت وداد سلمان معها.
لكن الحياة الجديدة لم تعجب زوجها.
كان وجود طفل أعمى في البيت يزعجه.
ويشعر أنه عبء لا فائدة منه.
ومع مرور الوقت...
بدأ يضغط على زوجته.
حتى قال لها يوماً:
أمج بعده عايشة.
خلي الولد يمها.
أحسن إله وأحسن إلنا.
وفي النهاية...
استسلمت وداد.
وتركت سلمان عند البيبية.
وذهبت لتعيش حياتها.
مرت سنة...
ثم سنتان...
ثم عشر سنوات.
ولم تعد.
لا في عيد.
ولا في مرض.
ولا حتى لتسأل عن ولدها.
وكان سلمان يكبر وهو ينادي البيبية:
يمه.
لأنه لم يعرف أماً غيرها.
أما جاسم...
فلم يكن أفضل حالاً.
هو الآخر اختفى من حياة ابنه.
وتزوج وأنجب أولاداً جدداً.
ونسي أن له ولداً أعمى يعيش في بيت طيني برأس الشارع.
لكن الزمن لا يبقى على حاله.
فبعد سنوات طويلة...
بدأت الأخبار تصل إلى وداد وزوجها.
أخبار عن دكان ناجح.
وعن بيت في موقع ممتاز مقابل المدرسة.
وعن شعاع وسلمان اللذين أصبحا يديران رزقاً جيداً.
وكان زوج وداد أول من انتبه لذلك.
وذات ليلة...
جلس يحسب في رأسه.
ثم قال لزوجته:
هذا البيت باسم منو؟
أجابت:
باسم أمي.
فابتسم ابتسامة ماكرة.
وقال:
وسلمان ابنج الوحيد.
ساد الصمت.
ثم أضاف:
يعني بالنهاية كلشي راح يصير إلج..!!
ومن ذاك اليوم...
بدأت فكرة البيت والدكان تكبر في رأسه.
مثل بذرة سوداء.
تكبر بصمت.
حتى تحولت إلى طمع.
وطمعه جرّ معه وداد أيضاً.
ولذلك...
حين وقفت السيارة أمام بيت البيبية ليلة عرس سلمان وشعاع...
لم يكن سبب عودتهما الشوق.
ولا الحنين.
ولا ندم السنين.
بل لأنهما سمعا أن سلمان صار رجلاً...
وأن البيت الذي تركاه خلفهما منذ سنوات...
أصبح يساوي أكثر مما كانا يتخيلان.
وكانت تلك العودة...
بداية مشكلة جديدة.
مشكلة أخطر من كل ما واجهته شعاع في طفولتها.
...
كانت البيبية تظن أن ليلة عرس سلمان وشعاع ستكون أجمل ليلة في عمرها.
وأنها ستنام أخيراً مرتاحة بعدما اطمأنت على مستقبل الطفلين اللذين ربتهما بيديها.
لكن القدر كان يخبئ شيئاً آخر.
بعد أن غادر أغلب الضيوف...
جلست المرأة التي نزلت من السيارة قرب البيبية.
كانت وداد...
أم سلمان.
أما الرجل الجالس إلى جوارها فكان زوجها الحالي "عبد الرزاق".
رجل تجاوز الخمسين بقليل.
وجهه ممتلئ.
وعيناه لا تستقران على شيء.
كلما نظر إلى الدكان عاد ينظر إلى البيت.
وكلما نظر إلى البيت عاد ينظر إلى الدكان.
كأنما كان يحسب قيمتهما داخل رأسه.
لم تكن عودتهما بسبب الشوق.
ولا لأن قلب الأم اشتاق لولدها.
بل لأن الدنيا انقلبت عليهما.
فعبد الرزاق كان تاجراً صغيراً.
وخسر في صفقة كبيرة قبل أشهر.
ثم تراكمت عليه الديون.
وباع سيارته.
ثم باع محله.
ثم اضطر لبيع البيت الذي يسكنه.
وخلال أشهر قليلة...
وجد نفسه بلا مال تقريباً.
ولا بيت يؤويه.
وفي إحدى الليالي...
كان يجلس مع وداد في بيت مستأجر صغير.
فقال لها:
أمج بعده عايشة؟
أجابت:
إي.
عايشة.
سكت قليلاً.
ثم قال:
وعندها بيت.
رفعت رأسها نحوه.
وفهمت قصده فوراً.
وأضاف:
وإنتِ بنتها الوحيدة.
ومن يومها...
بدأت فكرة العودة تكبر في رأسه.
أما سلمان...
فلم يكن يعرف شيئاً من هذا كله.
كان جالساً في ليلة عرسه.
وقلبه يكاد يطير من الفرح.
لأول مرة منذ طفولته...
شعر أن الله عوضه عن كل شيء.
عن اليتم.
وعن العمى.
وعن سنوات الوحدة.
وفوق ذلك...
عادت أمه.
الأم التي كان يحلم بها دائماً.
اقترب منها بعد انتهاء العرس.
وجلس قربها.
وقال بسعادة طفل صغير:
يمه...
والله ما صدگت أشوفج.
ارتبكت وداد قليلاً.
أما البيبية فخفضت رأسها بصمت.
وأكمل سلمان:
اليوم فرحتين اجتمعن.
عرسي...
ورجعتج.
ابتسمت وداد ابتسامة باهتة.
بينما كان عبد الرزاق يراقب المكان بعينين مختلفتين.
بعد منتصف الليل...
قال عبد الرزاق:
أم سلمان...
إحنا ما عدنا مكان نروحله هالليلة.
رفعت البيبية رأسها.
ونظرت إليه طويلاً.
ثم فهمت كل شيء.
فهمت لماذا عاد.
وفهمت لماذا تذكرها بعد كل هذه السنين.
لكنها لم تستطع أن تطرد ابنتها.
مهما كان الألم.
فقالت بهدوء:
البيت بيتكم.
كان بيت البيبية صغيراً جداً.
غرفتان فقط.
الأولى غرفتها القديمة.
والثانية بناها رجال المحلة قبل أشهر لسلمان حتى يتزوج فيها شعاع.
غرفة متواضعة.
لكنها كانت أجمل غرفة في نظر العروسين.
لأنها بنيت بالمحبة.
حين عرف سلمان أن أمه وزوجها لا يملكان مكاناً ينامان فيه...
لم يتردد لحظة.
وقال:
خلي ينامون بغرفتي.
اعترضت شعاع فوراً.
سلمان هاي ليلة عرسنا.
ابتسم.
وقال:
أمي أولى.
ظل يظن أنها جاءت لتبارك له.
ولتعيش بقربه بعد سنوات الحرمان.
وهكذا...
دخلت وداد وزوجها غرفة العروسين.
وأغلقا الباب خلفهما.
أما سلمان...
فحمل فراشه البسيط.
ونظر إلى شعاع بخجل.
وقال ضاحكاً:
شكلها أول ليلة زواج ننام يم البيبية.
ضحكت شعاع رغم خيبة قلبها.
وحملت فراشها هي الأخرى.
وفي تلك الليلة...
نام سلمان وشعاع في غرفة البيبية.
بينما كانت البيبية مستلقية تنظر إلى سقف الغرفة بصمت.
تعرف ما لا يعرفه سلمان.
وترى ما لا يراه.
أما في الغرفة الثانية...
فكان عبد الرزاق يقف عند النافذة.
ينظر إلى الدكان المظلم المقابل.
ثم إلى البيت.
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة.
وقال بصوت منخفض:
بداية مو بطالة...
بداية مو بطالة أبد.
فتجمدت البيبية في فراشها حين سمعت كلماته من خلف الجدار.
وأدركت أن المصيبة الحقيقية...
لم تدخل بيتها إلا هذه الليلة.
...
في صباح اليوم التالي للعرس...
استيقظت شعاع باكراً كعادتها.
فقد اعتادت على حياة العمل منذ طفولتها.
وكانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الأولى فوق بيوت الثورة الطينية.
داخل بيت البيبية...
كانت وداد قد سبقت الجميع إلى الاستيقاظ.
تجلس في الحوش وتشرب الشاي.
بينما كان زوجها عبد الرزاق يتفقد الدكان بعينيه من بعيد.
أما سلمان فكان ما يزال نائماً بعد تعب ليلة العرس الطويلة.
وفجأة...
سمعوا طرقاً على الباب.
نهضت شعاع بسرعة.
وفتحت الباب.
لتجد سعاد واقفة.
وخلفها التوأم علي وحسين.
وكان علي يحمل صينية كبيرة مغطاة بقماش أبيض.
تفاجأت شعاع.
فابتسم علي فوراً.
وقال:
صباح الخير عروس.
ثم رفع الغطاء عن الصينية.
فظهرت صحون الكاهي والكيمر والعسل.
فضحكت شعاع لأول مرة منذ الصباح.
وقالت:
الله... شنو هذا؟
أجاب علي بفخر:
أمي مسويته إلج.
من داخل البيت رفعت وداد رأسها باستغراب.
أما سعاد فابتسمت وقالت:
هاي صبحية العروس.
مو معقولة نتركج بدون كاهي وكيمر.
دخلوا إلى الحوش.
وجلست النسوان سوية.
أما علي فكان سعيداً بشكل واضح.
كأنه هو العريس.
كل دقيقة ينظر إلى شعاع ويبتسم.
ويقول:
والله صرتي أحلى عروس بالمحلة.
فيضج الجميع بالضحك.
بينما كان حسين جالساً بصمت قرب الباب.
يراقب كل شيء دون كلام.
وبعد قليل...
استغلت سعاد انشغال البيبية ووداد بالشاي.
وأخذت شعاع إلى زاوية من الحوش.
وقالت بصوت منخفض:
ها يمه...
شخبارج؟
ابتسمت شعاع بخجل.
الحمد لله.
اقتربت سعاد أكثر.
وقالت:
زين...
احجيلي.
ارتبكت شعاع.
شنو أحجيلج؟
خفضت سعاد صوتها أكثر.
صار شي بينج وبين سلمان لو لا؟
نظرت شعاع إليها باستغراب حقيقي.
وكأنها لم تفهم السؤال أصلاً.
وقالت ببساطة:
شنو يعني؟
تجمدت سعاد لثوانٍ.
ثم فهمت أن البنت لا تعرف ما تقصده.
فشعاع كبرت يتيمة.
والبيبية كانت امرأة كبيرة بالسن.
ولم يكن عندها أحد يعلمها أمور النساء والعرائس.
أجابت شعاع بعفوية:
لا والله.
إحنا نمنا يم البيبية.
لأن وداد وزوجها ناموا بغرفتنا.
وانتهى الأمر.
ظلت سعاد تنظر إليها.
ثم هزت رأسها بصمت.
أما شعاع فبقيت تبتسم دون أن تفهم سبب السؤال أساساً.
في الجهة الأخرى...
كان علي يضحك مع سلمان.
ويقول:
هسه صرت أخوية لو لا؟
فضحك سلمان.
وربت على رأسه.
من زمان أخوية.
فابتسم علي بسعادة.
بينما كان عبد الرزاق يراقب المشهد من بعيد.
وعيناه لا تفارقان الغرفة الجديدة.
غرفة سلمان وشعاع.
التي أصبحت الآن غرفته هو ووداد.
ثم نظر إلى البيت.
وإلى الدكان.
وعاد يبتسم تلك الابتسامة التي لم تعجب البيبية منذ اللحظة الأولى.
أما البيبية...
فكانت تراقب كل شيء بصمت.
وشعور ثقيل بدأ يكبر داخل قلبها.
شعور يقول لها إن عودة وداد وزوجها...
لن تجلب الخير لهذا البيت.
وأن فرحة العرس...
قد لا تدوم طويلاً.
...
كان الفجر قد بدأ يتسلل بهدوء إلى داخل الغرفة.
وخيوط الضوء الباهتة تنساب من النافذة الصغيرة.
في تلك الليلة...
نام سلمان وشعاع في غرفة البيبية.
أما غرفة سلمان الجديدة...
فكانت تشغلها وداد وزوجها عبد الرزاق.
بعد أن تنازل لهما سلمان عنها بكل طيبة قلب.
استيقظت شعاع أولاً كعادتها.
فتحت عينيها.
وتمددت قليلاً.
ثم التفتت نحو فراش البيبية.
وتوقفت.
الفراش كان فارغاً.
والغطاء مطوياً بعناية.
ابتسمت بخفة.
وقالت في نفسها:
أكيد طلعت للحوش.
أو يمكن راحت للمرافق.
نهضت بهدوء.
وخرجت من الغرفة.
لكن الحوش كان فارغاً.
ولا أثر للبيبية.
نظرت قرب التنور.
ثم عند الباب الخارجي.
ثم بالمطبخ الصغير.
لكنها لم تجدها.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
فعادت إلى الغرفة بسرعة.
وأيقظت سلمان.
سلمان... قوم.
فتح عينيه بتعب.
شكو؟
قالت:
البيبية مو موجودة.
جلس فوراً.
شلون مو موجودة؟
دورتِ عليها؟
بكل مكان.
نهض سلمان بسرعة وأمسك عصاه.
وأخذ ينادي:
يمه!
يمه!
لكن لم يجبه أحد.
وفي تلك الأثناء...
انفتح باب الغرفة الثانية.
وخرجت وداد.
كانت ما تزال نصف نائمة.
وتعدل شيلتها على رأسها.
سألت ببرود:
شصاير؟
أجابتها شعاع:
البيبية مو موجودة من الصبح.
رفعت وداد حاجبيها قليلاً.
وقالت بلا اكتراث:
يمكن طالعة يم الجيران.
ثم اتجهت نحو إبريق الماء.
وغسلت وجهها.
وكأن الأمر لا يعنيها كثيراً.
نظرت إليها شعاع باستغراب.
فهي لو كانت أمها مفقودة لجن جنونها.
أما وداد...
فبدت هادئة بشكل غريب.
جلست تشرب الشاي.
بينما سلمان يدور في الحوش بعصاه باحثاً عن أمه التي ربته.
مرّت ساعة.
ثم ساعتان.
وبدأت الشمس ترتفع.
ولا أثر للبيبية.
أما وداد...
فبقيت جالسة في الظل.
تشرب الشاي مع زوجها.
وكان عبد الرزاق أكثر اهتماماً بالدكان من اهتمامه باختفاء العجوز.
سأل وهو ينظر نحو الرفوف:
شكد يبيع هالدكان باليوم؟
رمقته شعاع بنظرة مستغربة.
بينما كان سلمان يقف عند الباب وقلبه يأكله الخوف.
ومع اقتراب الظهر...
كانت شعاع على وشك البكاء.
وأهل المحلة بدأوا يخرجون للمساعدة بالبحث.
وجاء أبو حسين.
وجاء أبو علي.
وحتى بعض الأطفال صاروا يسألون عنها.
أما وداد...
فما زالت تقول:
لا تخافون.
راح ترجع.
وكأنها تتحدث عن جارة خرجت للسوق.
لا عن أم غابت منذ ساعات.
وفجأة...
ارتفع صوت طفل من آخر الزقاق:
إجت البيبية!
قفزت شعاع من مكانها.
وركض سلمان نحو الصوت.
وفي آخر الشارع...
ظهرت البيبية.
تمشي ببطء.
وتتكئ على ذراع الأستاذ كاظم.
لكن الغريب...
أن الابتسامة كانت تملأ وجهها.
ابتسامة واسعة لم يروها عليها منذ شهور.
ركضت شعاع نحوها.
وأمسكت يديها.
بيبي وين رحتي؟
خفتينا عليج!
أما سلمان فوقف أمامها مباشرة.
وقال بصوت مرتجف:
يمه والله فكرت صار بيج شي.
ابتسمت البيبية.
وربتت على وجهه.
وقالت:
بعدني ما مستعجلة على رب العالمين وليدي.
فضحك الأستاذ كاظم.
بينما بقيت وداد واقفة قرب الباب.
تراقب المشهد بصمت.
دون أن تركض.
ودون أن تعانق أمها.
ودون أن تسألها حتى أين كانت.
وهنا...
شعرت البيبية بشيء يعتصر قلبها.
وأدركت أن السنين الطويلة لم تبعد ابنتها عنها فقط...
بل أخذت شيئاً من قلبها أيضاً.
أما الكيس الصغير الذي كانت تخبئه تحت عباءتها...
فقد ظل بعيداً عن أنظار الجميع.
إلا الأستاذ كاظم.
الوحيد الذي كان يعرف السر الذي تخفيه البيبية... والسبب الحقيقي وراء غيابها منذ الفجر.
...
مرّ يومان على اختفاء البيبية الغامض.
ويومان على عودتها مع الأستاذ كاظم وهي تبتسم تلك الابتسامة التي حيّرت الجميع.
لكن شيئاً كان قد تغير بعدها.
في صباح اليوم الثالث...
لم تستطع البيبية النهوض من فراشها.
حاولت أن تجلس.
لكن التعب كان أقوى منها.
ركضت شعاع نحوها.
وقالت بقلق:
بيبي شبيج؟
ابتسمت العجوز بصعوبة.
ماكو شي يمه...
بس هالعمر تعب.
لكن حتى سلمان شعر أن الأمر مختلف هذه المرة.
فصوتها لم يعد كما كان.
وأنفاسها أصبحت متقطعة.
مع مرور الساعات...
اشتد عليها المرض.
وجلس سلمان عند رأسها.
بينما بقيت شعاع تمسك يدها.
أما وداد...
فكانت تدخل وتخرج من الغرفة بين حين وآخر.
لكنها لم تبدُ متأثرة مثل سلمان وشعاع.
وكأن المسافة التي صنعتها السنوات بينها وبين أمها كانت أكبر من أن تختفي بيوم أو يومين.
في المساء...
طلبت البيبية من شعاع أن تقربها منها.
فجلست قربها.
وأمسكت العجوز يدها.
ثم نادت:
سلمان...
اقترب سلمان بسرعة.
وجلس على الأرض قرب فراشها.
مدت البيبية يدها المرتجفة.
وأمسكت يده.
ثم وضعت يد شعاع فوق يده.
وقالت بصوت متعب:
لا تخلون الدنيا تفرقكم.
بدأت دموع شعاع تنزل.
أما سلمان فكان يبكي بصمت.
ابتسمت البيبية.
ونظرت إليهما طويلاً.
وكأنها تريد أن تحفظ صورتهما في قلبها.
ثم رفعت عينيها نحو السقف.
وهمست:
الحمد لله...
هسه أگدر أرتاح.
وقبل أذان الفجر بقليل...
هدأت أنفاسها.
ثم هدأت أكثر.
ثم ساد الصمت.
الصمت الذي فهمه الجميع.
انفجرت شعاع بالبكاء.
أما سلمان...
فأخذ يتحسس يد البيبية.
وكأنه ينتظر منها أن ترد عليه.
لكنها لم ترد.
لقد رحلت.
في ذلك اليوم...
خرج نعش البيبية من رأس الشارع.
وسار خلفه أهل المحلة جميعاً.
حتى الأطفال الذين كانوا يشترون منها الحلوى وهم صغار.
أما الأستاذ كاظم...
فكان يمشي بصمت.
ويتمتم بالدعاء.
وهو الوحيد الذي يعرف السر الذي أخذته البيبية معها إلى القبر.
بعد انتهاء العزاء بعدة ساعات...
حلّ الليل.
وساد الهدوء البيت.
في إحدى زوايا الحوش...
جلس عبد الرزاق يدخن سيكارته.
بينما جلست وداد قربه.
كانت تنظر إلى المكان الذي عاشت فيه أمها عشرات السنين.
فقال عبد الرزاق:
الله يرحمها.
هزت وداد رأسها بصمت.
ثم نظر نحو الدكان.
وأردف:
بصراحة...
بيت خوش بيت.
والدكان همين رزقه زين.
تنهدت وداد.
وقالت:
خلي الناس تخلص من العزاء أول.
لكن عبد الرزاق لم يكن يفكر بالعزاء.
كان يفكر بشيء آخر.
فقال:
لازم نعرف البيت باسم منو.
التفتت إليه.
فأكمل:
إذا البيت باسم أمج...
إنتِ بنتها الوحيدة.
يعني إلج حق بيه.
سكتت وداد.
ثم سألت:
وسلمان؟
رفع كتفيه بلا مبالاة.
شراح يسوي سلمان؟
هو وشعاع بعدهم شباب.
ننطيهم جم فلس يساعدون نفسهم بيها.
وأهل المحلة كلها تحبهم.
ما راح يضيعون.
ظلت وداد ساكتة.
ثم نظرت نحو الغرفة التي يبكي فيها سلمان وشعاع على البيبية.
وسألت بصوت أخفض:
وتتوقع يرضون؟
ابتسم عبد الرزاق ابتسامة ماكرة.
وقال:
إذا ما رضوا...
لكل حادث حديث.
ساد الصمت.
وبينما كانت دموع سلمان وشعاع لم تجف بعد...
كانت أول شرارة للطمع تشتعل في البيت.
شرارة ستتحول قريباً إلى نار كبيرة... لن تترك أحداً دون أن تحرقه.