رواية عشق يزلزل الحصون الفصل الثامن 8 بقلم بسنت محمد
تصلبت الأجواء داخل خيمة الطوارئ في ثانية واحدة، وتحولت نظرة أدهم الدافئة منذ قليل إلى نظرة مرعبة تشع شراراً وغضباً أعمى. قبضته الحديدية انمحت حول سلاحه، وعروق عنقه برزت بشدة وهو يلتفت نحو العسكري الذي وقف يرتجف من مظهر قائده:
"شريف؟ وبيسأل على الدكتورة حور بالاسم؟! وهو بأي صفة يتخطى الحراسة ويدخل المعسكر بالطريقة دي؟!"
حور كانت واقفة مكانها، عيونها العسلية اتسعت بصدمة وزهول حقيقي لما سمعت الاسم. بلعت ريقها وبصت لأدهم بتوتر، مكنتش خايفة من شريف.. دي كانت خايفة من بركان الغيرة اللي شافت ملامحه بتنفجر في وش أدهم الجارحي حالاً!
أدهم التفت لحور فجأة، ونزل بنظراته الحادة الحارقة اللي كادت تخترقها وقال بصوت منخفض كالفحيح:
"مين شريف ده يا دكتورة؟ وإيه اللي يخليه ييجي لحد هنا ويقلب الدنيا عشانك؟" 
حور حاولت تماسك نفسها وعنادها الأسطوري يرجع عشان متظهرش ضعيفة قدامه، ورفعت حاجبها وقالت بتوتر مخفي:
"وأنا إيش عرفني يا سيادة المقدم؟ شريف ده يبقى المقدم شريف الألفي، ابن خالة والدتي.. يعني قريبي، ودكتور برضه بس في المستشفى العسكري. معرفش إيه اللي جابه هنا اصلاً!" 
أدهم لم ينتظر سماع بقية الكلمات، بل استدار بسرعة وعنف، وتحرك لبرة الخيمة بخطوات واسعة زلزلت الأرض، وخلفه الرائد إياد اللي كان بيتابع الموقف ومستغرب جداً من تحول صاحبه لكتلة لهب متحركة.
برة في ساحة المعسكر..
كان يقف المقدم شريف، لابس زيه العسكري الفخم، وملامحه وسيمة بس فيها غرور وتكبر واضح. كان بيتخانق مع العساكر ويقولهم بعصبية:
"أنا قلت وسع أنت وهو! أنا جاي هنا في مأمورية دعم رسمي، ومعايا أوامر، وعايز أطمن على الدكتورة حور الشافعي حالاً لأنها تخصني!"
وفجأة، جاءه الرد بصوت جهوري هز أركان الصحراء كلها:
"ومين بقا اللي سمحلك ترفع صوتك في معسكر العمليات الخاصة يا سيادة المقدم؟!"
التفت شريف ليجد أمامه أدهم الجارحي يقف بجسده الضخم كالجبل الشامخ، وعيونه السوداء تطلق سهاماً قتالية. شريف حاول يحافظ على كبريائه وقال ببرود:
"أهلاً يا مقدم أدهم.. أنا شريف الألفي، وجاي مع قوات الدعم، وعرفت إن حور هنا في الوفد الطبي وكنت جاي أطمن عليها بنفسي لأنها بنت خالتي وعروستي المستقلبية!" 
في اللحظة دي، حور كانت خرجت من الخيمة وسمعت الجملة الأخيرة، وصرخت بعفوية ومرح عشان تلحق جبهتها اللي هتطير:
"عروسة مين يا عم أنت؟! والنعمة أنت بتخرف! أنا عمري ما وافقت عليك أصلاً وبطل تتبلى عليا في وسط الصحراء!"
أدهم أول ما سمع كلمة "عروستي المستقبلية"، أحس بنار الغيرة بتحرق قلبه بالكامل. خطى خطوة واسعة وبقى واقف بين شريف وحور تماماً، وسد الرؤية بجسده الضخم، وبص لشريف بنظرة سخرية حادة وقال بنبرة رخامية تجمّد الدم في العروق:
"المقدم شريف.. هنا معسكر عمليات أمنية مش قاعة أفراح! الدكتورة حور هنا تحت حمايتي وبأمر عسكري مباشر مني، وأي كلام برة نطاق الشغل والتأمين ملوش مكان عندي. اتفضل استلم موقعك مع رجالتك في النقطة (ج) الخلفية، وملمحش طيفك قريب من خيام الأطباء.. وإلا هعتبر ده قلة انضباط عسكري وتدخل في مأموريتي، وحسابي ساعتها مش هيعجبك
شريف وشه جاب ألوان من الإحراج والغيظ من قوة شخصية أدهم، وبص لحور بغضب، وبعدين ضرب تعظيم سلام مجبر وقال:
"تمام يا فندم.. بس الحساب مخلصش." واستدار ومشى مع رجالته وهو بيغلي.
على الجانب الآخر من المعسكر، بعيد عن النكد والغيرة..
كان الرائد إياد قاعد جوة عربية الجيب، وماسك ورقة وقلم وعمال يكتب ويشطب وهو بيضحك بدم خفيف جداً ومرح، وبيتكلم مع نفسه:
"لا كدة الطريقة دي هبلة أوي.. لو قلتلها يا سلمى أنا بحبك من أول ما شلتك في الممر هتقول عليا مجنون ومتحرش! طب أقولها إيه؟ يا بنت الحلال أنا مجهزلك المفاجأة ومكلم أخوكي أحمد ومظبط معاه كل حاجة؟ أيوة كدة.. الدخول من الباب علطول ملوش مثيل والنعمة!"
طلع تليفونه بسرعة وبعت رسالة قصيرة وذكية لسلمى كاتب فيها:
في القاهرة، سلمى شافت الرسالة، وتنططت على السرير من الفرحة والكسوف، ووشها بقى شبه الطماطم، وضحكت بشقاوة هادية وكتبتله:
بالعودة لساحة المعسكر..
أدهم لف ضهره وبص لحور اللي كانت واقفة بتبتسم ببلاهة ومرح من منظر أدهم وهو بيطرد شريف. أدهم قرب منها بخطوات سريعة وعصبية، وجذبها من إيدها بخفة ودخلوا ورا خيمة القيادة بعيد عن عيون العساكر.
حور لوت بوزها وقالت بمرح:
" جرى إيه يا سيادة المقدم؟ براحة على إيدي والنعمة، أنا دكتورة جراحة ومحتاجة صوابعي دي عشان أخيط الناس! وبعدين شفت كبستلك شريف إزاي؟ ده بارد أوي أصلاً ومبستحملوش!" 
أدهم ساب إيدها، وحط إيديه الاتنين في خصرة وقرب منها جداً لدرجة إن حور حست بأنفاسه الغاضبة، وقال بنبرة تملك وغيرة عميقة هزت كيانها:
"حور.. أنا ميهمنيش شريف ولا غيره! بس قسماً بالله، الكلمة اللي قالها دي لو تكررت تاني، أو شفت حد بيقرب منك أو يلمح إنك تخصيه، هتشوفي وش مني ميعجبكيش! أنتِ هنا دكتورة الوفد بتاعي.. ومفيش مخلوق ليه حق عليكي طول ما أنا موجود، فاهمة ولا لاء؟!" 
حور نظرت لعيونه السوداء القريبة جداً، وحست بالدفيء والأمان الطاغي وسط كل غيرته وعصبيته دي، وابتسمت ابتسامة رقيقة وذكية، وقربت منه خطوة وقالت بصوت ناعم وشقي:
" فاهمة يا سيادة المقدم.. بس اعترف بقا، أنت كل الغيرة دي عشان خايف على انضباط المعسكر.. ولا الحصن المنيع بتاعك خلاص انهار
أدهم تصلب في مكانه، وبص لشفايفها وعيونها العسلية اللي بتتحداه بكل شقاوة، ولأول مرة يحس إنه عاجز عن الرد.. الحصن انهار بالكامل ومبقاش فيه مفر من عِشق الإعصار! 
