رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل الثامن 8 بقلم هاجر سلامة
التامن
في ليلة من الليالي، دخل بدر جناح زهرة ببطء وهو شايل جواه شوق وندم ملوش آخر. شافها قاعدة بتقرأ في كتاب تحت ضوء أباجورة خافت، وشعرها الغجري نازل على كتافها بـ سحر يخطف العين. قرب منها وصوته كان واطي وفيه نبرة رجاء أول مرة تظهر فيه:
"زهرة.. لساتك صاحية؟"
زهرة قفلت الكتاب بكل هدوء، وقفت وعدلت عبايتها وبصت له ببرود وقالت:
"نعم يا بدر بيه.. محتاج حاجة أجهزهالك جبل ما أنام؟"
كلمة "بدر بيه" نزلِت عليه كيف الخنجر. قرب منها خطوة ومسك إيدها، بس المرة دي براحة مفيش قسوة، وقال وعيونه في عيونها:
"بلاش الحديث الواعر ده يا زهرة.. أنا خبرت كل حاجة، وخبرت إنك حميتي اسمي قدام الناس، وجليلة نالت جزاءها ومش هتشوف الشارع لشهور. أنا.. أنا مقدر اللي عملتيه."
زهرة سحبت إيدها من وسط إيده بكل رقة وحسم، وقالت وابتسامة باردة على وشها:
"أنا معملتش كِدِه عشان تقديرك يا ابن الهواري.. أنا عملت كِدِه عشان أصلي وعيلتي الرَّحَايْمَة مبيطلعش منهم الندالة واصل. ودلوك، لو مفيش طلبات تانية، جليلة زمانها مستنياك في أوضتها.. وأنا اتفجت معاك إن الأوضة دي ملكش صالح بيها."
بدر جز على سنانه والندم اتقلب عصبية من كرامتها اللي مش عارف يطولها، وقال بصوت مخنوق:
"أنتي لساتك بتفكريني بجليلة؟! أنا جوزك يا زهرة! ومن حقي أكون إهنه!"
زهرة بصت له ونظرة الكسرة ظهرت في عيونها لثانية واحدة وقالت:
"كنت جوزي جبل ما تِجيب ضرتي وتضحك بصوت عالي قدام باب أوضتي ليلة فرحك عشان تقهرني. دلوك.. إحنا إخوات قدام ربنا، وزوجين قدام الناس وبس يا ابن الهواري. تصبح على خير."
خرج بدر من الغرفة والغل يأكله، ليس منها بل من نفسه التي قادته لهذا المأزق.
استقرت زهرة في مكانتها الجديدة داخل القصر بدعم مطلق من الحاجة آمنة، لكن الهدوء لم يكن ليدوم طويلًا في الصعيد؛ فالنيران الكامنة تحت الرماد أوشكت أن تشتعل من جديد بسبب طرف خارجي.
لم تكن جليلة لتستسلم بسهولة وهي ترى مكانتها تنهار داخل قصر الهواري، بينما ترتفع زهرة وتتربع في قلب الحاجة آمنة. استغلت جليلة أول زيارة لوالدها "الحاج عتمان الهواري" -عم بدر وشريكه في تجارة الأراضي والمواشي- لتبث شجونها ودموعها المصطنعة بين يديه. كان الحاج عتمان رجلاً طماعاً، ذا نظرات حادة وشارب كثيف، يرى في وجود ابنته جليلة كزوجة وحيدة لبدر ضماناً لثروة العائلة وبقائها تحت سيطرته، ولذلك نزل كلام ابنته في أذنيه كالنار.
في غرفتها المغلقة، كانت جليلة تبكي بحرقة مصطنعة وهي تمسك بيد والدها، بينما كان يربت على كتفها وعيونه تدور بغضب جحيمي.
جليلة مسكت يد أبوها وهي بتشهق بالدموع وتقول بمكر:
"شفت يا بوي؟ شفت واد أخوك عمل فيا إيه عشان خاطر بت الرَّحَايْمَة؟ قفل عليا الأوضة ومنعني من الخروج وسط الخدم، وخلّى البت دي تسرح وتمرح في الدار، وكأني أنا الشغالة وهي بت الأصول! لحمك ودمك بِيتهان يا حاج عتمان في دار الهواري!"
الحاج عتمان خبط عصايته في الأرض وزعق بصوت مكتوم:
"اِخسي عليكي وعلى خيبتك يا بت عتمان! كيف حِرمة غريبة تكسر شوكتك وتاخد مكانك في دار جوزك؟ بدر واد أخوي صوح، بس الدار دي لينا فيها حق، وأنا مش هسكت على مرار عيشتك ده واصل."
جليلة قربت من أبوها وقالت بـ حقد:
"بدر بيحبها يا بوي.. أنا شفت عيونه وهي بتطلع وراها، ولو سيبناه، البت دي هتكوش على كل حاجة، وهتنسيه دم عمه وأخوه اللي راح على يد أهلها. لازم نكسر عينها قدام بدر، ونخليه يطردها برا الدوار بيده!"
الحاج عتمان بَص لبنته بخبث وقال:
"اِمسحي دموعك يا بتي.. أنا هطلع لدوار بدر دلوك، وهحط النقط على الحروف، والبت دي ملهاش جُومة إهنه من الليلة دي واصل."
خرج الحاج عتمان من جناح ابنته متوجهاً بكامل هيبته وغضبه نحو الدَّوار الكبير، حيث كان بدر يجلس مع بعض رجال العائلة يراجعون حسابات الأراضي. كانت زهرة في تلك الأثناء تقف بالقرب من الحاجة آمنة، تباشر ضيافة عم زوجها بأدب واحترام جم، غير آبهة بالشر المستطير الذي يلوح في الأفق.
دخل عتمان ووقف وسط الدوار، ولم يسلم أو يلقِ التحية، بل وجه نظراته القاسية مباشرة نحو زهرة، ثم التفت إلى بدر وصاح بنبرة تهز الجدران.
التامن
جمر الثأر وعاصفة العشق
الكاتبة هاجر سلامة
الجاي نااااررر