رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل التاسع 9 بقلم هاجر سلامة
التاسع
الحاج عتمان زعق في وسط الدوار وهو بيشاور بعصايته على زهرة:
"جرى إيه يا واد أخوي؟! هي عيلة الهواري صغرت واصل عشان بت الرَّحَايْمَة تتحكم في دارنا وتحبس بنتي لحمي ودمي في أوضتها؟ كيف تِعلي مقام بت جتالين أبوك وأخوك، وتهين مرتك وبت عمك جليلة؟!"
بدر قام وقف بكل هيبته، وعيونه اسودت من الغضب لأن عمه بيتخطى حدوده قدام الناس، وقال بصوت رجولي رعد في المكان:
"الزم حدك يا عمي! أنت فوق راسي صوح، بس دار بدر الهواري مفيش راجل براها يدخل يتحدت في شؤونها، ولا يِعلي صوته في وجودي!"
الحاج عتمان قرب من بدر وقال بغل:
"أنا عمك يا بدر! وأنا اللي وقفت معاك لحد ما بقيت كبير الهوارية! البت دي لازم تِتعرف مقامها صوح.. دي إهنه جارية وتمن دم! كيف تخليها ست الدار وبنتي أنا تِتبهدل؟ اِطرد البت دي برا دلوك، يا إما الشراكة اللي بيني وبينك فضت، وكل واحد يروح لحاله والمجالس هتعرف خيبتك مع الحريم!"
زهرة كانت واقفة بكل ثبات، ورغم إن كلام عم بدر كان قاسي ويجرح، إلا إنها منزلتش راسها واصل. بصت لبدر وهي مستنية تشوف هل هيبيعها عشان الفلوس والشراكة، ولا كبريائه هيتحرك.
بدر بَص لزهرة وشاف ثباتها وعزة نفسها، وحس إن كرامته كرجل وصعيدي اتهانت من تهديد عمه.
قرب من عتمان وبص في عيونه وقالت بنبرة حاسمة وقاطعة:
"الشراكة تفض الليلة جبل بكرة يا حاج عتمان! وأرضي لو هتبور مش هسمح لمخلوق يملي عليا شروطه في داري! زهرة مرتي على سنة الله ورسوله، ومقامها من مقام أمي الحاجة آمنة، واللي يمسها بكلمة عاد كأنه مس رقبة بدر الهواري بـ السكينة! وبنتك جليلة غلطت في حق ضيوف الدار وخدت جزاها، ولو مش عاجبها، خُدها معاك في يدك وأنت عاود على دارك!"
الحاج عتمان اتصدم وشه جاب ألوان من رد بدر القوي، ومكنش متخيل إن بدر يضحي بالشراكة والفلوس عشان خاطر زهرة.
ضرب الحاج عتمان الأرض بعصاه بعنف شديد، والتفت خارجاً من الدَّوار وهو يتوعد ويهدد بقطع العلاقات نهائياً، تاركاً وراءه صمتاً مهيباً. تنهدت الحاجة آمنة براحة وفخر بموقف ابنها الرجولي، بينما نظرت زهرة إلى بدر بنظرة مختلفة تماماً هذه المرة؛ نظرة تحمل تقديراً خفياً لم تظهره من قبل، فقد حماها أمام عمه ورفض إهانتها ورجّح كفتها على المال والشراكة.
اقترب بدر من زهرة بعد خروج عمه، وكانت أنفاسه لاتههدأ، ونظر في عينيها الكحيلتين ليرى لأول مرة جمود برودها وهو يتزلزل أمامه
بدر وقف قدام زهرة وقال بنبرة حادة بس فيها وجع:
"شفتي عاد؟ شفتي إن دار الهواري مِش رخيصة، وأنا مِش الراجل اللي يبيع مرته عشان خاطر قرشين ولا كلام حريم؟ لساتك شايفة إني واعر وبكرهك يا زهرة؟"
زهرة بلعت ريقها، ووجع قلبها ظهر في نبرة صوتها الهادية وقالت:
"اللي عملته الليلة دي عمل رجالة صوح يا بدر بيه، ويكبر مقامك في البلد كلها. بس أنا مِش ناسية إنك جبت ضرتي بإيدك عشان تقهرني. كرامتي لساتها واجفة يا ابن الهواري.. والحديث بينا لساته مخلصش."
سابته وطلعت على أوضتها، وبدر بَص في أثرها وابتسم بـ وجع وقال لنفسه: "وراه وراه يا زهرة.. لحد ما الحجر اللي في صدرك ده يلين، وتبجي ليا صوح."
لم تكن جليلة لتتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، بل تملّكها غِلٌّ أعمى أفسد عقلها بعدما رأت زوجها يضحي بماله وشراكته مع والدها من أجل زهرة.
كانت تدرك أن الطريقة الوحيدة لطرد زهرة من الجنة التي تتربع فيها هي الطعن في شرفها؛ فالشرف في الصعيد هو السيف الذي يقطع الرقاب ودون هوادة. استدعت جليلة شقيقها "حمدان"، وهو شاب طائش، طماع، ومستهتر، وأقنعته بخطة خبيثة مستغلةً رغبته في المال.
أخبرته جليلة أن زهرة تخبئ ذهباً وثروة طائلة تخص عائلة الهواري في دولاب جناحها الخاص، وأن هذا الذهب هو حقهما الشرعي الذي يحرمهما بدر منه بسبب شراكتهم المنفضة. تسلل حمدان إلى القصر في ساعة قيلولة، ودخل جناح زهرة خفية لتبدأ المؤامرة الدنيئة.
حمدان كان وا قف جوه أوضة زهرة وبيقّلب في الدولاب بـ غل وطمع، وفي اللحظة دي انفتح الباب ودخلت زهرة. أول ما شافته، عيونها اتسعت بصدمة، بس مِش خوف.. صدمة ذكاء وفهمت اللعبة في ثانية.
في نفس اللحظة، رن صوت جليلة في الممر وهي بتصوت وبتلطم على وشها بعلو صوتها:
"يا مري يا فضيحتنا! يا ناس يا شرقا يا غربا! الحق يا بدر.. الحق يا أمي آمنة! بت الرَّحَايْمَة جايبة راجل غريب في أوضتها وفي غياب جوزها! يا فضيحة عيلة الهواري في البلدان!"
الصوت رعد في القصر، وبدر طلع على السلم زي الإعصار، وعيونه طالع منها شرار الدم والموت، والحاجة آمنة وراه بتترعش ومش مصدقة.
دخل بدر الأوضة ويده على سلا.حه، وأول ما شاف حمدان وا قف، هجم عليه زي الأسد الجعان، ومسكه من رقبته ونزل فيه ضرب بـ البوكس والشلاليت لحد ما حمدان كان هيموت في يده والد.م مغرق وشه.
بدر كان بيزعق وهو بيصوب السلاح على راس حمدان:
"يا ولد عتمان! جيت لحد إهنه تِطين شرفي؟! أنا هجتلك وهغسل عاري بدمك الليلة دي!"
جليلة كانت وا قفة ورا الباب بتضحك بـ خبث وشماتة، وبتقول:
"اِجتله يا واد عمي! اِجتله واِجتل الخاينة اللي معاه دي اللي وطت راسنا في الطين!"
هنا، زهرة وقفت في وسط الأوضة بكل ثبات وقوة، وبصوت عالي وراسي وواثق هز الأوضة، صرخت:
"اِستنى عندك يا بدر بيه! نزل سلا.حك واِسمع الأول.. الشرف مِش لعبة، وزهرة بت الرَّحَايْمَة مِش هي اللي تتفضح بـ لِعبة حريم رخيصة!"
بدر بَص لزهرة وعيونه حمرا دم، وصوته مخنوق:
"لعبة إيه والكلب ده وا قف في أوضتك ووسط حاجتك يا زهرة؟!"
زهرة قربت من حمدان اللي كان واقع في الأرض يئن بيموت من الخوف، وبصت له بنظرة قوية وقالت بصوت هادي وفيه مكر ذكي:
"اتحدث يا حمدان جبل ما روحك تطلع.. جُول لـ بدر بيه أنت جيت إهنه ليه صوح؟ جُلّه على الدهب والورث اللي أختك جليلة جالتلك إنه مستخبي في دولابي عشان تاخده وتِهرب! جُلّه إنك جيت تسرق مِش حاجة تانية، جبل ما يِجتلك بتهمة شرف وأختك تتبرى منك وتعيش هي في العِز وأنت تحت التراب!"
حمدان أول ما سمع كلام زهرة، خاف على روحه وفهم إن أختها ورطته في مصيبة موته، فصرخ وهو بيبوس رجل بدر:
"الحقني يا واد عمي! أنا ماليش صالح بـ الشرف واصل! جليلة هي اللي جالتلي إن زهرة مخبية دهب وورث عيلتنا في دولابها، وجالتلي ادخل خده وهي هتأمنلي السكة! أنا جيت أسرق صوح، بس والله ما لمستها ولا جربت منها! أختي هي اللي فتنِت عليا وعايزة تخلص مني ومنيها!"
سقطت الكلمات كالصاعقة التي شلت حركة الجميع داخل الغرفة. تراجعت جليلة إلى الوراء ووجهها شاحب كالمو.تى، وحاولت الهرب، لكن يد الحاجة آمنة كانت أسرع؛ حيث أمسكتها من شعرها بقوة وضربتها على وجهها بضربة هزت الممر.
التفت بدر نحو جليلة ببطء شديد، وكانت نظراته كفيلة بإحراق القصر بمن فيه. شعر بالخزي والعار من أفعال ابنة عمه الدنيئة، وفي نفس الوقت شعر بفيضان من الفخر والحب الجارف لزهرة التي دافعت عن شرفها بذكاء وحكمة الصعيد الأصيلة، دون أن تترك ثغرة واحدة للألسن.