رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الثامن 8 بقلم لبني دراز
ثمةُ وجعٌ لا يُقال، يُرى فقط في عينٍ أرهقها الصمت، وفي يدٍ تقبض على نفسها كي لا ترتجف.
هناك خطوطٌ لا تُرسَم بالحبر، بل تُحفر في الروح، ومن يقتربُ منها، لا يدري أنه يوقظ شيئًا لا يُحتمل.
بعضُ الوجوه تعود، لا لتُصلح ما مضى، بل لتكشف أن ما انكسر لم يُجبر يومًا.
وفي لحظةٍ واحدة، يتحول الصوت إلى صدى، والقلب إلى ساحة حرب بلا شهود.
ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن، غير أن ما في الداخل لم يعد كما كان.
برد الرحيل بقلمي
معرض نوح الشاذلي
كريم صحي قبل الضهر بشوية بعد ليلة طويلة ما عرفش فيها طعم النوم بسبب الصراع اللي كان داير بين قلبه وعقله عشان تقى ووجعه من أبوه، قام دخل الحمام أخد شاور وبعدها اتوضّى وخرج يلحق صلاة الضحى، وخرج بسرعة من البيت قبل ما تلاحظ أمه توتره وعيونه الوارمة من السهر والتفكير، ركب تاكسي وراح لـ أبوه المعرض وكل ما يقرب صدره كان بيضيق أكتر وأنفاسه بتتقل لحد ما وقف قدام المكان، نزل بسرعة وخطواته كانت حادة ومتوترة، دخل من الباب من غير ما يهدى عدّى وسط الناس اللي بصوا له باستغراب، كمل طريقه لحد المكتب ووقف قدامه وصوته خرج عالي ومشحون بالغضب:
نوووح يا شاااااذلي، كارما خط أحمرررر، ساااامع؟ أخوااااتي خط أحمر يا نوووح، إيااااااك تقرب لحد منهم، فااااااااهم؟
نوح خبط بإيده ع المكتب بقوة وهو بيقوم يقف ووشه احمر من الغضب وبنبرة صوت عالية:
اتكلم بأدب ووطي صوووتك، وما تنساش اني أبوووووك، ولا أمك ما علمتكش الأدب يا دكتوووور؟
كريم كوّر قبضة إيده لحد ما عروقه بانت، وخبط بيها ع المكتب بعنف، وإيده التانية مرفوعة بتشاور ع نوح بحدة وبنبرة غضب:
إياك تجيب سيرة أمي ع لسانك، وإلا وديني هنسى أنك أبويا فعلا واوريك وش هيخليك تندم انك ظهرت فـ حياتنا مرة تانية.
نوح اتحرك من ورا مكتبه بخطوات سريعة، قرب من كريم بعصبية ورفع ايده عشان ينزل بيها ع وشه وهو بيزعق:
انت بتهددني يا ابن بهييييرة؟!
فـ لحظة كريم كان رافع إيده بسرعة ومسك إيد أبوه فـ الهوا قبل ما تنزل ع وشه، قبضته كانت قوية وثابتة وبص له فـ عينه بنظرة كلها تحدي وغضب، ومن بين أسنانه:
آه بهددك، وأحسنلك خليك بعيد عني انا وأمي واخواتي وإلا صدقني هتندم.
بعدها نطر إيده بعيد عنه بعنف ولف خرج من المعرض من غير ما يبص وراه، خطواته سريعة ومتوترة وصدره كان بيطلع وينزل من شدة الانفعال كأنه بيحارب عشان ياخد نفسه، وقف برة لحظة تايه ومش شايف قدامه، شاور لأول تاكسي عدّى قدامه وركب من غير ما يفكر، وقال لـ السواق يطلع ع النيل ولما وصل نزل وقعد الكورنيش، طلع موبايله وكلم الممرضة عشان تأجل كل الكشوفات لبكرة وتقفل العيادة وتمشي، قفل المكالمة ورجع الفون فـ جيبه، حط كوعه ع ركبته وإيده ساندة راسه وباصص قدامه بشرود، مر عليه أكتر من ساعتين وهو قاعد نفس القعدة الأفكار بتخبط فـ دماغه، صوت أبوه لسة بيرن فـ ودانه وكلامه وهو بيرد عليه بيوجعه أكتر، غمض عينه لحظة عشان يهدّي نفسه بس الذكريات القديمة هاجمته بشراسة، قطع تفكيره رنة تليفونه فتح عينه وهو بيطلعه من جيبه وشاف اسم حمزة، اتنهد تنهيدة تقيلة وهو بيرد بصوت مبحوح:
السلام عليكم، ازيك يا حمزة؟
حمزة لاحظ من نبرة صوت كريم إن فيه حاجة مش مظبوطة فسأله بهدوء وبنبرة فيها قلق:
مالك يا كريم؟ صوتك مش مريحني.
كريم اتنهد تنهيدة موجوعة، وصوته خرج واطي ومكسور:
تعبان اوي يا حمزة، مخنوق وحاسس ان روحي بتطلع ومش قادر أخد نفسي.
حمزة سامع دوشة حوالين كريم وكلكسات عربيات كتير فقلق أكتر، وقام من ورا مكتبه بسرعة وهو بيتحرك بتوتر ونبرته باين فيها الخوف:
قول لي انت فين؟ وانا جايلك حالًا.
كريم رد بهدوء غريب، صوته واطي ومرهق ومستسلم لكل اللي جواه:
انا فـ المكان بتاعنا.
حمزة قفل المكالمة ع طول، خطف مفاتيحه وخرج من الشغل بسرعة، قلبه بيدق بقلق، ركب عربيته وطار بيها، وصل المكان اللي متعود يقابل فيه اصحابه وبمجرد ما عينه وقعت ع كريم، شافه قاعد حاطط راسه بين إيديه ودموعه نازلة فـ صمت تقيل، قلبه اتقبض وجري ناحيته من غير تفكير قعد جنبه وملامحه كلها خوف وقلق وصوته طلع مخضوض:
كريييم؟! مالك؟! فيك ايه وصّلك للحالة دي؟
كريم رفع عينه ببطء، عيونه حمرا ودموعه مغرقة وشه، بص لـ حمزة بنظرة مليانة قهر ووجع وصوته خرج مكسور:
راجع تاني ليه بعد السنين دي كلها؟ انا كنت ما صدقت ارتاحت وبدأت اتأقلم واربي اخواتي من غيره، راجع تااااني لييييه يا حمزة؟ لييييييه؟
حمزة بص له باستغراب، وعينه وسعت شوية وهو بيحاول يستوعب اللي سامعه:
هو مين يا كريم؟! اوعى تقول ابوك؟!
كريم غمض عينه بوجع وهو بيهز راسه ببطء:
أيوا هو يا حمزة، هو رجع تاني وظهر فـ حياتنا بكل جبروت كأنه ما عملش حاجة.
حمزة بقلق:
وكان عايز ايه؟
كريم قام فجأة وقف قدام حمزة ولف ناحيته ودموع القهر بتلمع فـ عينه ووشه مشدود والغضب ممزوج بوجع واضح فـ ملامحه ونبرة صوته:
راجع ياخد اخواتي مني بعد ما كبرتهم، راجع يسرق عمري مني يا حمزة، عايز ياخد روحي مني، كارما دي مش أختي وبس، دي بنتي وروحي اللي عايش بتنفس بيها وليها.
صوته عِلي فجأة وانهار وهو بيصرخ من القهر اللي عايش فيه من سنين:
نوووووح الشاااااااذلي راجع عايز ياخدها ويجوزها لـ ابن مرااااااته الصاااااايع اللي عايش عالة ع فلوسه، نووووح عاااااايز يجوز كارما اللي تعبت وشقيت وحرمت نفسي من حاجات كتيييير عشان تبقى البشمهندسة كاااااارماااااا عايز يجوزها لوااااحد فااااااشل مطرود من كليتين يا حمزززة.
حمزة قرب منه من غير تردد، شده لـ حضنه بقوة وطبطب ع ضهره بحنية وهدوء، صوته طالع واطي ومليان قلق وهو بيحاول يحتوي وجعه ويهديه:
طب أهدى عشان خاطري يا كريم، كدا هيجرالك حاجة، لازم تقوّي نفسك عشان تقدر تقف قصاده وتمنع الجوازة دي.
خرج كريم ببطء من حضن حمزة، مسح وشه بإيده وحاول ياخد نفسه ويهدي شوية، رفع عينه لـ حمزة ونظراته مليانة وجع وانكسار وصوته خرج واهن وضعيف:
عارف؟! ساعة ما كارما قالتلي امبارح انه راح لها الكلية، الـNـار مسكت فـ قلبي، مش قادر اتخيل ازاي جاله قلب يرمي عياله من سنييين وراجع تاني دلوقتي عشان يرمي بنته للمرة التانية.
حمزة بهدوء:
طيب وهتعمل ايه؟.
كريم بنبرة صوت مهزوز ومكسور كأنه بيجمع آخر قواه عشان يكمّل:
انا عملت خلاص يا حمزة، رُحت له وهددته لو ما بعدش عني وعن اخواتي ما يلومش غير نفسه.
حمزة باستغراب:
رُحت له؟! قدرت تعملها يا كريم وتروح له بيته؟!
كريم هز راسه بنفي وبنبرة وجع:
رُحت المعرض.
وبص لـ حمزة وهو بيضحك ضحكة مكسورة وعينه لسة مليانة انكسار:
عنده معرض عربيات ما احلمش اعدّي من جنبه.. وانا واخواتي بنتشعلق فـ المواصلات، يا أخي ده لابس بدلة تمنها يعيشني انا وأمي واخواتي شهرين تلاتة.
حمزة حاول يخفف ع كريم وجعه، فابتسم ابتسامة خفيفة ورفع حاجبه بنبرة مرحة متعمدة:
ولا يا كريم، انت بتحسد ابوك ياض؟ من امتى كنت نوتي وحقود كدا يالا؟ ههههههههههه.
كريم قعد ببطء، وطلعت منه ضحكة صغيرة مكسورة:
يا أخي ده تحس كدا كأنه محوي مافيش حاجة بتأثر فيه.
وهز راسه بتنهيدة طويلة وهو بيبص لحمزة بنظرة مرهقة:
انا ماعملتهاش يا حمزة أيام ما كنت بكمل عشايا نوم عشان اخواتي ما تنامش من غير عشى، هاعملها دلوقتي بعد ما الحمدلله الحال بقى افضل؟ انا بس قلبي وجعني ع اخواتي أوي لما شوفت العز اللي هو فيه، واحنا متمرمطين ومحرومين.
حمزة قعد جنبه وهو بيطبطب ع رجله بحب:
انسى بقى يا كيمو وفكر فـ والدتك واخواتك، انت الحمدلله خلاص مابقيتش محتاج له وكارم بيشتغل هو كمان ومش محتاج له وكلها سنتين ويتخرج هو وكارما وترتاحوا كلكم.
كريم اتنهد تنهيدة وجع وبص لـ حمزة بنظرة كلها خوف وبنبرة موجوعة:
تفتكر يعني سهل عليا يا حمزة اشوف كارم بيتبهدل من صغره زي ما انا اتبهدلت؟
حمزة لاحظ خوف كريم فـ عينيه وبنبرة هادية متفهمة:
انا عارف اللي بيدور فـ راسك يا كريم، عارف انك خايف ابوك يزغلل عين اخواتك بفلوسه حتى لو ما قولتش ده، بس باين فـ عينيك يا صاحبي.
واتنهد براحة وهو بيحاول يطمنه:
طمن قلبك يا كريم، كارم وكارما عمرهم ما هيبيعوك وينسوا شقاك عليهم ويجروا عليه.
كريم غمض عينه لحظة وهو بيدعي ربنا من قلبه يقدره ع اللي جاي، وبعدين شد حمزة لـ حضنه بقوة، حضن صامت فيه امتنان موجوع، وهمس بصوت واطي مكسور:
مش عارف من غيرك يا حمزة كنت عملت ايه، شكرا إنك جنبي يا صاحبي وما سبتنيش.
_____________________
بيت تقى_شقة ام عمر
فـ نفس اليوم عمر رجع من شغله بدري ع غير العادة، طلع السلم بخطوات هادية ووصل قدام شقتهم طلع المفتاح وفتح الباب بهدوء وأول ما دخل لمح أبوه وأمه قاعدين فـ الصالة ومعاهم خطيبته ووالدتها،
قرب منهم بخطوات ثابتة وصوته طلع دافي وهو بيسلم:
السلام عليكم يا أهل البيت.
حسين رفع له عينه وابتسم ابتسامة صافية مليانة ترحيب ورضا، ونظرته دافية فيها حنية:
وعليكم السلام ورحمة الله يا حبيب ابوك.
عمر لف وشه لـ خطيبته ابتسم وهو بيغمز لها ونظرة عينه فيها لمعة حب، وبنبرة كلها مرح وشقاوة:
مزتي حبيبتي منورة بيت أبويا، عقبال ما تنوري بيتي بقى.
صفية بصت له وهي بتضحك وبنبرة فيها غيظ مصطنع:
طب اتشملل يا فالح وخلّص نفسك وهي تنور بيتك.
عمر لف وشه ناحية أمه ورفع حاجب واحد باستغراب ونظرة الحيرة واضحة فـ عينه وصوته طلع بنبرة متسائلة:
ايوا؟ يعني عايزاني اعمل ايه؟
صفية عينها وسعت بذهول وبصت له بعدم تصديق وشقهت وهي بتخبط ع صدرها بنبرة اندهاش:
تعمل ايه؟! تعمل اللي بيعمله كل اللي زيك يا شملول، تشوفلك شقة وتفرشها وحدد ميعاد الفرح يا موكوس.
عمر قرب خطوتين وقعد جنب وفاء وهو بيبص لـ صفية وضحك ضحكة خفيفة فيها هزار:
طب استري عليا يا صفصف شالله تنستري، مش توكسيني كدا قدام المزة.
وفاء بصت له وضحكت بعلو صوتها ضحكة مليانة ثقة وخفة دم، رجعت راسها لورا شوية وبنبرة مرحة:
يا حبيبي انا عارفة انك موكوس من زمان، مش حاجة جديدة يعني.
عمر غطى وشه بإيده بسرعة بيداري كسفته وميل راسه لتحت شوية وهو بيضحك بخفة، وبنبرة هزار:
يا ختااااااااي ع جبهتي اللي اتنسفت يااااختي، أمي ومزتي حطوا راسهم فـ راس بعض يااااااختي، عمر جبهته طارت يا ابو عمر، أحيه أحيه أحيه.
أم وفاء بصت لـ بنتها وضحكت وملامحها فيها مرح:
بس يا بت اتلمي ومالكيش دعوة بـ عمر حبيب قلبي، قال موكوس قال.
وبصت لـ صفية بهدوء:
ربنا صلح حاله وييسر له اموره يا ام عمر، يثبت بس فـ شغله وبراحته احنا مش مستعجلين.
حسين هز راسه براحة لتفهم حماة ابنه الظروف وبنبرة هادية:
والله يا ام وفاء انا اللي مستعجل، نفسي افرح بيه زى اخواته قبل ما صاحب الحق ياخد حقه.
عمر قام بسرعة من مكانه وقرب من أبوه بخطوات كلها توتر، انحنى وباس راسه بحب وبنبرة قلق ما قدرش يخبيها:
بعد الشر عنك يا حاج، ربنا يبارك لنا فـ عمرك وتفرح بيا وبولادي كمان.
لف وشه لـ حماته بهدوء:
والله يا خالتي انا جاهز ومستعد للجواز من امبارح بس المشكلة فـ الشقق، من وقت ما رجعت من السفر وانا بدور ع شقتين واحدة نتجوز فيها والتانية للمكتب ولحد دلوقتي مش لاقي حاجة كويسة.
حسين بص له لحظة، وضيق عينه شوية بتفكير، وبعدين ملامحه استقرت وصوته خرج هدوء:
تاهت ولقيناها يا ابني، أمك تكلم بنت الحاج منصور ع الشقة اللي قدامها تتجوزوا فيها، وأهي الشقة حلوة وواسعة وكمان هتبقوا معانا فـ البيت.
صفية بصت لـ حسين وعيونها كلها حزن ع تقى وصوتها طلع بنبرة فيها تمنّي:
كان نفسي والله يا حسين، بس البنية سايبة الشقة عشان قرايبها لما ييجوا لها يقعدوا فيها، ما ينفعش نيجي احنا بقى ونقولها سيبي لنا الشقة.
عمر سرح لحظة من غير ما يحس وصورة تقى عدت فـ باله فجأة، اتوتر واتلخبط واستغرب الإحساس اللي شدّه ناحيتها رغم إنه مش فاهمه، بلع ريقه بصعوبة وهزّ راسه بيحاول يطرد إحساسه وبص لأمه وعيونه مليانة قلق وحيرة:
هي عاملة ايه يا أمي دلوقتي؟
صفية بقلق:
مش عارفه يا ابني، من ساعة ما نزلت من عندها امبارح وسبتها مع عمتها، ما طلعتش تاني.
عمر اتكلم وهو سرحان بتلقائية من غير ما ينتبه ومش واخد باله إن خطيبته قاعدة، صوته خرج واطي وفيه تشتت:
مش عارف ليه مشدود لها وحاسس انها قريبة مني اوي، ودايما قلقان عليها.
وفاء قامت وقفت مرة واحدة بغيرة وبنبرة عصبية وهي بتتحرك بسرعة ناحية باب الشقة:
يلا يا ماما نرجع شقتنا عشان البيه يطلع يطمن ع الهانم صاحبة البيت اللي قلقان عليها.
عمر فاق من شروده واتحرك وراها بسرعة حط ايده قفل الباب اللي فتحته وفاء قبل ما تخرج منه، بص لها بحب وبنبرة اعتذار:
أسف يا حبيبتي حقك عليا، بالله ما تخرجي وانتي زعلانة مني.
وفاء بغضب:
هخرج يا عمر، وكمان هبعتلك شبكتك عشان تروح تشبك بيها الست تقى، واهو بالمرة ما تحتاجش تدور ع شقة وتبطل تقلق عليها.
عمر بحزن وندم ونبرة عتاب:
اخص عليكى يا وفاء، بقى عايزة تبعتي الشبكة؟! عايزة تفسخي الخطوبة؟!
وفاء:
عشان تروح تتجوز ست تقى بتاعتك.
عمر بص لـ امه بنظرة رجاء:
ما تقولي حاجة يا صفصف، الحقيني.
صفية بصت له بغيظ ونبرة عصبية:
عايزني ألحقك واقولها ايه يا موكوس، هو في حد عاقل يقول اللي انت قولته ده؟
عمر مسك إيد وفاء بحب:
والله بحبك، وما حبيتش ولا عمري هحب غيرك صدقيني، وما اعرفش قولت كدا ازاي.
وبص لـ أمه وابوه وحماته بنبرة رجاء وندم:
يا جماعة صدقوني والله انا مش عارف بجد ليه قولت كدا، جايز لأنها صعبانة عليا، من يوم لما جات هنا وهي قافلة ع نفسها وكل شوية تتعب ويغمى عليها، ويمكن عشان لوحدها ومالهاش حد فبتصعب عليا، لكن من بعد ما ظهر قريبها ده وقعد معاها الموضوع اختلف شوية، لكن ما قصدتش أبدا اللي انتوا فهمتوه.
مرّ وقت طويل وعمر قعد يهدّي الموقف واحدة واحدة، يبرّر ويشرح لحد ما قدر يراضي خطيبته وتعدّي زعلة بسيطة بينهم وملامحها بدأت ترجع لطبيعتها، بس وهو واقف قدامها شكله هادي من برة إنما من جواه فيه حاجة مش مستقرة، إحساس غريب ماسكه من غير سبب واضح، ورغم إنه بيحب وفاء، بس مش فاهم ليه تقى بتشدّه بالشكل ده، وليه صورتها دايما بتنط فـ دماغه من غير استئذان.
_________________________
شقة تقى
تقى قاعدة ماسكة موبايلها وبتقلب فـ صفحتها ع الفيس بعد ما قررت إنها ترجع تقدم استشارات قانونية من خلال النت، بتحاول تلملم نفسها وتشغل وقتها بأي حاجة تبعدها عن التفكير، صوابعها كانت بتتحرك ببطء، لحد ما فجأة ظهر قدام عينيها خبر خطوبة سليم وفدوى،
شافت صورهم وفيديوهاتهم منتشرة بطريقة مثيرة للجدل، ملامحها اتغيرت وحست بنغزة فـ قلبها وكأن حد طعـ*ـنها بخـNـجر فـ روحها، بلعت ريقها بصعوبة وهي بتحاول تستوعب اللي شايفاه، هزت راسها ببطء، وابتسامة باهتة حزينة عدت ع شفايفها وهمست لنفسها بصوت واطي مكسور:
هو في جحود كدا؟ حتى ما استنوش لما عبده وعمتو حنان يرجعوا.
رجعت تبص للموبايل تاني، بس بعين شايلة خيبة ووجع ساكت.
فـ نفس الوقت عبدالرحمن كان داخل من باب الشقة وشافها بتكلم نفسها بص لها باستغراب:
تؤتؤة، انتي اتجننتي يا بت ولا ايه؟ بتكلمي نفسك!
تقى رفعت عينها من الموبايل وبصت له بتركيز، لمحت الحزن فـ عينه رغم ابتسامته الخفيفة، سكتت لحظة كأنها فهمت اللي ورا هزاره، وبنبرة متفهمة:
اقعد يا عبده وما تعملهمش عليا.
عبدالرحمن قرب من عمته حنان، انحنى وباس راسها بحب وبعدها قعد جنبها وهو بيخبط كف بكف بخفة وابتسم بنبرة مرحة بيحاول يخفف بيها الجو:
اعمل ايه يا مجنونة؟ هو انا اللي قاعد بكلم نفسي ولا انتي يا سيكو.. يااا سيييكووو.
تقى بصت له برفعة حاجب وبنبرة غيظ ممزوجة بوجع:
ولاااا، احنا مش معرفة يوم ولا اتنين يا روح أمك؟! انا بفهمك من غير ما تتكلم يا عبده، فبلاش نلف وندور ع بعض.
حنان قفلت المصحف بهدوء ورفعت عينيها تبص لهم باستغراب وهي بتحاول تفهم، وصوتها خرج بنبرة استفسار هادية:
مالكم يا ولاد في ايه؟ مالك يا تقى بـ اخوكي؟
تقى عينيها ثابتة ع عبدالرحمن وهي رافعة حاجبها من غير ما ترمش ونظرتها فيها جرأة واستفزاز وبنبرة تحدي:
تقول لها انت؟ ولا اقول لها انا؟
حنان بقلق وعدم فهم:
تقوليلي ايه؟ قلقتيني يا تقى، خير يا بنتي؟
عبدالرحمن انـfـجر فيها فجأة، وعينه لمعت بغضب مكبوت، وصوته خرج حاد ومشحون:
ايوا يا تقى، شوفت الخبر زى أى حد غرييب، ارتااااااحتي كداااااا؟
تقى وقفت فجأة وقربت منه بخطوة سريعة وعينيها فيها نار مكبوتة، وصوتها خرج مليان غيظ وهي بتواجهه:
لأ ما ارتاحتش يا عبده، ما ارتاحتش وانا شايفاك كاتم فـ نفسك وبتهزر كأن مش فارق معاك اللي عملوه.
اتنهدت بوجع ودموعها نزلت غصب عنها من خوفها عليه:
انا خايفة عليك يا عبده، لو جرالك حاجة هعمل ايه؟ انا ماليش غيرك فـ الدنيا دي، عشان خاطري بلاش تكتم جواك.
وفجأة صوتها عِلي وهي شايفة دموعه بتلمع فـ عينه:
أفهههههم بقى.. اللي زى دوووووول ما يتبكيش عليييييهم.
عبدالرحمن ضحك بوجع:
دول؟! دول أهلي يا تقى، أبويا وأمي وأختي، اللي ما عملوش حسابي ولا فرق معاهم حتى وجوووودي.
حنان بصت لـ عبدالرحمن بخضة وبنبرة قلق:
في ايه يا ابني ريحني؟
تقى بغيظ:
اخواتك المبجلين يا عمتو، امبارح كانوا عاملين فرح كبييير مليان مطربين وصحفيين ومصورين، وتخيلي بقى مين العرسان!
حنان باستغراب:
مين؟
عبدالرحمن ضحك ضحكة باهتة:
سليم وفدوى يا عمتي.
حنان عينها وسعت بصدمة:
سليم وفدوى؟! اتجنوا دول ولا ايه؟
ازاى يعملوا حاجة زى كدا؟
تقى بصت لها وابتسمت ابتسامة حزينة وبنبرة تهكمية:
أومال يعني يسيبوا فلوس ومحلات منصور تتقسّم ويروحوا لناس غريبة؟!
حنان باستغراب أكتر:
سليم وفدوى؟! طب ازاي؟ دول طول عمرهم بيكرهوا بعض، هيتجوزوا ازاى؟
عبدالرحمن بسخرية:
المصالح بتتصالح يا عمتي، بس مش غايظني غير انها ما عملتش حساب لزعل اختها ولا اعتبار لـ اخوها الكبير.
تقى وهي بتشاور بإيدها قدام عين عبدالرحمن:
هوو، هوو، اصحى يا بشمهندس! الأخوّة انـtـحرت من ع طبلية المصالح، قال اختها واخوها قال.
حنان بحزن:
يعني انتي مش زعلانة منها يا تقى؟
تقى قربت من حنان بهدوء باست راسها وايدها، وبنبرة هادية:
فدوى اصلا عمرها ما اعتبرتني اختها يا عمتو وطول عمرها بتغير مني، وبعدين ولا هي ولا سليم فارقين لي خلاص، وبيني وبينك الاتنين حيّة وتعبان.
وبضحكة صغيرة هادية:
ولاد حلال ويستاهلوا بعض.
وقربت منها أكتر بهمس:
انا بجد اللي مزعلني انهم ما عملوش اعتبار لـ عبدالرحمن ولا حتى كلموه فـ التليفون يبلغوه، زى ما يكونوا ما صدقوا انه سافر عشان يعملوا الخطوبة.
عبدالرحمن خد باله من همس تقى:
انسي يا تقى وسيبك منهم، هم أصلا طول عمرهم وهم بعيد عني وانا بعيد عنهم، فخليهم يعملوا اللي عايزينه.
حنان بقلق:
طب هتعمل ايه معاهم لما ترجع؟
عبدالرحمن بهدوء:
ولا حاجة يا عمتي، هرجع عادي جدا كأني راجع من الواحات وما عرفش حاجة وهتعامل معاهم ببرود عاااااادي خالص.
تقى بقلق وبنبرة توتر:
خليك معايا يا عبده ما ترجعش.
عبدالرحمن قرب منها ومسك كفوفها بين يديه وبتنهيدة حزن:
أجازتي خلصت يا حبيبتي ولازم ارجع عشان شغلي، وبعدين انا قاعد معاكي بقالي 10 ايام، وكلها اسبوع وهرجعلك تاني.
تقى بصّت له بحزن ودموعها بتلمع ع طرف رموشها وصوتها خرج واطي ومهزوز:
عايزاك معايا ع طول يا عبده.
عبدالرحمن شدها بسرعة لـ حضنه وضمها بقوة بيحاول يطمنها وباس راسها بهدوء، وصوته طلع دافي وحنون:
حبيبتي انا هفضل جنبك ومعاكي ع طول.
حنان بصت لهم بنظرة دافية مليانة حب وحنية وابتسمت ابتسامة هادية، فتحت دراعتها ع وسعها عشان يدخلوا فـ حضنها وصوتها طلع هادي:
ربنا يخليكم لبعض يا حبايبي ويباركلي فيكم يارب.
الاتنين جريوا عليها وباسوها فـ خدها وبنبرة حنونة:
ويخليكي لينا يا ست الكل.
حنان ضمتهم بحب وباستهم فـ خدودهم بهدوء وغمضت عيونها بتنهيدة تقيلة فيها وجع مكتوم،
وفـ نفس اللحظة عقلها سرح بعيد، صورة شريف ابنها ظهرت قدامها وهو بيرجع اسكندرية بعد ليلة طويلة من اللوم والعتاب ومحاولتها معاه لتغيّر تفكيره فـ تقى ويكون لها أخ حقيقي ويقف فـ ضهرها مع عبدالرحمن فتحت عينيها تاني وبصت قدامها بحزن وهي شايلة جواها وجع أم أكبر من أنها تقوله.
________________________
بيت الحاج غريب
بعد كام يوم، رجع حمزة وإبراهيم وإيساف وريّان من شغلهم واحد ورا التاني، تعب اليوم باين عليهم وفـ نفس الوقت، كادي وإيلاف دخلوا من الكلية بصوتهم العالي وضحكهم اللي ملى المكان، اتجمعوا كلهم حوالين سفرة الغدا والحاج غريب قاعد فـ مكانه المعتاد والحاجة سميرة جنبه، وصفاء وشكرية وزمردة بيتحركوا بالأطباق، بيحطوا ويعدّلوا، ووشوشهم فيها رضا وهم شايفين البيت متجمع بسعادة
ما عدّاش دقايق وابتدى الروتين اليومي، النقار اللي بين الشباب والبنات، كلام فيه هزار وغيظ مصطنع وتعليقات بتترد بسرعة وضحك بيعلى فجأة.
خلص غريب الغدا، ومسح إيده وهو بيقوم بهدوء من ع السفرة، وبصّ لـ حمزة بنظرة هادية فيها حنية واهتمام وصوته طلع دافي:
خلص أكل يا حمزة يا ولدي وتعالى المندرة عايزك.
حمزة قام وقف بسرعة باحترام، ولفّ له بجسمه، ونظرته فيها تقدير واضح، وردّ عليه بنبرة دافية فيها حنية:
حاضر يا جدي ثواني وهتلاقيني وراك.
غريب هزّ راسه برضا، وملامحه ارتاحت، وبعدها لفّ بهدوء وراح قعد فـ مندرته، ومستني حفيده يجي له.
حمزة استنى لحد ما جده خرج من أوضة السفرة، وقعد يكمل أكله بهدوء، خلّص وقام غسل إيده وطلب القهوة من زمردة وبعدها راح المندرة، دخل وهو مبتسم ابتسامة صافية فيها هدوء واحترام، وبص لجده بنظرة دافية:
أؤمر يا جدي.
غريب بص له بسعادة:
تعالى يا ولدي، اقعد جنبي خليني اشوف فيك الغالي اللي غايب.
حمزة ابتسم باستغراب وبنبرة مندهشة:
للدرجة دي انا شبهه يا جدي؟!
غريب اتنهد تنهيدة اشتياق وهو بيبص لـ حمزة:
كأنك هو يا ولدي، كل ما اشوفك كأني شوفت عمك حمدي، كلك هو فـ شبابه، بس يا ترى شكله اتغير ولا زى ما هو.
حمزة بص لـ غريب وبابتسامة أمل:
بكرة يرجع بالسلامة يا جدي وتشوفه هو وعمتي هناء وولادهم وتفرح بيهم حواليك.
غريب اتنهد تنهيدة وجع:
يا ريت يا حمزة يا ولدي، العمر خلاص ما بقاش فيه ونفسي أملّي عيني بشوفته قبل ما اقابل رب كريم.
حمزة انحنى باس ايد جده وبنبرة قلق:
بعد الشر عنك يا جدي ربنا يبارك لنا فـ عمرك ونفرح كلنا برجوع عمي وولاده ان شاء الله.
غريب هز راسه برضا وبنبرة تمنّي:
يارب يا ولدي.
ورفع عينه لـ حمزة بحب ونبرة صوته خرجت دافية:
مش ناوي بقى تفرحني بيك يا حمزة؟
حمزة ابتسم ابتسامة حنونة:
لحقت زهقت مني يا جدي؟!
غريب:
نفسي افرح بيك واشوف ولادك يا حبيب جدك.
حمزة:
لسة يا جدي ما آنش الآوان، القى بس بنت الحلال وهجيلك جري واقولك عايز اتجوز.
غريب بص له شوية بصمت، وبعدين ابتسامة خفيفة ماكرة ظهرت ع وشه وهو بيرفع حاجبه، ونبرته خرجت هادية بس فيها خبث لطيف:
ما هي موجودة يا ولدي وبتحبك وبتتحجج لك بالمذاكرة كل شوية.
حمزة بص له بحاجب مرفوع باستغراب، وبعدين ضحك ضحكة خفيفة وهو بيهز راسه وفاهم لعبة جده ومستني اللي جاي منه:
مش سهل انت برضو يا حاج غريب؟!
غريب بص له بعين دافية وملامحه اتبدلت من المكر لحنية صافية وصوته طلع هادي فيه حب واضح:
إيلاف طيبة ومتربية ع إيدك وعمتك غلبانة وبتحبك يا حمزة.
حمزة:
والله يا جدي وانا بحبها وبعتبرها أمي التانية، بس إيلاف عندي زي زمردة وكادي، وحضرتك لسة قايلها متربية ع إيدي، عشان كدا مش قادر اشوفها غير أختي.
غريب هز راسه بتفهم:
فاهمك يا ولدي، ومش هاضغط عليك ولا هاجبرك ع حاجة، بس انا كنت بافضفض معاك وكنت بتمنى انك تاخدها.
حمزة:
ربنا يرزقها باللي أحسن مني.
غريب:
مافيش احسن منك يا حمزة أأمن ع اليتيمة دي معاه، لكن ما باليد حيلة.
حمزة:
سيبها لله يا جدي، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
غريب:
صدق الله العظيم.
استأذن حمزة من جده وخرج من المندرة، وخطواته كانت هادية وهو ماشي فـ الممر لحد الجنينة، دماغه شغالة بكلام غريب وأول ما وصل عند الترابيزة وقف لحظة، شاف الشباب والبنات قاعدين والجو زي ما هو ما اتغيرش، ريّان وزمردة كالعادة فـ خناقة خفيفة وصوتهم عالي شوية، وقف يتفرج عليهم بثبات خفيف وسامع الحوار وهو لسة فـ عالمه الداخلي بيحاول يفصل بين اللي سمعه من جده وبين الدوشة اللي قدامه وانتبه ع صوت ريّان وشافه.
ريّان واقف حاطط ايده فـ وسطه وباصص ع زمردة بغيظ وبيشتم فيها بنبرة صوت عالية:
يا بت يا بكسة يا ناشفة زي مُصاصة زعزوعة القصب المسوس، يا أم بوز فقايري يقطع الخميرة فـ قلب العيش، يا معرقبة يا مبعبعة يا مزلبعة يا مسلوعة ومش ناقص لك إلا البردعة، يا دكر ومقيفينه، يا بر*ص ومشخلعينه، يا عود جوعضيض ومنشفيييينه.
إيلاف بصت له بذهول وهي بتضحك وبنبرة غُنى:
ايه؟ قول تاني كدا؟
ريّان لف وشه لـ أخته وهو بيهز راسه ينفى ونبرة هزار:
وحياة نينتي ما اعرف اقولها تاني
زمردة بغيظ:
اتلم يا أحمق.
ريّان عينه وسعت وبص لـ إيساف:
أحمق؟! ألحق يا إيسو دي بتقول لي يا أحمق، حاجة حلوة دي ولا حاجة وحشة؟!
ايساف بضحك:
دي حاجة حادقة.
زمردة بصت لـ الاتنين وبتشتم وتدعي عليهم:
اشوفكوا راكبين مركب سياحي فاخر وتمشي بيكوا لحد ما توصل قلب المحيط يحصل لها ماس كهربائي تيجي تفصلوا عنها التيار تولعوا وما يلاقوا ماية يطفوكوا وتموتوا مشنوقين رميًا بالرصاص يا بعيد منك له.
كادي وقفت مرة واحدة عشان تفض الاشتباك اللي بين اختها وولاد عمتها بهزارها المعتاد:
شباب، شباب، اسمعوا دي،
يتعمل فـ يومين ويتاكل فـ دقيقتين تفتكروا يبقى مين؟
إيساف بص لها بغيظ:
ده يبقى انتي، اللي هاعمل منك اصناف إيشي بالرز وإيشي بالفريك وإيشي باللحمة المفرومة يا بعيدة.
حمزة قرب منهم وهو بيزعق:
هو انتوا ما تقعدوش ساكتين ابدا؟ كل شوية تتخانقوا وصوتكوا يعلى ع بعض؟.
وبص لـ ريّان برفعة حاجب وبنبرة غيظ:
وايه يا بشمهندس يا محترم واصلة الردح اللي سمعتها دي؟
ريّان بتوتر ونبرة صوت مهزوزة:
يا حمزة والله هي اللي استفزتني الأول، طلبت منها فنجان قهوة، قامت شتمتني.
زمردة بصت له بغيظ:
وانا شتمتك من الباب لـ الطاق؟ مجنونة انا يعني؟
ولفت وشها هى كمان لـ حمزة وبنبرة تبرير:
والله يا حمزة انا عملت قهوة وشاي للكل وهو كمان من ضمنهم، لكن البيه مش عاجباه الكوباية مسكها ودلقها، وعايزني اعمله القهوة فـ فنجان مش كوباية، قولتله غور اعملها لنفسك انا مش خدامة عندك.
ريّان وهو بيشاور عليها لـ حمزة:
شوووفت، أهو ظهر الحق، هي اللي شتمت ألاول أهي.
حمزة هرش فـ ودنه وهو بيبص لـ ريّان ومضيّق عينه وساكت.
ريّان بص له بقلق ونبرة صوته متوترة:
هو في إيه يا حمزة؟ بتبص لي كدا ليه؟
حمزة قرب فـ حركة سريعة وجابه من قفاه وبنبرة غيظ:
انا لو مكانها كنت لبستك باقي الصينية فـ وشك مش شتمتك بس، بس ده مش عشان انك بتأمرها لكن عشان القهوة اللي دلقتها فـ الارض يا حيوان.
إيساف بص لـ أخوه وهو بيضحك:
يا ابني كام مرة أقولك خلّي بالك من عنصر المفاجأة، ما بتتعلمش ليييه؟!
حمزة لف وشه بسرعة لـ إيساف وهو ماسك ريّان وبص له من غير ما يتكلم.
إيساف رفع إيده باستسلام وبيتسحب واحدة واحدة وبنبرة اعتذار قبل ما يجري من قدام حمزة:
أسف يا كبير، أسف يا باشا.
خلص كلامه وطلع يجري بسرعة ع البيت قبل ما حمزة يمسكه هو كمان
________________________
فـ الجامعة
بعد ما خلص كارم محاضرته خرج من المدرج وهو بيمشي بخطوات سريعة شوية عايز يلحق يستغل فترة البريك، راح الكافيه قعد ع ترابيزة قريبة وفرد كتبه قدامه وبدأ يفطر وهو بيذاكر، فضل ع الحال ده لحد ما حس بحركة قدامه، رفع عينه بشكل تلقائي وشاف أبوه واقف قدامه ومعاه ابن مراته اللي ماشي وراه زي ضله، إيده وقفت فجأة وهو بيرفعها بالسندوتش اللي فضل رافعه من غير ما يقربه لـ بقه، وعينه ثبتت عليهم بنظرة تقيلة فيها رفض وغضب مكبوت.
قرب نوح من كارم بحب مصطنع وابتسامة ع شفايفه ما وصلتش لـ عينيه:
ازيك يا كارم، عامل ايه يا حبيبي.
كارم ساب القلم من إيده ببطء وقلع النضارة رفعها فوق راسه ومسح وشه بإيده وهو بيتنهد وبص له بحاجب مرفوع وبنبرة سخرية باردة:
معقول؟! نوح بيه الشاذلي اتعطف واتكرم وتعب رجليه وجاي لحد هنا بنفسه؟
نوح مد إيده سحب كرسي وقعد قدام كارم براحة كأنه صاحب مكان، جسمه مال لـ قدام شوية وملامحه اتلونت بحزن مصطنع واضح ما قدرش يداريه:
وحشتني يا كارم ولاقيتك ما بتسألش عني، قولت أجي انا واطمن عليك، ايه؟ بابا ما وحشكش تيجي تسأل عليه؟
كارم ضيق عينه شوية، وبص له وهو ماسك السندوتش وبياكل فيه ببطء، وساكت تماما، عينه بتفتش فـ ملامح أبوه بيحاول يقرأ نظراته ويفهم هو جاي ليه.
نوح سكت لحظة وهو مميل وساند بإيده ع الترابيزة، عينه ثابتة ع كارم مستني منه رد، وصوته طلع هادي:
هتفضل ساكت كدا كتير يا كارم؟
كارم سحب نفس طويل وخرجه بهدوء وضغط بإيده ع طرف الترابيزة وقام يقف ببطء، ملامحه هادية من برة بس عينه فيها وجع متراكم وغضب مكتوم بيغلي جواه، وصوته طلع ثابت بالعافية:
عايزني اقول لحضرتك ايه؟ منتظر مني ايه اصلا؟ متخيل مثلا هجري عليك واقولك وحشتني يا بابا؟! لا يا نوح بيه العنوان غلط، بعد أذنك.
لف جسمه عشان يمشي، كأنه بيقفل باب الكلام من غير رجعة.
نوح قام فجأة من ع الكرسي ووشه اتغير بالكامل، الحزن المصطنع اختفى وظهر مكانه غضب واضح ونبرة سيطرة وهو بيناديه بعصبية:
استنى عندك، هي أمك علمتك انك تسيب أبوك وتمشي وهو بيتكلم؟
كارم اتجمد فـ مكانه من غير ما يلف ولا حتى يتحرك خطوة، جسمه كله شد فجأة كأنه بيقاوم الانـfـجار وضم قبضة إيده بعنف لحد ما عروقه بانت من شدة الضغط، عشان يحبس غضبه جواه، صدره كان بيطلع وينزل بسرعة وأنفاسه تقيلة وعضلات وشه مشدودة بشكل واضح، عينه فيها نار بتاكل فيه من جوة وهو بيجاهد بكل قوته إنه ما ينهارش أو يرد رد يندم عليه.
نوح قرب بخطوات سريعة من كارم ولفه ليه بعنف من كتفه عشان يجبره يواجهه، ملامحه كانت متغيرة بالكامل وعينه فيها غضب مكشوف وصوته طلع عالي وحاد:
هو انا كل ما اجي لحد فيكم يسيبني ويمشي؟ الأول اختك ودلوقتي انت؟ ايه حكايتكوا انتوا الاتنين؟
كارم ابتسم ابتسامة مكسورة بالكاد ظهرت ع شفايفه بتفضح الوجع اللي جواه، عينه لمعت بانكسار ونبرته خرجت موجوعة وكلها خذلان:
اعتقد انت أخر واحد يا نوح بيه تسأل عن حكايتنا، لانك عارفها كويس، ولا تحب تسمعها تاني؟!
نوح ملامحه اتغيرت أكتر، عروقه برزت فـ رقبته وعينه ولـ*ـعت بشرار الغضب وصوته طلع أعلى وكله عصبية:
اتكلم كويس يا ولد وما تنساش اني أبوك.
كارم أنفعل فجأة وكأن البركان اللي جواه اللي بيحاول يكتمه من سنين أنـfـجر مرة واحدة، ملامحه اتغيرت وعينه أحمرت بغضب ممزوج بوجع بشكل مرعب، وصوته طلع عالي ومكسور ومشحون بعصبية:
مش لما أبويا نفسه يفتكر انه عنده ولاااااد، طول عمرك ناسينااااا، اييييه اللي فكرك بينا بعد السنين دي كلهااا يا نوح بيه؟ راجع عايز مننا اييييه؟
نوح غيّر ملامحه فـ لحظة وخفف حدة غضبه ولبس من تاني قناع الانكسار وبنبرة حزن مصطنع وهو بيحاول يضغط ع كارم نفسيا:
راجع عايز ولادي فـ حضني يتنعموا فـ خيري وفلوسي، عايزك انت واختك تيجوا تعيشوا معايا.
وطلع من جيبه رزمة فلوس بمبلغ كبير وبيشاور بيها قصاد عين كارم:
بص يا كارم، كل الخير ده ليك انت وكارما، يوم ما تيجي انت وهي تعيشوا معايا هتلاقي جيبك مليان رزم من دي وهيبقى عندك عربية أحدث موديل بدل شعبطت المواصلات واول ما تتخرج هيبقى عندك سلسلة صيدليات كلها باسمك.
كارم غمّض عينه لحظة بيحاول يمسك نفسه عشان ما ينهارش، لكن قلبه انكسر من جواه وطلعت منه تنهيدة تقيلة شايلة وجع سنين، فتح عينه تاني ببطء وفيها كسرة ممزوجة بقوة مكابرة، وبنبرة صوت واطية لكن مشحون بغضب:
وفر فلوسك يا نوح بيه، مش انا اللي ابيع أخويا اللي تعب وشقي عليا عشانك، احنا خط أحمر بالنسبة لك مش مسموح لك تعديه ويا ريت تنسانا بقى، زى ما كنت ناسينا من زماااااان.
ورفع عينه ناحية ابن مرات أبوه اللي كان واقف وراه ونظراته اتغيّرت من وجع مكبوت لـ غضب حاد، ملامحه اتشدت أكتر وصوته خرج أغلظ وأقسى من الأول وبيكمل بنبرة غضب أكبر وهو بيشاور عليه:
وكفاية عليك الصااااايع اللي ضحيت بينا كلنااااا عشانه هو وأمه.
نوح فقد أعصابه فـ لحظة ورفع إيده بسرعة وبكل قوته نزل بيها ع وش كارم، الضربة كانت قاسية وصوتها سمّع فـ المكان وبنبرة غضب:
شكل بهيرة ما عرفتش تربييك وطلعتك قليل الأدب زي أخووووك،
ايييييه انتوا الاتنين حافظين نفس الاسطوااااانة؟ كل واحد فيكم يقول احنا خط احمررررر، انا بقى هامحي الخط ده من ع وش الدنيا وهاعرفكم مين هو نوووح الشااااااذلي يا ولاد بهيييرة.
كارم حط إيده ع خده بوجع، لكن ما اتهزش، فكه اتشد بقوة ورفع عينه لـ نوح بنظرة ثابته فيها تحدي وكأن الضربة زوّدته صلابة ومن بين أسنانه:
ليا الشرف أكون ابن بهيرة، اللي ربتنا أحسن تربية وطلعتنا اتنين دكاترة ومهندسة.. وقليل الأدب اللي مش عاجبك ده، لولا تربيته ليا واحترامي ليييه، كنت رديت عليك رد تاااااني خاااالص.
وبعد ما خلص كلامه سابه ومشى من غير ما يبص وراه خرج بخطوات سريعة من الجامعة كلها وهو موجوع ومكسور وقلبه بيصرخ جوة ضلوعه وبينزف من شدة الألم و الخذلان اللي شافه ع إيد أبوه.
تقى والمجهول بقلمي
&:حد يبلغ البولييس ييجي ياخد الزبالة ده من هناااا.
يتبـــــــــع