📁 آخر الروايات

رواية سكن مشترك الفصل الثامن 8 بقلم نورهان علام

رواية سكن مشترك الفصل الثامن 8 بقلم نورهان علام


|8|

مر أسبوعين، سحلة بمعنى الكلمة، مضيت العقد تاني يوم جيت وبدأت شغل من أول يوم تقريباً، الكل كان مرحب بيا، فكرة إني شغال في الفرع الرئيسي في برلين والمدير بنفسه معجب بيا دي محدش وصل لها.

كان عندي النهاردة ميتنج معه الساعة ٩ عشان أناقش معه الخطة التسويقية الأولى اللي بدأت شغل عليها، ولحسن الحظ أنها كانت لمجتمع سكني جديد، فالموضوع كان جميل إني ربط المهندسة المعمارية بالحياة اليومية للناس في البيت، والمدير كان مبهور بالأفكار اللي فعلاً كانت مختلفة لغاية ما الساعة جت ١٠ ونص ومنبه صلاة العشاء رن فقولت له:

​"I don’t miss my prayers on time. Give me a few minutes and we’ll continue."

​ابتسم وأنا قمت، إحنا اتعاملنا مع بعض قبل كدة، كان في مشروع مشترك بين الشركة اللي كنت شغال فيها في مصر والشركة دي، ومن هنا تعرفنا.

كانت معاملتنا مشدودة في الأول لأني كنت بقطع اجتماعات وبوقف شغل أول ما أي أذان يأذن، مكنش عندي مانع وسط ضغط الشغل أو مشكلة أبات في الشركة ونفضل شغالين طول الليل، لكن مع الأذان كنت بقوم. الأول كان بيتعصب وفاكر إني قبل كدة هددني إني لو قمت صليت أروح بيتي بعدها، لأن ساعتها الفريق بتاعي مكنش عارف يتواصل مع فريقه وحصلت كوارث لأن الفريقين أخدوا قرارات من غير ما يرجعوا لبعض والأهم من غير ما يرجعوا لينا إحنا الاتنين، ساعتها بكل سلام نفسي صليت وطلبت أوبر لبيتي وروحت نمت، وتاني يوم قاعد أنا وطه والتيم بتاعنا والتيم المالي كمان في كافيه نخلص ونحل المشكلة وفعلاً اتحلت.

​وبعت له إيميل بالنتيجة والحلول، ساعتها لقيته اتصل بيا ومستغرب جداً إني كملت شغل، فقولت له إن مش مهني إن شغلي انتهى في الشركة إني مسلّمشي آخر شغل كان في عهدتي، وإني قد كلمتي مادام قولت لك هحل المشكلة يعني هحلها.

ساعتها اتقابلنا واتكلمنا حبة حلوين عشان أرجع الشركة ورجعت فعلاً بشروط إن الصلاة مينفعش تتأجل، وهو تقبل الموضوع وكمان قعد يسألني عن الصلاة وكان فضولي جداً ناحيتها.
​رجعت تاني لقيته بيقول:

​“I’m still impressed by the way you stop everything when it’s time for prayer.”

​ابتسمت لما قال كدة، فكرة إنه لسه معجب بالطريقة اللي بوقف فيها كل حاجة عشان الصلاة عجبتني. كملنا لغاية ما الساعة جت ١٢ تقريباً، بحب شغلي جداً، وهو باين عليه، فلما اتنين مهووسين زينا يجتمعوا لو للحظة معتقدش إن حاجة هتوقفنا، لكن أهو جه اللي يوقفنا، موبايلي رن!

مكالمة فيديو ومن غالية!
استحالة تكون هي أصلاً، كنسلت عليها واعتذرت منه إني معايا مكالمة وقمت كلمتها فون فردت، صوتها متوتر كأنها بتكلمني لأول مرة وبتبرر:

​"أنا اتصلت فيديو... عشان كريمة النت عندها فاصل وعاوزة تطمن عليك"

​ضحكت بخفة وأنا بقول لها:

​"توقعت، أنتِ في بيتنا ولا عند أمي؟"

​ابتسمت لما الكلمة خرجت مني، كلمة جميلة لكنها سكتت وقالت:

​"لا.. كنت نايمة فوق وكريمة صحتني عشان تكلمك"
​"نايمة بدري يعني؟"

​"عادي مافي حاجة أعملها.... المهم أنت شكلك مش فاضي، لما تخلص اتصل بيا عشان هي قاعدة مستنياك"

​"تمام... يلا سلام"

​قولتها وقفلت، برضو بتهرب بس لما أوفق ليكِ يا غالية، طاقتي اتجددت نوعاً ما، وحشتني بس خلاص قراري إنها لازم تطمن لي، تقبلني وتتعامل معايا عادي، وكله بالهداية، عمري ما هضغط عليها أبداً.

رجعت للاجتماع وكان بيسأل بفضول قمت أكلم مين، فضحكت معه وعرفته إني اتجوزت من شهر، بعد ما بارك لي وأصراره إنه لازم يجيب لي هدية، رجعنا لاجتماعنا اللي كانت مدته المفروض ٣ ساعات.
معرفش ليه روحت الشقة الساعة واحدة ونص، أول ما دخلت اتصلت بيها، فردت وصوتها مش موجود:

​"غالية... أنتِ نايمة ولا إيه؟"

​"لا صاحية، بس كنت بجيب حاجة من تحت السرير"

​كانت بتنهج وباين على صوتها التعب فقولت بقلق:

​"وأنتِ رفعتي المرتبة لوحدك!"

​"آه وفيها إيه؟
عندي حاجات لازم أتخلص منها"

​"حاجات إيه؟"

​سكتت شوية وبعدين قالت:

​"حاجات مش مهمة... اديني ثواني وأنادي على كريمة تطلع"

​صوتها اختفى ودقيقة ولقيتها بتقفل وبتتصل فيديو:

​"كدة يا فارس امبارح أنا متصلتش فإنت متتصلش وطول النهار النهاردة مكلمتنيش!
انت شكلك لسه داخل الشقة!
أوعى تكون بتشتغل لغاية الوقت دا يا فارس!
كلت يا حبيبي ولا لسه....
حاول تتعلم أي حاجة في البيت بدل أكل الشارع دا عشان معدتك...
ألاه فين الواد طه مش سامعة له صوت بقاله يومين؟"

​أمي اللي تقريبا مكنتش بتاخد نفسها بين الجملة والتانية، وطه اللي مكنش أخد فرصة وراح جاي ناطط جنبي عشان يكلم أمي لكني خبيت شاشة الفون عشان غالية اللي أمي واقفة جنبها وقلت:

​"يا ابن البهيم مش قولت متتنططش كدة وأنا بكلم حد من البيت"

​"أنت قولت لنا بتكون بتكلم مراتك ولا أختك... إنما الكريمة القمر دي هي اللي مربياني، مش كدة يا كريمة؟"

​"امشي ياض من هنا"

​"هات أكلمه يا فارس، أنا مشيت غالية من جنبي"

​نتش الفون مني وهو بيدلعها بدلع اللزق وبيقول:

​"إيه يا كريمة وحشاني... شوفتي الكلب ابنك دا عامل فيا إيه، محرج عليا أدخل أوضته ومامشيش من غير تيشيرت لو بيتكلم في الفون، وكمان منطش جنبه... إيه ناقص يحط لي شريط حدود؟"

​"معلش يا حبيبي حقك عليا أنا..."

​"والله خاطرك كبير عندي يا كريمة.... وحشتني الكوارع بتاعتك، أنا إجازتي قبل فارس، أول ما آجي تعمليهالي، لأحسن أمي من الستات المودرن اللي بتقرف"

​"من عنيا يا حبيبي، عرفني قبلها وأعملك كل اللي نفسك فيه"

​"حبيبتي يا كريمة.... ومش هوصيكي بقى تعمليها للواد دا لما ينزل إجازة، مش عاوزه يجي لي تاني"

​قفلت بوقه وأنا بقوله:

​"نهار أبوك أسود..."

​استوعب إنه اتكلم على راحته شويتين تلاتة وأكيد غالية سمعته فقال:

​"طب أستأذن أنا بقى يا أم فارس لأحسن فارس هيعمل ميني فايت دلوقتي"

​أخدت الفون تاني وكلمته أمي شوية لغاية ما أدّت الفون لغالية وهي بتقول:

​"خدي يا حبيبي كلم مراتك شوية... أنا نازلة"

​التليفون كان في حجرها، ابتسمت وأنا بتوقع الحركة اللي هتعملها، وفعلاً عملتها وشدت طرف الشال اللي لابساه عند رقبتها وكتفها كويس من توترها وهي بتمسك الفون، مستوعب أمي بتقفل الباب، وفعلاً أول ما قفلت الباب هي كمان قفلت المكالمة!
​هو أنا هسكت!
اتصلت بيها فون فردت وهي بتقول لي:

​"إيه؟"

​"إيه إيه دي؟
يا بنتي جربي كدة تطمني عليا مش هتنقصي حتة والله، تدخلي السرور على قلب مسلم."

​ضحكت بخفة وهي بتقول:

​"ما أنت كويس أهو وكلمت أمك وهي اطمنت عليك."

​"طب هي اطمنت... أنتِ اطمنتي؟
أسبوعين على فكرة ومطمنتيش عليا ودي مش جدعنة، أنا لما كنت قاعد معاكي كنت كل شوية بسألك عاوزة حاجة؟
طب مضايقة من حاجة؟
طب أساعدك في حاجة؟"

​"يعني أنت عاوز مقابل اللي كنت بتعمله!"

​"هو أنتِ حافظة مش فاهمة... إزاي دخلتي طب أنتِ؟"
​"ما تجبش سيرة الكلية تاني لو سمحت."

​"عملت لنا إيه الكلية أصلاً، جوزك أهو درس خمس سنين حاجة واشتغل في حاجة تانية خالص، إلا قولي لي عاملة إيه مع الأطفال الأبرياء؟"

​"تقدر تقول كل يوم بحمد ربنا إني مش هخلف... إيه العيال التنحة دي يا جدع، دا أنا بفكر أسيب الشغل."

​كانت عفوية وهي بتتكلم، شركتني زهقها من الشغل، لكني وقفت عند كلمة "مش هخلف". سكت لثوانٍ مش عارف أقول إيه، أتعامل عادي والكلمة دغدغتني من جوه، كل الآمال بتتسحب مني، كل المحاولات بتيجي تهدها بكلمة!

​"فارس..."

​"معاكي... كملي سامعك."

​سكتت ثواني وهي بتقول:

​"لو مش فاضي أو تعبان.. آسفة إني أزعجتك، سلام."

​قالتها وقفلت فوراً!
غبي!
بجد غبي، فهمت من غير قصدي إني مش حابب مكالمتها ولا مشاركتها، أول مرة تتكلم معايا ولو جملتين زيادة أعمل كدة!
بس الكلمة خلتني فقدت النطق، اتصلت بيها بسرعة، مرة واتنين، ردت في التالتة وهي بتقول بهدوء وثبات صوتها ملوش أي ملامح:

​"نعم.."

​"مكنش قصدي... مكنش قصدي اللي فهمتيه، بالعكس ما أزعجتينيش، سكوتك قبله كان مزعج، مش تعبان وفاضي كمان، أنا بس سكت لثواني عشان..."

​سكت ومعرفتش أتكلم، معرفتش أقول لها اللي كلمتها عملته فيا، لأنها ببساطة قالتها بعفوية ولا وعي من قرار راسخ جواها، مش إنها استحالة تخلف بس، لا دي كمان استحالة تتقبل وجودي، وإن على رأيها "سكن مشترك" وانتهت مدته وسافرت، وأنت بس اللي نسجت أحلام وأوهام إن ممكن يوم تبقوا طبيعيين!

​"حصل خير... لو مش عاوز حاجة أنا هقفل."

​مستنتش أوضح، ومطلبتش توضيح أصلاً، كانت مسلمة لكني معرفتش أسكت وقولت:

​"لا محصلش خير يا غالية، مش كل ما نقرب نتكلم زي الناس الطبيعية حتى تعملي كدة!
مش كل ما يحصل مني فعل أو سوء تفاهم ولو بسيط تقرري إني سيئ ونيتي أسوأ...
ما تجربي تخرجي نفسك من الخوف دا يا بنتي، أنتِ خايفة مني ومن قربي حتى في مكالمة تليفون وكل واحد فينا في دولة!
دا منطق!
دا ظلم ليا وظلم لنفسك.
أقولك؟
أنا راضي يا ستي تظلميني براحتك بس ليه تحرمي نفسك؟ مش راضي حكمك على نفسك بالحرمان من كل حاجة!
أهلك مش فاهم ليه مش بتحبي تروحي رغم إنهم هيموتوا عليكي.
ظني في كل الظنون، طّلعي عليا طاقتك المأسوية... بس اخرجي للعالم.
اتعلمي حاجة جديدة، متخافيش تقولي إن الأطفال رخمين بس قلبهم طيب ويتحبوا.
جربي تتفسحي تلبسي، استمتعي يا ستي بجمالك وعمرك...
غالية أنتِ لسه صغيرة مهما الحياة ادتلك على دماغك متنسحبيش!
​بطلي تكرري كلام محفوظ من سنين، كل حل له مقابل، وكل حاجة مؤقتة، حددي قرار إنك تخلي نفسك تختار بين الحياة والعزلة اللي أنتِ جابرة نفسك عليها، وشوفي نفسك هتخونك وهتخرج...
يمكن تلاقيني وتشوفيني لسه موجود... يا بنتي جربي لما تلاقي أمان تتطمني مش تهربي!"

​اتنفست لثوانٍ وأنا بدارك الكارثة اللي عملتها، معرفتش أسكت!
مقدرتش أسكت كل دا، كفاية ظلم لنفسها، معملتش كدة من صبر شهر جواز ولا حتى ستة خطوبة، أنا عملت كدة لما شوفت إنها حابسة نفسها بقالها سنين ومصرة تكمل، رغم إنه أصلاً أضعف من إنها تلاقي أمان ومبتطمنش، هي نفسها بتسلم للأمان وتتعود عليه، لكن مش راضية تعترف أصلا إن فيه أمان.

​================================

​رفض، رفض تام لكل حرف قاله، ركز إمتى عشان يشوف كل دا؟
هو كان مدقق للدرجة دي؟
مدقق لدرجة إنه يكشف معظم أوراقي في لحظة واحدة!

​بعد صمت طويل ضحكت، ضحكت من غُلبه هو قبل غلبي، غلبان...
ويمكن طيب كمان، بس الطيبة عمياه، مفكر كل حاجة من لمسة حنينة منه هتتحل.
التلج آه بيدوب من الدفى، لكن النار اللي بتاكل فيا من سنين، ميأثرش فيها دفاه.

​صمته كان طويل، لو كنا فضلنا للصبح مكنش حد يتكلم، عشان كدة مسكت المرة دي أنا دفة الحوار، صوتي كان ثابت، ولا حتى فيه تردد، كلامه كان صعب!
مفتكرش، آه المواجهة تقيلة أوي، لكن أحيانا لما نرمي النار بالمياه بتزيد مش بتطفي.

​"وأنت جايب الثقة والتفاؤل دا منين يا فارس؟
دا رهان خسران، مُصّر تراهن فيه بوقت وطاقة...
أنا مبقاش عندي حاجة أخسرها يا فارس، بص لمستقبلك وشغلك."

​"غالية... مش كل اللي بيبصلك يبقى شايفك صفقة، رابحة ولا خسرانة ويختار يكمل ولا يمشي، يمكن أنتِ شايفاه رهان خسران وغيرك شايفه صفقة العمر."

​صوتها كان تعبان وزهقان، لكنه هادي وخافت، ما بين التعب والندم، وقبل ما أتكلم أكتر قال:

​"يمكن اتكلمت كتير...
بس مش معناه كلامي غلط، كلامنا مخلصش هنا، بس قومي دلوقتي ارتاحي ونامي عشان الوقت اتأخر."

​قفلت أول ما خلص جملته وأنا باخد نفسي.
حتى كلامه مش عاوزة أفتكره، عاوزة أمحي المكالمة من الوجود، من ذاكرته هو قبل ذاكرتي أنا، فضلت مكاني، معرفش النهار طلع عليا إمتى، ولا حتى نمت إمتى، قمت أتوضأ عشان أصلي الصبح بدل ما الفجر فاتني، مواعيد صلواتي متلخبطة من بعد ما سافر، كنت خلاص اتعودت أصلي الفرض مع الأذان، لبست بسرعة عشان الساعة كانت ١٠ وميعادي في الحضانة ١١.

==================================

​عديت على كريمة أعرفها إني نازلة الشغل، رغم إن أهلهم معظمهم حتى حبيبة كانت معترضة إني أتعب نفسي، لكن شجعوني بدل ما أنا مرتاحة كدة والوقت بيعدي. الساعة ٣ العصر بالضبط المفروض أمشي، لكن إزاي؟
مشاكل أولياء الأمور، أصل "بودي" زق "شادي"، "توتا" أكلت سندويتش "كوكي"، وشوفي بقى "عمر" نسي الجاكيت بتاعه امبارح.
آه يا دماغي...
خرجت من الشغل وأول مكالمة عملتها كانت لإسراء اللي يا عيني خارجة من المعسكر بتاعها دا ناقصة وزن وتعبانة.

​"أنتِ مش قولتي هتيجي القاهرة...
هتيجي إمتى أنا هطق، اعملي حسابك إنك لازم تباتي، وحساب الجلسات بقى يبقى أكلك وشربك ببلاش."

​ضحكت جامد وهي بتقول:

​"دا الحالة مستعصية، كابتن فارس وحشك بعد أسبوعين ولا إيه؟"

​"تصدقي أنتِ ما تربيتي... أنا غلطانة إني اتصلت أصلاً."

​"ما هو لازم حد يرمي الكلام في وشك، حاكم البعيدة مبتفهمش، مبتسحش، مبتشوفش."

​"متقلقيش يا حبيبتي... غيرك رمي في وشي طوب مش كلام."

​"مين....؟
فارس!
واو... الراجل دا جامد والله."

​سكت، اتنهدت وأنا بقول برفض:

​"لو حضرتك هتفضلي تمدحي في فارس كدة كتير.. ممكن أبعتلك رقمه أصلاً أو أقفل المكالمة أحسن لي."

​"استني بس قالك إيه؟
وبعدين أنا مش بتكلم من فراغ وأنتِ عارفة، الحاجات اللي بعتيها ليا طول الشهر اللي فات أنا شوفتها، وكنت أصلاً عاوزة أكلمك من يومين تليفون حضرتك مقفول ولا مسقط شبكة، أنا استغليت اليومين دول وقعدت ورا أفعاله طول الشهر هاتك يا تحليل واستنتاجات.. وصراحة؟
الراجل طلع صبور، وفي نفس الوقت سايب مساحتك يا غالية، وكل تصرفاته حتى اندفاعته وغلطاته كانت نابعة من حاجة كويسة بيحاول يعملها...
بس طبيعي يفشل، هو لسه ميعرفكيش أوي، مش فاهمك للدرجة الكبيرة وكمان مرة تصيب ومرة تخيب ما هو مش معالج نفسي في الآخر لو حتى معالج فعادي إنه يغلط."

​"إسراء، أنا كنت مفكراه وحش... لكن اكتشفت إنه لسه متلوثش كفاية، متوجعش كفاية، لسه عنده الأمل إنه يعيش ويتبسط، ونحب بعض بقى ولا أجدعها مسلسل تركي ١٨٠ حلقة... دا مش منطق، مين عنده طاقة؟
مين عاوز كدة أصلا؟
أنا حابة حياتي كدة وهو يعيش حياته زي ما هو عاوز."

​"إحنا لسه هنا يا غالية...
يا بنتي بقالي سنتين معاكي لسه مش عارفة أقنعك إنه كل إنسان يستحق فرصة تانية، مش بقولك ادي فرصة لأي راجل تاني وتفتحي قلبك...
بقولك ادي فرصة لنفسك، يا حبيبتي أنتِ بس لما أبوكي كلمك بحنية وطبطب عليكي واعتذر لك...
مجرد ما حسيتي بالأمان منه عملتي إيه؟
قولتِ إنك محستيش بنفسك وأنتِ بتحكي معه وتتهزري عليه زي زمان، محسبتيش للحظة قلبها إنه ممكن يزهق منك، مش عاوز يسمعلك، ليه؟"

​سكت، لإسراء بتعرف تطلع مني اللي بخبيه عن نفسي، صحيح مع قرار صداقتنا، أنا قفلت باب إني أروح العيادة تاني، وبقت لإسراء صحبتي وبس لكن ليه في آثار "الثيرابيست" عليها!"

​"يا بنتي قولي لي ليه؟"

​"عشان... عشان دا أبويا، حتى لو حصل إيه بينا، أو حتى لو كرهني فهفضل بنته، عنده ذرة مسؤولية إنه يسمعني على الأقل أو يستحملني وذرة حب يتقبل شخصيتي ويحبها."

​هل كنت مقتنعة؟
نهائي، كلمة من الشرق على كلمة من الغرب عشان أهرب منها لكن قالت:
​"أنتِ كدابة وعارفة إنك كدابة... أنتِ بس حسيتي بمساحة أمان زي زمان... فانطلقتي، محسبتيهاش، يا بنتي أنتِ أغلب وأعبط من الأكشن اللي عملاه في نفسك، طب قولي لي معلش، لو مكنتيش حسيتي بذرة أمان مع واحد... هتطلبي ليه تخرج معه... وفي مكان هو بيحبه كمان! الحجة اللي ضحكتي عليه وعلى نفسك فيها مش هاكلها أنا... أصلاً إيه متعرفيش أماكن في القاهرة؟ وديني مكان بتحبي تروحي له وأنتِ مخنوقة.
​اضحكي عليه بس متضحكيش على نفسك، اعترفي كدة إنك لما شوفتيه مخنوق اتضايقتي عليه... لكن في نفس اللحظة استحالة تعملي أي خطوة قرب ناحيته زي ما هو بيعمل، فكان حلك إنك تخليه يروح يفك فيه... صح؟"
​ملامحي اتغيرت وبان عليا الانزعاج والرفض، مكنتش عارفة أقول إيه، لكن لقيت حجتي:
​"أنا هركب دلوقتي... لما أروح هكلمك."
​ضحكت بسخرية وهي بتقول:
​"سلامات يا أختي."
​================================
​استراحة الغدا، الكل قام، وأنا مركز على الخطة اللي قدامي، في غلطة! مش عارف سببها، في حاجة ناقصة...
محستش إن الجو بقى هادي مافيش غير صوت التكييف، قمت من على المكتب وروحت قصاد السبورة بتاعتي في المكتب، ومسكت القلم وبدأت أكتب الفكرة الجديدة، فكرة ملهاش علاقة أصلاً بالمشكلة اللي في إيدي، قلعت البليزر وفكيت الجرافات كمان، وفي إيدي تقارير المشروع الجديد والتاسكات المطلوبة، وقلب سبورة، ومعرفش عدى قد إيه، لقيت باب المكتب بيتفتح وصوت طه بيقول:
​"أنت هنا... قلبت الدنيا عليك، توقعت روحت."
​"طه... أنت قفلت مسودة Initial Visual Identity صح؟"
​تنح شوية وهو بيقول وبيبص على السبورة بانبهار وبيقول:
​"لسه ميعاد تسليمها كمان ٣ أيام يا فارس.... بس إيه الفكرة الجامدة دي... وسيبها كدة في سبورة المكتب!"
​فرقت في شعري، كنت ناوي على شدة معه، عشان ملفاتي ناقصة وبحضر لاجتماع مع إدارة المشروع العقاري، لازم الهوية البصرية تكون جاهزة، لكن فعلاً لسه ميعاد تسليمها على ٣ أيام، كفاية إن طه يقدر يخلصهم. أنا متوتر ومش عارف ليه، والتوتر زاد لما طه قال:
​"بس في مشكلة أصلاً ممكن تخليني أتأخر..."
​"ولسه فاكر تقول دلوقتي!"
​قولتها بعصبية وأنا بغطي السبورة وبرجع للمكتب لكن وقفني، وبدأ يضبط الجرافات اللي كان بيخنقني بيها وقال:
​"دا مش شكل واحد بروفيشنال في شغله، شعرك هيقف من العصبية، روح شوف إيه معصبك ومتفرغوش علينا يا صاحبي."
​مسحت على شعري ورجعت لمكتبي وهو قعد على الكرسي قصاد المكتب وزحزح اللاب بتاعي عشان يعرف أنا وصلت لأيه، فضلت متابع عينه اللي عمالة تتسع كل لحظة وهو بيشوف علامة صح جنب تاسكات لسه بدري عليها أصلاً، وقال:
​"دا... أنت يعتبر جاهز لاجتماع الإدارة اللي كان بعد ٨ أيام! دا اجتماع مبدئي! أنت خلصت الـ Marketing Direction إمتى؟"
​"لا دي خلصانة من بدري، كنت بناقشها مع مايكل إمبارح وكان معجب جداً بالألوان والإحساس العام اللي في دماغي."
​فضل يقرأ أكتر، وكل شوية يسألني عن حاجة وأجاوبه، وملامحه باين عليها الاستمتاع، الشغل دا المفروض يتعرض عليه بعد مدة، لكن إنه ياخده طازة كدة عشان أنا صاحبه ونعتبر أول فريق يجمع بين قائد الفريق الإبداعي ومسؤول الاستراتيجية التسويقية اللي هو أنا.
​"حلو كدة... سمع معايا في حاجات كتير."
​فتح الموبايل بتاعه وأخد ورق وقلم من عندي، وبدأ يعدل على حاجات، ويكتب أفكار جديدة، ويكمل حاجات ناقصة، عمل مسودة مشخبطة في نص ساعة، مش أي حد يعرف يعملها، وبعدين شرب شوية مية وبيقول:
​"نرجع بقى مشكلتنا... الحمام اللي أنت مخطط له، أنا هخليه واقع ملموس لو بس الديزاينرز محطوش التاتش بتاعهم ومغيروش الهوية البصرية، وكمان لازم قبل اجتماع الإدارة، نجهز اجتماع تاني مع ليدر المعمار عندهم وكمان ليدر التصميمات الداخلية للشقق، دا ينفعنا كدة.".

​"هو أنا كلمت أصلاً ليدر المعمار من بدري، وعشان كدة الخطة بقت أفضل.. بدل ما نعرض أفكارنا عليهم وهو يعمل تعديلات، أنا أخدت رغباته وسط الشغل وهيشوف النتيجة في الاجتماع ومتأكد إنها هتبهره.... أما ليدر التصميمات الداخلية بقى دا بتاعك... تحل الحوار دا في ٣ أيام، مش عاوز المشروع دا بالذات يتأخر ساعة عن ميعاده، لسه وراك شغل الخمس أيام اللي بعدهم من نار."

​"وحياة كريمة، الشغل دا بيني وبينك، يعني لو هو افتكس وعمل تعديلات، أنا وأنت مضطرين نعدل على شغلنا..."

​شربت نص الإزازة وأنا بقول له:

​"شغلتك بقى متخليهش يعدل... يقتنع ويتعجب باللي إحنا عاملينه، من الله ماشية في حدودنا إحنا دماغي مش فاضية عشان أخليه يرسم حدود جديدة وأعيد شغل فعلاً متعوب عليه ولو طلع للنور هيكسر الدنيا."

​مدرك الموضوع صعب!
وإن أصلاً كعربي مسلم عشان تشتغل مع النوعيات اللي بشوفها كل يوم، لازم تثبت شطارتك وكفاءتك، والثقة في البداية منعدمة، لكن بتتبني من نجاحك وسعيك وأفكارك.

طه كان مبسوط بالإنجازات اللي عملتها في أول أسبوعين، عين مايكل كانت بتطلع شرار من إعجابه بالأفكار اللي صغتها لهم بشكل يناسب مجتمعاتهم لكن نوعاً ما متخلتش فيه عن قيمي... موضوع مجهد ومش دايماً بينجح.

==================================

​وصلت البيت بعد ما عديت على كريمة وارتحت عندها شوية، وطبعاً بتتكلم عن فارس، وبتعيط كمان لسه مش متعودة على غيابه، حتى حبيبة باين عليها، البيت كله كأنه فقد روحه.
طلعت الشقة وفتحتها، الهدوء هو اللي بيستقبلني كل مرة.
أخدت دش سريع وخرجت بالبورنس اللي الحمد لله كان موجود، نسيت أخد هدوم، وخرجت زي الهبلة بدور على الفون، حطيته فين؟

​بصيت وملقتوش حواليا، قعدت مكاني بتعب، حاسة إني ميتة من الصبح مش مركزة في حاجة، ونعسانة كمان، كبرت دماغي من الموبايل أكيد لو حد رن هسمع صوته، قبل ما أدخل الأوضة الباب خبط!
​اتنفضت!

لمست البورنس اللي لابساه وأنا بقول من غير ما أفكر:

​"فارس استنى لحظة!"

​"فارس إيه يا ستي أنا حبيبة... افتحي عشان إيدي فيها حاجات تقيلة."

​خرجت نفس باستيعاب، فارس إيه اللي فكرته بيخبط، بس عشان متعودة إنه في اليوم بيخبط بتاع حوالي خمس مرات مثلاً.

​روحت فتحت لها وحبيبة دخلت وشايلة حاجات كتير فقالت:

​"هقعد أذاكر عندك عشان النت فاصل عندنا..."

​"اقعدي يا حبيبتي... هدخل ألبس وأعمل لنا حاجة نأكلها عشان جاية من الشغل جعانة أوي."

​قولتها بحنية ودخلت الأوضة، وقفت قصاد الدولاب، فاضي!
أصلاً فعلياً وزعت ٨٠٪ من هدوم الجهاز، مخلتش غير كام بيجامة وكام كاش كان كريمة وأمي ومنال بيشتروها ليا في الجهاز، لكن أي حاجة اشتريتها لنفسي أنا رميتها.

لبست كاش بنص كم واتأكدت إنه مداري الحرق كويس وخرجت لها لقيتها قاعدة مكان فارس، في نفس الزاوية واللاب توب بتاعها مكان اللاب توب بتاعه، وفرشت أوراقها على الترابيزة ابتسمت وأنا بقول لها:

​"أنتِ امتحاناتك إمتى يا بت؟"

​"آخر الشهر."

​"خلاص اقعدي معايا لغاية ما تخلصي امتحاناتك، الدنيا هدوء والنت سريع وكمان هدلعك يا ستي وهعملك افتكاسات في الأكل بدل طبيخ أمك اللي زهقتني منه."

​ابتسمت حبيبة والفكرة عجبتها لكنها قالت وهي بتنكشني:

​"مش ملاحظة إننا من ساعة ما فارس سافر وإحنا هاديين على بعض... مش بنردح كل يوم زي ما متعودين؟"

​ضحكت لها وأنا بقول بهزار عشان أبين إن الموضوع طبيعي:

​"يعني هو بيوقع بينا ولا إيه؟"

​"لا هو بس واحشنا إحنا الاتنين عشان كدة هاديين مع بعض، أنا عارفة إنه بيحبك وأنتِ عارفة إنه بيحبني، يعني أنا كنت على طول بتعب ماما وأنا وهي نار ونقير وأنا صغيرة، لما بابا راح يعمل عمرة، ساعتها هدينا على بعض وبقيت بنام في حضنها عشان هو وحشني أنا وهي."

​أخدت نفسي وأنا بشد على إيدي، ليه كل حاجة النهاردة مصرة تضغط عليا؟
ابتسمت لها وقبل ما أتكلم قالت هي:

​"يا ربي عدى ١٦ يوم من ٩٠ يوم... أغمض وأفتح ألاقي الإجازة بتاعته جت والله ما هسيبه لك لحظة هفضل لازقة فيه."

​ضحكت على طفولتها ورخمتها اللي مش هتعرف تتخلى عنها وأنا بقول:

​"طب ذاكري يا أختي ولما يجي نبقى نشوف الحوار دا."

​خلصت كلامي ودخلت المطبخ غبت شوية وأنا بعمل أي أكلة سريعة في طاسة واحدة، عملت مكرونة مشطشطة وكانت كريمة بعتت ليا لحمة مفرومة جاهزة، حطيتها وشوية جبنة عشان حبيبة بتحبها ودخلتها الفرن دقيقتين، وقبل ما أفتح الفرن لقيت إيدين على وسطي اتخضيت وصرخت، ضحكت حبيبة بقوة وهي بتقول:

​"دا أنتِ بتركبي الهوا بسرعة."

​منك لله، وقعت قلبي بجد، مش متعودة حد يلمسني على غفلة كدة، بقالي كتير أصلاً ملمستش حد، اتنفست بهدوء وأنا بقول:

​"الإنسان يعمل صوت وهو داخل، خضتيني."

​"حاضر المرة الجاية وأنا داخلة أخضك أقولك استني يا غالية خدي وضع الخضة عشان أخضك."

​سكت وفتحت الفرن وأنا بخرج الصينية وهي بتصفر وقالت:

​"إيه الدلع دا.... دا يا بخت الواد فارس، أنا أصلاً هموت على الريحة بس شكلها خطفني."

​فرحت إنها عجبتها وخرجنا أكلنا، ورجعت هي لمذاكرتها، وأنا كان ورايا شوية حاجات تبع الشغل خلصتهم، وفضلت قاعدة سرحانة في حاجات كتير في البيت، وعيوني كل شوية تقع على كراتين كتبه وحاجاته اللي كانت تحت، وحتى الكرسي بتاعه كل حاجة كانت زي ما هو حطها مفتحتهاش...

الساعة جت حوالي ١١ بالليل ولقيت مرة واحدة حبيبة قامت من مكانها وهي بتقول متضايقة:

​"بقالي ساعتين ببعت لفارس رسايل عشان يتصل بيا... وفي الآخر يطمن عليا في رسالة ويقول مشغول!
اتصلي بيه كدة، ووالله لو رد عليكي هنكد عليه"


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات