📁 آخر الروايات

رواية هوية منسية الفصل الثامن 8 بقلم بسملة محمد

رواية هوية منسية الفصل الثامن 8 بقلم بسملة محمد


|هويَّة منسيَّة|
"الحلقة الثامنة _كابوس الماضي والحاضر."
"____"

دق على صديقه يحدثه باختناق"أنا في مصيبة، أبويا هنا في الشركة، أنا مش عايزه يشوفني، وخايف، خايف يشوفني".

وسمع الثاني الحديث وتوسعت عيونه بوجل، ازدرد لعابه بتوتر، واستفهم منه بدقة"في الشركة إزاي يعني؟ إيه إللي جابه؟"
2

حرك رأسه بتيه حقيقي، وشعر إن أنفاسه ستكون الأخيرة، وهبطت دموعه ببطء عنوة، وأجابه بعدم معرفة وهو يحرك يدهُ الفارغة"مش عارف، أنا علي بيقول إنهم شركاء، أنا مش عارف واللهِ، أنا شوفته قدامي كان هاين عليا أروح أموته، لاء وماشي حواليه مليون بودي جارد! ومراته، مراته ال****ماشية رافعة راسها في السما، ناس ريحتهم الحلوة سبقاهم من قبل الشركة بشارعين، مراته لابسة ألماظ، ألماظ يا أوس أوس! وأنا أنا هنا بشحت من دا ودا؟ وبنام من غير عشا دا لو اتغديت حتى! أنا عايز أروح أقوله دلوقتي ليه عملت كدا؟ ليه؟ بس خايف؛ أنت عارف أنا مش قدهم ولا عمري هقدر أقف قدامهم".

سمع سباب صديقه على الجهة الأخرى وصمت، والثاني أردف بطمأنينة"متخافش يالا غير من إللي خلقك! وبعدين متقلقش أنت شكلك اتغير أوي، دا أنت آخر مرة شوفته فيها كانت من ست سنين وأكيد مش هيعرفك".

_أنا لبست كاب ونضارة شمس، هشوف كدا لو علي يعرف يداري عليا هخلع.
أكد على حديثه بجملته، زفر الثاني بضيق وحدثه بجدية"وحتى لو معرفتش ولو الواطي دا عرفك وأنا أشك حط عينك في عينه ومتخفش، هو هيعملك إيه؟"

استسلم بحروفه وهو يغلق معه"حاضر، سلام."

رجع لمكانه، واقترب من "علي"يحدثه بعشمٍ كبير وهو يحك فروة رأسه"بقولك إيه ما تجيب حد من البوابة الخلفي يقف مكاني وكإني بدلت معاه وأمشي".

_عمير البيه منبه علينا محدش يتحرك من مكانه، اتهد بقا.
حدثه بضيقٍ، والثاني رمقه مطولًا، ضاغظ على أسنانه بغليلٍ، وهزات رأسه من الأعلى إلى الأسفل تتكرر وكإنه يتوعده!
"ماشي يا علي، واللهِ العظيم أنا غلطان إني اتعشمت فيك".

اعترض بحديثه المندفع"أنا مش مدير الشركة ياعمير! عايز تمشي استأذن حتى الكبار إللي في الشركة لكن إنت عارف إني في عرض قرش وإلا كدا مش هعرف أأكل كارما وأمها".

_معاك حق.
ربت فوق ذراعه بحنانٍ، وأكمل ببسمة صغيرة"ربنا يرزقك من واسعة يا صاحبي".

رجع إلى مكانهُ، وأنزل القبعة فوق وجهه يخفي نصفه، والثاني كان يراقبه بعدم فهم، وسأله باستنكار"أنت مستخبي من مين؟"

امتنع عن الإجابة وقرر الصموت، والآخر لن يتركه هكذا، وكرر السؤال بصيغة آخرى"مين من الشركة جوا خايف يعرفك؟"

_خليك في حالك يا علي، بلاش تدخل الدوامة.
جملته كانت جامدة ناهية للنقاش، وعلي حرك منكبيه بعدم اكتراث، وأمسك هاتفه يحدث زوجته، وراقبه عمير بتطفل، يسمع حديثه مع ابنته بمنتهى الحنان! يا الله حنان مبالغ به!
_يعني إنتِ بتعيطي دلوقتي عشان خاطر ماما زعلت منك؟

.
وصله صوت ابنته الغير مفهوم، لكن رغم ذلك عرف يفك شفراته، وبسمته مزينة لوجهه"بابا هي زعلت، أنا بس متصلة أقول قبلها عشان مش تشتكي مني".

سايرها في الحديث وهو يسألها بحزنٍ مصطنع"يعني دلوقتي ماما زعلانة؟ لاء طبعًا لازم نصالحها عشان بر الوالدين وربنا ميزعلش مننا".

صمتت تفكر بحزنٍ، وسألته بطفولة"هي مش بتصالحني، أعمل إيه؟"

_بوسيها واحضنيها وهي هتصالحك ياعمري، وقوليلها مش هتزعليها تاني، وأنا هاجي أصالحكم، وهجيبلك البسبوسة إللي بتحبوها.
قال حديثه ببسمة حنونة، حديثه لطيف لدرجة إن الثاني سأل نفسه هل يستطيع أن يصبح أب حنون مثله أم سيفشل؟ ويذيق أطفاله من نفس كأسه؟ ألهى نفسه بهاتفه حتى لا يستمع إلى حديثه مع زوجته بعدما سمعه يحدثها هي_:
_كوكي قالتلي أجيبلك بسبوسة، تحبيها بالمكسرات ولا سادة؟

"إللي يجي منك حلو يا حبيبي".
قالت جملتها بهدوء، مع بسمتها اللطيفة، وهو مرح معها بكلماته"بعد حبيبي دي هجيبلكم طبق مشكل".

سمعت جملته وابتسمت باتساع، وملامحها تهللت بحديثها_:
_ربنا يباركلك في رزقك، متكلفش نفسك أنت تعبان في الفلوس.

_تعبكم راحة ياست الكل، يلا روحي صالحي كارما وأنا هكمل شغل.
أغلق معها والبسمة لا تفارق وجهه، وعمير لم يقدر على مسك لسانه، وانفلت يسأله بتطفل"أنت متجوز مراتك عن حب؟"

هز رأسه ينفي، ولحقته جملته توضح له"لاء، متجوزها جواز صالونات، كانت صاحبة أختي الكبيرة وهي إللي خلتني أتقدم ليها واتخطبنا سنة ونص نعرف بعض وسبحان الله عمرها ما حملتني فوق طاقتي، وعايشة على قد فلوسي، ومحافظة على البيت والبت، حاليًا أنا وهي بنحب بعض أوي".
1

والثاني لم يمنع نفسه من التحدث عما يدور بداخله، وأخبره بعفوية_:
_يابختها بيك يا علي، هي حبتك عشان حنيتك، أنا قاعد معاك شهر وشوية وشوفت حنيتك عليهم، سبحان الله مش أي حد قلبه يبقا حنين، ربنا يباركلك فيهم ويديم الحب بينكم، أبقى علمني بقا إزاي أبقا زوج وأب كويس عشان أنا معرفش حاجة العيلة والأب والزوج، أصلي اتولدت يتيم، لا شوفت أب ولا أم الله يرحمهم بقا.
1

تحمس الثاني بحديثه"دا أنا عيوني ليك، وبعدين ياعم ما أنت حنية الدنيا وطيبتها فيك، وسبحان الله أنا وأنت بقا حلَّة ولاقت غطاها، وبعدين ياعم طول ما أنت قريب من ربنا وبتحطه قدامك هتخاف تغضب ربنا فيهم، دول عيلتك، ودول الرسول وصانى عليهم".

_مش بقولك حنية الدنيا فيك! واللهِ ياعلي أنت ونعمة الزوج والصاحب.
2

تشجع من جملته، وسأله وهو يمرح بجملته"مش ناوي بقا تقولي مخبي وشك ليه ياعم المتخفي؟"

تنهد تنهيدة طويلة، يخرج بها حديث طويل للغاية يكنه بداخله، أجابه بشرود"بكرة تعرف، مفيش حاجة هتستخبى".
2


"__________"

جلست في محل زهورها الذي حكم عليه بالقفل بعد شهور إيجاره وهي شاردة تفكر في حديث والدتها في الصباح وهي تذكرها بقصة الحب الطفولية التي كانت بينهم، وتذكرها مَن هو! هو الذي باع منذ البداية، وهو الذي والدته وقفت تتحدث عليها، وهو الذي سبَّب لها جرح أول، وهو الذي في الأيام السابقة تعمد جرحها بقسوة وهو يذكرها بماضيها المشرف! لمحت من بعيد فتاة قريبة من عمرها تأتي عليها ممسكة برضيع، شهقت فورًا وهي تستدير بجسدها تشتت أنظارها وهي تتمنى أن لا تراها؛ إذا رأتها بالتأكيد سترمي عليها نظرات محقرة وترحل، لكن خالفت توقعاتها وهي تربت فوق ظهرها مع جملتها المتهللة_:
_بت يا رودي إيه الحلاوة دي يابت؟

التفتت لها بتوتر مسيطر عليها، ورسمت بسمة مهزوزة وهي تحدثها بهدوء"إزيك يا "نغم"؟

انحنت"نغم" بجذعها تجاهها تضمها باشتياق وفي يدها الرضيع، مع جملتها المتحمسة"الحمدلله بخير، أول ما عرفت إنك هنا جيتلك جري واللهِ أول ما جوزي خد الإجازة إنتِ عارفة إني عايشة في شرم الشيخ".

ابتسمت بسمة واسعة، وسألتها بدهشة"بجد! بجد إنتِ جيالي مخصوص؟"

_طبعًا يابنتي دا إنتِ أختي، دا أنا وإنتِ متربيين مع بعض، طب والله بعد ما اختفيتي كدا أنا كنت كل يوم بتصل على رقمك وبيديني مغلق لحد ما عرفت إنك غيرتيه.

قالت كلماتها بصدق، والثانية ضمت شفتيها بحرجٍ مع جملتها الهادئة"كلنا غيرنا الخطوط".

غيرت حديثها عن قصد وهي تسألها بنفس هدوئها"بنتك دي؟ الله عسولة أوي، سمتيها إيه؟"

سحبت مقعد من جانبها وجلست عليه، تخبرها بسعادة وهي تمد يديها بابنتها لها"دي "كندا" سبع شهور".

أخذتها منها تسمي الله، وتحدثت بطريقة طفولية"الله أكبر! عسولة أوي، شبهك يا "نغم"، الله أكبر عليها حبيبتي بجد جميلة".

_عقبال يا رودي يارب أما أشيل بنتك.
جملة عفوية خرجت منها، وجرحتها بدون قصد، شردت في الرضيعة وهي تسأل هل ستذوق معنى الأمومة؟ أم حكم عليها تظل مطلقة برتبة خائنة في نظر الجميع؟ ارتجف جسدها آثر الفكرة، وتوهت بجملتها"إيه رأيك في محل الورد؟ حلم الطفولة حققته".

نهضت تتفحص المحل بنظرات منبهرة، وكلماتها سبقت عيونها تعبر عن ما بداخلها"دا تحفة واللهِ، ياه بجد! حلو أوي أوي أوي!"

تحدثت معها لعدة دقائق لكن رن هاتفها برقم شقيقها، نهضت تبتعد عنها بعدة خطوات، تسأله بنبرة خافتة"إيه يا معاذ؟ أنا عند رودينا في المحل".
2

_بتهببي إيه في المحل بتاعها؟ إنتِ جاية مصر تفرسيني يا نغم؟
انفعل عليها معاذ بحديثه الغاضب، وسؤاله كان حاد، وهي إذا كانت تقصد أن تجلب له الجلطة لكانت لن تتحدث بجملتها تلك بمنتهى البرود هذا!
_في إيه يا معاذ؟ دي رودي هو أنا قاعدة مع حد غريب؟

شقيقته اللعنة من لعنات الزمن! تظن حبل الود موصول؟ اللعنة والدتها قطعته منذ زمن! نبهها بجملته الحادة"نغم أنا مش عايز اتعصب عليكِ فبلاش تعصبيني إنتِ، واللهِ يانغم لو أمك عرفت إنك قاعدة معاها لا هتقوم الدنيا حرب، متجبيش لينا مشاكل واطلعي يلا شقتي".

صمتت تسمعه للنهاية، وتنهدت بضيقٍ، وأغلقت هاتفها وجملتها سبقتها"ماشي، باي".

التفتت لها وهي تتحدث ببسمة محروجة"معاذ بيدلع عليا وعايزني أطلع أعمله مكرونة بشاميل وجلاش قبل ما يجي، وهو خلاص كلها ساعتين ويجي فهطلع أعملها وأبعتلك".

ضمت شفتيها بتفهم، وابتسمت لها بهدوء"ماشي، بألف هنا".

حملت الصغيرة بين يديها وودعتها ومن ثم صعدت، زفرت الثانية بقهرٍ، صديقتها منذ الطفولة! وجميع أسرارها معها! وسبحان الله تغير كل شيء!

والثاني في مكتبه لولا إن الآن الشركة متجمع بها كل رجال الأعمال المرموقين لكان لحق شقيقته على منزله، والدته ستأتي وإذا جاءت ووجدتها تجلس معها ستفتح على نفسها أبواب الجحيم مع والدتها!

انتشلته من شروده زميلته في مكتبه"مالك يا "ميزو"؟ سرحان في إيه؟"
7

أغمض عيونه بقلة حيلة، وأخبرها ببساطة"مفيش حاجة، عادي".

نهضت من مكتبها تجلس فوق المقعد المقابل له، سألته ببسمة بسيطة"أختك دي إللي قولتلي عليها قبل كدا إنها في شرم؟"

_آه هي"نغم".
أجابها بفتور، وهي تحمست بجملتها وهي تصفق"حلو أوي، عايزة أقابلها واتعرف عليها".
4

رفع أنظاره لها مطولًا، وحدثها بجدية"تمام هبقا أقولها عليكِ وتتعرفوا بقا".

لم تريد فتح حديث أكثر وخصوصًا إنه واضح عليه الانزعاج، نهضت ترجع مكتبها وهو أكمل عمله.

"________"
ملمع شفاه وردي رقيق للغاية، وعيون رسمتها بكحل عيون بيضاء لتتوسع عيونها الضيقة، ولون لامع أبيض يزين وجهها ينير الوجه والعيون، وأدوات تجميل وجهها كانت بسيطة للغاية ولكن من أغلى الأنواع وأشهرها، قرط ذهبي طويل، رقيق يتدلى من أُذنها على هيئة فراشة صغيرة، وفوقه مباشرةً قرط آخر صغير من نفس الفراشة، وربطت مقدمة رأسها بوشاح صغير للغاية رقيق من ثلاث ألوان الأبيض، والأحمر الغامق، والأسود، وتركت شعرها ينسدل إلى الخلف ليظهر قراط أذنها عن قصد، وهبط شعرها القصير المصفف بعناية فوق ذراعيها بأشياء بسيطة، سلسلة رقيقة من الذهب تشبه قرطها، وعدة أساور ذهبية تحيط بيدها اليسرى مع خواتم أصابعها، وفستانها وردي يلمع مناسب للأفراح، شداد رائج في هذه الأيام، وبأكمام طويلة وواسعة.
4

غادرت من منزلها، اقتربت من أمانها وملجأها وهي تبادله بسمة واسعة، رأته وتهللت ملامحها، يقف شبه واقفة مستند بظهره على سيارته الجديدة! سيارته بيضاء بدون سقف! كم سيارة يمتلك! كل يوم يأتي لها بسيارة حديثة! قيمت ملابسه بإعجاب، بنطال حديث أبيض، وقميص بنصف ذراع من نفس اللون على الموضة! شعر مصفف وساعة يد فضية وحذاء أسود! اقتربت منه وهي تسأله باستغراب ممتزج بإعجابها_:
_جبت العربية دي إمتى؟
2

لم بجيبها إلا بسؤال مستنكر"يخربيت أمك إيه إللي لبساه دا!"

توسعت عيونها بصدمة من جملته الوقحة، ورددت خلفه بدهشة"نعم! يخربيت أمي!"

ابنة الحسب والنسب قليل ما تسمع تلك الألفاظ_على أساس تلك ألفاظ!_حمحم بحرجٍ، واعتذر منها بجملته وهو يعتدل"سوري ياسمكة على اللفظ بس إيه إللي لبساه دا؟"

أجابته ببساطة"فستان فرح."

_وهو  كان فرح أمك! بصي بقا بتخليني أقول ألفاظ في حق الحجة أمك إزاي؟
سألها في النهاية بوجهٍ سيبكي، وهي استهجنت بحروفها المحتارة"في إيه يا يونس؟ مش أنت قولتلي إن الولد إللي شغال معاكم في الشغل هيتجوز وهتاخدني الفرح؟"
2

أخذ يديها بين يديه بحنانٍ وهو يشرح لها الأمر بهدوء"ياسمكة ياحبيبتي دا مش فرح واحدة من صحباتك ولا دا في أوتيل أو فندق خمس نجوم عشان تلبسي كدا دا فرح وفي حتة شعبية يعني لو دخلتي الحتة دي معايا صدقيني لا أنا ولا إنتِ هنخرج منها، وبعدين ياعيوني يعني إنتِ لابسة كدا في فرح متعرفيش حد فيه؟ دول لو بنات الفرح والعروسة لمحوكِ يشلوحوكِ".

ضحك في النهاية وهي شاركته في الضحك برقة، تفهمت بحديثها الرقيق"حاضر هطلع أغير، كدا حلو؟"سألته في النهاية بلطافة وضحكتها تزين وجهها، وهو نقطة ضعفه لطافتها، تبسم لها بحنانه المعهود عليها، وهتف فورًا يشجعها بكلماته"قمر".

جاءت لترحل لكنه أوقفها بجدية"سما اللبسي نضارة شمس وطاقية عشان محدش يعرفك في الفرح، دول لو حد واحد عرفك في الفرح والباقي لاء هيلزقوا فيكِ لو قالهم وهما مش عارفينك حتى"
2

يكبر الموضوع بطريقة مبالغ بها! هي كانت أمنية حياتها أن تذهب إلى منطقة نابية وتتعرف على سكانها والطبقة الأقل من الصفر تلك! وهو وعدها في أقرب فرصة أن تذهب إلى منطقة أقل ما يقال عنها شعبية بحتة وبالفعل بعد عدة أسابيع أخبرها بزفاف شاب يعمل في مكان عمله نادل، يونس لا يخلف بوعد قطعه لسمكته، صعدت سريعًا، ترتدي تنورة سوداء طويلة، وتيشرت أبيض اللون مدون عليه بعض الكلمات بالإنجليزية، وارتدت فوقه معطف من الجينز الضيق من اللون الأسود، أرسلت قبلة هوائية إلى انعكاسها في المرآة وهبطت سريعًا له، صعدت بجانبه في المقعد الأمامي، وحدثته بتحماس واضح_:
_عيزاك تصورني صور كتير أوي في المنطقة دي عشان أنزلهم والصور تكسر الدنيا.

مدَّ يدهُ لها بكوب بلاستيكي موضوع به مشروب ساخن من أشهر المشروبات وأغلاهم، وأخبرها بحنانٍ"جبتلك دا ياعيوني عشان عارف إنك بتحبيه ويومك مش بيكمل غير بيه".
2

أخذته منه وملامحها تشكره قبل جملتها، سألها بإهتمام"مدام حبيبة عاملة إيه معاكِ؟"
1

_عادي مانعة كلام معاها، معرفش رنا راحت فين بقالها يومين أهو بس البيت هادي من غيرها شوية، وبابي حبيبي جه إمبارح بالليل باسني وكان جايبلي حلويات كتير، وكمان سألني أنا واثقة فيك ولا لاء قولتله إن الثقة عندي يعني يونس، راح قالي طالما أنا مبسوطة هو كمان مبسوط، أنا بحب بابي أوي يا يونس.
قالت كلماتها بحبٍ كبير، ملامحها تحولت إلى ملامح لينة سعيدة، والثاني مسد فوق شعرها بمزاح مع كلماته"والحب يعني سمكة حبيبة يونس".
19

وصلوا بعد مدة طويلة إلى الحي الشعبي، ارتدت النظارة الليلية الكبيرة، والقبعة الزينة لتخفي معظم وجهها، وبالتأكيد لن يشك أحد إن هي نفسها المشهورة، دارت بنظرها في الحي النابي، ضيقت نظراتها بتقزز، المكان ليس مناسب للعيش فيه! سارت على أطراف أقدامها، متقززة من حذائها الذي إتسخ بسبب القمامة الملقى بكل مكان بالحي! رفعت تنورتها الطويلة تحرص على عدم مسها للأرضية، العشوائيات منتشرة بكل مكانٍ، الجدران مدون عليها بأشياء كثيرة ليست لها قيمة!، فقط شوهت منظر المكان، شخصٌ يضع رقم هاتفه، والآخر مدون اسمه بعرض الحائط، سيدة بدينة تقبع في بناية متهالكة تتشاجر مع سيدة مثلها، متبادلين السباب والألفاظ النابية لبعضهم بدون حياء! ما آثار اشمئزازها هو اقترابها على بقعة من طينٍ تأخذ طول الشارع بكامله، تمسكت بذراعه باستماتة وكإنها تحتمي به، ضحك بخفة وهمس لها بخفوت يمزح معها_:
_هتخليهم ينزلوا يضربونا إحنا.

ذعرت فورًا، وانكمشت أكثر على نفسها وهي تهتف بخوفٍ"ينهاري هما ممكن يضربونا؟"

_عيب بقا إنتِ معاكِ راجل يحميكِ.
تفاخر أمامها بحاله وهو يهندم ياقة قميصه، ابتسمت بدلال وسارت معه، دخل إلى مكان الزفاف، والزفاف كان مؤلم للعين للغاية، ألوان حمراء وخضراء وزرقاء في كل مكان تخطف الأنظار! ومقاعد موضوعة بشكلي عشوائي للغاية! والنساء! النساء كارثة! يضعون أحقر أنواع أدوات التجميل ومظهرهم مخيف! إلا قليل للغاية! واضح من حال الجميع مستواهم المتدني_الذي بالنسبة لهم هم في نعمة كبير_ ورائحة عطورهم مثيرة للتقيء ليس أكثر! لكن واضح عليهم طيبة القلب! وملامحهم حنونة ليست خبيثة، في وسطها وطبقتها رأت العجب من أنضف الناس في المظهر وأحقرهم من الداخل، اقترب العريس عليهم بوجهٍ متهلل، واقترب منه يضمه فورًا بسعادة ظاهرة_:
_حبيبي يا أبو الونس، أقسم بالله نورت الفرح كله.
1

ربت فوق ظهره بهدوء، وجامله بجملته الودودة"الفرح منور بأهله، إيه الجمال دا ياض؟"

_حبيب قلبي وربنا، تعالى أعرفك على أخواتي.
سحبه من يدهُ، لكن الثاني أوقفه بانتباه"دي خطيبتي يا "ودن".

ابتسم لها بإتساع، وحدثها فورًا بترحيب حار"دا يوم المنى يا هانم، أقسم بالله نورتي، تعالي اقعدي مع الحريم".

سار أمامهم وهي سحبت يونس من أذنه تستفسر منه بعدم فهم"هو يعني إيه ودن؟"

_ياعبيطة هو اسمه ودن، عشان بيرمي ودنه وبينقل الكلام بينا في الشغل.
أخبرها وهو يحاول كتم ضحكته، وسار بجانبها، وهي وقفت للحظات تحاول تربط الحديث ببعضه، هل هذا لقب مثل لقبها؟ يونس صافح ناس كثيرة للغاية، وهي كانت الأنظار حولها بشكل أخافها، وجلست بجانب أريكة العروسة من الأسفل وهي تشعر بعدم راحة، لحظات ونهض يونس يرقص على أغنية هابطة للغاية تحت جملته التي قالها لها"هوجِّب بصاحبي".

بدأ بالرقص على الأغنية بحركات هرجلية للغاية جعلت جميع الشباب يرقصون معه، لم تتوقع تغير شخصيته الملحوظ! وكإنه شاب تربى في العشوائيات معه! توجهت جميع الأنظار له، ومن الفتيات أكثر، وقفوا يرمقونه بنظرات مبهورة وكإنه يفعل شيء شاذ! لكن ثواني وابتعد عنه الجميع وهو أمسك بالحديدة المكبرة للصوت، وغمز لها بشقاوة وهو يلقي لها قبلة هوائية!
5

دار برأسه لأكثر من مرة وكإنه سيغشى عليه! ولكن لحظات وتعالى التصفيق الحار وهو بدأ بالغناء بمرحٍ وهو يركض ويرقص فوق _كوشة الزفاف_

_أنا شارب سيجارة بني .. بني .. بني
حاسس إن دماغي بتاكلني
قاعد فالحارة بسقط
والغسيل عمال بينقط
والشارع إللي ورايا قدامي
والكلام على طرف لساني
باجي اتكلم بتلخبط
8

سحب يديها لتصعد بجانبه، وغمزها مرة ثانية وهو يضحك ويردد كلمات الأغنية الهابطة!
_يا عم ولع .. يا سيدي ولع
شالوني، روحوني
ياريتهم ما شربوني
دوخوني، تعبوني
بيديه كان يمثل حركات الأغنية وهو يترنح بمشهد تمثيلي، وهي وقفت ترمقه بعدم تصديق وهي تضحك بقوة لا تصدق! 
2

بدأ الجميع بالغناء معه بنبرة عالية رجت أرجاء الحي!
_مش هشرب! مش هشرب! مش هشرب بني تاني!

وأغنية آخرى هابطة من نفس المعنى بدأ في غنائها"وشربت حجرين على الشيشة! شوفت تعلب كان بينط! كان بيلعب ويَّا القط!"
4

وأغاني ثانية من نفس المعنى، كانت تضحك ببلاهة لا تعلم مَن هذا؟ هذا بالتأكيد ليس يونس لكنه شخص لطيف ومضحك!

انتهت فقرته وكإنه هو المغني! وهبط يجلس بجانبها، وبيديه بدأ يحي الناس الذي يحيونه بحماس شديد! رمقته كثيرًا تتفرس من ملامحه، تتأكد إنه هو، وسألته باندهاش"أنت مين يا يونس؟"

غمزها بمشاكسة وهو يقبل باطن يديها"أنا أمان سمكة".
5

انكمشت على نفسها وهي تشير على مجموعة رجال في الخفاء يلفون سجائر ممنوعة_:
_يونس هو دول من ساعة ما قعدت وهما بيلفوا في سجاير غريبة أوي.

ضحك بعلو صوته، مستنكر بحديثه"إنتِ على الأبيض كدا خالص؟"

تذكرت بنظراتها وحركات فمها"يونس متضايقنيش، إيه السجاير دي؟"

_دي السجارة البني ياقلب يونس، هما بيطبقوا الأغنية على أرض الواقع لأننا رجال أفعال لا أقوال.
3

قال جملته وهو يمزح معها، انبهرت بحديثها المستفهم"هي دي السجارة البني؟ أنا كنت فاكرة تقصد السيجار بتاع بابي الكبير".
1

هز رأسه وهو يضحك بقلة حيلة، ومن وسط ضحكه ردد بسخرية"دا إنتِ لقطة يابنت الشرقاوي".

أردف بيأسٍ وملامحه لينة، ونظراته عاشقة"بس بحبك وبحبك على الأبيض كدا".
1

وكل شيء خطأ بخطأ، الأغاني النابية أو حتى الراقية خطأ وأكبر حرام، والدخان البني في الزفاف الذي يشربه الجميع حتى كتم أنفسها خطأ، وتلامس الجميع والرقص خطأ، وعلاقة يونس العاشق بسمكته الرقيقة خطأ لكن علاقة حقيقية! ستجدها في كل مكان باختلاف مستوى الطبقات ما بين الغناء والطبقة المتوسطة، قصة واقعية للغاية..
1

رحل بها من الزفاف، وأخذها إلى مكان في الحي فارغ، وقف يهندم لها شعرها بشغف كبير، وبدأ يحرك يديها ويعدِّل من وقفتها بدقة ليلتقط لها عدة صور في هذا المكان المميز! والتقط أكثر من خمس صور خرافة بمعنى الكلمة! الإضاءة والحركات والخلفية كل شيء ساعد الصورة أن تكون مميزة! والفضل كله يرجع إلى أفضل مصور يلتقط لها صور بعيونه الجميلة المحبوبة!
4

في النهاية أخذها ورحل من الحي بكامله وهو يضع ذراعه على منكبيها، وهي تضمه من ظهره بيدها اليمنى والبسمة لا تفارق وجهها.
"_______"
1

صعد على الأدراج ليتقابل مع شقيق"زينب"، ابتسم له الثاني فورًا، وحدثه سريعًا"عامل إيه ياعمير؟ زينب حكت إللي عملته معاها، ممكن تنورنا خمسة كدا؟"

بادله البسمة وحرك رأسه بالموافقة، دخل إلى منزله وهو يحمل بنبرة عالية، تفحص المنزل سريعًا بنظرات سريعة، المنزل لطيف، وهاديء، ومنظم، جلس على الأريكة يحك يديه بإحراج، خرجت والدتها بوجهٍ متبسم، رحبت به بنبرة عالية"حبيبي يا عمير عامل إيه؟"

_كويس يا أبلة، بنتك عاملة إيه دلوقتي؟
سألها بانتباه وهو يبحث ببؤبؤ عينيه عنها لكنه لم يجدها، أجابته ببسمة رضاء"الحمدلله أحسن من الأول، دا لولاك كان زمان البت احتاست، قالتلي إنك دفعت فلوس للتحليل صح؟"
3

حرك رأسه ببساطة مع جملته الهادئة"آه يا أبلة بس عادي يعني الجيران لبعضها".

_حبيبي طبعًا، دفعت كام بقا؟
سألته وهو ظل يعارض معها كثيرًا لكن في النهاية أخبرها، جلس لثوانٍ بعدما أخبرها وتحدث بنبرة خافتة حزينة"أبلة الدكتور قال حاجة بس مردتش أقولها لبنتك ولا لصاحبتها، أصل بنتك هتزعل ولو قولت لصاحبتها هتزعل بردو ومش هيتبل في بوقها فولة، فيعني الدكتور قال إنه شاكك في إنها عندها أعوذ بالله يعني ورم في الكبد".

شهقت والدتها بفزعٍ بعدما سمعت جملته، وبدون قصد هبطت دموعه وهي تسأله"بجد! إزاي؟"

_هو كان بيسأل بنتك وقالها لو حاسة بحاجة غريبة في ضهرها أو جنبها وكدا وهي قالتله آه وإن فيه حاجة مدورة جنب معدتها باين، وكان مستغرب كمان وزنها دا بنتك خمسة وأربعين كيلو، هي بنتك محكتش ولا إيه؟
استفسر منها وهو يضيق عيونه باستغراب، وهي حركت رأسها بتأكيد وهي تجيبه بشرود"لاء حكت بس قالتلي الدكتور قالي هننتظر التحاليل".

حك فروة رأسه بحيرة، وأجابها بطريقته السوقية"مش عارف والله يا أبلة، أصلي جاهل في الحاجات دي، هستأذن أنا بقا ولو عيزاني بكرة أوصلكم المستشفى عيوني".
2

تدخل أخيها في الحديث وهو يشكره بجدية"متشكرين يا عمير تعبناك معانا، بكرة إحنا هنروح معاها ونطمن ونبقا نقولك فيها إيه".

_ماشي، عن أذنكم.
رحل وتركهم ينظران إلى بعضهم بصدمة، جلس ابنها بجانبها يضمها بحنانٍ"متخافيش يا ماما إن شاء الله خير".

هبطت دموعها تتسابق فوق وجهها، وتحدثت بنبرة باكية"دي لو فيها حاجة أنا قلبي يتقطع عليها، ينهاري يابنتي! ورم مرة واحدة! وأنا بقول البت ليه عدمانة كدا!"

_اهدي يا ماما هو جه قالك كلمة صدقتيها؟ مش أما نشوف التحاليل الأول! وبعدين هو قال بيقول احتمال.
قال جملته والثانية شعرت بخوفٍ كبير يجتاحها، ونهضت تتجه لغرفة ابنتها، دخلت لتجدها نائمة بسكينة، زادت ضربات قلبها، غدًا ستظهر النتيجة، قلبها سينخلع إذا كان صابها مكروه، جلست جانبها، وأخذتها في أحضانها، أمسكت بهاتف ابنتها لتجد صورتهم هي وزوجها وابنتها خلفية هاتف، زينب في الوسط وأبيها على يسارها ووالدتها على يمينها والاثنين يضمونها بحنان بالغ! وهي تقف في الوسط تضحك ضحكة بشوشة وهي ترتدي فستان سهرة في فرحٍ ما، ضمت الهاتف بحرارة وهي تهتف بنبرة متأثرة_:
_وحشتني يا حبيبي، سيبت بنتك وأبنك في أول الطريق وأنا المسؤولية كبيرة عليا أوي، وخايفة تسألني عن بنتك ضي عيني، واللهِ ما عارفة يا حسين البت فيها إيه!

والثاني صعد إلى منزل صديقه، تسطح فوق الأريكة يشعل تبغه للمرة التي لا يعلم عددها، ينفثه بعدم راحة وهو يخرج معه همومه، ضحك بمرارة وهو يتذكر المنظر المهيب اليوم، والهيبة التي دخل بها والده! ضحك بنبرة عالية وهو يهتف بتعجب_:
_يابن الحرام! يا ابن الحرام!! قدرت تعمل كل الهيلمان دا من على قفا ال***** التانية! آه ياولاد ال****** يا***** وأنا هنا إللي عايش زي ولاد الشوارع!
8

زادت ضحكاته وهو يعتدل في جلسته يضرب كف على آخر بعدم تصديق"يعني دا أبويا! سبحان الله!! سبحان الله وأنا بجري بشتغل أي شغلانة تجيلي عشان أعرف اشتري شقة ولا أعرف أتجوز وأشوف واحدة ترضى بيا وبظروفي!"

أطفأ تبغه الرديء في المرمدة، وأخرج آخر عقب سيجار في العبوة! شرب عبوتان في أقل من يوم! بعدما رأه ورأى ثراءه أشتعلت نيران قلبه الذي حاول أن يخمدها لمرات عديدة، ونقم على حياته، وحقد على حياتهم، بدأ بالسعل بقوة، ووضع يديه فوق قفصه الصدري بوجعٍ وهو مازال يسعل، وباليد الآخرى مكمل في شرب عقبه لآخر نفس! بدون قصد دموعه تجمعت فوق عيونه تحجب عنه الرؤية، وبداخله متألم لا يستطيع الصمود، أمسك بهاتفه يكمل وجع قلبه، بحث عن اسم أخيه على تطبيق ال"انستجرام"الخاص بالصور والمقاطع التصويرية، لا يعلم شكل أخيه لأنه لم يراه إلا عندما كان طفل صغير، لكن فورًا وجد حسابه بسبب اسم الشركة المدون في حسابه، ولقب العائلة الشهير، وصورته مع أمه الذي نشرها منذ يومين فقط!

بدأ بعرض صورة صورة له، توسعت عيونه بدهشة! أخوه أفخم من النجوم الأغنياء! أخوه أفخم من النجم"أحمد عز" مهووس الفتيات! وطلته وصوره أفخم من طلات النجوم الذي يراهم في التلفاز، بالتأكيد إذا قدَّر الله ورأه سيظنه إنه خادم جديد عندهُ! أو يظنه عامل النظامة ويلقي له قمامته ويذهب بدون اكتراث!
5

نهض يرمق انعكاسه بالمرآة ويقيم بنظره بمنتهى الصدق مَن هو عمير ابن أغنى أغنياء مصر مجهول الهوية!!
والنتيجة كانت واضحة للعيان
شاب بلقب ابن شارع، ينفث التبغ أكثر مما يتنفس!
جاهل، خادم، ملامحه جميلة!
لكن جاء عليها الزمن وجعلها منطفئة حزينة
وبشرته البيضاء الجميلة أصبحت سمراء غريبة!
وبالمقابل ابن ابيه أجمل الرجال! وأصغر رجل أعمال!
4

وعى الآن لحاله وهو يحرك رأسه بهستريا، وردد بصوتٍ عالٍ"لاء ياعمير فوق كدا، أنت نسيت إنك أنت إللي بعدت عن كل دا بمزاجك! دا أنت بتتبرى تعترف إن دا أبوك في أي مقابلة، فوق ياعبيط، أنت إللي نسيت هويتك بنفسك".

أخرج بطاقته من محفظته، وقرأ الاسم لمرات عديدة باستغراب، يحفظ اسمه لكنه لا ينتبه له، واضح إنه نسى بالفعل هويته لدرجة إنه يردد الاسم فقط كالبغباء ونسى إنه ابنه فعلًا! أخذ عهد على نفسه منذ سنين كثيرة أنه سينسى كل شيء وبالفعل نجح وتخطى كل هذا! ونسى هويته! ونسى إنه عمير ابن أغنى أغنياء مِصر! وخدع الجميع بهوية ليست بهويته، ويقول إن أباه مات! وإنه يتيم! والجميع صدقه! ومن كذبه هو أيضًا صدَّق وهويته أصبحت هوية منسية! في الصباح فقط تذكر هويته! وإنه ابن هذا الرجل! عجيب الأمر! لكنه هكذا مستراح، مستراح بهويته الجديدة، وسيعمل ما بوسعه حتى يظل متناسي تلك الهوية الكاذبة الموضوعة في بطاقته الشخصية!
3

ابتسم لانعكاسه بصدق، والمال لن يغريه هو بالأساس يعلم غناء والده المبالغ به، ألقى قبلة لنفسه وهو يهتف بمرح"ياض دا إنت أوس أوس دا بالدنيا معاك، دا كفاية عمير ابن البلد الجدع إللي الكل بيحبه، دا كفاية دعوة أم عبير عليك!"
3

"_____"

تحولت عيونها إلى كتلة من الدماء، وتكورت على نفسها بخوفٍ، ضامة قدميها إلى صدرها باحتماء، تتأوه بنبرة خافتة باكية، سمعت أصوات فتح باب المرحاض لتنتفض برعبٍ جلي، تكومت أكثر على حالها وهي تبتعد إلى طرف السرير، سمعت جملته الساخرة_:
_مالك خايفة كدا ليه!

ارتجفت شفتيها وجميع جسدها ولم تتحدث، اقترب منها يلقي منشفة شعره بجانبها، وجلس بجانبها يسحبها من يديها، رمقته بارتياع، وهو رمى أمامها شريط طبي أقراص، سألته بنظرها ما هذا، وهو أجابها فورًا_:
_شريط منع حمل؛ مش عايزك تحملي زي إللي قبلك.

"أنا أصلًا إللي مستحيل أجيب عيل منك على الدنيا، عيل من واحد سادي مريض نفسي".
من وسط نوبة خوفها قالت جملتها بكرهٍ واضح، ضم شفتيه بآسى مصطنع، وسريعًا قبض على فكها بقساوة، يغرز أظافره في جلدها يقطعه، اعترض بكلماته_:
_تؤ تؤ ليه كدا! ما تخليكِ مطيعة عشان أحبك وأرضى عنك!

_هو مش إنت كنت بتحبني؟ ودخلت عليا بدور الراجل الشهم إللي عايز يكمل نص دينه ويتجوز ويستقر! وأنا صدقتك! صدقتك عشان شوفتك كويس!
سألته بجنون! ستجن منه! لا تعلم كيف حدث كل هذا! رد عليها ببساطة"ياقلبي وربي كنت بأفلم، أصلي غيرت أوي من حبك الواضح لابن عمي، وقولت خسارة جمالك دا يضيع من إيدي، وبس كدا ياستي اتجوزنا أهو."

أدمعت عيونها باضطراب، وانتفض جسدها أكثر وهي تهتف بخوفٍ"أنا عايزة أطلق، خلاص أنا ومعاذ مستحيل نرجع بعد كل حاجة حصلت، وإنت عملت كل حاجة عايزها، وبقالك أربع أيام بتمارس عليا ساديتك، وأنا تعبت، تعبت واللهِ".

نهت جملتها بعويل وهي تكتم وجهها بين يديها، سحب يديها بعيدًا عن وجهها، وأمرها بحدة"بقولك إيه أنا مش بحب العياط، وبعدين كلها كام شهر وأزهق وأرجعك لعيلتك، لكن أقسم بالله لو فكرتي تقولي أي حاجة لأهلك لا تروحي ليهم جثة هامدة، وبعدين أنتِ تطولي تبقي قاعدة معايا في مكان واحد!"

جاءت لتتحدث لكن هو أمسك بشريط منع الحمل وأخرج منه قرص صغير للغاية، وضعه في فمها عنوة، وبزجاجة المياه جعلها ترتشفها بقساوة، ابتلعتها وهي تبكي بصوتٍ مكتوم، وبدأت شهقاتها تزداد وهي تحاول كتمهم، صمتت للحظات وفكرت أن تستعطفه بعيونها وجملتها وهي تاريه جسدها_:
_طب بص يا سامر! بص الحزام معلم على جسمي إزاي! أنا مش زي البنات إللي عرفتهم قبل كدا وربنا ومش زي بنات أمريكا متعودين على الحاجات الوحشة دي، أنا عمري ما كنت أتخيل إن يحصلي كدا في أول أيام جوازي، أنا مستعدة أعيش معاك لحد ما تطلقني ماشي بس متعملش معايا كدا وأنا والله هسمع كلامك.
6

انفجر في الضحك بعد انتهاء جملتها، وهي رمقته بحيرة لا تفهم سبب الضحك، سألها باستنكار"هو إنتِ بريئة يادودي للدرجة دي؟ إنتِ طلعتي غلبانة أكتر ما كنت مفكر وربنا!"

سألته بنبرة خائبة الأمل"ليه يا سامر! واللهِ هقعد مؤدبة ومش هزعلك وولا هقول لماما وبابا أي حاجة."
قالت كلماتها بأمل بدأ يظهر، وهو حرك رأسه بيأس! الفتاة غبية بحق! استهزأ بحديثه"بس أنا مش عايزك مؤدبة، أنا عايزك".

أكمل جملته بعدة كلمات في أذنها، رمشت بأهدابها بذهول، وابتلعت لعابها باضطراب، وشعرت إن قلبها سيسقط أرضًا، اعترضت بحديثها المنفعل"أنا مش كدا، أنا ماما مربياني".

_بس أنا عايزك تبقي كدا ياروح ماما.
تهكم وسخر منها من جديد، وهي كانت ستتحدث من جديد لكن صياحه عليها فزعها"بقولك إيه مش عايز وجع دماغ! قومي استحمي يلا وغيري هدومك واعملي لينا أكل، وبلاش جدال كتير عشان كل ما تلُكِّي كتير كل ما هيزيد عقابك".

حركت رأسها بطاعة، ونهضت بتألم واضح على تعابير وجهها، دخلت المرحاض تجلس على حافة حوض الاستحمام، كتمت شهقاتها بيديها، أنهكت من ممارسة ساديته عليها، واغتصابها بوحاشة، إذا كانت فتاة آخرى لكانت ماتت في يديه لكن هي للآن صامدة! ليتها تموت بين يديه وتستريح من عذابها هذا! بعد نصف ساعة وقفت ترمق جسدها في المرآة! تحولت إلى حطام إمرأة، جسدها الذي سهرت قبل عدة أيام تزين فيه لزوجها العزيز دمره هو في أربع ليالي! ارتدت منامة حرير مكونة من معطف صيفي بذراع كامل وبنطال واسع من اللون الوردي الفاتح، خرجت من المرحاض ومن ثم خرجت إلى الردهة لتجده يجلس يشاهد أحد المباريات بتحمس مبالغ به!
1

_أنا عايزة مرهم لجسمي عشان بيوجعني.
تمتمت بعباراتها بخفوت وهي تقف أمامه منكمشة على نفسها، وهو رفض قاطع خرج من بين شفتيه"لاء ملوش لزوم، كدا كدا مش هيعمل حاجة".
1

تنهدت بتعب واضح، وترجته بحديثها المتعب"معلش أنا تعبانة، أنا مش متعودة على العيشة دي، أنا طول عمري مرفهة".

سألها بضيقٍ"وما جبتيش في جهازك ليه مرهم!"أجابته فورًا بدهشة"هو دا سؤال! ما عشان عمري ما كنت أتوقع إن أول أيام حياتي تبقا عذاب كدا وضرب ومهانة! ولا كان يجي في خيالي حتى!"

_غوري يا رودي دلوقتي عشان بتفرج على ماتش مهم.
حدثها بفظاظة، وهي سقطت دموعها مع رجوعها لغرفتها وهي تسأل ذاتها لماذا يفعل بها كل هذا! ليس مبرر! هي لم تأذيه بحياتها! ولم تفعل شيء سيء بحياتها حتى تعاقب بتلك الطريقة، توضأت وارتدت رداء الصلاة، تقف بين يد ربها تصلي قيام ليل كالعادة.. تشكيه ظلم عبده، وقلة حيلتها وضعفها، ودعت له بصلح حاله لكن حال المائل لا يُعدل ولا يصلح!!

"_______"

شريط عذابها دار أمام عيونها في ثانية، وكابوسها تجسد أمامها، لا تصدق إنه هو! وجملته الخبيثة رعبتها وهو يسحب ظرف من جانبها يضع في باقات الزهور، وقرأ بنبرة عالية مضمونه_:
_اشتقتلك! واو الجملة في محلها!

ألقى الظرف أسفل قدميه، ودهسه وهو يتقدم منها بجمود، وعيونه القاسية لا تحيد عنها، وقف أمام المتصنمة بينه وبينها سنتيمترات بسيطة، ورمى جملته الماكرة عليها"بس اتمدنا أهو فتحنا محل وعملنا موڤ أون! وجينا نسكن تحت بيت حبيب القلب!"

ازدردت لعابها بصعوبة، ووجهها تحول إلى أصفر تمامًا! وهو أكمل حديثه الدنيء"وحياتك مهما تعملي ما هتتجوزي حد بعدي، أنا كابوسك في الماضي والحاضر يادودي..."
21

"_______"

🙈🙈🙈خلص خلاص.
7

إيش رأيكم؟
1

وإيش توقعاتكم؟

إيه رأيكم في يونس وسما كعلاقة عامة ببعض؟
2

زينب وعمير؟
6

عمير وأبوه؟
3

رودينا وسامر؟
1

أخت معاذ؟
3

وتوقعاتكم لعمير؟
2

وزينب بردو؟



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات