رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة شلبي
بارت ( 8 ) ..
عمار نزل المطبخ..وبحركة هادية وسريعة حضر صينية أكل خفيفة عشان ليل تقدر تسند طولها وتاخد المسكن..شال الصينية وطلع خطواته على السلم بهدوء.. فتح الباب ودخل الأوضة..
بص ناحية السرير..لاقاها لسه قاعدة في مكانها زي ما سابها.. بس نامت من كتر العياط والتعب والإرهاق اللي هد جسمها.. دموعها كانت لسه ناشفة على خدودها..وشكلها وهي عاجزة بالجبس ولفافة الشاش اللي على راسها كان يوجع القلب.
بصلها بأسف وخوف حقيقي عليها..وحط صينية الأكل على الكنبة اللي جنب السرير.. مكنش هاين عليه يصحيها من نومها وهي مصدومة وتعبانة كده..بس فجأة افتكر كلام الدكتورة وتحذيرها ليه إنها لازم تاخد المضاد الحيوي والمسكن في وقته عشان جسمها ميسخنش.
قرب منها وبأطراف صوابعه بدأ يصحيها بالراحة خالص وهو بينطق اسمها بنبرة دافية..
_ ليل.. ليل قومي يلا عشان تاخدي علاجك.. فوقي معايا.
فتحت عينيها ببطء وبتعب شديد..وأول ما شافته قدامها اتخضت ثواني بقلم فاطمةشلبي وافتكرت كل اللي حصل..ساعدها تتعدل في مكانها وهي وسندت ضهرها على السرير وبتبص للأرض ومبتجيش عينها في عينه.
عمار جاب صينية الأكل وقعد على طرف السرير جنبها بالظبط.. واتكلم بنبرة هادية جداً..
_ أنا مكنتش عاوز أصحيكي خالص وأنتي مرتاحة كده.. بس لازم تاكلي لقمة عشان تاخدي علاجك.. الدكتورة أكدت عليا لازم المسكن عشان متسخنيش وتتعبي زيادة.. يلا.
ليل هزت راسها بهدوء واستسلام تام.. ومن غير أي عناد المرة دي عمار مسك المعلقة وبدأ يأكلها بإيده بحنان واهتمام كبير..
ليل أخدت علاجها والمسكن بدأ يسرى في جسمها..فغمرها النوم واستسلمت ليه تماماً..عمار غطاها بحنان..وسحب نفسه بهدوء وخرج من الأوضة ونزل تحت الصالة.. أول ما قعد بتعب وإرهاق لقى تليفونه بيرن وكان عاصم..
عمار رد بصوت يظهر عليه التعب والإجهاد..
_أيوه يا عاصم..
عاصم سأله بلهفة وقلق باين في نبرته..
= الأمور تمام عندك؟ طمني إيه اللي حصل في المستشفى؟ ليل عاملة إيه دلوقتي؟!
عمار رد بتنهيدة مليانة قلة حيلة..
_ عنادها وصلها لدراعها اللي اتكسر ده.. الدكتورة جبست لها دراعها وهتفضل بالجبس ده لمدة شهر كامل..ده غير جرح في راسها.. بس أهو أكلت وأخدت علاجها ونامت.
عاصم حس بضيق ونرفزة صاحبه والضغط اللي هو فيه..فحاول يهديه ويطبطب عليه بكلامه
= معلش يا عمار.. طول بالك واصبر عليها..أنتم الاتنين أصلاً طباعكم مختلفة وناشفة ليل عنيدة وإنت ربنا يعينك على الفترة الجاية.
عمار اتنفس بصعوبة وكأنه بيزيح جبل من على صدره..
_ يا رب يا عاصم.. يارب...المهم سيبك من ده كله واسمعني كويس في اللي هقولهولك ده.. أنا لما ليل كانت بتعمل الفحوصات والإشاعات..خليت الدكتورة تسحب منها عينة دم .
عاصم انتبه لكلامه..وعمار كمل بنبرة حاسمة وذكية..
_ عاوزك دلوقتي حالا تاخد الحاج سالم منصور وتروحوا على نفس المستشفى.. وتخليه يحلل عشان نعمل تحليل الـ (DNA) ونقطع الشك باليقين وبسرعة يا عاصم.. أنا مكلم الدكتورة هناك ومفهمها كل حاجة وهي مستنياكم.
عاصم لسانة اتلجم ومكانش عارف يشكر عمار ازاي على ذكاءه وسرعته في التصرف،د..وشهامته اللي بتثبت كل يوم إنه نعم الأخ والصاحب.. قفل معاه بسرعة ومضيعش ثانية واحدة..أخد أبوه سالم منصور وطاروا على المستشفى.
دخلوا للدكتورة اللي كانت مرتبة كل حاجة بناء على كلام عمار وسحبوا العينة من سالم منصور وعملوا التحليل المطلوب..
عاصم واقف على نار وسأل الدكتورة بلهفة .
_ النتيجة هتطلع إمتى يا دكتورة أرجوكي؟
الدكتورة ابتسمت بطمأنينة وقالت لهم..
= كل حاجة تمام يا جماعة.. أنا هخلص الإجراءات والمطابقة وهبلغ كابتن عمار بالنتيجة النهائية على بليل إن شاء الله.
_________________//________________//____________
وفي وقت الغداء..
الكل اتجمع حولين السفرة في بيت الشيخ منصور كان قاعد عاصم..وجنبه الشيخ منصور..والحاجة آمنة..وفيروز اللي كانت بتراقب ملامح جوزها المستهلكة في التفكير.
ساد الهدوء لثواني قبل ما الشيخ منصور يقطع الصمت..وبص لـ عاصم وسأله بنبرة حكيمة وثقيلة..
_ أخبار عمار إيه يا عاصم مع البنت اللي اتجوزها فجأة دي؟ لسه معرفش حكايتها وأهلها فين بالظبط؟!
عاصم اتعدل في قعدته وحاول يظهر منتهى الثبات ورد..
= عمار مقاليش على أي حاجة من اللي ناوي يعملها الفترة الجاية يا جدي .. بس أنا متأكد إن ليل دي بنت حلال وكويسة جداً وعمار راجل وهيقدر يتصرف في الموضوع ده بحكمته.
الشيخ منصور هز رأسه بهدوء وغموض..وقال..
— مش عارف ليه.. بس حاسس إن فيه حاجة غريبة ومش مريحة في الموضوع ده كله.
عاصم فتح بؤه وكان لسه هيتكلم ويطمن أبو.. بس الحاجة آمنة قاطعتهم وهي بتبتسم بتلقائية وراحة ظهرت على وشها فجأة..
— تعرف يا عاصم يا بني.. أنا أول ما شوفت البنت دي ودخلت بيتنا استريحت لها جداً ودخلت قلبي.. معرفش ليه حسيتها مش غريبة عننا..وكأني عارفاها من زمان!
عاصم أول ما سمع كلام أمه..ابتسامة عريضة وفرحة حقيقية نورت وشه..ومقدرش يداري فؤحته فيروز كانت قاعدة ومركزة عينيها عليه بقلم فاطمةشلبي..واستغربت جداً الفرحة المبالغ فيها اللي ظهرت على وش جوزها أول ما سيرة ليل جت!
عاصم رد بتأكيد ولهفة..
= ما أنا بقولك يا ماما.. ليل دي بنت كويسة ومحترمة أوي ويا بخته عمار بيها والله..ربنا يسعدهم.
هنا فيروز اتضايقت جداً.. والغيرة قادت في قلبها..وحطت المعلقة من إيدها وقالت بنبرة حادة ومستنكرة..
_ أنا مش فاهمة يعني.. إيه اللي مأكدلك إنها كويسة وملاك أوي كده يا عاصم؟ وإيه مبرر الفرحة دي كلها؟!
عاصم بصلها بهدوء وحاول يلم الموضوع..
= عشان اتعاملنا معاها في الشغل والمعسكر وبانت أصلها يا فيروز.. مش أكتر.
فيروز ردت بغيرة واضحة وصوت مخنوق..
— لأ.. فرحتك ولمعة عينك دي متقولش كده أبداً!
عاصم كان لسه هيرد.. بس فيروز مقدرتش تتحمل ثانية واحدة زيادة..قامت من على الأكل وسابت السفرة وطلعت على أوضتها وهي على آحرها.
الشيخ منصور بصله بنظرة عتاب حاسمة وقاله..
_ ابقى خلي بالك وإنت بتتكلم قدام مرتك عن حد غريب يا عاصم.. بلاش تزعلها .
عاصم اتنهد بضيق..
= بس ليل مش غريبة... دي مرات أخوها وعمار صاحبي.. وبعدين أنا مقولتش حاجة غلط عشان كل ده يحصل!
الحاجة آمنة طبطبت على دراعه بحنان وقالتله..
_ معلش يا بني.. قوم وراها وراضيها بلاش تكسر بخاطرها دي لسه عروسة جديدة وبعدين غيرتها عليك دي دليل حبها.. اطلعلها.
عاصم طلع لفيروز بسرعة..فتح الباب لقاها قاعدة على طرف السرير ملامحها باهتة ومجروحة.. قرب منها وحاول يمسك إيدها بحنان..
_ فيروز.. يا حبيبتي.. ليه كل ده؟ أنا والله ما قصدي أضايقك ولا فيه أي حاجة من اللي في دماغك دي.
فيروز سحبت إيدها بسرعة وبصت له بدموع..
= لا يا عاصم.. فيه! فيه حاجات كتير اتغيرت من وقت ما عمار اتجوز البنت دي..وكلامك عنها غريب ومبالغ فيه.. أنت بقيت بتهتم بأخبارها وبتهتم برأيي فيها أكتر مني!
عاصم حس بوجع قلبه لأنه عارف إنها معذورة..كان نفسه يصرخ ويقولها اللي بيحصل ..بس كلمة "النتيجة" كانت مجمداه في مكانه..كان مرعوب يفرحها وبعدين يطلع شكوكهم غلط..أو إن النتيجة تكون عكس اللي بيتمناه.
اتكلم بنبرة كلها رجاء..
_ والله يا فيروز يا حبيبتي إنتي فاهمة غلط.. كل الموضوع إن فيه أمور أنا مش قادر أتكلم فيها دلوقتي.. ثقي فيا ثقي في جوزك..!
فيروز قامت وقفت ووشها احمر من الغيظ..
= لا مش قادرة أثق لما يكون جوزي مخبي عليا وبيلمح بصفات واحدة تانية قدامي!.. أنا مفيش كلام يتقال بيني وبينك دلوقتي.
عاصم حاول يمسك إيدها بس هي زقت إيده بضيق وعصبية وبدأت المشكلة تكبر وتتحول لخناقة ..وصوتهم بدأ يعلى.. عاصم في لحظة غضب وضيق من نفسه ومن الموقف الصعب اللي هو فيه نفض إيده بضيق وقال..
_ تمام يا فيروز.. براحتك، لما تهدي نبقى نتكلم.
سحب نفسه وخرج من الأوضة وهو بيغلي من جواه.. نزل للسلم بخطوات تقيلة..وخرج من البيت كله .
_______________//________________//______________
مرت ساعات الليل ثقيلة وهادية..
بدأت ليل تفوق من نومها ببطء..أثر المسكن كان لسه مخلي جسمها هلكان.. والصداع بينبض في راسها.. فتحت عينيها بتعب،. ودورت بنظراتها في الأوضة لحد ما وقعت عينيها على الكنبة..
لقت عمار نايم عليها بوضعية مش مريحة..وكان باين على ملامحه الإرهاق والتعب الشديد..وإنه منامش بقاله كتير بسببها.. ليل بصلته بوجع وأسف..وحست بغصة في قلبها على شكله وهو مستهلك كده.. بقلم فاطمةشلبي محبتش تعمل أي دوشة في الأوضة أو تصحيه من النوم .. قامت من على السرير بمنتهى الهدوء وسندت دراعها المتجبس بإيدها السليمة.. وانسحبت برا الأوضة ونزلت تحت في الصالة وهي بتتحرك بخطوات خفيفة عشان تسيبه يرتاح.
بعد وقت مكانش طويل..
عمار صحي من نومه فجأة وبشكل تلقائي بص ناحية السرير.. ملقاش ليل! قلبه اتنفض وقلق وخوفه عليها صحيوا في ثانية.. وكان لسه هيقوم من على الكنبة عشان ينزل تحت يدور عليها ويشوفها راحت فين.. بس وقفه في مكانه صوت رنة رسالة سريعة على تليفونه.
عمار مد إيده وسحب التليفون وفتحه بسرعة.. وكانت الرسالة من الدكتورة اللي في المستشفى..وبعتتله فيها ملف "نتيجة التحاليل".. عمار حبس أنفاسه وهو بيفتح الملف.. وعينيه برقت بصدمة لجمت لسانه وثبتت حركته..
الصدمة كانت فوق استيعابه.." النتيجة إيجابية ".. ليل.. ليل فعلاً بنت سالم منصور! يعني ليل أخت عاصم.
عمار دماغه وقفت تماماً عن التفكير..وأفكاره بدأت تخبط في بعضها.. مبقاش عارف يعمل إيه؟ ينزل يصرخ ويقول لـ ليل على الحقيقة حالا؟ ولا يخبي عليها الفترة دي؟!!
دقايق من الحيرة مرت عليه لحد ما عقله الرجولي الحاسم رجعله..وقرر إنه لازم يخبي عليها دلوقتي.. مش هيقولها غير لما يجيب "نهال" قدام ليل ويخليها تعترف بالحقيقة كاملة وبكل كدبها القديم ويكون في إيده الدليل القاطع..وبكده الأمور تبقى واضحة قدام البنت الغلبانة دي من غير ما تتصدم صدمة تانية فوق طاقتها.
بس قطع تفكيره وهدير عقله.. دخول ليل الأوضة فجأة!
عمار قفل تليفونه بسرعة وخباه..وقام وقف وبصلها بقلق حقيقي حاول يداريه ورا ملامحه الجامدة..
_ ليل!.. إيه اللي نزلك تحت؟ أنتي كويسة دلوقتي؟! حاسة بأي تعب؟!
ليل بصتله بهدوء تام.. ونظرات العناد اللي كانت في عينيها اختفت وردت بصوت مخنوق شوية..
= أنا كويسة مفيش حاجة الحمد لله.. بس أنا محبتش أعمل أي إزعاج هنا في الأوضة..شوفتك نايم ..فسيبتك نايم براحتك ونزلت عشان متصحاش.
عمار فضل باصص لوشها ثواني..حس إن النظرة ليها بقا لها طعم تاني..أخت صاحب عمره بقت مراته!.. بلع ريقه بهدوء وقرب منها خطوة وهو ناوي يسرع خيوط اللعبة عشان يرجع حقها .
عمار لما اتأكد إنها كويسة ..اتنفس براحة وبصلها وقال بنبرة هادية...
_ طيب يا ليل.. أنا هانزل دلوقتي حالا أجيب شوية طلبات وحاجات ناقصة للبيت..مش هأتأخر عليكي.. ارتاحي أنتي.
ليل هزت راسها بهدوء..وعمار سابها ونزل.. بس هو مكانش نازل يجيب طلبات..هو كان بيموت في الثانية ألف مرة وعاوز يطير لصاحب عمره.
أول ما ركب عربيته..اتصل بعاصم وطلب يقابله فوراً في نفس المكان..وفعلاً دقايق وكان عاصم واقف قدامه..عمار مد إيده بالتليفون بقلم فاطمةشلبي ووراه نتيجة التحاليل اللي بعتتها الدكتورة.. عاصم عينه وسعت.. والدموع لمعت في عينه وهو مش مصدق.. أخته عايشة ومعاهم في نفس المكان..!
عاصم مقدرش يخبي ولا ثانية..وجري عرف أبوه الحاج سالم منصور الحقيقة.. سالم لما شاف النتيجة..دموعه نزلت بعد سنين العذاب والقهر وحس إن روحه ردت فيه..وقال بصوت حاسم وعين بتلمع بالوعيد..
_ خلاص يا عاصم.. جه الوقت اللي لازم أقابل فيه نهال وأقف قدامها.. جه الوقت اللي أصلح فيه كل حاجة حصلت زمان وبنتي هترجع لحضني.
وفي نفس الوقت.. عمار سابهم ورجع على البيت عشان ميسيبش ليل لوحدها كتير..
أول ما قرب من البيت..فرمل عربيتة بعنف ونزل.. ولمح الصدمة اللي شلت حركته.. باب البيت مفتوح ..!
الرعب دب في قلب عمار وفكرة إن عمها "إيهاب الألفي" نفذ تهديده ورجع خدها وهي مكسورة وعاجزة جننته.. دخل البيت جري زي المجنون..وعينه بتدور في الصالة الفاضية وطلع على السلم وهو بينده بأعلى صوت عنده وهز أركان المكان..
= لـيـيييـل!... ليل أنتِ فين؟! لـيـييـل!
لف البيت فوق وتحت بس الأوض كانت فاضية.. ومجاش أي رد... البيت كان غرقان في صمت مرعب وليل مالهاش أي أثر..!
_______________//_________________//______________
في مكان مهجور..مقطوع وبعيد جداً عن عيون عمار وعن أي حد ممكن يوصلهم في سيناء.. مكان غرقان في السكوت والضلمة ..
بدأت ليل تفتح عينيها ببطء شديد..الرؤية كانت مشوشة قدامها والصداع في راسها كان هيموتها وأثر الخبطة والمسكن لسه مأثر عليها...حاولت تتحرك بس مقدرتش..بصت حواليها برعب وهي مش شايفة غير ضلمة وكأنها في كابوس مش قادرة تصحى منه.
فجأة..! سمعت صوت مفتاح في الباب واتفتح بقوة ودخل منه خيط نور منور ضئيل.. ودخلت معاه نهال!
ليل أول ما عينيها وقعت على ملامح أمها الصدمة شلت لسانها.. برقت عينيها بذهول..ونطقت بصوت متحشرج ومصدوم ومش مصدقة..
_ ماما؟! أنتي.. أنتي جيباني هنا ليه!!! وعملتي كده ليه جايباني في المكان ده ليه؟!
نهال قفلت الباب وراها.. وبصتلها بضيق شديد ملوش حدود.. وملامحها كانت خالية من أي حنان أو شفقة.. وقالت بنبرة حادة وقاطعة..
= أنتي عاوزاني أسيبك تضيعي اللي أنا عملته وبنيته بقالي سنين طويلة؟! ..تبقى بتحلمي يا ليل! بتحلمي لو فاكرة إني هسيبك تتهدي كل حاجة فوق دماغي!
ليل كانت بتترعش من الخوف والوجع..وصرخت بدموع..
_ أنا ضيعت إيه؟ أنا عملتلك إيه عشان تحبسيني في الضلمة وأنا مكسورة وتعبانة كده؟! رجعيني لعمار يا ماما!
نهال جزت على سنانها وقربت منها وعينيها مليانة شر وأنانية..
= عمار إيه وزفت إيه! أنتي هتفضلي قدامي هنا وتحت عيني وانسى.. انسى بقلم فاطمةشلبي خالص إنك ترجعي تاني للمكان اللي كنتي فيه ده ولا هتشوفي وش عمار الجبالي ده تاني لحد ما نغور من هنا ونرجع القاهرة وحسابي معاكي بعدين!
سابتها نهال وخرجت ورزعت الباب وراها.. ورجعت الأوضة ضلمة كحل تاني.. وليل انهارت في العياط وهي بتصرخ باسم عمار في وسط الضلمة.. مش قادرة تستوعب إن أمها هي اللي بتعمل فيها كده!
عمار كان بيلف في نص الصالة زي الديب الجريح..إيديه على راسه وأنفاسه بتطلع بـ حرقان..وعقله مش ملاحق على سيناريوهات الرعب اللي بتتحدف في دماغه.
سالم منصور وعاصم كانوا واقفين معاه في البيت..والكل على آخره.. عمار ضرب الحيطة بقبضة إيده وزعق بصوت مخنوق مليان ندم وكسرة..
= أنا السبب.. أنا اللي غبي! إني سبتها لوحدها ونزلت.. لو كنت فضلت جنبها ومتحركتش مكانش حصل كل ده ومكنش حد لمس شعرة منها وهي كده ؟!!
ا سالم منصور رغم ناره القايدة على بنته اللي لسه عارف طريقها دلوقتي بص لـ عمار بنظرة لوم عاتبة، ونطق بصوت ثقيل..
_ دي الأمانة يا ابن الجبالي.. عطيناك أمانتنا ومحافظتش عليها!
الكلمة نزلت على عمار زي مية النار..حرقت كبريائه ورجولته وعصبته لدرجة إنه ملقاش نفسه غير وهو بيقف في وش سالم وعينيه بتطق شرار.. وزعق بعصبية وتحدي..
= أمانة إيه اللي بتتكلم عنها دلوقتي يا حاج سالم؟! لو مش أنا.. مكنتش أنت أصلاً لقيت بنتك ولا عرفت طريقها ولا شوفت نتيجة التحليل دي! متجيش دلوقتي تلومني وتحاسبني.. دي مراتي! مراتي أنا.. وأنا اللي هعرف أرجعها وأجيبها بطريقتي ومش هستنى كلمة من حد!
الأجواء اتهربت وبقت على شفا انفجار..وعمار وسالم واقفين قصاد بعض والشرار متطاير بين عيونهم..
هنا عاصم دخل في النص بسرعة.. وحط إيده على صدر عمار وإيد على كتف أبوه..وحاول يهدي الأمور بينهم قبل ما تكبر وتتحول لخناقة تخرب الدنيا..وقال بصوت حازم..
_ صلوا على النبي يا جماعة مش كده! مش وقته خالص الكلام ده.. إحنا في مصيبة..وعمار ملوش ذنب!!..وأنت يا عمار طول بالك الراجل محروق دمه على بنته.. تعالوا نفكر ليل راحت فين وبلاش نضيع وقت في الخناق..!
عمار لف وشه بضيق ونفخ بعنف وهو بيحاول يسيطر على شياطينه..وعقله بدأ يرجع يربط الخيوط من تاني.. ويشوف هيتصرف ازاي ..
__________________//__________________//___________
مر شهرين كاملين..
طول الفترة دي... عمار وعاصم قالبين الدنيا.. ومفيش سكة ولا طريق ولا خيط واحد يوصلهم لـ ليل .. فص ملح وداب..ونهال اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها هي والبنت.
طول الشهرين دول..حالة عمار كانت لا يرثى لها مبقاش ينام ملامحه باهتة.. عينه دبلت.. وعاصم مكانش أحسن منه.. كان تايه وشارد طول الوقت.. فيروز كانت قاعدة وشايفة جوزها بيموت قدامها من التفكير والهم.. وبتموت من الغيرة والحيرة لأنها مش فاهمة إيه سر الحالة اللي هو فيها دي.. وإيه سر حرقة دم عاصم المبالغ فيها على "مرات عمار"..!!
في يوم.. فيروز قررت تروح لـ عمار عشان تطمن عليه وتحاول تفهم..!
دخلت الأوضة.. لاقت عمار قاعد وراسه بين إيديه..وشكله يوجع القلب.. قربت منه وبدأت تكلمه بنبرة دافية وبتحاول تهديه..
_ معلش يا عمار..إن شاء الله هتظهر وترجع.. بس أنت لازم تاخد بالك من نفسك حالتك دي متسرش حد أبداً.
سكتت شوية.. وملامحها كلها ضيق وحزن.. وكملت..
_أنا بجد مش فاهمة إيه اللي بيحصل معاكم.. عمار أنت حالتك مش ولابد.. وعاصم كمان بقاله شهرين على طول شارد وساكت ومبيكلمنيش غير وعقله مش معايا خالص.. أنا مبقتش عارفة أعمل إيه!
عمار رفع راسه وبصلها بتركيز.. لمح في عيون أخته ضيق حقيقي..وفهم على طول إن نار الشك والغيرة بتاكل في قلبها من ناحية جوزها عاصم.. عمار محبش يزود الشك في قلب أخته ولا هان عليه بقلم فاطمةشلبي يسيبها محتارة كده فقرر إن جه الوقت اللي لازم ترتاح فيه وتعرف الحقيقة.
بصلها بهدوء ونطق بصوت مبحوح .
= حقه يا فيروز.. حقه يكون شارد وتايه والهم واكله كده.
فيروز بصتله بعدم فهم واستغراب..
_ حقه ازاي يا عمار؟ مش فاهمة.. هو عاصم ماله ومال ليل للدرجة دي عشان يتكسر كده؟!
عمار اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع.. واتكلم بصوت هادي وحاسم..
= عاصم بقاله فترة كبيرة.. عرف إن ليه أخت غايبة وكان بيدور عليها في السر بدم قلبه.. واللي متعرفهوش يا فيروز وإن الصدمة الكبيرة لينا كلنا.. إن ليل دي تطلع هي أخته اللي كان بيدور عليها!
فيروز كانت الصدمة محتلة وشها ..
= أيوه يا فيروز.. ليل تبقى أخت عاصم وبنت الحاج سالم منصور.. وبعد ما اتأكدنا وعملنا التحاليل وطلع الكلام صح تضيع من قدامه ومن بين إيدينا في نفس الليلة!.. حقه يبقى تايه ودمه محروق دي أخته اللي اتحرم منها سنين.. والمشكلة الأكبر بقا إن عاصم مش عارف يقول الموضوع ده للشيخ منصور لحد دلوقتي عشان أنتي عارفة إن الشيخ منصور مقاطع الحاج سالم ابنه وعاصم خايف من رد فعله..!
فيروز رجعت بيتها.. وخطواتها كانت تقيلة من حجم الصدمة والسر اللي عرفته من عمار.. طلعت السلم وقلبها بيدق بسرعة فتحت باب الأوضة بهدوء..
لاقت عاصم قاعد في ركن الأوضة.. ضهر مفرود بس ملامحه مكسورة وعينيه سرحانة في الفراغ كالعادة..أول ما حس بحركتها..انتبه ليها ورفع عينه وبصوت باهت تعبان نطق..
_ حمد الله على السلامة يا فيروز.. خرجتي ليه لوحدك من غير ما تقوليلي؟ مش قولنا ميت مرة بلاش خروج من غير علمي عشان الأوضاع اللي إحنا فيها؟
فيروز قربت منه..ونظرة العتاب أو الضيق اللي كانت بتعامله بيها طول الشهرين اختفت تماماً... فركت إيدها بتوتر واعتذرت بصوت واطي..
= محبتش أضايقك يا عاصم.. شوفتك تعبان ومهموم فقلت أنزل ومزعجكش.
عاصم بصلها وسكت..رجع اتنهد ولف وشه الناحية التانية وهو مش قادر حتى يجادل أو يعاتب.. فيروز فضلت واقفة قدامه بزعل حقيقي عليه وعلى حالته اللي بتسوء كل يوم دموعها لمعت في عينيها وهي شايفاه بيموت بالبطيئ ونطقت بنبرة كلها رجاء
_ "عاصم.."
رد عليها ببرود وجفاء وهو لسه باصص بعيد..
= نعم يا فيروز.. فيه حاجة؟
فيروز أخدت خطوة وقعدت على ركبتها قدامه.. مسكت إيده اللي كانت ساندة على ركبته.. وقالت بدموع ونبرة حنينة قطعت صمته..
_ أنت ليه مقولتليش الحقيقة يا عاصم؟.. ليه شايل الهم والموضوع الصعب ده كله لوحدك طول الشهرين دول ومخبي عليا؟!!
عاصم اتسمر في مكانه..ولف وشه ليها بسرعة.. النظرة اللي في عيونها.. والنبرة دي.. خلته يفهم في ثانية إن عمار حكى لأخته كل حاجة عشان يريح قلبها وينهي الخلاف اللي بينهم..!
بصلها بتركيز وعينيه لمعت بوجع ماليان قهر وقبل ما يحاول يداري أو يكابر..تنهيدة طويلة ومحروقة طلعت من وسط ضلوعه ونطق بصدق وصوت مبحوح هز كيانها..
= أنا تايه أصلاً يا فيروز.. تايه ومش شايف قدامي..
كلامه كان اعتراف بضعفه لأول مرة قدام مراته..حس إنه خلاص مش قادر يمثل القوة أكتر من كده وأخته اللي ضاعت في نفس الليلة اللي عرف فيها الحقيقة خلته خلاص معدش قادر يسكت.
_________________//__________________//___________
بعد مرور شهرين كاملين في المخبأ المهجور اللي ليل محبوسة فيه..
فتحت نهال باب الأوضة ودخلت لـ ليل ببرود وهي بتشوفها طالبة إيه أو ناقصها إيه من الأكل والشرب..؟
ليل بصت لأمها بتعب شديد وإرهاق هد حيلها ورفعت دراعها المتجبس ونطقت بضيق وزهق..
_ أنتي سايبة الجبس في إيدي بقاله شهرين ..! الدكتورة في المستشفى كانت قايلة لي هو شهر واحد وافكه أنا خلاص مبقتش متحملاه وعاوزة أفك الزفت ده حالا..!
ليل مكانتش عاجزة ولا غبية.. هي كانت تقدر بـ إيدها السليمة وبأي آلة حادة تخلي أي حد يفكه..أو حتى تفكه لنفسها.. بس هي طلبت دكتور بـ خبث وذكاء عشان يدخل المكان حد غريب وتقدر تعمل أي حاجة أو تديله علامة تساعدها تخرج وتطير من السجن ده..!
لكن اللي ليل متعرفهوش.. إن طلبها ده كان هو فعلاً أول خيط في سلامة الوصول ليها..!
عمار طول الشهرين دول كان مخلي رجالة مخصصة في الاتصالات تتابع خط ليل ونهال ليل نهار.. لعل وعسى حد فيهم يغلط ويفتح تليفونه ثانية واحدة يحدد بيها مكانهم..بس للأسف طول الشهرين الخطوط كانت ميتة ومقفولة تماماً.
لكن طلب ليل وإصرارها على الدكتور..خلى نهال تقع في الفخ.. اضطرت تحت ضغط بنتها إنها تطلع تليفونها وتفتحه ورنت على إيهاب الألفي بسرعة عشان تطلب منه يجيب لها دكتور يكون "أمان" وسره في بير عشان ييجي المخبأ يشوف ليل ويفك الجبس.
وفي اللحظة دي بالظبط.. وفي مركز الاتصالات..جهاز المراقبة صفر بعنف!
الإشارة لقطت والشبكة حددت الموقع بدقة متناهية للمكان البعيد والمستخبي اللي ليل موجودة فيه..
عمار فجأة تليفونه رن شاله بسرعة وجاله الصوت من الطرف التاني بلهفة..
= كابتن عمار!.. اجهز الإشارة لقطت حالا وحددنا مكان هبعتلك الإحداثيات فورا.
عمار في ثانية وقف على حيله..وعينيه اللي كان مسيطر عليها التعب طق منها شرار الغضب والوعيد ونبض قلبه رجع يدق بعنف بعد شهرين موت.. الصياد لقى طريقه والجبالي هيهد المكان فوق دماغ اللي لمس مراته!
مفاتش كتير.. الوقت كان بيجري كأنه ثواني معدودة.. والإعصار كان بيمد خطاويه على الأرض.
عمار وعاصم..ومعاهم الحاج سالم منصور ورجالة مسلحة من رجاله اللي بيثق فيهم..كانوا راكبين العربيات وطايرين بأقصى سرعة للمكان البعيد والمقطوع اللي حددته أجهزة الاتصالات لعمار.. الكل حابس أنفاسه.. وعمار إيديه على الدريكسيون بتعصره من فرط الغضب والوعيد.
وفي نفس الوقت ده جوه البيت المهجور..
كان إيهاب الألفي وصل ومعه الدكتور اللي اتفقت معاه نهال.. الدكتور دخل الأوضة وبدأ يفك الجبس من على دراع ليل.. أول ما الجبس اتشال.. بقلم فاطمةشلبي ليل غمت عينيها بوجع.. وأنين مكتوم طلع من بين سنانها.. دراعها كان منمل..ضعيف ومش قادرة تحركه ولا ترفعه بسبب ركنة الشهرين.
بس عمها إيهاب مسابش فرصة واحدة للبنت تتنفس فيها!
أول ما الدكتور خرج من الأوضة إيهاب سحب كرسى وقعد قدام ليل وبمنتهى الجبروت والبرود..طلع من جيبه دفاتر أوراق وتنازلات وحط القلم في إيدها الضعيفة المكسورة ونطق بنبرة فيها تهديد ووعيد..
_ امضي هنا يا ليل.. وعلى كل ورقة هحطهالك قدامك.. مفيش وقت نضيعه ..!
ليل بصت للورق بدموع وبصت لأمها نهال اللي كانت واقفة بعيد بتبص بضيق .. ليل حست بغصة المرار في حلقها دراعها كان بيترعش ومش قادرة تمسك القلم بس جزت على سنانها.. وضغطت على وجعها وقامت ممضية على كل التنازلات.
ليل مكانتش غبية..! بس عملت كده عشان تشتري حريتها.. عملت كده عشان ميبقاش في إيدهم أي سبب يخليهم ياخدوها بعيد عن عمار وبعيد عن أهلها تاني بسببه..!
إيهاب سحب الأوراق وهو بيضحك بانتصار وجشع وعينيه بتلمع بالشر .
________________//________________//______________
عمار كان واقف على بعد أمتار من البيت.. عينه بتفحص المكان كأنه صقر لف وبص لعاصم وقال بنبرة جادة وقاطعة مفيهاش مجال للنقاش..
_ أنا هدخل الأول أخرج ليل.. محدش ييجي ورايا يا عاصم.
عاصم مكانش عاوز يسيبه لوحده يدخل عش الدبابير ده وخوفه على صاحبه وعلى أخته كان هيموته بس إصرار عمار وثقته خلوه يوافق مجبر.. حط إيده على كتفه وقاله
= هستنى منك إشارة أول ما تخلص ليل وتأمنها.. اديني الإشارة وهنجيلك فوراً..وليل هتبقى في أمان معانا بره..روح يا صاحبي ربنا معاك.
عمار هز رأسه بثقة وثبات.. وانسحب بخطوات سريعة وخفيفة زي الضل.. دخل البيت من غير ما حد يحس بوجوده خالص وفضل يفتش في الممرات والأوض الضلمة..لحد ما عينيه وقعت عليها..
ولمح ليل! ..كانت مربوطة في الكرسي ملامحها دبلانة شكلها مجهد من عذاب شهرين.. عمار أول ما شافها في الوضع ده دمه فار في عروقه ونار جهنم قادت في قلبه بس حبس غضبه ومحبش يتهور عشان يخرجها سليمة.
وفجأة.. وقبل ما يوصلها اتفاجئ باتنين من الرجالة اللي كانوا مراقبين ليل وحارسين الأوضة واقفين قدامه!
الرجالة ملحقوش ينطقوا..عمار هجم عليهم كالإعصار ودخل معاهم بقلم فاطمةشلبي في اشتباك عنيف وقاتل.. ضرب تكسير عظام قلب الأوضة ليل سمعت الدوشة والضرب برعب.. رفعت عينيها بتعب وبصت حواليها.. ولقت عمار!
عين ليل لمعت ببريق أمل ملوش حدود بعد شهرين عذاب روحتها ردت فيها لما شافته بس الخوف عليه غسل قلبها في ثانية.. لأنها عارفة إن إيهاب عمها هنا هو ورجالته المسلحين..!
عمار خلص على الاتنين ونيمهم في الأرض غرقانين في دمهم ودخل لـ ليل بسرعة الصاروخ.. وبدأ يفك الحبال من عليها بإيديه اللي بترتعش من اللهفة..عمار كان بيتكلم بسرعة وبأنفاس ملاحقة..
_ متخافيش يا ليل.. مفيش وقت دلوقتي للكلام خالص.. أنا هخرجك حالا لـ عاصم برا هو مستنينا ورجالته معاه.. إياكي إياكي تدخلي تاني هنا مهما حصل اسمعي الكلام واخرجي لحد ما أجيب لك حقك .
ليل مكنتش قادرة تنطق..دموعها كانت بتنزل زي الشلال على وشها من الفرحة والخوف.. هزت رأسها بموافقة وهي جسمها كله بيترعش من الوجع والصدمة.
عمار فكها وسندها وخباها ورا ضهره وبدأ يتحرك بيها بخطوات حذرة عشان يخرجها من الممر المظلم للباب.. بس لثواني الأمل اتبخر!
وقف عمار في مكانه كأنه صخرة.. وعينيه ضيقت بشر.. لقى إيهاب الألفي ورجالته المسلحين..ووراهم نهال واقفين في الممر وسادين طريق الخروج تماماً.. إيهاب كان ماسك سلاحه وبيبتسم بشماتة..
= نورت يا ابن الجبالي.. فاكرها سايبة ولا إيه؟!
عمار في ثانية مفكرش..ومن غير ما حد من اللي واقفين ياخد باله كانت إيديه ورا ضهره و صباعه ضغط على زرار الإشارة لعاصم برا عشان يدخل هو وسالم والرجالة اللي معاهم.
عمار ثبت نظراته القاتلة على إيهاب وبدأ يتكلم معاه ببرود وثقة عشان يشتت انتباهه وميركزش في أي حركة أو صوت جاي من برا رد عليه بتحدي..
_ كنت فاكر إني مش هقدر أوصلكم يا إيهاب؟.. ابن الجبالي لما بيعوز حاجة بيجيبها من تحت طقاطيق الأرض!
إيهاب ضحك بشر وعينيه طق منها الغدر..
= مش هتستفيد حاجة بمجيتك دي يا جبالي.. عشان ببساطة أنتوا الاتنين مش هتخرجوا من هنا عايشين!
عمار بصله من فوق لتحت وابتسم بتحدي وثبات يقهر:
_ بتحلم.. و عشم إبليس في الجنة يا ألفي.
إيهاب ملامحه اسودت وشاور لرجالته بغل..
= خلصوا الموضوع..
بس قبل ما حد من رجالة إيهاب يتحرك خطوة واحدة المكان كله اتقلب جحيم..
الباب الخارجي اتهد وعاصم اقتحم المكان هو واللي معاه وبدأت مجزرة حرفياً.. صوت ضرب نار تكسير.. وضرب متبادل وعنيف قلب البيت المقطوع لساحة حرب.
عمار استغل الهرج والضرب اللي دار وفي لمح البصر شد ليل اللي كانت بقلم فاطمةشلبي بتصرخ وخرج بيها بسرعة الصاروخ من وسط المعمعة لبرا البيت...بس نهال لقطتهم بعينيها وجريت وراهم وهي مشوشة ومش فاهمة حاجة..
عمار كان بيجري وهو عينه بتدور بلهفة في وسط العربيات برا على سالم.. عشان يأمن ليل معاه ويرجع للي جوا... وفعلاً لقاه واقف ورا عربية ومتابع الوضع بحذر..نهال في اللحظة دي كانت بتمد خطوتها وراه وعينها على ليل..
عمار وصل ليل للحاج سالم..وحط إيد البنت الضعيفة اللي بترتعش في إيده وهو بينهج ونطق بقوة..
_ ليل دلوقتي في أمان معاك ..خدها في عربيتك ومتمشيش من غير رجالة!
سالم منصور مكنش شايف قدامه من كتر الغضب..وعينه كانت على الباب مستني عاصم.. وفجأة!
صوت رن في المكان صوت كان كفيل يوقف الدم في عروق الحاج سالم.. سمعوا صوت نهال واقفة وراهم بـ ملامح بيضا زي الأموات ونطقت بذهول وصدمة زلزلت الأرض تحت رجليها..
= "سـ.. سـالـم!!! "
_________________//_______________//______________
جوا البيت..الأصوات بدأت تهدى تدريجياً لحد ما ساد السكون.. عاصم والرجالة اللي معاه كانوا خلاص خلصوا على رجالة إيهاب الألفي تماماً.. ومش بس كده.. عاصم بـكل غل وقوة سحل إيهاب في إيده وخرج بيه برا البيت لعمار..وهو متكتف بين الرجالة زي الديب الجريح اللي فقد كل مخالبه.. وفي نفس الوقت..رجالة الحاج سالم حاصروا نهال ومسكوها ومنعوها من الحركة.
ليل كانت واقفة في النص.. عينيها بتلف بين الوشوش بذهول وتوهان..مش فاهمة أي حاجة من اللي بتحصل حواليها.. بس وسط كل الدوشة دي ليل مكانتش خايفة.. كانت واثقة ومطمنة من جواها إن طالما عمار واقف جنبها وموجود يبقى هي في أمان ومفيش مخلوق هيقدر يمسها.
عمار حس برعشة إيدها.. بصلها بنظرة دافية مليانة حنان وضغط على كف إيدها السليمة بقوة يطمنها.
سالم منصور كان واقف وعينه كانت مصوبة على نهال بـ غل وقهر السنين اللي فاتت كلها..وبص لها ونطق بصوت تقيل..
_ الدنيا ضيقة أوي يا نهال.. في الآخر لفت الأيام وبقيتي واقفة قدام مني.. وبنتي معايا وفي حضني وأنتي واقفة لوحدك مكسورة!
نهال ملامحها اتشنجت بالرعب.. وصرخت بـ غل وحقد هستيري وهي بتهز راسها برفض..
= دي مش بنتك!! قولتلك بنتك ماتت من زمان.. ماتت! ليه مش عاوز تصدقني وتريح نفسك وتفارقنا؟!
سالم منصور ملامحه اسودت من الغضب ورفع إيده وشاور لواحد من رجالته.. الراجل قرب بسرعة ومد إيده بالحفظة اللي فيها نتيجة تحاليل الـ DNA اللي عمار عملها.
ليل شهقت بصدمة وعينيها وسعت وهي بتبص لـ عمار مش فاهمة إيه التحاليل دي واتعملت امتى ؟؟ عمار بصلها وهز راسه بهدوء وهو لسه ماسك إيدها بيطمنها..
سالم مسك ورقة التحليل.. وفردها بقوة وصرخ في وش نهال بصوت زلزل المكان كله..
_ لسه بتكدبي؟! بقالك 25 سنة مكتفتيش من كدبك وظلمك وقسوتك؟! الورقة دي بتقطع لسانك.. ليل تبقى بنتي.. بنتي أنا يا نهال.
الكلمة نزلت على ليل زي الصاعقة..دموعها هربت من عينيها وبصت لـ عمار بذهول وهي مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي واقف بقلم فاطمةشلبي قدامها ده.. يبقى أبوها الحقيقي!
ليل بصت لنهال بدموع مغرقة وشها..وصوتها طلع مخنوق ..
_ ليه خبيتي عليا؟..أنا فضلت كام سنة أسألك مين أبويا الحقيقي وأنتي تتهربي وتكدبي عليا.. ليه قسيتي على بنتك كده ليه؟!! عملتلك إيه عشان تحرميني من الأمان ده كله؟!
نهال لقت نفسها محاصرة.. والكل واقف فوق راسها والتحليل قطع عليها كل طرق الهروب.. لقت نفسها خسرت كل حاجة وبقيت في القاع.. فصرخت بغل وحقد هستيري عمى عينيها..
= ومين قالك إنك بنتي؟!!.. أنتي عمرك ما كنتي بنتي أصلاً!
ليل برقت عينيها بصدمة أكبر وجسمها كله اتنفض..وعمار بص لـ نهال بتعجب وذهول وهو مش مصدق الجبروت اللي هي فيه أما الحاج سالم فـ اتصدم من اللي سمعه.. وقلبه انقبض وحس إن نهال كانت بتلعب عليه لعبة قذرة وكبيرة أوي من زمان وهو كان مغفل فيها.
ليل نطقت بصوت يدوب مسموع ومن بين دموعها..
_ "مش.. مش بنتك؟؟؟ "
نهال كملت بغل وحقارة وهي بتبص لـ ليل بـ استهزاء..
= أيوه مش بنتي! أنتي كنتي مجرد طعم في إيدي ودلوقتي بغباءك خسرتيني كل اللي عملته وبنيته من زمان.. لما اتنزلتي عن حقي وورثي لإيهاب يا غبية!
ليل حطت إيدها السليمة على قلبها.. وحست بـ خنجر اتغرس في صدرها مكانتش قادرة تتحمل حاجة تانية تسمعها وعقلها مبقاش يستوعب حجم الكدب اللي عاشت فيه عمرها كله..!
الحاج سالم خطى خطوة سريعة ناحية نهال وعينه بتطق شرار وزعق بصوت زلزل جدران المكان..
_ ازاي ليل بنتي ومش بنتك؟!! انطقي يا نهال.. عملتي إيه من 25 سنة؟ انطقييييي!
نهال بصتله بابتسامة انتصار مريضة ومستفزة رغم حصارها.. وقالت بنبرة تشفي..
= فاكر يا ابن منصور لما طلقتني ورميتني عشان خاطر متخسرش أبوك الشيخ منصور؟.. بس في الآخر برضو خسرته ومقاطعك.. وأنت عارفني كويس نهال مبتحبش الخسارة أبداً!
أنا كنت حامل وقتها زي ما كنت عارف.. بس لما ولدت بنتي ماتت! بنتك اللي أنا ولدتها مااااتت!
أخدت نفسها وكملت بـ جنون..
= وكنت هبقى بطولي لوحدي في الدنيا مش معايا أي حاجة تذلك وأكسرك بيها وأنت كسبان.. كسبت إنك فضلت مع أبوك ومراتك آمنة اللي كانت بتولد في نفس المستشفى .. وعرفت إنها جابت بنت بس بنتها طلعت عايشة..! وقتها أنا مسبتش فرصة.. ودخلت وبدلت البنتين في الحضانة! ما هو أنا مش هخرج من اللعبة دي خسرانة وإيدي فاضية وأنت مرتاح..!
سالم منصور دموعه نزلت بغزارة..وصدمة ممزوجة بـ فرحة رهيبة هزت كيانه من جوه ونطق بصوت مرتعش ومش مصدق
_ يعني.. يعني ليل بنتي أنا وآمنة؟!!
عاصم كان واقف متابع كل اللي بيحصل وهو مش مصدق نفسه.. عينه جت على ليل أخته الشقيقة اللي من لحمه ودمه البنت اللي طلعت من دمه عاشت العمر ده كله مع الست الشيطانة دي!
__________________//________________//_____________
سالم منصور من حجم الوجع القهر والمرار اللي عاشه 25 سنة وعقله مش مستوعب الجريمة البشعة دي.. عروقه برزت وعينيه اسودت تماماً وعمى الغضب بصيرته.. في ثانية سحب سلاحه ووجهه مباشرة لـ راس نهال وهو ناوي ينهي حياتها ويدفن سرها وقسوتها في مكانها..!
نهال شهقت برعب وغمضت عينيها.. بس قبل ما صباع سالم يضغط على الزناد عاصم مسك إيد أبوه بقوة ورفعها لفوق ونطق بنبرة مخنوقة كلها رجاء وتوسل هزت قلب أبوه..
_لأ يا أبويا.. عشان خاطري لأ..! أنا ما صدقت اتجمعنا ولمينا شملنا.. متوسخش إيدك في دم واحدة رخيصة وزي دي وتضيع نفسك وتضيعنا منك تاني! ..سيبها للقانون والعدالة هما يتصرفوا معاها ملناش دعوة بيها.. الشرطة خلاص على وصول وأنا مكلمهم بنفسي.. أرجوك يا أبويا نزل السلاح عشان خاطر بنتك وعشان خاطري!
سالم بص لـ ابنه عاصم.. لقى عينه مليانة دموع ورجاء حقيقي إنه يجمع عيلته تاني من غير دم أو خسارة جديدة.. هيبة الأبوة والوجع هديت جواه وأنفاسه المتلاحقة بدأت تنزل وبتنهيدة شقت صدره.. نزل إيده بالسلاح وسابه في جنبه.
وفي نص المعمعة دي.. ليل كانت واقفة زي الصنم.. من الصدمة مبقتش تنطق ولا تطلع حرف واحد...عينيها مثبتة في الفراغ ودموعها بتنزل بسكوت مرعب... عمار كان بيموت من الخوف عليها ليحصلها حاجة من حجم الصدمات اللي نزلت فوق راسها في دقايق..!
مسكها من إيدها بحنين وأخدها في حضنه ومشى بيها لحد عربية من العربيات وركبها وجلس جنبها.. ومفاتش ثواني معدودة.. وكان المكان كله اتقلب بقلم فاطمةشلبي بأصوات سرينات الشرطة اللي حاصرت المخبأ المهجور وفي لمح البصر تم القبض على نهال وإيهاب الألفي واقتادوهم مكلبشين برة سيناء كلها.
المكان فضي تماماً وساد الهدوء بعد العاصفة..
سالم كان واقف بيبص للفراغ ودموعه نازلة ..التفت لابنه عاصم اللي قرب منه وحط إيده على كتفه وقال بنبرة دافية مليانة أمل..
_ خلاص يا أبويا.. جه الوقت اللي ترجع فيه لبيتك تاني.. وتصلح كل اللي انكسر زمان مع جدي الشيخ منصور.
وفعلاً.. عاصم وسالم ركبوا عربيتهم عشان يرجعوا لبيت العيلة الكبيرة والمواجهة المنتظرة..
أما في العربية التانية.. عمار كان قاعد جنب ليل..ومكتفاش بنظرة طول الطريق كان ماسك إيدها السليمة وبيدفيها بين كفوفه وبيقويها.. وليل كانت ساندة راسها التعبانة على شباك العربية.. وعينيها بتتابع الطريق وضلمة سيناء في سكوت تام.. لا بتعترض ولا بتتكلم ولا بتقول أي حاجة.. مستسلمة تماماً لوجود عمار الجبالي اللي بقا هو خط دفاعها الوحيد عن العالم.
وصلت العربيات قدام بيت الشيخ منصور الكبير.. المكان اللي شهد على كسرة وعناد سنين طويلة...عمار فضل واقف برا مع ليل في العربية عشان يدي مساحة لعاصم وسالم وعاصم أخد نفس عميق ودخل البيت الأول..
أول ما خطى عتبة الصالة.. شكل عاصم كان يوجع القلب.. هدومه متبهدلة.. وفيه آثار كدمات في ملامحه من أثر الاشتباك العنيف والمجزرة اللي دارت في المخبأ.
أول ما شافوه...الحاجة آمنة وفيروز والشيخ منصور وقفوا كلهم في نفس الثواني.
آمنة جريت عليه بلهفة وخوف أم هز كيانها..ومسكت وش بإيدين بترتعش..
_ عاصم!! مالك يا بني؟ كنت فين وشكلك عامل كده ليه؟! جرالك إيه يا قلب أمك؟!
الشيخ منصور قام وقف وسند على عصايته..وبص لـ حفيده بقلق ونطق بصوت حازم بس مرعوب..
_ مين عمل فيك كده يا عاصم؟ أنت كنت في خناقة ولا إيه؟!!
فيروز كانت واقفة وراهم..مرعوبة من منظر جوزها المبهدل وضامّة إيدها لصدرها..وصرخت بدموع..
_ ما تتكلم يا عاصم طمنا؟ فيه إيه وإيه اللي بهدلك كده؟!
عاصم مكنش قادر ينطق.. كان بيبص لـ جده ولأمه بنظرة مليانة شجن ودموع محبوسة أخد خطوة على جنب.. وفجأة..!
وبخطوات ثابتة وتقيلة ومليانة هيبة مكسورة ظهر من وراه.. سالم!
الشيخ منصور اتسمر في مكانه وعصايته كانت هتقع من إيده.. ونطق بصوت هز أركان البيت من كتر الصدمة..
_ "سااالم ؟؟! "
وآمنة حطت إيدها على بؤها بصدمة شلت حركتها.. والدموع جرت في عينيها وهي مش مصدقة إن سالم قدامها بعد السنين دي كلها ..؟!!
_ يتبع ..
عمار نزل المطبخ..وبحركة هادية وسريعة حضر صينية أكل خفيفة عشان ليل تقدر تسند طولها وتاخد المسكن..شال الصينية وطلع خطواته على السلم بهدوء.. فتح الباب ودخل الأوضة..
بص ناحية السرير..لاقاها لسه قاعدة في مكانها زي ما سابها.. بس نامت من كتر العياط والتعب والإرهاق اللي هد جسمها.. دموعها كانت لسه ناشفة على خدودها..وشكلها وهي عاجزة بالجبس ولفافة الشاش اللي على راسها كان يوجع القلب.
بصلها بأسف وخوف حقيقي عليها..وحط صينية الأكل على الكنبة اللي جنب السرير.. مكنش هاين عليه يصحيها من نومها وهي مصدومة وتعبانة كده..بس فجأة افتكر كلام الدكتورة وتحذيرها ليه إنها لازم تاخد المضاد الحيوي والمسكن في وقته عشان جسمها ميسخنش.
قرب منها وبأطراف صوابعه بدأ يصحيها بالراحة خالص وهو بينطق اسمها بنبرة دافية..
_ ليل.. ليل قومي يلا عشان تاخدي علاجك.. فوقي معايا.
فتحت عينيها ببطء وبتعب شديد..وأول ما شافته قدامها اتخضت ثواني بقلم فاطمةشلبي وافتكرت كل اللي حصل..ساعدها تتعدل في مكانها وهي وسندت ضهرها على السرير وبتبص للأرض ومبتجيش عينها في عينه.
عمار جاب صينية الأكل وقعد على طرف السرير جنبها بالظبط.. واتكلم بنبرة هادية جداً..
_ أنا مكنتش عاوز أصحيكي خالص وأنتي مرتاحة كده.. بس لازم تاكلي لقمة عشان تاخدي علاجك.. الدكتورة أكدت عليا لازم المسكن عشان متسخنيش وتتعبي زيادة.. يلا.
ليل هزت راسها بهدوء واستسلام تام.. ومن غير أي عناد المرة دي عمار مسك المعلقة وبدأ يأكلها بإيده بحنان واهتمام كبير..
ليل أخدت علاجها والمسكن بدأ يسرى في جسمها..فغمرها النوم واستسلمت ليه تماماً..عمار غطاها بحنان..وسحب نفسه بهدوء وخرج من الأوضة ونزل تحت الصالة.. أول ما قعد بتعب وإرهاق لقى تليفونه بيرن وكان عاصم..
عمار رد بصوت يظهر عليه التعب والإجهاد..
_أيوه يا عاصم..
عاصم سأله بلهفة وقلق باين في نبرته..
= الأمور تمام عندك؟ طمني إيه اللي حصل في المستشفى؟ ليل عاملة إيه دلوقتي؟!
عمار رد بتنهيدة مليانة قلة حيلة..
_ عنادها وصلها لدراعها اللي اتكسر ده.. الدكتورة جبست لها دراعها وهتفضل بالجبس ده لمدة شهر كامل..ده غير جرح في راسها.. بس أهو أكلت وأخدت علاجها ونامت.
عاصم حس بضيق ونرفزة صاحبه والضغط اللي هو فيه..فحاول يهديه ويطبطب عليه بكلامه
= معلش يا عمار.. طول بالك واصبر عليها..أنتم الاتنين أصلاً طباعكم مختلفة وناشفة ليل عنيدة وإنت ربنا يعينك على الفترة الجاية.
عمار اتنفس بصعوبة وكأنه بيزيح جبل من على صدره..
_ يا رب يا عاصم.. يارب...المهم سيبك من ده كله واسمعني كويس في اللي هقولهولك ده.. أنا لما ليل كانت بتعمل الفحوصات والإشاعات..خليت الدكتورة تسحب منها عينة دم .
عاصم انتبه لكلامه..وعمار كمل بنبرة حاسمة وذكية..
_ عاوزك دلوقتي حالا تاخد الحاج سالم منصور وتروحوا على نفس المستشفى.. وتخليه يحلل عشان نعمل تحليل الـ (DNA) ونقطع الشك باليقين وبسرعة يا عاصم.. أنا مكلم الدكتورة هناك ومفهمها كل حاجة وهي مستنياكم.
عاصم لسانة اتلجم ومكانش عارف يشكر عمار ازاي على ذكاءه وسرعته في التصرف،د..وشهامته اللي بتثبت كل يوم إنه نعم الأخ والصاحب.. قفل معاه بسرعة ومضيعش ثانية واحدة..أخد أبوه سالم منصور وطاروا على المستشفى.
دخلوا للدكتورة اللي كانت مرتبة كل حاجة بناء على كلام عمار وسحبوا العينة من سالم منصور وعملوا التحليل المطلوب..
عاصم واقف على نار وسأل الدكتورة بلهفة .
_ النتيجة هتطلع إمتى يا دكتورة أرجوكي؟
الدكتورة ابتسمت بطمأنينة وقالت لهم..
= كل حاجة تمام يا جماعة.. أنا هخلص الإجراءات والمطابقة وهبلغ كابتن عمار بالنتيجة النهائية على بليل إن شاء الله.
_________________//________________//____________
وفي وقت الغداء..
الكل اتجمع حولين السفرة في بيت الشيخ منصور كان قاعد عاصم..وجنبه الشيخ منصور..والحاجة آمنة..وفيروز اللي كانت بتراقب ملامح جوزها المستهلكة في التفكير.
ساد الهدوء لثواني قبل ما الشيخ منصور يقطع الصمت..وبص لـ عاصم وسأله بنبرة حكيمة وثقيلة..
_ أخبار عمار إيه يا عاصم مع البنت اللي اتجوزها فجأة دي؟ لسه معرفش حكايتها وأهلها فين بالظبط؟!
عاصم اتعدل في قعدته وحاول يظهر منتهى الثبات ورد..
= عمار مقاليش على أي حاجة من اللي ناوي يعملها الفترة الجاية يا جدي .. بس أنا متأكد إن ليل دي بنت حلال وكويسة جداً وعمار راجل وهيقدر يتصرف في الموضوع ده بحكمته.
الشيخ منصور هز رأسه بهدوء وغموض..وقال..
— مش عارف ليه.. بس حاسس إن فيه حاجة غريبة ومش مريحة في الموضوع ده كله.
عاصم فتح بؤه وكان لسه هيتكلم ويطمن أبو.. بس الحاجة آمنة قاطعتهم وهي بتبتسم بتلقائية وراحة ظهرت على وشها فجأة..
— تعرف يا عاصم يا بني.. أنا أول ما شوفت البنت دي ودخلت بيتنا استريحت لها جداً ودخلت قلبي.. معرفش ليه حسيتها مش غريبة عننا..وكأني عارفاها من زمان!
عاصم أول ما سمع كلام أمه..ابتسامة عريضة وفرحة حقيقية نورت وشه..ومقدرش يداري فؤحته فيروز كانت قاعدة ومركزة عينيها عليه بقلم فاطمةشلبي..واستغربت جداً الفرحة المبالغ فيها اللي ظهرت على وش جوزها أول ما سيرة ليل جت!
عاصم رد بتأكيد ولهفة..
= ما أنا بقولك يا ماما.. ليل دي بنت كويسة ومحترمة أوي ويا بخته عمار بيها والله..ربنا يسعدهم.
هنا فيروز اتضايقت جداً.. والغيرة قادت في قلبها..وحطت المعلقة من إيدها وقالت بنبرة حادة ومستنكرة..
_ أنا مش فاهمة يعني.. إيه اللي مأكدلك إنها كويسة وملاك أوي كده يا عاصم؟ وإيه مبرر الفرحة دي كلها؟!
عاصم بصلها بهدوء وحاول يلم الموضوع..
= عشان اتعاملنا معاها في الشغل والمعسكر وبانت أصلها يا فيروز.. مش أكتر.
فيروز ردت بغيرة واضحة وصوت مخنوق..
— لأ.. فرحتك ولمعة عينك دي متقولش كده أبداً!
عاصم كان لسه هيرد.. بس فيروز مقدرتش تتحمل ثانية واحدة زيادة..قامت من على الأكل وسابت السفرة وطلعت على أوضتها وهي على آحرها.
الشيخ منصور بصله بنظرة عتاب حاسمة وقاله..
_ ابقى خلي بالك وإنت بتتكلم قدام مرتك عن حد غريب يا عاصم.. بلاش تزعلها .
عاصم اتنهد بضيق..
= بس ليل مش غريبة... دي مرات أخوها وعمار صاحبي.. وبعدين أنا مقولتش حاجة غلط عشان كل ده يحصل!
الحاجة آمنة طبطبت على دراعه بحنان وقالتله..
_ معلش يا بني.. قوم وراها وراضيها بلاش تكسر بخاطرها دي لسه عروسة جديدة وبعدين غيرتها عليك دي دليل حبها.. اطلعلها.
عاصم طلع لفيروز بسرعة..فتح الباب لقاها قاعدة على طرف السرير ملامحها باهتة ومجروحة.. قرب منها وحاول يمسك إيدها بحنان..
_ فيروز.. يا حبيبتي.. ليه كل ده؟ أنا والله ما قصدي أضايقك ولا فيه أي حاجة من اللي في دماغك دي.
فيروز سحبت إيدها بسرعة وبصت له بدموع..
= لا يا عاصم.. فيه! فيه حاجات كتير اتغيرت من وقت ما عمار اتجوز البنت دي..وكلامك عنها غريب ومبالغ فيه.. أنت بقيت بتهتم بأخبارها وبتهتم برأيي فيها أكتر مني!
عاصم حس بوجع قلبه لأنه عارف إنها معذورة..كان نفسه يصرخ ويقولها اللي بيحصل ..بس كلمة "النتيجة" كانت مجمداه في مكانه..كان مرعوب يفرحها وبعدين يطلع شكوكهم غلط..أو إن النتيجة تكون عكس اللي بيتمناه.
اتكلم بنبرة كلها رجاء..
_ والله يا فيروز يا حبيبتي إنتي فاهمة غلط.. كل الموضوع إن فيه أمور أنا مش قادر أتكلم فيها دلوقتي.. ثقي فيا ثقي في جوزك..!
فيروز قامت وقفت ووشها احمر من الغيظ..
= لا مش قادرة أثق لما يكون جوزي مخبي عليا وبيلمح بصفات واحدة تانية قدامي!.. أنا مفيش كلام يتقال بيني وبينك دلوقتي.
عاصم حاول يمسك إيدها بس هي زقت إيده بضيق وعصبية وبدأت المشكلة تكبر وتتحول لخناقة ..وصوتهم بدأ يعلى.. عاصم في لحظة غضب وضيق من نفسه ومن الموقف الصعب اللي هو فيه نفض إيده بضيق وقال..
_ تمام يا فيروز.. براحتك، لما تهدي نبقى نتكلم.
سحب نفسه وخرج من الأوضة وهو بيغلي من جواه.. نزل للسلم بخطوات تقيلة..وخرج من البيت كله .
_______________//________________//______________
مرت ساعات الليل ثقيلة وهادية..
بدأت ليل تفوق من نومها ببطء..أثر المسكن كان لسه مخلي جسمها هلكان.. والصداع بينبض في راسها.. فتحت عينيها بتعب،. ودورت بنظراتها في الأوضة لحد ما وقعت عينيها على الكنبة..
لقت عمار نايم عليها بوضعية مش مريحة..وكان باين على ملامحه الإرهاق والتعب الشديد..وإنه منامش بقاله كتير بسببها.. ليل بصلته بوجع وأسف..وحست بغصة في قلبها على شكله وهو مستهلك كده.. بقلم فاطمةشلبي محبتش تعمل أي دوشة في الأوضة أو تصحيه من النوم .. قامت من على السرير بمنتهى الهدوء وسندت دراعها المتجبس بإيدها السليمة.. وانسحبت برا الأوضة ونزلت تحت في الصالة وهي بتتحرك بخطوات خفيفة عشان تسيبه يرتاح.
بعد وقت مكانش طويل..
عمار صحي من نومه فجأة وبشكل تلقائي بص ناحية السرير.. ملقاش ليل! قلبه اتنفض وقلق وخوفه عليها صحيوا في ثانية.. وكان لسه هيقوم من على الكنبة عشان ينزل تحت يدور عليها ويشوفها راحت فين.. بس وقفه في مكانه صوت رنة رسالة سريعة على تليفونه.
عمار مد إيده وسحب التليفون وفتحه بسرعة.. وكانت الرسالة من الدكتورة اللي في المستشفى..وبعتتله فيها ملف "نتيجة التحاليل".. عمار حبس أنفاسه وهو بيفتح الملف.. وعينيه برقت بصدمة لجمت لسانه وثبتت حركته..
الصدمة كانت فوق استيعابه.." النتيجة إيجابية ".. ليل.. ليل فعلاً بنت سالم منصور! يعني ليل أخت عاصم.
عمار دماغه وقفت تماماً عن التفكير..وأفكاره بدأت تخبط في بعضها.. مبقاش عارف يعمل إيه؟ ينزل يصرخ ويقول لـ ليل على الحقيقة حالا؟ ولا يخبي عليها الفترة دي؟!!
دقايق من الحيرة مرت عليه لحد ما عقله الرجولي الحاسم رجعله..وقرر إنه لازم يخبي عليها دلوقتي.. مش هيقولها غير لما يجيب "نهال" قدام ليل ويخليها تعترف بالحقيقة كاملة وبكل كدبها القديم ويكون في إيده الدليل القاطع..وبكده الأمور تبقى واضحة قدام البنت الغلبانة دي من غير ما تتصدم صدمة تانية فوق طاقتها.
بس قطع تفكيره وهدير عقله.. دخول ليل الأوضة فجأة!
عمار قفل تليفونه بسرعة وخباه..وقام وقف وبصلها بقلق حقيقي حاول يداريه ورا ملامحه الجامدة..
_ ليل!.. إيه اللي نزلك تحت؟ أنتي كويسة دلوقتي؟! حاسة بأي تعب؟!
ليل بصتله بهدوء تام.. ونظرات العناد اللي كانت في عينيها اختفت وردت بصوت مخنوق شوية..
= أنا كويسة مفيش حاجة الحمد لله.. بس أنا محبتش أعمل أي إزعاج هنا في الأوضة..شوفتك نايم ..فسيبتك نايم براحتك ونزلت عشان متصحاش.
عمار فضل باصص لوشها ثواني..حس إن النظرة ليها بقا لها طعم تاني..أخت صاحب عمره بقت مراته!.. بلع ريقه بهدوء وقرب منها خطوة وهو ناوي يسرع خيوط اللعبة عشان يرجع حقها .
عمار لما اتأكد إنها كويسة ..اتنفس براحة وبصلها وقال بنبرة هادية...
_ طيب يا ليل.. أنا هانزل دلوقتي حالا أجيب شوية طلبات وحاجات ناقصة للبيت..مش هأتأخر عليكي.. ارتاحي أنتي.
ليل هزت راسها بهدوء..وعمار سابها ونزل.. بس هو مكانش نازل يجيب طلبات..هو كان بيموت في الثانية ألف مرة وعاوز يطير لصاحب عمره.
أول ما ركب عربيته..اتصل بعاصم وطلب يقابله فوراً في نفس المكان..وفعلاً دقايق وكان عاصم واقف قدامه..عمار مد إيده بالتليفون بقلم فاطمةشلبي ووراه نتيجة التحاليل اللي بعتتها الدكتورة.. عاصم عينه وسعت.. والدموع لمعت في عينه وهو مش مصدق.. أخته عايشة ومعاهم في نفس المكان..!
عاصم مقدرش يخبي ولا ثانية..وجري عرف أبوه الحاج سالم منصور الحقيقة.. سالم لما شاف النتيجة..دموعه نزلت بعد سنين العذاب والقهر وحس إن روحه ردت فيه..وقال بصوت حاسم وعين بتلمع بالوعيد..
_ خلاص يا عاصم.. جه الوقت اللي لازم أقابل فيه نهال وأقف قدامها.. جه الوقت اللي أصلح فيه كل حاجة حصلت زمان وبنتي هترجع لحضني.
وفي نفس الوقت.. عمار سابهم ورجع على البيت عشان ميسيبش ليل لوحدها كتير..
أول ما قرب من البيت..فرمل عربيتة بعنف ونزل.. ولمح الصدمة اللي شلت حركته.. باب البيت مفتوح ..!
الرعب دب في قلب عمار وفكرة إن عمها "إيهاب الألفي" نفذ تهديده ورجع خدها وهي مكسورة وعاجزة جننته.. دخل البيت جري زي المجنون..وعينه بتدور في الصالة الفاضية وطلع على السلم وهو بينده بأعلى صوت عنده وهز أركان المكان..
= لـيـيييـل!... ليل أنتِ فين؟! لـيـييـل!
لف البيت فوق وتحت بس الأوض كانت فاضية.. ومجاش أي رد... البيت كان غرقان في صمت مرعب وليل مالهاش أي أثر..!
_______________//_________________//______________
في مكان مهجور..مقطوع وبعيد جداً عن عيون عمار وعن أي حد ممكن يوصلهم في سيناء.. مكان غرقان في السكوت والضلمة ..
بدأت ليل تفتح عينيها ببطء شديد..الرؤية كانت مشوشة قدامها والصداع في راسها كان هيموتها وأثر الخبطة والمسكن لسه مأثر عليها...حاولت تتحرك بس مقدرتش..بصت حواليها برعب وهي مش شايفة غير ضلمة وكأنها في كابوس مش قادرة تصحى منه.
فجأة..! سمعت صوت مفتاح في الباب واتفتح بقوة ودخل منه خيط نور منور ضئيل.. ودخلت معاه نهال!
ليل أول ما عينيها وقعت على ملامح أمها الصدمة شلت لسانها.. برقت عينيها بذهول..ونطقت بصوت متحشرج ومصدوم ومش مصدقة..
_ ماما؟! أنتي.. أنتي جيباني هنا ليه!!! وعملتي كده ليه جايباني في المكان ده ليه؟!
نهال قفلت الباب وراها.. وبصتلها بضيق شديد ملوش حدود.. وملامحها كانت خالية من أي حنان أو شفقة.. وقالت بنبرة حادة وقاطعة..
= أنتي عاوزاني أسيبك تضيعي اللي أنا عملته وبنيته بقالي سنين طويلة؟! ..تبقى بتحلمي يا ليل! بتحلمي لو فاكرة إني هسيبك تتهدي كل حاجة فوق دماغي!
ليل كانت بتترعش من الخوف والوجع..وصرخت بدموع..
_ أنا ضيعت إيه؟ أنا عملتلك إيه عشان تحبسيني في الضلمة وأنا مكسورة وتعبانة كده؟! رجعيني لعمار يا ماما!
نهال جزت على سنانها وقربت منها وعينيها مليانة شر وأنانية..
= عمار إيه وزفت إيه! أنتي هتفضلي قدامي هنا وتحت عيني وانسى.. انسى بقلم فاطمةشلبي خالص إنك ترجعي تاني للمكان اللي كنتي فيه ده ولا هتشوفي وش عمار الجبالي ده تاني لحد ما نغور من هنا ونرجع القاهرة وحسابي معاكي بعدين!
سابتها نهال وخرجت ورزعت الباب وراها.. ورجعت الأوضة ضلمة كحل تاني.. وليل انهارت في العياط وهي بتصرخ باسم عمار في وسط الضلمة.. مش قادرة تستوعب إن أمها هي اللي بتعمل فيها كده!
عمار كان بيلف في نص الصالة زي الديب الجريح..إيديه على راسه وأنفاسه بتطلع بـ حرقان..وعقله مش ملاحق على سيناريوهات الرعب اللي بتتحدف في دماغه.
سالم منصور وعاصم كانوا واقفين معاه في البيت..والكل على آخره.. عمار ضرب الحيطة بقبضة إيده وزعق بصوت مخنوق مليان ندم وكسرة..
= أنا السبب.. أنا اللي غبي! إني سبتها لوحدها ونزلت.. لو كنت فضلت جنبها ومتحركتش مكانش حصل كل ده ومكنش حد لمس شعرة منها وهي كده ؟!!
ا سالم منصور رغم ناره القايدة على بنته اللي لسه عارف طريقها دلوقتي بص لـ عمار بنظرة لوم عاتبة، ونطق بصوت ثقيل..
_ دي الأمانة يا ابن الجبالي.. عطيناك أمانتنا ومحافظتش عليها!
الكلمة نزلت على عمار زي مية النار..حرقت كبريائه ورجولته وعصبته لدرجة إنه ملقاش نفسه غير وهو بيقف في وش سالم وعينيه بتطق شرار.. وزعق بعصبية وتحدي..
= أمانة إيه اللي بتتكلم عنها دلوقتي يا حاج سالم؟! لو مش أنا.. مكنتش أنت أصلاً لقيت بنتك ولا عرفت طريقها ولا شوفت نتيجة التحليل دي! متجيش دلوقتي تلومني وتحاسبني.. دي مراتي! مراتي أنا.. وأنا اللي هعرف أرجعها وأجيبها بطريقتي ومش هستنى كلمة من حد!
الأجواء اتهربت وبقت على شفا انفجار..وعمار وسالم واقفين قصاد بعض والشرار متطاير بين عيونهم..
هنا عاصم دخل في النص بسرعة.. وحط إيده على صدر عمار وإيد على كتف أبوه..وحاول يهدي الأمور بينهم قبل ما تكبر وتتحول لخناقة تخرب الدنيا..وقال بصوت حازم..
_ صلوا على النبي يا جماعة مش كده! مش وقته خالص الكلام ده.. إحنا في مصيبة..وعمار ملوش ذنب!!..وأنت يا عمار طول بالك الراجل محروق دمه على بنته.. تعالوا نفكر ليل راحت فين وبلاش نضيع وقت في الخناق..!
عمار لف وشه بضيق ونفخ بعنف وهو بيحاول يسيطر على شياطينه..وعقله بدأ يرجع يربط الخيوط من تاني.. ويشوف هيتصرف ازاي ..
__________________//__________________//___________
مر شهرين كاملين..
طول الفترة دي... عمار وعاصم قالبين الدنيا.. ومفيش سكة ولا طريق ولا خيط واحد يوصلهم لـ ليل .. فص ملح وداب..ونهال اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها هي والبنت.
طول الشهرين دول..حالة عمار كانت لا يرثى لها مبقاش ينام ملامحه باهتة.. عينه دبلت.. وعاصم مكانش أحسن منه.. كان تايه وشارد طول الوقت.. فيروز كانت قاعدة وشايفة جوزها بيموت قدامها من التفكير والهم.. وبتموت من الغيرة والحيرة لأنها مش فاهمة إيه سر الحالة اللي هو فيها دي.. وإيه سر حرقة دم عاصم المبالغ فيها على "مرات عمار"..!!
في يوم.. فيروز قررت تروح لـ عمار عشان تطمن عليه وتحاول تفهم..!
دخلت الأوضة.. لاقت عمار قاعد وراسه بين إيديه..وشكله يوجع القلب.. قربت منه وبدأت تكلمه بنبرة دافية وبتحاول تهديه..
_ معلش يا عمار..إن شاء الله هتظهر وترجع.. بس أنت لازم تاخد بالك من نفسك حالتك دي متسرش حد أبداً.
سكتت شوية.. وملامحها كلها ضيق وحزن.. وكملت..
_أنا بجد مش فاهمة إيه اللي بيحصل معاكم.. عمار أنت حالتك مش ولابد.. وعاصم كمان بقاله شهرين على طول شارد وساكت ومبيكلمنيش غير وعقله مش معايا خالص.. أنا مبقتش عارفة أعمل إيه!
عمار رفع راسه وبصلها بتركيز.. لمح في عيون أخته ضيق حقيقي..وفهم على طول إن نار الشك والغيرة بتاكل في قلبها من ناحية جوزها عاصم.. عمار محبش يزود الشك في قلب أخته ولا هان عليه بقلم فاطمةشلبي يسيبها محتارة كده فقرر إن جه الوقت اللي لازم ترتاح فيه وتعرف الحقيقة.
بصلها بهدوء ونطق بصوت مبحوح .
= حقه يا فيروز.. حقه يكون شارد وتايه والهم واكله كده.
فيروز بصتله بعدم فهم واستغراب..
_ حقه ازاي يا عمار؟ مش فاهمة.. هو عاصم ماله ومال ليل للدرجة دي عشان يتكسر كده؟!
عمار اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع.. واتكلم بصوت هادي وحاسم..
= عاصم بقاله فترة كبيرة.. عرف إن ليه أخت غايبة وكان بيدور عليها في السر بدم قلبه.. واللي متعرفهوش يا فيروز وإن الصدمة الكبيرة لينا كلنا.. إن ليل دي تطلع هي أخته اللي كان بيدور عليها!
فيروز كانت الصدمة محتلة وشها ..
= أيوه يا فيروز.. ليل تبقى أخت عاصم وبنت الحاج سالم منصور.. وبعد ما اتأكدنا وعملنا التحاليل وطلع الكلام صح تضيع من قدامه ومن بين إيدينا في نفس الليلة!.. حقه يبقى تايه ودمه محروق دي أخته اللي اتحرم منها سنين.. والمشكلة الأكبر بقا إن عاصم مش عارف يقول الموضوع ده للشيخ منصور لحد دلوقتي عشان أنتي عارفة إن الشيخ منصور مقاطع الحاج سالم ابنه وعاصم خايف من رد فعله..!
فيروز رجعت بيتها.. وخطواتها كانت تقيلة من حجم الصدمة والسر اللي عرفته من عمار.. طلعت السلم وقلبها بيدق بسرعة فتحت باب الأوضة بهدوء..
لاقت عاصم قاعد في ركن الأوضة.. ضهر مفرود بس ملامحه مكسورة وعينيه سرحانة في الفراغ كالعادة..أول ما حس بحركتها..انتبه ليها ورفع عينه وبصوت باهت تعبان نطق..
_ حمد الله على السلامة يا فيروز.. خرجتي ليه لوحدك من غير ما تقوليلي؟ مش قولنا ميت مرة بلاش خروج من غير علمي عشان الأوضاع اللي إحنا فيها؟
فيروز قربت منه..ونظرة العتاب أو الضيق اللي كانت بتعامله بيها طول الشهرين اختفت تماماً... فركت إيدها بتوتر واعتذرت بصوت واطي..
= محبتش أضايقك يا عاصم.. شوفتك تعبان ومهموم فقلت أنزل ومزعجكش.
عاصم بصلها وسكت..رجع اتنهد ولف وشه الناحية التانية وهو مش قادر حتى يجادل أو يعاتب.. فيروز فضلت واقفة قدامه بزعل حقيقي عليه وعلى حالته اللي بتسوء كل يوم دموعها لمعت في عينيها وهي شايفاه بيموت بالبطيئ ونطقت بنبرة كلها رجاء
_ "عاصم.."
رد عليها ببرود وجفاء وهو لسه باصص بعيد..
= نعم يا فيروز.. فيه حاجة؟
فيروز أخدت خطوة وقعدت على ركبتها قدامه.. مسكت إيده اللي كانت ساندة على ركبته.. وقالت بدموع ونبرة حنينة قطعت صمته..
_ أنت ليه مقولتليش الحقيقة يا عاصم؟.. ليه شايل الهم والموضوع الصعب ده كله لوحدك طول الشهرين دول ومخبي عليا؟!!
عاصم اتسمر في مكانه..ولف وشه ليها بسرعة.. النظرة اللي في عيونها.. والنبرة دي.. خلته يفهم في ثانية إن عمار حكى لأخته كل حاجة عشان يريح قلبها وينهي الخلاف اللي بينهم..!
بصلها بتركيز وعينيه لمعت بوجع ماليان قهر وقبل ما يحاول يداري أو يكابر..تنهيدة طويلة ومحروقة طلعت من وسط ضلوعه ونطق بصدق وصوت مبحوح هز كيانها..
= أنا تايه أصلاً يا فيروز.. تايه ومش شايف قدامي..
كلامه كان اعتراف بضعفه لأول مرة قدام مراته..حس إنه خلاص مش قادر يمثل القوة أكتر من كده وأخته اللي ضاعت في نفس الليلة اللي عرف فيها الحقيقة خلته خلاص معدش قادر يسكت.
_________________//__________________//___________
بعد مرور شهرين كاملين في المخبأ المهجور اللي ليل محبوسة فيه..
فتحت نهال باب الأوضة ودخلت لـ ليل ببرود وهي بتشوفها طالبة إيه أو ناقصها إيه من الأكل والشرب..؟
ليل بصت لأمها بتعب شديد وإرهاق هد حيلها ورفعت دراعها المتجبس ونطقت بضيق وزهق..
_ أنتي سايبة الجبس في إيدي بقاله شهرين ..! الدكتورة في المستشفى كانت قايلة لي هو شهر واحد وافكه أنا خلاص مبقتش متحملاه وعاوزة أفك الزفت ده حالا..!
ليل مكانتش عاجزة ولا غبية.. هي كانت تقدر بـ إيدها السليمة وبأي آلة حادة تخلي أي حد يفكه..أو حتى تفكه لنفسها.. بس هي طلبت دكتور بـ خبث وذكاء عشان يدخل المكان حد غريب وتقدر تعمل أي حاجة أو تديله علامة تساعدها تخرج وتطير من السجن ده..!
لكن اللي ليل متعرفهوش.. إن طلبها ده كان هو فعلاً أول خيط في سلامة الوصول ليها..!
عمار طول الشهرين دول كان مخلي رجالة مخصصة في الاتصالات تتابع خط ليل ونهال ليل نهار.. لعل وعسى حد فيهم يغلط ويفتح تليفونه ثانية واحدة يحدد بيها مكانهم..بس للأسف طول الشهرين الخطوط كانت ميتة ومقفولة تماماً.
لكن طلب ليل وإصرارها على الدكتور..خلى نهال تقع في الفخ.. اضطرت تحت ضغط بنتها إنها تطلع تليفونها وتفتحه ورنت على إيهاب الألفي بسرعة عشان تطلب منه يجيب لها دكتور يكون "أمان" وسره في بير عشان ييجي المخبأ يشوف ليل ويفك الجبس.
وفي اللحظة دي بالظبط.. وفي مركز الاتصالات..جهاز المراقبة صفر بعنف!
الإشارة لقطت والشبكة حددت الموقع بدقة متناهية للمكان البعيد والمستخبي اللي ليل موجودة فيه..
عمار فجأة تليفونه رن شاله بسرعة وجاله الصوت من الطرف التاني بلهفة..
= كابتن عمار!.. اجهز الإشارة لقطت حالا وحددنا مكان هبعتلك الإحداثيات فورا.
عمار في ثانية وقف على حيله..وعينيه اللي كان مسيطر عليها التعب طق منها شرار الغضب والوعيد ونبض قلبه رجع يدق بعنف بعد شهرين موت.. الصياد لقى طريقه والجبالي هيهد المكان فوق دماغ اللي لمس مراته!
مفاتش كتير.. الوقت كان بيجري كأنه ثواني معدودة.. والإعصار كان بيمد خطاويه على الأرض.
عمار وعاصم..ومعاهم الحاج سالم منصور ورجالة مسلحة من رجاله اللي بيثق فيهم..كانوا راكبين العربيات وطايرين بأقصى سرعة للمكان البعيد والمقطوع اللي حددته أجهزة الاتصالات لعمار.. الكل حابس أنفاسه.. وعمار إيديه على الدريكسيون بتعصره من فرط الغضب والوعيد.
وفي نفس الوقت ده جوه البيت المهجور..
كان إيهاب الألفي وصل ومعه الدكتور اللي اتفقت معاه نهال.. الدكتور دخل الأوضة وبدأ يفك الجبس من على دراع ليل.. أول ما الجبس اتشال.. بقلم فاطمةشلبي ليل غمت عينيها بوجع.. وأنين مكتوم طلع من بين سنانها.. دراعها كان منمل..ضعيف ومش قادرة تحركه ولا ترفعه بسبب ركنة الشهرين.
بس عمها إيهاب مسابش فرصة واحدة للبنت تتنفس فيها!
أول ما الدكتور خرج من الأوضة إيهاب سحب كرسى وقعد قدام ليل وبمنتهى الجبروت والبرود..طلع من جيبه دفاتر أوراق وتنازلات وحط القلم في إيدها الضعيفة المكسورة ونطق بنبرة فيها تهديد ووعيد..
_ امضي هنا يا ليل.. وعلى كل ورقة هحطهالك قدامك.. مفيش وقت نضيعه ..!
ليل بصت للورق بدموع وبصت لأمها نهال اللي كانت واقفة بعيد بتبص بضيق .. ليل حست بغصة المرار في حلقها دراعها كان بيترعش ومش قادرة تمسك القلم بس جزت على سنانها.. وضغطت على وجعها وقامت ممضية على كل التنازلات.
ليل مكانتش غبية..! بس عملت كده عشان تشتري حريتها.. عملت كده عشان ميبقاش في إيدهم أي سبب يخليهم ياخدوها بعيد عن عمار وبعيد عن أهلها تاني بسببه..!
إيهاب سحب الأوراق وهو بيضحك بانتصار وجشع وعينيه بتلمع بالشر .
________________//________________//______________
عمار كان واقف على بعد أمتار من البيت.. عينه بتفحص المكان كأنه صقر لف وبص لعاصم وقال بنبرة جادة وقاطعة مفيهاش مجال للنقاش..
_ أنا هدخل الأول أخرج ليل.. محدش ييجي ورايا يا عاصم.
عاصم مكانش عاوز يسيبه لوحده يدخل عش الدبابير ده وخوفه على صاحبه وعلى أخته كان هيموته بس إصرار عمار وثقته خلوه يوافق مجبر.. حط إيده على كتفه وقاله
= هستنى منك إشارة أول ما تخلص ليل وتأمنها.. اديني الإشارة وهنجيلك فوراً..وليل هتبقى في أمان معانا بره..روح يا صاحبي ربنا معاك.
عمار هز رأسه بثقة وثبات.. وانسحب بخطوات سريعة وخفيفة زي الضل.. دخل البيت من غير ما حد يحس بوجوده خالص وفضل يفتش في الممرات والأوض الضلمة..لحد ما عينيه وقعت عليها..
ولمح ليل! ..كانت مربوطة في الكرسي ملامحها دبلانة شكلها مجهد من عذاب شهرين.. عمار أول ما شافها في الوضع ده دمه فار في عروقه ونار جهنم قادت في قلبه بس حبس غضبه ومحبش يتهور عشان يخرجها سليمة.
وفجأة.. وقبل ما يوصلها اتفاجئ باتنين من الرجالة اللي كانوا مراقبين ليل وحارسين الأوضة واقفين قدامه!
الرجالة ملحقوش ينطقوا..عمار هجم عليهم كالإعصار ودخل معاهم بقلم فاطمةشلبي في اشتباك عنيف وقاتل.. ضرب تكسير عظام قلب الأوضة ليل سمعت الدوشة والضرب برعب.. رفعت عينيها بتعب وبصت حواليها.. ولقت عمار!
عين ليل لمعت ببريق أمل ملوش حدود بعد شهرين عذاب روحتها ردت فيها لما شافته بس الخوف عليه غسل قلبها في ثانية.. لأنها عارفة إن إيهاب عمها هنا هو ورجالته المسلحين..!
عمار خلص على الاتنين ونيمهم في الأرض غرقانين في دمهم ودخل لـ ليل بسرعة الصاروخ.. وبدأ يفك الحبال من عليها بإيديه اللي بترتعش من اللهفة..عمار كان بيتكلم بسرعة وبأنفاس ملاحقة..
_ متخافيش يا ليل.. مفيش وقت دلوقتي للكلام خالص.. أنا هخرجك حالا لـ عاصم برا هو مستنينا ورجالته معاه.. إياكي إياكي تدخلي تاني هنا مهما حصل اسمعي الكلام واخرجي لحد ما أجيب لك حقك .
ليل مكنتش قادرة تنطق..دموعها كانت بتنزل زي الشلال على وشها من الفرحة والخوف.. هزت رأسها بموافقة وهي جسمها كله بيترعش من الوجع والصدمة.
عمار فكها وسندها وخباها ورا ضهره وبدأ يتحرك بيها بخطوات حذرة عشان يخرجها من الممر المظلم للباب.. بس لثواني الأمل اتبخر!
وقف عمار في مكانه كأنه صخرة.. وعينيه ضيقت بشر.. لقى إيهاب الألفي ورجالته المسلحين..ووراهم نهال واقفين في الممر وسادين طريق الخروج تماماً.. إيهاب كان ماسك سلاحه وبيبتسم بشماتة..
= نورت يا ابن الجبالي.. فاكرها سايبة ولا إيه؟!
عمار في ثانية مفكرش..ومن غير ما حد من اللي واقفين ياخد باله كانت إيديه ورا ضهره و صباعه ضغط على زرار الإشارة لعاصم برا عشان يدخل هو وسالم والرجالة اللي معاهم.
عمار ثبت نظراته القاتلة على إيهاب وبدأ يتكلم معاه ببرود وثقة عشان يشتت انتباهه وميركزش في أي حركة أو صوت جاي من برا رد عليه بتحدي..
_ كنت فاكر إني مش هقدر أوصلكم يا إيهاب؟.. ابن الجبالي لما بيعوز حاجة بيجيبها من تحت طقاطيق الأرض!
إيهاب ضحك بشر وعينيه طق منها الغدر..
= مش هتستفيد حاجة بمجيتك دي يا جبالي.. عشان ببساطة أنتوا الاتنين مش هتخرجوا من هنا عايشين!
عمار بصله من فوق لتحت وابتسم بتحدي وثبات يقهر:
_ بتحلم.. و عشم إبليس في الجنة يا ألفي.
إيهاب ملامحه اسودت وشاور لرجالته بغل..
= خلصوا الموضوع..
بس قبل ما حد من رجالة إيهاب يتحرك خطوة واحدة المكان كله اتقلب جحيم..
الباب الخارجي اتهد وعاصم اقتحم المكان هو واللي معاه وبدأت مجزرة حرفياً.. صوت ضرب نار تكسير.. وضرب متبادل وعنيف قلب البيت المقطوع لساحة حرب.
عمار استغل الهرج والضرب اللي دار وفي لمح البصر شد ليل اللي كانت بقلم فاطمةشلبي بتصرخ وخرج بيها بسرعة الصاروخ من وسط المعمعة لبرا البيت...بس نهال لقطتهم بعينيها وجريت وراهم وهي مشوشة ومش فاهمة حاجة..
عمار كان بيجري وهو عينه بتدور بلهفة في وسط العربيات برا على سالم.. عشان يأمن ليل معاه ويرجع للي جوا... وفعلاً لقاه واقف ورا عربية ومتابع الوضع بحذر..نهال في اللحظة دي كانت بتمد خطوتها وراه وعينها على ليل..
عمار وصل ليل للحاج سالم..وحط إيد البنت الضعيفة اللي بترتعش في إيده وهو بينهج ونطق بقوة..
_ ليل دلوقتي في أمان معاك ..خدها في عربيتك ومتمشيش من غير رجالة!
سالم منصور مكنش شايف قدامه من كتر الغضب..وعينه كانت على الباب مستني عاصم.. وفجأة!
صوت رن في المكان صوت كان كفيل يوقف الدم في عروق الحاج سالم.. سمعوا صوت نهال واقفة وراهم بـ ملامح بيضا زي الأموات ونطقت بذهول وصدمة زلزلت الأرض تحت رجليها..
= "سـ.. سـالـم!!! "
_________________//_______________//______________
جوا البيت..الأصوات بدأت تهدى تدريجياً لحد ما ساد السكون.. عاصم والرجالة اللي معاه كانوا خلاص خلصوا على رجالة إيهاب الألفي تماماً.. ومش بس كده.. عاصم بـكل غل وقوة سحل إيهاب في إيده وخرج بيه برا البيت لعمار..وهو متكتف بين الرجالة زي الديب الجريح اللي فقد كل مخالبه.. وفي نفس الوقت..رجالة الحاج سالم حاصروا نهال ومسكوها ومنعوها من الحركة.
ليل كانت واقفة في النص.. عينيها بتلف بين الوشوش بذهول وتوهان..مش فاهمة أي حاجة من اللي بتحصل حواليها.. بس وسط كل الدوشة دي ليل مكانتش خايفة.. كانت واثقة ومطمنة من جواها إن طالما عمار واقف جنبها وموجود يبقى هي في أمان ومفيش مخلوق هيقدر يمسها.
عمار حس برعشة إيدها.. بصلها بنظرة دافية مليانة حنان وضغط على كف إيدها السليمة بقوة يطمنها.
سالم منصور كان واقف وعينه كانت مصوبة على نهال بـ غل وقهر السنين اللي فاتت كلها..وبص لها ونطق بصوت تقيل..
_ الدنيا ضيقة أوي يا نهال.. في الآخر لفت الأيام وبقيتي واقفة قدام مني.. وبنتي معايا وفي حضني وأنتي واقفة لوحدك مكسورة!
نهال ملامحها اتشنجت بالرعب.. وصرخت بـ غل وحقد هستيري وهي بتهز راسها برفض..
= دي مش بنتك!! قولتلك بنتك ماتت من زمان.. ماتت! ليه مش عاوز تصدقني وتريح نفسك وتفارقنا؟!
سالم منصور ملامحه اسودت من الغضب ورفع إيده وشاور لواحد من رجالته.. الراجل قرب بسرعة ومد إيده بالحفظة اللي فيها نتيجة تحاليل الـ DNA اللي عمار عملها.
ليل شهقت بصدمة وعينيها وسعت وهي بتبص لـ عمار مش فاهمة إيه التحاليل دي واتعملت امتى ؟؟ عمار بصلها وهز راسه بهدوء وهو لسه ماسك إيدها بيطمنها..
سالم مسك ورقة التحليل.. وفردها بقوة وصرخ في وش نهال بصوت زلزل المكان كله..
_ لسه بتكدبي؟! بقالك 25 سنة مكتفتيش من كدبك وظلمك وقسوتك؟! الورقة دي بتقطع لسانك.. ليل تبقى بنتي.. بنتي أنا يا نهال.
الكلمة نزلت على ليل زي الصاعقة..دموعها هربت من عينيها وبصت لـ عمار بذهول وهي مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي واقف بقلم فاطمةشلبي قدامها ده.. يبقى أبوها الحقيقي!
ليل بصت لنهال بدموع مغرقة وشها..وصوتها طلع مخنوق ..
_ ليه خبيتي عليا؟..أنا فضلت كام سنة أسألك مين أبويا الحقيقي وأنتي تتهربي وتكدبي عليا.. ليه قسيتي على بنتك كده ليه؟!! عملتلك إيه عشان تحرميني من الأمان ده كله؟!
نهال لقت نفسها محاصرة.. والكل واقف فوق راسها والتحليل قطع عليها كل طرق الهروب.. لقت نفسها خسرت كل حاجة وبقيت في القاع.. فصرخت بغل وحقد هستيري عمى عينيها..
= ومين قالك إنك بنتي؟!!.. أنتي عمرك ما كنتي بنتي أصلاً!
ليل برقت عينيها بصدمة أكبر وجسمها كله اتنفض..وعمار بص لـ نهال بتعجب وذهول وهو مش مصدق الجبروت اللي هي فيه أما الحاج سالم فـ اتصدم من اللي سمعه.. وقلبه انقبض وحس إن نهال كانت بتلعب عليه لعبة قذرة وكبيرة أوي من زمان وهو كان مغفل فيها.
ليل نطقت بصوت يدوب مسموع ومن بين دموعها..
_ "مش.. مش بنتك؟؟؟ "
نهال كملت بغل وحقارة وهي بتبص لـ ليل بـ استهزاء..
= أيوه مش بنتي! أنتي كنتي مجرد طعم في إيدي ودلوقتي بغباءك خسرتيني كل اللي عملته وبنيته من زمان.. لما اتنزلتي عن حقي وورثي لإيهاب يا غبية!
ليل حطت إيدها السليمة على قلبها.. وحست بـ خنجر اتغرس في صدرها مكانتش قادرة تتحمل حاجة تانية تسمعها وعقلها مبقاش يستوعب حجم الكدب اللي عاشت فيه عمرها كله..!
الحاج سالم خطى خطوة سريعة ناحية نهال وعينه بتطق شرار وزعق بصوت زلزل جدران المكان..
_ ازاي ليل بنتي ومش بنتك؟!! انطقي يا نهال.. عملتي إيه من 25 سنة؟ انطقييييي!
نهال بصتله بابتسامة انتصار مريضة ومستفزة رغم حصارها.. وقالت بنبرة تشفي..
= فاكر يا ابن منصور لما طلقتني ورميتني عشان خاطر متخسرش أبوك الشيخ منصور؟.. بس في الآخر برضو خسرته ومقاطعك.. وأنت عارفني كويس نهال مبتحبش الخسارة أبداً!
أنا كنت حامل وقتها زي ما كنت عارف.. بس لما ولدت بنتي ماتت! بنتك اللي أنا ولدتها مااااتت!
أخدت نفسها وكملت بـ جنون..
= وكنت هبقى بطولي لوحدي في الدنيا مش معايا أي حاجة تذلك وأكسرك بيها وأنت كسبان.. كسبت إنك فضلت مع أبوك ومراتك آمنة اللي كانت بتولد في نفس المستشفى .. وعرفت إنها جابت بنت بس بنتها طلعت عايشة..! وقتها أنا مسبتش فرصة.. ودخلت وبدلت البنتين في الحضانة! ما هو أنا مش هخرج من اللعبة دي خسرانة وإيدي فاضية وأنت مرتاح..!
سالم منصور دموعه نزلت بغزارة..وصدمة ممزوجة بـ فرحة رهيبة هزت كيانه من جوه ونطق بصوت مرتعش ومش مصدق
_ يعني.. يعني ليل بنتي أنا وآمنة؟!!
عاصم كان واقف متابع كل اللي بيحصل وهو مش مصدق نفسه.. عينه جت على ليل أخته الشقيقة اللي من لحمه ودمه البنت اللي طلعت من دمه عاشت العمر ده كله مع الست الشيطانة دي!
__________________//________________//_____________
سالم منصور من حجم الوجع القهر والمرار اللي عاشه 25 سنة وعقله مش مستوعب الجريمة البشعة دي.. عروقه برزت وعينيه اسودت تماماً وعمى الغضب بصيرته.. في ثانية سحب سلاحه ووجهه مباشرة لـ راس نهال وهو ناوي ينهي حياتها ويدفن سرها وقسوتها في مكانها..!
نهال شهقت برعب وغمضت عينيها.. بس قبل ما صباع سالم يضغط على الزناد عاصم مسك إيد أبوه بقوة ورفعها لفوق ونطق بنبرة مخنوقة كلها رجاء وتوسل هزت قلب أبوه..
_لأ يا أبويا.. عشان خاطري لأ..! أنا ما صدقت اتجمعنا ولمينا شملنا.. متوسخش إيدك في دم واحدة رخيصة وزي دي وتضيع نفسك وتضيعنا منك تاني! ..سيبها للقانون والعدالة هما يتصرفوا معاها ملناش دعوة بيها.. الشرطة خلاص على وصول وأنا مكلمهم بنفسي.. أرجوك يا أبويا نزل السلاح عشان خاطر بنتك وعشان خاطري!
سالم بص لـ ابنه عاصم.. لقى عينه مليانة دموع ورجاء حقيقي إنه يجمع عيلته تاني من غير دم أو خسارة جديدة.. هيبة الأبوة والوجع هديت جواه وأنفاسه المتلاحقة بدأت تنزل وبتنهيدة شقت صدره.. نزل إيده بالسلاح وسابه في جنبه.
وفي نص المعمعة دي.. ليل كانت واقفة زي الصنم.. من الصدمة مبقتش تنطق ولا تطلع حرف واحد...عينيها مثبتة في الفراغ ودموعها بتنزل بسكوت مرعب... عمار كان بيموت من الخوف عليها ليحصلها حاجة من حجم الصدمات اللي نزلت فوق راسها في دقايق..!
مسكها من إيدها بحنين وأخدها في حضنه ومشى بيها لحد عربية من العربيات وركبها وجلس جنبها.. ومفاتش ثواني معدودة.. وكان المكان كله اتقلب بقلم فاطمةشلبي بأصوات سرينات الشرطة اللي حاصرت المخبأ المهجور وفي لمح البصر تم القبض على نهال وإيهاب الألفي واقتادوهم مكلبشين برة سيناء كلها.
المكان فضي تماماً وساد الهدوء بعد العاصفة..
سالم كان واقف بيبص للفراغ ودموعه نازلة ..التفت لابنه عاصم اللي قرب منه وحط إيده على كتفه وقال بنبرة دافية مليانة أمل..
_ خلاص يا أبويا.. جه الوقت اللي ترجع فيه لبيتك تاني.. وتصلح كل اللي انكسر زمان مع جدي الشيخ منصور.
وفعلاً.. عاصم وسالم ركبوا عربيتهم عشان يرجعوا لبيت العيلة الكبيرة والمواجهة المنتظرة..
أما في العربية التانية.. عمار كان قاعد جنب ليل..ومكتفاش بنظرة طول الطريق كان ماسك إيدها السليمة وبيدفيها بين كفوفه وبيقويها.. وليل كانت ساندة راسها التعبانة على شباك العربية.. وعينيها بتتابع الطريق وضلمة سيناء في سكوت تام.. لا بتعترض ولا بتتكلم ولا بتقول أي حاجة.. مستسلمة تماماً لوجود عمار الجبالي اللي بقا هو خط دفاعها الوحيد عن العالم.
وصلت العربيات قدام بيت الشيخ منصور الكبير.. المكان اللي شهد على كسرة وعناد سنين طويلة...عمار فضل واقف برا مع ليل في العربية عشان يدي مساحة لعاصم وسالم وعاصم أخد نفس عميق ودخل البيت الأول..
أول ما خطى عتبة الصالة.. شكل عاصم كان يوجع القلب.. هدومه متبهدلة.. وفيه آثار كدمات في ملامحه من أثر الاشتباك العنيف والمجزرة اللي دارت في المخبأ.
أول ما شافوه...الحاجة آمنة وفيروز والشيخ منصور وقفوا كلهم في نفس الثواني.
آمنة جريت عليه بلهفة وخوف أم هز كيانها..ومسكت وش بإيدين بترتعش..
_ عاصم!! مالك يا بني؟ كنت فين وشكلك عامل كده ليه؟! جرالك إيه يا قلب أمك؟!
الشيخ منصور قام وقف وسند على عصايته..وبص لـ حفيده بقلق ونطق بصوت حازم بس مرعوب..
_ مين عمل فيك كده يا عاصم؟ أنت كنت في خناقة ولا إيه؟!!
فيروز كانت واقفة وراهم..مرعوبة من منظر جوزها المبهدل وضامّة إيدها لصدرها..وصرخت بدموع..
_ ما تتكلم يا عاصم طمنا؟ فيه إيه وإيه اللي بهدلك كده؟!
عاصم مكنش قادر ينطق.. كان بيبص لـ جده ولأمه بنظرة مليانة شجن ودموع محبوسة أخد خطوة على جنب.. وفجأة..!
وبخطوات ثابتة وتقيلة ومليانة هيبة مكسورة ظهر من وراه.. سالم!
الشيخ منصور اتسمر في مكانه وعصايته كانت هتقع من إيده.. ونطق بصوت هز أركان البيت من كتر الصدمة..
_ "سااالم ؟؟! "
وآمنة حطت إيدها على بؤها بصدمة شلت حركتها.. والدموع جرت في عينيها وهي مش مصدقة إن سالم قدامها بعد السنين دي كلها ..؟!!
_ يتبع ..