📁 آخر الروايات

رواية ريشة والصقر الفصل الثامن 8 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية ريشة والصقر الفصل الثامن 8 بقلم هاجر عبدالحليم 


الفصل الثامن
ارتطم الباب خلفه بعنفٍ حتى اهتزت جدران الغرفة الصغيرة، وبقيت ريشة واقفة في موضعها، يعبث الهواء المتسلل من الشقوق بأطراف عباءتها كأنما يذكّرها بما قاله منذ لحظات.
اتسعت عيناها قليلًا، وهمست بذهول:
"أسبوع... هو قال أسبوع... وبعدها السجن؟"
استندت بظهرها إلى الباب وأغلقته بقدمٍ مرتجفة، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، والكلمات لا تزال حية، ساخنة، تحرقها من الداخل.
"أنا عايز أخدك ليا لوحدي يا ريشة."
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد صوته من رأسها، لكن عبثًا.
نهضت فجأة.
توجهت إلى الدولاب، فتحته بعصبية، وأخرجت بدلة الرقص الحمراء... الحزام الذهبي... الخلخال الذي طالما دوّى صوته في الموالد.
وقفت أمام المرآة.
انعكس وجهها الشاحب، وعيناها المرهقتان، وذلك السؤال القديم الذي لم يفارقها يومًا: من تكون؟
وعاد صوته يتردد:
"هتوبي من اللي انتي فيه وهتبقي ست شريفة ومش عايزك ترقصي ف الموالد تاني."
في لحظة غضب، ألقت البدلة على الأرض وداسَت فوقها بقدمها.
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة.
"شريفة؟ قال شريفة قال هأو؟ أنا هموت من الجوع ومحدش هيديني لقمة، ولو تعبت محدش هيديني تمن الدوا... أنا مينفعش أثق فيه."
سكتت لحظة، ثم هزت رأسها بعنف.
"لأنه أكيد مفتون بيا زي اللي قبله... ومع أول غلطة هيعايرني بأصلي لأنه أحسن مني... يلا يا ريشة، اوعي تسمعي كلامه. هو مش هيتحكم في حياتك... قومي وشوفي أكل عيشك."
في صباح اليوم التالي — العاشرة صباحًا — عند القهوة
هبطت ريشة إلى الحارة.
كالعادة، العيون كلها انغرست فيها.
نساء من خلف الشبابيك، رجال فوق المصاطب، همسات لا تنتهي.
وعلى الناصية وقف العسكري الذي كلّفه زين بمراقبتها، وما إن لمحها حتى انتصب واقفًا.
قال بسرعة:
"على فين يا ست ريشة ع الصبح؟"
أجابته دون أن تنظر إليه:
"رايحة السوق أشتري شوية طلبات، وسعلي... ولا دا لازمله كمان تصريح من الباشا بتاعكم؟"
حكّ العسكري رأسه بحرج.
"تعليمات يا ست ريشة. هرافقك مطرح ما تكوني، دي أوامر البيه وأنا عبد المأمور."
رمقته بنظرة ضيق.
"خليك بعيد عني."
ثم مضت.
عبرت من جوار السوق؛ الضجيج يملأ المكان، أصوات الباعة، صياح النساء، رائحة الخضار والتراب المختلطين.
وعلى الرصيف لمحَت طفلًا صغيرًا يبيع المناديل.
اقتربت منه.
"بكام؟"
رفع الصغير رأسه وقال:
"بخمسة يا أبلة."
أخرجت عشرة جنيهات ووضعتها في يده.
"خد الباقي... عشانك."
تطلع إليها الصبي بفضول، ثم قال:
"إنتِ ريشة الحاوي؟ اللي بترقص ف المولد صح؟"
تصلبت ملامحها لثانية.
نظرت إليه وقالت:
"أيوة."
ثم ارتبكت فجأة، لأنها لمحَت شيئًا في آخر الشارع.
سيارة سوداء.
زجاجها معتم.
ساكنة... لكنها تراقب.
منذ الأمس وهي تشعر بتلك العيون.
ليست عيون عسكري زين.
عيون أخرى.
باردة... ثقيلة... جائعة.
خفضت رأسها، وانحرفت إلى زقاق جانبي.
فتحركت السيارة.
في الوقت نفسه — مكتب زين
كان زين جالسًا خلف مكتبه، وأمامه ملف سميك يحمل اسم:
علي عزيز
صور.
تحركات.
تسجيلات.
بلاغات قديمة.
لكن كل ذلك لم يكن يكفي.
الخيط الوحيد الذي قد يقوده إلى قلب الشبكة... كان ريشة.
ارتفع طرقٌ سريع على الباب.
"ادخل."
دخل العسكري يلهث.
"يا فندم، الست ريشة خرجت. راحت السوق النهارده... وفي عربية سودا من غير نمر بتتابعها من الصبح."
انتفض زين واقفًا.
"إزاي من غير نمر؟"
"متغطية بطين يا فندم."
ضاقت عيناه.
"بتابعها من إمتى؟"
"من ساعة ما نزلت من البيت، وشكلها بقالها فترة."
التقط زين جاكيته فورًا.
"ابعت قوة خفيفة تراقب من بعيد... وأوعي ريشة تحس بحاجة."
"علم يا فندم."
خرج العسكري راكضًا.
أما زين فتقدم نحو النافذة، يحدق في الفراغ، وقال بين أسنانه:
"غبية... وفاكرة هتغلب الدنيا لوحدها."
العصر — خرابة خلف المدافن
وصلت ريشة إلى المكان الذي اعتاد أبوها أن يقابل رجاله فيه قديمًا.
خرابة مهجورة، حجارة مكسورة، وسكون ثقيل يخنق الأنفاس.
ظنت أنها وحدها.
لكنها ما إن توغلت بضع خطوات حتى انبثق صوت من الخلف:
"اتأخرتي."
التفتت بفزع.
رجل عجوز، ظهره محني، جلبابه باهت، وتجاعيد السنين محفورة في وجهه.
شهقت:
"عم صابر؟ إنت عايش؟"
أومأ برأسه.
"عايش... ومستنيكي. أبوكي بعتلي رسالة، قالي لو مات... إنتِ اللي هتيجي."
سقط قلبها بين ضلوعها.
"أبويا مات؟"
هز رأسه.
"معرفش."
ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها إليها.
"قال لي أديكي دي... وقال: ريشة هتعرف تفتحها."
تناولتها بأصابع مرتعشة وفتحتها.
نقشٌ غريب.
نفس النقش المنحوت على باب المقبرة.
صقرٌ قابض على مفتاح.
وتحته عبارة واحدة:
"الريشة اللي متتكسرش... تدفن في بيت الصقر."
ارتعشت يدها.
"يعني إيه؟"
اقترب عم صابر وهمس:
"يعني أبوكي سايب لك المفتاح... وسايب لك مكانه. بس علي لو عرف إن الورقة معاكي... مش هيطلع عليكي صبح."
وكأن الاسم استدعى صاحبه.
صرير فرامل سيارة بالخارج.
ثم صوت باب يُفتح.
وجاء صوت رجولي خشن:
"بتعمل إيه هنا يا صابر؟"
التفتت ريشة.
وحيد.
ذراعه مجبسة، وفي يده الأخرى مطواة، وخلفه رجلان.
ابتسم ابتسامة قذرة.
"وحشتيني يا بنت الحاوي... والحاج علي بيسلم عليكي وعايز الورقة اللي ف إيدك."
أخفت ريشة الورقة داخل صدرها بسرعة.
"خلاص... بح."
قهقه وحيد وهو يقترب.
"طب ما احنا ممكن نعاين؟ المعاينة بتعدل النفس أوي يا ريشة."
وقف عم صابر أمامها.
"اتحشم يا واد إنت."
دفعه وحيد بعنف، فسقط العجوز على الأرض.
"غور يا عجوز من هنا."
صرخت ريشة وهي تندفع نحوه:
"إنت مجرم! واللي بعتك هعرف شغلي معاه."
ابتسم بخبث.
"مش هتلحقي... لأني محضرلك زفة إنما إيه، ومحضرلك أحلى كفن تحضري بيه دفنتك... قصدي زفتك."
وقبض على ذراعها.
وفجأة—
"وحيد."
الصوت جاء من الخلف.
هادئًا... باردًا... قاتلًا.
التفت الجميع.
كان زين واقفًا عند باب الخرابة.
يد في جيبه.
والأخرى تحمل طبنجته.
وحده.
ابتسم وحيد.
"يا أهلاً... الصقر بنفسه. جاي فيك الخير، عمرك ما بتفوت واجب العزا. أصلها هتموت النهارده؟"
ثبت زين عينيه على يد وحيد الممسكة بريشة وقال ببرود:
"مش طيب لما تموتها تخليني أطلقها عشان مترملش بدري."
دفع وحيد ريشة بعيدًا.
"يعني إيه؟" نظر إليها بخبث. "اتجوزتي يا حلوة؟ طب مبروك... هديتي ليكي ونقطتي هي دمه."
ورفع المطواة.
قال زين بصوت منخفض:
"آخر مرة... سيب المطواة، ونام على الأرض. عشان لو اتحركت خطوة... هصفي حسابي القديم والجديد."
غمز وحيد للرجلين خلفه.
"الكترة تغلب يا زين بيه."
وفي اللحظة التالية—
ظهرت نقاط ليزر حمراء على صدره وصدر الرجلين.
قناصة القوة التي أرسلها زين تمركزوا فوق الأسطح.
ابتلع وحيد ريقه.
"إنت مش هتكسب... علي هيخرجني."
أجابه زين وهو يقترب:
"عارف."
ثم—
لكمة.
عنيفة.
استقرت في وجه وحيد.
انفجرت الندبة القديمة، وتناثر الدم.
سقط على الأرض.
انحنى زين، أمسكه من قميصه، وأقامه بعنف.
لكمة ثانية.
"خطفتها."
ثم ضربة ثالثة وهو يهدر:
"وهددتها وخوفتها."
وضربة تحت الحزام جعلت وحيد ينهار صارخًا.
اقترب زين من أذنه وهمس:
"كان واجب قبل ما تعمل اللي عملته... تخاف على روحك مني."
تركه يسقط.
ثم نظر إلى الرجلين الآخرين وقال:
"شيلوا الكلب ده... وقولوا للحاج علي: زين المنصوري بيقولك، الأسبوع بدأ... والريشة في عشها. واللي مش عاجبه ييجي يقطع العش... واحنا خير المرحبين."
حملوه وفرّوا.
ساد الصمت.
التفت زين إلى ريشة.
كانت تقف بجوار عم صابر، أنفاسها متسارعة، والورقة لا تزال في يدها.
سألها وهو يلهث:
"إنتِ كويسة؟"
لم تجب.
مدت الورقة إليه.
تناولها، قرأ السطر، ثم عقد حاجبيه.
"بيت الصقر؟ قصدك إيه؟"
قالت وهي تنظر إليه مباشرة:
"قصدي... التمثال ف بيت الصقر."
رفع زين عينيه إليها، ثم إلى الورقة.
وسكنت ملامحه فجأة.
قال ببطء:
"في صقر واحد أبوكي يعرفه... ويثق فيه... ويعرف إنه لو مات، بنته هتبقى في حمايته."
همست:
"مين؟"
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"أنا."
اقترب خطوة.
"بيت الصقر... بيتي أنا يا ريشة."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات