رواية نسخة من روحي الفصل الثامن 8 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء الثامن )
"حلا "
كنتُ أركض .. لا أعرف لماذا ولا من ماذا .. لكن قدماي كانتا تعرفان الطريق أكثر مني .. نفقٌ طويل ..مظلم و رطب .. جدرانه تضيق كلما أسرعت وصدى أنفاسي يسبقني ويعود إليّ كأنه يطاردني.
خلفي كان هناك شيء لم أره بوضوح و لكنني شعرت به.
هيئةٌ ثقيلة و مشوّهة أقرب إلى وحشٍ خرج من كابوس لا اسم له .. لم يكن يركض بسرعة ومع ذلك لم يتوقف عن الاقتراب .. وكأن الخوف نفسه هو الذي كان يدفعني للأمام.
كنت أبكي وأنا أركض .. دموعي تنزل من دون إرادتي .. وفي آخر النفق رأيت نوراً حقيقياً دافئاً لا يؤذي العين
ركضت نحوه بكل ما تبقّى فيّ من قوة وأنا أصرخ بلا صوت
والوحش خلفي بدأ يبتعد وكأنه لم يعد مسموحًا له بالاقتراب أكثر .. مددت يدي نحو الضوء وحين لامسته ... فتحت عيني.
"حلا "
كنتُ أركض .. لا أعرف لماذا ولا من ماذا .. لكن قدماي كانتا تعرفان الطريق أكثر مني .. نفقٌ طويل ..مظلم و رطب .. جدرانه تضيق كلما أسرعت وصدى أنفاسي يسبقني ويعود إليّ كأنه يطاردني.
خلفي كان هناك شيء لم أره بوضوح و لكنني شعرت به.
هيئةٌ ثقيلة و مشوّهة أقرب إلى وحشٍ خرج من كابوس لا اسم له .. لم يكن يركض بسرعة ومع ذلك لم يتوقف عن الاقتراب .. وكأن الخوف نفسه هو الذي كان يدفعني للأمام.
كنت أبكي وأنا أركض .. دموعي تنزل من دون إرادتي .. وفي آخر النفق رأيت نوراً حقيقياً دافئاً لا يؤذي العين
ركضت نحوه بكل ما تبقّى فيّ من قوة وأنا أصرخ بلا صوت
والوحش خلفي بدأ يبتعد وكأنه لم يعد مسموحًا له بالاقتراب أكثر .. مددت يدي نحو الضوء وحين لامسته ... فتحت عيني.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لا يوجد صراخ ولا ركض ولا وحوش .. فقط أنا ورأسي الفارغ .. حاولت أن أبحث في داخلي عن شيء أعرفه .. اسم أو وجه أو ذكرى أو حتى خوف مألوف لكن لا شيء كان هناك.
عينيّ كانتا تتحركان من مكانٍ لآخر بضياع وكأنني أنظر إلى العالم لأول مرة .. وكأنني ضيفة في جسدي نفسه .. لم أشعر بالألم ولا بالراحة بل شعرت بالذهول فقط .. ذهول أن أستيقظ حيّة من دون ماضٍ ومن دون أن أعرف من كنتُ ولا لماذا كنتُ أهرب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- من هذا ؟
سألت نفسي وأنا مازالت أحاول إيجاد أيّ ذكرى عنه .. قال لي أنه لن يسمح لشخصٍ اسمه مؤيد بالاقتراب مني .. ومن يكون مؤيد أيضاً ؟
لم أعرف ماذا أُجيب فسألته:
- من هو مؤيد ؟
نظر لي بدهشة ثم خرج راكضاً من الغرفة .. هل قلتُ شيئاً خطأ ! عاد ومعه رجلٌ آخر يرتدي مريولاً أبيض وأخذ يسألني عن اسمي وعمري وكيف وصلت إلى هنا .. لم أعرف ماذا أجيبه .. أخيراً سألني أربعة زائد أربعة لأجيبه بسرعة ثمانية
حسناً أخيراً سأل سؤالاً يسهل الإجابة عليه .. بعدما انتهى خرج مع الشاب وتركوني جالسة وحيدة عدة دقائق ليعود الشاب وحده ويجلس على الكرسي .. جلست لحظات أنظر إليه وأنا أضم الغطاء إلى صدري .. كان لطيف المظهر حسن الوجه وملامحه مريحة للنظر.
شعره بنيٌّ داكن غير مرتّب تمامًا كأنه مرّر يده عليه على عجل .. عيناه فاتحتان تحدّقان بي بثبات لا تبتسمان ولا تعكسان قسوة بل فيهما شيء يشبه القلق حاجباه عريضان وملامح وجهه متناسقة فكه محدد وذقنه مغطاة بطبقة خفيفة من اللحية .. كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وفوقه سترة قماشية داكنة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان صوته حين تكلّم منخفضاً وهادئًا أكثر مما توقعت وكأن الغرفة كلها صارت أهدأ معه .. لم أتذكره .. لكن وجوده لم يكن غريبًا حقاً .. بل كان مطمئناً لي .. سألته:
- من أنت ؟
أجابني بتردد واضح :
- أنا أدهم
ابتسمت وهمست في داخلي كم هو اسم جميل ويليق بشابٍ مثله .. ثم سألته وأنا أدعو أن يكون الجواب لا .. فقلبي بالفعل لم يهدأ منذ أن رأيته:
- هل أنت أخي؟
حل الصمت بيننا لحظات وأنا أنتظر بخوف الاجابة ليرد أخيراً:
- نعم أنا أخوكِ
يا للخيبة إنه أخي .. هل هذا الذي يُضرب فيه المثل أن أخته تعشقه ! ليته لم يكن أخي .. مع ذلك شعرت بنوعٍ من الراحة .. لو كان أخي بهذه الوسامة فلا بد أنني جميلة مثله .. تمالكت نفسي وسألته سؤالاً آخر:
- ما اسمي ؟
- اسمكِ حلا .. ماذا تريدين أن تعرفي أيضاً؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لماذا أنا هنا ؟
شعرته يتهرب من الإجابة ولم يجبني لهذا اخترت عدم سؤاله مرة أخرى .. ولكنني عدت لأسأل حتى أتأكد:
- وأنت؟
- أنا ماذا ؟
- أنت أخي؟
شعرت أن سؤالي للمرة الثانية كان محرجاً له لأنه لم يجبني وكأنه يقول في داخله " ما أمر تلك المختلّة " حقاً لا أرغب أن يكون أخي .. في داخلي كنت آمل أن تكون تلك كذبة ..
مرّت الأيام في المستشفى بطيئة .. كان أدهم يزورني كل يوم نصف ساعة .. أحياناً ساعة .. يجلس ويطمئن و يسأل إن كنت أكلت أو كان يؤلمني شيء ثم يرحل .. وحين يغيب كنت أشعر بوحدةٍ موحشة كانت تخيفني حقاً .. في يومٍ من الأيام كان ذلك الطبيب يجلس أمامي مع فتاة تحمل أوراقاً ويبدأ بوصلة أسئلته التي لا تنتهي ..
من أنا .. ما اسم والداي .. كيف وصلت للمشفى .. هل يعتقد أنني موسوعة ! يا له من شخصٍ لحوحٍ و مزعج .. كنت أتمنى لو يأتي أحدهم لينقذني منه .. ثم قاطعته وأنا أردد ذات السؤال كل مرة :
- متى سيعود أدهم؟
ضحك و رد وهو يسجل على الملف بيده :
- لن يتأخر .. أخبريني ما ...
قاطعته بتململ :
- قلت لك لا أستطيع تذكر شيء .. كفّ عن الضغط عليّ بتلك الأسئلة الصعبة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت في مثل عمري تقريباً وربما أصغر بقليل .. لكن ما شدّني إليها لم يكن عمرها بل ملامحها ..كانت جميلة .. جميلة بشكلٍ هادئ لا يلفت الانتباه بالصخب بل يسرق النظر دون جهد .. بشرتها صافية وعيناها واسعتان وملامحها متناسقة كأنها رُسمت بعناية .. لا أعرف لماذا وجدت نفسي أتمنى في تلك اللحظة تحديداً لو أملك ولو جزءاً بسيطاً من جمالها .. لأشعر بأنني كاملة مثلها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كنت أجيبها بأبسط ما أملك .. لا ذكريات .. لا تفاصيل .. لا ماضٍ أستند إليه .. كل شيء في رأسي كان فارغًا كغرفةٍ أُفرغت من أثاثها فجأة .. ومع ذلك حين ذُكر ذلك الشخص الذي قيل لي إنه أخي .. شعرتُ بوميضٍ سريع في داخلي .. نبضةٌ صغيرة في صدري .. كأن هذا الاسم وحده يملك القدرة على اختراق ذلك الفراغ .. لم أكن واثقة من أي شيء .. حتى من كلماتي نفسها .. كنت أصدّق ما يُقال لي لأنني لا أملك خياراً آخر .. انقطع وجودها فجأة وكأن الواقع تذكّرها وانتزعها من الغرفة.
نهضت على عجل وغادرت وهي تحمل معها شيئاً لم أستطع تحديده .. ربما طمأنينة .. وربما حيرة أكبر .. عدتّ وحدي بعد خروجها .. أحدّق في الفراغ لكن لم أعرف اسمها .. كم تمنيت أن تبقى معي .. وتمنيت أن أمتلك ربع جمالها ذاك .. يا لها من محظوظة .. ولكن ليس بحظي .. فأنا لدي أخٌ وسيمٌ وحنون اسمه أدهم .. كنت أنتظره أكثر من أي دواء .. في البداية كان رأسي فارغاً لا أذكر شيئاً ولكن شيئاً فشيئاً بدأت الصور الصغيرة تتسلل إليّ متقطعة و غير واضحة و لكنها موجعة.
صوته .. طريقة وقوفه .. نظرته عندما يقترب مني بحذر كأنه يخاف أن يكسرني وفجأة .. فجأة تذكرت أنه ليس أخي .. تذكرت ذلك الحي المقيت .. تذكرت الشرفة التي طالما جلست بها هرباً من واقعي المؤلم .. تذكرت مؤيد .. ذلك الوحش المقيت الذي يسمى زوجي .. ثم تذكرت شاباً وقف بوجه مؤيد وقال له “احذر. .. أنا لن أسكت على أفعالك.”
كان هو أدهم .. ليس أخي .. بل جارنا .. وتذكرت أكثر ..تذكرت أحلامي القديمة التي كنت أهرب فيها من الضرب والخوف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
.. الوحيد الذي كان يحتويني بلا ألم .. عندما فهمت أنه كذب عليّ لم أغضب بل خفت .. خفت أن يقول الحقيقة وخفت أكثر أن يتركني
قلت لنفسي .. إذا عرف أني تذكرت قد يتركني .. قد يعيدني إلى ذلك العالم الذي حطمني ولا عودة لي .. أبي سلمني لمؤيد وأنا في الرابعة عشرة وسافر ولم يعد يسأل ولا مرة واحدة بعد ذلك .. واليوم بعد كل هذا الخراب وجدت نفسي أمام ملجأ واحد فقط "أدهم." .. قررت أن أصمت .. ليس لأنني كاذبة بل لأنني تعبت من الألم والخوف .. ليبقى أخي وما المشكلة في ذلك !.. حتى يبقى قريباً مني وأنا في داخلي كنت مستعدة للذهاب معه لأي مكان لآخر الدنيا إذا شاء .. المهم ألا يتركني وحيدة مرة أخرى
أحضر لي بعض الثياب وذهب ليكمل إجراءات خروجي .. بدت لي ثياباً مستعملة ولكنها نظيفة وأنيقة وكانت تبدو باهظة الثمن .. سررت بها فأنا لم أرتدي ملابس بهذا الجمال من قبل .. لقد كانت كبيرة بعض الشيء ولكنها وفت بالغرض ثم وقفت أنتظره حتى جاء أخيراً .. كنت أمثل أنني فاقدة الذاكرة وأكلمه بحذر حتى لا يشك بي .. لاحظت أنه لم يبادر أو يقترب حتى يلمسني بحجة أنه شقيقي .. سررت بذلك أيضاً .. فهمت أنه ليس من النوع الاستغلالي .. أحداً غيره كان سيخترع المناسبات حتى يقترب ويلمس جسدي من دون إذني .. مع ذلك اقتربت أنا منه وتمسّكت بذراعه ومشينا .. تفاجأت أنه كان يملك سيارة .. ساعدني بالركوب وانطلق بها .. جلست أخمّن إلى أين سيأخذني ..
لم أكن خائفة فقد كنت أشعر بأمان وراحة في قلبي وأنا جالسة بجانبه .. كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الشوارع والمباني وكأنني أراها لأول مرّة .. أستنشق الهواء بحرّية من دون قيود .. وصلنا أخيراً إلى منطقة أخرى غير التي كنت أقطن بها ونزلنا .. اعتقدت أنه أحضرني لمنزل أهله .. توقعت أن يفتح الباب وينادي والدته ليعرفها عليّ ولكنني كنت مخطئة .. وصلنا لشقة صغيرة ودخلنا .. سألني إن كانت قد أعجبتني فرددت أنها جميلة واقترحت عليه أن يحضر بعض النباتات البيتية ووعدني بشرائها ومن ثم أخذني بجولة في أنحاء الشقة .. لم تكن الجولة طويلة فقد كانت الشقة صغيرة بغرفةٍ واحدة وصالة مع مرافقها .. نظرت إليه بحزن وقلت :
- هناك غرفة واحدة فقط
فرد عليّ بابتسامة مريحة :
- وماذا في ذلك ؟ على كل حال انها غرفتك
تفاجأت من إجابته .. لقد بدا لي راضياً بذلك وخاصةً عندما أخبرني أنه سينام على الأريكة .. شعرت بالحزن اتجاهه ولكنه سرعان ما غيّر الموضوع وسألني إن كنت جائعة ثم خرج لشراء العشاء .. في اللحظة التي خرج بها من الشقة وأغلق الباب خلفه أطلقت تنهيدةً طويلة والتفت وأخذت أتمشى في أنحاء تلك الشقة .. ذهبت إلى الغرفة وفتحت الخزانة وفوجئت بمزيد من الثياب الجميلة .. نظرت للأسفل ووجدت عدة من أزواج الأحذية ذات الكعب العالي والعادية .. ابتسمت وأخذت أجرّبها .. كانت تناسبني وألوانها أنيقة .. أعدتها للخزانة والتفت نحو التسريحة ووجدت أشياءً جديدة .. كالمشط وبعض الكريمات و العطور التي تناسب الفتيات .. فتحت الدرج وجدتها ممتلئة بأشياء نسائية جديدة .. أُصبت بالذهول فهو لم ينسى شيء .. كل شيءٍ قد أحتاجه كان موجوداً .. جلست على طرف السرير وأخذت أُفكر .. هل سيتركني ويرحل إن علم أنني أكذب! .. أم سيعيدني إلى ذلك الجحيم ؟
هززت رأسي لأطرد تلك الأفكار السيئة ووقفت بسرعة واتجهت للمطبخ .. فتحت الثلاجة لأبحث عن أي شيء لكنها كانت فارغة .. عدت لأبحث في الخزائن ووجدت بعض المعلبات وأكياس الشوربة سريعة التحضير .. أخذت الأكياس وبدأت بتحضيرها .. كنت أجد ملاذاً في طهو الطعام وهروباً من أفكاري السيئة بإشغال عقلي بالتفكير في مكونات الطبخة وكيفية إضافتها وهكذا حتى عاد أدهم ..
كانت تلك الليلة الأولى في الشقة أصعب مما توقعت .. كنت أخاف أن أُخطئ .. كل حركة مني كانت محسوبة .. كل كلمة يجب أن تبدو صادقة وكل نظرة يجب ألا تفضح أنني أتذكر شيء
لم تكن الكوابيس وحدها ما أيقظني مراراً .. بل فكرة واحدة تتكرر في رأسي .. ماذا لو ابتعد؟ ماذا لو اكتشف أنني لم أعد فاقدة الذاكرة كما يظن؟ .. كنت أخرج من الغرفة أكثر من مرة وأقف أراقبه من بعيد .. أطمئن نفسي بوجوده .. كنت أستطيع النوم وحدي ولكنني كنت أحتاج إلى قربه .. لا كحاجة جسدية بل كخوفٍ من أن أُترك مرة أخرى .. وفي كلّ مرة كان يشعر بوجودي ويستيقظ فوراً .. يرفع رأسه بتعبٍ واضح ويسألني بصوتٍ خافت إن كنت أحتاج شيئاً .. كنت أشعر بالذنب في كل مرة أوقظه فيها .. هو الذي منحني السرير والغرفة والأمان ورضي لنفسه بتلك الأريكة الضيقة .. رأيت الإرهاق في عينيه ورأيت كيف يحاول إخفاءه بابتسامة مطمئنة فزاد ذلك من ثقل قلبي.
في المرة الثالثة .. حملت الوسادة ووقفت بجانبه وتعمدت أن أبدو مترددة و خائفة تماماً كما يتوقع ممن لا يملك ماضياً يتكئ عليه .. ناديته بصوتٍ خافت وحين استيقظ وسألني ما بي قلت له إنني حلمت حلماً مخيفاً .. لم أكذب كثيراً .. الخوف كان حقيقياً وإن اختلف سببه
حين قال إن هذا الكابوس الثالث كدت أبتسم وأفضح أمري .. لو كان يعلم أن ما يرعبني ليس حلماً بل أن أستيقظ يوماً ولا أجده إلى جانبي لعذرني حقاً
سألني عمّا يجب فعله فتظاهرت بالتردد .. حرّكت قدمي كما تفعل الفتيات حين لا يعرفن كيف يطلبن ما يحتجن إليه وقلت إنني أريد النوم هنا على الأريكة الأخرى.
كنت أعرف أنه سيوافق ومع ذلك انتظرت كلمته وكأن مصيري كله معلّق بها.
حين سمح لي شعرت بالراحة .. تمددت على الأريكة المقابلة له وجعلت رأسي باتجاهه عمداً .. أردت أن أراه قبل أن أنام.
قلت لنفسي .. إذا عرف أني تذكرت قد يتركني .. قد يعيدني إلى ذلك العالم الذي حطمني ولا عودة لي .. أبي سلمني لمؤيد وأنا في الرابعة عشرة وسافر ولم يعد يسأل ولا مرة واحدة بعد ذلك .. واليوم بعد كل هذا الخراب وجدت نفسي أمام ملجأ واحد فقط "أدهم." .. قررت أن أصمت .. ليس لأنني كاذبة بل لأنني تعبت من الألم والخوف .. ليبقى أخي وما المشكلة في ذلك !.. حتى يبقى قريباً مني وأنا في داخلي كنت مستعدة للذهاب معه لأي مكان لآخر الدنيا إذا شاء .. المهم ألا يتركني وحيدة مرة أخرى
أحضر لي بعض الثياب وذهب ليكمل إجراءات خروجي .. بدت لي ثياباً مستعملة ولكنها نظيفة وأنيقة وكانت تبدو باهظة الثمن .. سررت بها فأنا لم أرتدي ملابس بهذا الجمال من قبل .. لقد كانت كبيرة بعض الشيء ولكنها وفت بالغرض ثم وقفت أنتظره حتى جاء أخيراً .. كنت أمثل أنني فاقدة الذاكرة وأكلمه بحذر حتى لا يشك بي .. لاحظت أنه لم يبادر أو يقترب حتى يلمسني بحجة أنه شقيقي .. سررت بذلك أيضاً .. فهمت أنه ليس من النوع الاستغلالي .. أحداً غيره كان سيخترع المناسبات حتى يقترب ويلمس جسدي من دون إذني .. مع ذلك اقتربت أنا منه وتمسّكت بذراعه ومشينا .. تفاجأت أنه كان يملك سيارة .. ساعدني بالركوب وانطلق بها .. جلست أخمّن إلى أين سيأخذني ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- هناك غرفة واحدة فقط
فرد عليّ بابتسامة مريحة :
- وماذا في ذلك ؟ على كل حال انها غرفتك
تفاجأت من إجابته .. لقد بدا لي راضياً بذلك وخاصةً عندما أخبرني أنه سينام على الأريكة .. شعرت بالحزن اتجاهه ولكنه سرعان ما غيّر الموضوع وسألني إن كنت جائعة ثم خرج لشراء العشاء .. في اللحظة التي خرج بها من الشقة وأغلق الباب خلفه أطلقت تنهيدةً طويلة والتفت وأخذت أتمشى في أنحاء تلك الشقة .. ذهبت إلى الغرفة وفتحت الخزانة وفوجئت بمزيد من الثياب الجميلة .. نظرت للأسفل ووجدت عدة من أزواج الأحذية ذات الكعب العالي والعادية .. ابتسمت وأخذت أجرّبها .. كانت تناسبني وألوانها أنيقة .. أعدتها للخزانة والتفت نحو التسريحة ووجدت أشياءً جديدة .. كالمشط وبعض الكريمات و العطور التي تناسب الفتيات .. فتحت الدرج وجدتها ممتلئة بأشياء نسائية جديدة .. أُصبت بالذهول فهو لم ينسى شيء .. كل شيءٍ قد أحتاجه كان موجوداً .. جلست على طرف السرير وأخذت أُفكر .. هل سيتركني ويرحل إن علم أنني أكذب! .. أم سيعيدني إلى ذلك الجحيم ؟
هززت رأسي لأطرد تلك الأفكار السيئة ووقفت بسرعة واتجهت للمطبخ .. فتحت الثلاجة لأبحث عن أي شيء لكنها كانت فارغة .. عدت لأبحث في الخزائن ووجدت بعض المعلبات وأكياس الشوربة سريعة التحضير .. أخذت الأكياس وبدأت بتحضيرها .. كنت أجد ملاذاً في طهو الطعام وهروباً من أفكاري السيئة بإشغال عقلي بالتفكير في مكونات الطبخة وكيفية إضافتها وهكذا حتى عاد أدهم ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم تكن الكوابيس وحدها ما أيقظني مراراً .. بل فكرة واحدة تتكرر في رأسي .. ماذا لو ابتعد؟ ماذا لو اكتشف أنني لم أعد فاقدة الذاكرة كما يظن؟ .. كنت أخرج من الغرفة أكثر من مرة وأقف أراقبه من بعيد .. أطمئن نفسي بوجوده .. كنت أستطيع النوم وحدي ولكنني كنت أحتاج إلى قربه .. لا كحاجة جسدية بل كخوفٍ من أن أُترك مرة أخرى .. وفي كلّ مرة كان يشعر بوجودي ويستيقظ فوراً .. يرفع رأسه بتعبٍ واضح ويسألني بصوتٍ خافت إن كنت أحتاج شيئاً .. كنت أشعر بالذنب في كل مرة أوقظه فيها .. هو الذي منحني السرير والغرفة والأمان ورضي لنفسه بتلك الأريكة الضيقة .. رأيت الإرهاق في عينيه ورأيت كيف يحاول إخفاءه بابتسامة مطمئنة فزاد ذلك من ثقل قلبي.
في المرة الثالثة .. حملت الوسادة ووقفت بجانبه وتعمدت أن أبدو مترددة و خائفة تماماً كما يتوقع ممن لا يملك ماضياً يتكئ عليه .. ناديته بصوتٍ خافت وحين استيقظ وسألني ما بي قلت له إنني حلمت حلماً مخيفاً .. لم أكذب كثيراً .. الخوف كان حقيقياً وإن اختلف سببه
حين قال إن هذا الكابوس الثالث كدت أبتسم وأفضح أمري .. لو كان يعلم أن ما يرعبني ليس حلماً بل أن أستيقظ يوماً ولا أجده إلى جانبي لعذرني حقاً
سألني عمّا يجب فعله فتظاهرت بالتردد .. حرّكت قدمي كما تفعل الفتيات حين لا يعرفن كيف يطلبن ما يحتجن إليه وقلت إنني أريد النوم هنا على الأريكة الأخرى.
كنت أعرف أنه سيوافق ومع ذلك انتظرت كلمته وكأن مصيري كله معلّق بها.
حين سمح لي شعرت بالراحة .. تمددت على الأريكة المقابلة له وجعلت رأسي باتجاهه عمداً .. أردت أن أراه قبل أن أنام.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ناديته فجأة فقط لأسمع صوته .. سألته إن كان مرتاحاً لا لشيء إلا لأن صوته كان يثبت لي أنني لم أعد وحدي.
طلب مني أن أنام .. فضحكت وأغمضت عينيّ على الفور .. هذه المرة لم أكن خائفة من الظلام .. كنت خائفة فقط من اليوم الذي قد أضطر فيه لأن أقول له الحقيقة ولهذا قررت أن أبقى صامتة حتى لو اضطررت إلى التمثيل أكثر فأنا مستعدة لأن أضيع كل شيء إلا هو.
مرّت الأيام بسرعة .. كان يخرج منذ الصباح ويعود في المساء وكأنه يتقصّد فعل ذلك .. كم كان هذا يضايقني .. حسناً لقد كذب عليّ وقال أنه أخي .. لماذا لا يتصرف على هذا الأساس؟ لما يجعلني أنتظره وأتحرق شوقاً لعودته في كل مرة ؟ لماذا يصرّ أن يخيفني في كلّ مرة لتسيطر الأفكار السلبية على عقلي ويجعلني أفكر في كل مرّة أنه لن يعود !
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا تفعلين ؟
- كما ترى .. أقوم بنشر الثياب حتى تجفّ
أخذها من يدي وقال بغضب :
- ادخلي .. أنا سأفعل هذا
عدت لأختطفها من يده وقلت :
- إنه عملي لا عملك
- حقاً ؟
رددت بعناد :
- حقاً
- ولكنك ما زلتِ مريضة
- لست كذلك .. إنني أقوى منك
ضحك بسخرية وبدأ يأخذ مني الملابس لأقوم بسحبها من يده بينما هو يقول :
- أنا سأنشر هذه الملابس
- دعهااا أنا سأفعل هذا
بقينا نتشاجر في الشرفة حتى طارت قطعة الملابس من يدنا وسقطت من الشرفة لنسمع في الأسفل صوت أحدهم يصرخ .. مددنا رأسينا للأسفل لنرى ما سبب الصراخ لنجد قطعة الملابس قد وقعت على رأس أكثر جارٍ عصبي في المنطقة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- نظراته لا تبشر بالخير
- أظنه سيقتلني إن صادفني في الحارة
فجأة صرخ الجار بأعلى صوته :
- ألم يعلمكما والديكما احترام الجيران أيها الشقيان ..
كان صوته عالٍ لدرجة أننا عدنا مسرعين للداخل خوفاً منه لينظر إلي أدهم ويقول :
- أظن أنني لن أخرج من المنزل قبل أسبوع بسببك
ضحكت وقلت :
- لا تكن جباناً إنه جار طيب القلب
- صحيح .. طيب القلب وثقيل اليد أيضاً
كنت قد اعتدت على تلك الحياة .. اعتدت على وجوده وصوته حولي .. لم أكن خائفة وكأن كل الخوف تلاشى من حياتي .. وجهي بدأ يعود طبيعياً .. كنت أزيل الضمادات واحدة تلو الأخرى وأنظر لوجهي بإعجاب .. إن ملامحي فعلاً جميلة تذكرني بتلك الفتاة التي قابلتها في المستشفى .. شعرت أنني مشتاقة لشكلي من دون كدمات وجروح .. وها هي تلك الجروح تبرد والكدمات تختفي .. وأدهم .. كان حريص على أخذي كل أسبوع إلى عيادة طبية حتى يغير ضماداتي التي كانت منتشرة في وجهي وعلى رأسي ..
في مساء أحد الأيام ناداني وجلس قبالتي على الطاولة ونظر إلي باهتمامٍ وحنان لم أكن قد رأيته بأحد من قبل ..
حين بدأ الحديث وأخبرني حقيقة ما حصل لي تجمّد بصري عليه .. لم أكن أسمع كلماته كاملة ولا أفهم ترتيبها .. كل ما كنت أشعر به هو ذلك الخوف المفاجئ الذي سيطر عليّ .. الخوف من أن يقول الجملة التي كنت أهرب منها منذ أيام.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
جلست أنظر إليه بصمتٍ وقلبي يسبق عقلي وداخلي يتوسل:
- قل أي شيء و لكن لا تقل تلك الحقيقة .. لا تعترف بتلك الكذبة .. أرجوك
حين قال أن الأمر بيدي وأن الخلاص ممكن لم أفكر .. وافقت فوراً .. وافقت لأنني لم أحتمل فكرة أن أعود إلى ذلك النفق المظلم ولا فكرة أن أفقده هو .. وافقت لأن وجوده كان الأمان الوحيد الذي وجدته .. حتى وأنا أستعيد ذاكرتي قطعةً قطعة .. وافقت لأنني لم أرد أن أسمع اعترافاً قد يبعده عني أو يغيّر الطريقة التي ينظر بها إليّ.
لم أسأله كيف ولم أسأله لماذا ولم أسأله إن كان هذا الطريق صعباً أو مخيفاً .. قلت نعم في داخلي قبل أن أنطقها.
نعم لكل ما كان يقوله ويقترحه .. نعم لأي طريق يأخذني بعيداً عن مؤيد ونعم لأي كذبة تُبقيني قرب أدهم.
في تلك اللحظة لم أكن شجاعة .. كنت فقط مرعوبة من العودة لوكر ذلك المتوحش