رواية اقدار مؤجلة الفصل الثامن 8 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟖: ورقة النهاية
by Volny_morya
أسحب نِفسي تلقائياً دون أي ذرة ندم عندمآ أشعر أنني بمكانٍ لآ يليق بي ⊰ .
19
.. .. .. ... ..
ممددة بلا حراك، عيناها شاخصتان إلى السقف وكأنهما تحاولان اختراق النقوش الحديثة المرسومة عليه، كأنها تبحث عن معنى أو مخرج...
4
الضوء الشاحب تسلل بخجل من بين الستائر الخفيفة، يعلن أن الصباح مضى على موعده بساعتين كاملتين...
كان يفترض بها الآن أن تكون قد أنهت تدريبها الصباحي، استحمت، ارتدت ملابسها الرسمية وجلست خلف مقود سيارتها في طريقها إلى المكتب...
4
لكن الواقع كان مختلفًا؛ جسدها ثقيل، عظامها توجعها كأنها محطمة من الداخل، حلقها جاف، كل محاولة لابتلاع الريق تتحول إلى عذاب حارق..
1
رأسها كان ساحة فوضى؛ أفكار متشابكة، غير مرتبة، تطرق جدار عقلها بلا هوادة..
كيف ستتعامل مع ما حدث؟ كيف تعيد حياتها إلى مسارها المرسوم بعناية قبل أن تتفكك؟ وكيف تنهي ذلك الفصل من حياتها الذي انزلقت إليه بقرار متسرع قبل أربع سنوات، وكأنها سجنت نفسها فيه بإرادتها؟..
أجبرت جفنيها على الانغلاق لحظة، ثم رمشت ببطء قبل أن تحرك رأسها نحو النوافذ...السماء بدت صافية جزئيًا، أشعة الشمس تتراقص بخفة على الأرضية الخشبية، لكنها كانت تدرك أن هذا الصفاء مؤقت...
بعد ساعات قليلة ستغطي الغيوم كل شيء، لتعلن قدوم عاصفة جديدة، وربما شعرت أن هذا يوازي حالها؛ دفء قصير يتبعه اضطراب لا مفر منه..
سحبت الغطاء الثقيل على جسدها، ثم دفعت نفسها إلى الأمام ببطء، كل حركة تُضاعف الألم في صدرها وكتفيها...
9
استندت بظهرها إلى الحائط البارد، أغمضت عينيها للحظة تستجمع قوتها.. كان عليها أن تنهض، أن تواجه، أن تُعيد ترتيب كل ما بعثرته الليلة الماضية... لكن السؤال الحقيقي ظل يطاردها: هل تملك الشجاعة لتفتح الباب وتبدأ؟..
3
بعد أن تماسكت نفسها و إستحمت لمدة قصيرة بسبب جرح قدمها، إرتدت ملابسها العملية و شربت حبات دواء تخفف نزلت البرد القارس التي تشعر به داخلها....
توقفت عند العتبة لثوانٍ، يدها تمسك بمقبض الباب الأمامي بينما أنفاسها تتكاثف في صدرها أكثر مما تخرج...
كانت تعرف أن الخارج أبرد من الداخل، ومع ذلك لم ترتجف، لأن البرد الحقيقي يسكن في مكان آخر أعمق بكثير...
وضعت حقيبتها الجلدية السوداء على ذراعها، ورفعت كوب القهوة بحيث يتوازن في يدها الأخرى.. حرارة السائل اخترقت أصابعها وأعطتها شيئاً يشبه الاطمئنان، كأنها تمسك بسلاح صغير ضد التعب..
نظرت حولها للمرة الأخيرة؛ أرضية المطبخ اللامعة، طاولة ما زالت عليها بقايا من أمس، وستائر ثقيلة تحجب الضوء..
كل شيء صامت لكنه مشبع بآثار ليلة لم تُمحَ بعد..
خطت نحو الممر المؤدي إلى الباب، كعب حذائها المنخفض يضغط الأرض برتابة محسوبة.. كل صوت ارتداد مع البلاط بدا وكأنه إعلان إصرارها على المغادرة...
في طريقها مرّت بجانب المرآة الطويلة المعلقة على الجدار، لمحت انعكاسها للحظة: شعر مرتب بعناية، ملامح جادة، بذلة رمادية تقطع أي مجال للضعف.. رفعت ذقنها أكثر كأنها تؤكد لصورتها أن المرأة التي تراها هناك لا تُكسر..
8
حين مدت يدها لتفتح الباب، توقفت مجدداً.. داخلها دوى سؤال واحد: ماذا لو كان لا يزال هنا؟..
البيت هادئ، لكن الصمت ليس دليلاً على الخلو...فكرت للحظة قصيرة أنها لو وجدته، فلن تهرب هذه المرة.. لن تعطيه ذلك الانتصار..
4
أزاحت هذا الخاطر جانباً، زفرت ببطء، ثم أدارت القفل ودفعت الباب بكتف ثابت..
خطواتها خارج الباب بدت كأنها إعلان بدء فصل جديد، رغم الوهن الذي يسري في أوصالها...
الهواء البارد ارتطم بوجهها، لكنه لم ينجح في زحزحة الملامح الصلبة التي ارتسمت عليه، ولا في زعزعة القرار الذي حسمته منذ لحظة جلوسها أمام المرآة في الحمام: ستعود كما كانت..قوية، متماسكة، صلبة كالحديد..
انزلقت داخل سيارتها السوداء الأنيقة، وضعت كوب القهوة في الحامل الجانبي وأغلقت الباب بقوة تحولت معها ضوضاء الخارج إلى صمت مكتوم...
أدارت المحرك، فاهتزت السيارة تحتها بنغمة ميكانيكية مألوفة... نظرت إلى انعكاسها في المرآة الداخلية؛ عيناها مثقلتان بظلال الإرهاق، لكن خلف ذلك هناك بريق ضئيل، بريق امرأة تذكّرت نفسها أخيراً..
ضغطت على دواسة الوقود وغادرت الممر الطويل المؤدي إلى الطريق العام.. المدينة أمامها بدت ككتلة رمادية، تتنفس ضجيجاً وروائح وقصصاً لا تنتهي، بينما عقلها ظل يطرق فكرة واحدة: لن تسمح لشبح أورلوف أن يشوش مسارها..
ما حدث بالأمس يُدفن، يُغلق عليه كملف انتهى.. هي لا تملك رفاهية الانكسار، كل خطوة إلى الأمام تساوي معركة، وكل نجاح جزء من حربها الشخصية ضد الضعف..
7
شربت أول رشفة من القهوة الساخنة، حرارتها اخترقت حلقها الجاف كشرارة توقظ الأعصاب.. تذكرت كلماتها لنفسها:
النجاح ليس حلماً، بل التزام.. والالتزام لا ينتظر اللحظة المناسبة، بل يُصنع رغم المرض، رغم الألم، رغم كل شيء..
أوقفت سيارتها أمام المبنى الزجاجي الشاهق الذي يضم مكاتب الشركة..
ممر السيارات المزدحم أمام المدخل لم يمنعها من التقدم بخطوات متزنة.. معطفها الأسود ينساب خلفها كظل ثقيل، حقيبتها مثبتة على كتفها كجزء من جسدها... كل تفاصيلها كانت تقول شيئاً واحداً: هي هنا لتُحارب، لتستعيد مكانها، لتفرض حضورها كما اعتادت..
2
ورغم أن الألم لم يبارح قدمها ولا السعال حلقها، إلا أن داخلياً كانت هناك يقظة لم تشعر بها منذ سنوات.. يقظة تقول:
هذه ليست النهاية، بل بداية أخرى، بداية امرأة رفضت أن تكون ضحية حتى لو كانت الحرب داخل منزلها، حتى لو كان خصمها هو الرجل الذي كان زوجها..
13
... ... ... ... ...
في ممرات المستشفى الطويلة، كان الضوء الأبيض البارد ينعكس على الجدران اللامعة، وكل خطوة لأولغا تصدر صدى متعباً على البلاط النظيف...
أنفاسها ثقيلة، وكتفيها مثقلان بليلة امتدت بلا نهاية، حيث اختلطت أصوات الأجهزة مع صرخات المرضى وأنين المصابين...
لم تكن قد نامت منذ ساعات طويلة، رأسها يطن من فرط الإجهاد، وجسدها يترنح بين الرغبة في السقوط مكانها وبين القوة التي تجبر نفسها عليها فقط لتصل إلى خط النهاية..
5
داخل غرفة الطوارئ، حين التصقت يدها بجبين المريض، كانت كل أصابعها ترتجف كأنها لم تعد تملك السيطرة عليها...
ارتجافة صغيرة، لكنها كانت كافية لفضح ضعفها...
عضت شفتها السفلية بعصبية وهي تحاول تثبيت الضماد، وكأنها تعاقب نفسها على أي علامة تعب قد تظهر أمام الآخرين..
ثم جاء الصوت... منخفض، رجولي، يحمل نبرة ثابتة أشبه بتعليمات لكنها مغلفة بطمأنينة لم تتوقعها:
"إهدئي... وركزي..."
لم يكن مجرد كلمات...كان دفء كفيه الملتفين حول يديها الباردة كأنه يزرع فيها شيئاً من الحياة التي أفلتت منها طوال الليل...
شهقت دون وعي، والتفتت بسرعة، لتجد نفسها وجهاً لوجه مع رجل لم يسبق أن رأته هنا من قبل..
طويل، قامته مستقيمة، بنيته رياضية متزنة لا تحمل ضخامة مرعبة، بل قوة هادئة...عيناه زرقاوان باهتتان، كأنهما ماء جليدي يعكس نوراً خافتاً..
10
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه النحيلتين، ابتسامة لا تقحم نفسها بالقوة بل تُعرض بهدوء..
كان يرتدي معطف الأطباء الأبيض، وعند مستوى الصدر مكتوب بخط واضح: "د. جيف لورينزو - جراح الأعصاب.."
بقيت أولغا جامدة، مترددة، غير قادرة على تحديد إن كان وجوده ارتباكاً جديداً أم متنفساً غير متوقع.. تابع هو تثبيت الضماد، أخذ العمل من يديها وكأنه يبعد عنها الارتعاش الذي خذلها للحظة...
حركاته دقيقة، مدروسة، تنم عن سنوات من التمرس، وكأن الزمن لا يضغط على كتفيه مثلما يفعل معها..
حين أنهى، استدار نحوها بالكامل. مد يده بخطوة واثقة وقال بصوته الرزين:
"دكتور الأعصاب جيف لورينزو.."
5
صمته ترك فراغاً ينتظر رداً... ارتبكت للحظة قبل أن تستجمع نفسها وترفع يدها ببطء...بخفة وكأنها تخشى أن يسرق منها ما تبقى من قوتها، وردت بصوت متعب لكنه ثابت:
"أولغا... طبيبة طوارئ.."
ابتسامته اتسعت أكثر، وربما أكثر مما تحتمله أعصابها المرهقة.. ظل ممسكاً بيدها ثوانٍ أطول مما يجب، عيناه تتفحص ملامحها كمن يحاول قراءة ما وراء صلابتها..
ثم قال بنبرة أخف:
"دكتورة جديدة؟ لم أركِ هنا من قبل.."
2
رفعت حاجبيها بدهشة وبلغة جافة أجابت:
"أربع سنوات أعمل هنا.. لم أصادفك إطلاقاً.. ربما أنت الجديد.."
1
ضحك بخفة، صوت قصير لكن دافئ، ثم أجاب:
"جئت قبل ثمانية أشهر. سررت بلقائك.."
1
كان رده بسيطاً، لكن أولغا لم تكن في مزاج يسمح لها بجر الحوارات أو تذوق المجاملات..
رأسها يريد وسادة، قلبها يريد عزلة، وجسدها يريد الهروب من كل الأعين.. نزعت يدها بسرعة من قبضته، أومأت إيماءة مختصرة، ثم استدارت بخطوات مسرعة نحو غرفة تبديل الملابس..
1
لم تلتفت وراءها... لم تمنحه ثانية إضافية..
في الممر، ارتفعت أصوات الأجهزة من جديد، وضجيج الممرضين يملأ الفراغ..
أمام مخرج المستشفى...اهتزت يداها داخل قفاز الجلد البني، وبرودة الصباح اخترقت أصابعها حتى صار وجهها خيطًا أحمر، لكنها واصلت التقدم، تخطّت رصيفًا لامعًا بالمطر، تتنقل بين ظلال المباني كمن يهرب من شيء أكبر من رياح الشتاء..
1
الأنفاس تتكاثف أمامها، كل خطوة تكاد تبلعها أكثر مما تبتلعها الأرض، والعالم حولها يبدو باهتًا، بلا طعم..
رنّ الهاتف فجأة، صوتٌ حاد يخترق هدوءها؛ نية واحدة اجتاحت ذهنها: قطع الاتصال..رفعت الجهاز إلى أذنها ببرود تظاهري، ثم توقفت عندما ظهر الاسم على الشاشة...
ضغطت زر الرد ووضعت الهاتف بين خصلة شعر متساقطة، محاولة أن تصطنع هدوءًا لا تشعر به..
سمعته، صوتٌ رجوليّ متهدّج:
"مرحبا، سيدة فاسيليف؟ "
4
تجمّدت الكلمة في حلقها.. اسم الأخير.. ذكره أتى مثل حجر ثقيل...
أخذت نفسًا كمن يستدير في عمق بئر، وأجابته بصوت مرتجف حاولت أن تُخفيه بهدوء عملي:
"نعم، تفضل.. "
ثم جاء الكلام كما لو أنه لا يترك لها مجالًا للتنفس:
"هناك اتصال بشأن منزل السيد فيكتور فاسيليف، نحن نحاول الوصول إليه منذ زمن، المصارف جاهزة والتعديلات لم تُستكمل، نحتاج فقط توقيعكما بشأن الأرائك والتصميم..."
6
الجملة لم تستغرق سوى لحظات، لكن في صدرها اهتز عالم كامل؛ الكلمة الوحيدة -فيكتور فاسيليف- هزّت شيئًا أعمق من عقلها..
6
صورٌ قديمة انقضّت عليها: مخططات التصميم، رسائل إلكترونية، لحظات تخطيطٍ سعيدة ونبضات مستقبل ظنّته ممكنًا..
ثم تذكّرها الحاد لقرار واحد، ولليلةٍ تاليةٍ دفعت ثمنًا لم تستعده بعد: وفاةٌ، غيابٌ، كلّ شيء مُجمّد داخل زاوية قلبها..
دمعتان ساخنتان تساقطتا على وجنتيها، بللتا وشاحها الصوفي.. على الرصيف، بجانب بحيرةٍ جليدية، شعرت بالهواء يضغط عليها كي تنهار؛ لم تكن تملك طاقة للرد ولا رغبة في سماع مزيد...
1
طواها الهاتف وأغلقت الخط بعنف كما تُغلق بابًا على ذكرى مؤلمة..
لا تفكير؛ فقط احساسٍ واحد قادها - الهروب...
ركضت بخطى متقطعة عبر الشوارع الرطبة، الحذاء يطرطق على البلاط، القلب ينبض في أذنيها بغضب وذعر معًا... كل مبنى يمرّ كجدار يبتلعها من جديد، وتبقى هي كظل يحاول أن يجد ملجأ..
لمسة الأمان الأولى كانت عند باب بيتها: تدوِّر المفتاح، تسمع صرير القفل، تدخل وتغلق خلفها بثلاث خطوات حاسمة كما لو أنها تغلق عهدًا مع نفسها...
الهواء الداخلي يبدو أثقل، لكنه آمن بطريقة غريبة؛ جدران المطبخ تعيد إليها رواسب ذاكرةٍ لا مرض فيها.. وضعت حقيبة العمل على الكرسي، أفرغت كوب القهوة النصف ممتلئ و البارد أو لأصح القول متجمد..ثم سحبت الستائر لتسدّ ضوء الخارج الرمادي..
لم تنهَر لكنّها استسلمت لبكاءٍ خافت، تتركه يخرج من صدرها كأنه شيءٍ يجب تفريغه الآن، فتنةٌ قصيرةٌ تهدأ بعد دقائق...
6
جمعَت على نفسها رزمًا من الشجاعة المبتلة، أخذت هاتفها، كتبت رسالة قصيرة إلى شركة التنظيف خصم عاجل، رتّبت موعدًا لاستلام السرير ومصادرة الآثار، طلبت فرقتين لتنظيف شامل.. كل أمرٍ تكتبه كان كالضماد الذي تلفّه حول فوضى الداخل..
بعد أن أغلقت آخر رسالة إلكترونية، جلسَت لحظةً تنظرُ إلى الشاشة الفارغة كأنها تراقب أثر قرارٍ صارَ شيئًا ملموسًا في العالم...
رضٌّى خفيف تسرّب إلى صدرها؛ شعور لم تعرفه منذ مدة، إنجاز مُنجَز...
تذكّرتُهُ هو، كيف كان سيحبّذُ إنجاز الأمور فورًا، كيف كان يلعن التأجيل ويصفّه بأنه سلوكٌ لا يليق بمن يحمل مسؤولية...
ابتسمت لخيالٍ قصير: لو كان حيًّا الآن، لكان فخورًا بها...الفكرة دفعت صدرها لاهتزازٍ طفيف، وكأنّ براءةُ فخرٍ صغير دخلت إلى جسدٍ مُرهق..
لكن السرور تلاشى بسرعة، رائحته تحوّلت إلى سؤالٍ لا يتركُها، لماذا لم تُنجَز هذه الأعمال قبل الآن؟ لماذا تركت الأمور تتكدّس؟ ثم جاءت الحقيقة الباردة كقاطع زجاج: هو ميت..
1
الكلمة ارتطمت داخلها، مدوّية، وضعت العالم على حافّةٍ..
فكرةُ الموت راودتها آلاف المرات منذ ليلته الأخيرة: لحظاتٌ سوداءٌ تراقصت في رأسها؛ تذكّراتُ ألم، صرخةُ فقد، وبدا أن خيار الرحيل كان مرّ وقتًا كأنه أقصر من استنشاق الهواء بعده... دفعت نفسها لأن تصد الموجة، لأن لا تسمح لها بابتلاع روحها..
3
نهضت من الأريكة التي صار لها فيها ألف ليلةٍ ونومٍ مقطوع، زحفت إلى غرفتها كما تقودها أيّادٍ غير مرئية...و إتجهت نحو المنضدة بجانب السرير...
فتحت الدرج الأول بيدٍ تقشعرُ من البرد العاطفي، وأخرجت صندوقًا خشبيًا متوسط الحجم؛ صندوقٌ تسلَّلَت منه رائحة زمنٍ ما، رائحة جلدٍ قديم، ورقٍ أصفر، ومربّعٍ من الفقد الذي لا يختزل..
جلست على السرير، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، ثم فتحت الصندوق ببطءٍ شديد كما يفتح المرء نافذةً قد تطيرُ منها كل ذرات الأمان..
أمامها ظلالُ أشياءٍ صغيرةٍ تعبِّر عن حياةٍ كانت حاضرة:
هاتفٌ مكسور الزجاج، مفاتيح سيارةٍ ، مجموعة مفاتيح أخرى لبيوتٍ ودواليب، علبة خشبية منقوشة، وإطارٌ خشبي صغير يحتوي صورةً لهما معًا، هي بجانب رجلٍ بملامحٍ روسيةٍ حادة وعينينٍ كأنهما بلّوريتان.. كانت صورةٌ تُذكّرها بابتسامةٍ لم تطوَ بعد في صدرها...أُبلغَها المستشفى بهذه الأشياء بعد الحادث؛ كانت متقشّفة، حارّة من عبء الوداع..
4
أمسكت بالإطار بيدٍ ترتعش، ووضعته عند شفتيها..قبلتها، قبلةٌ حارّة على وجهٍ لم يعد يلمسُها إلا في هذه المادة الصغيرة...
دمعة واحدة بعد الأخرى انهمرت على خدودها، فاندفعت معها ثانيةٌ وثالثة، حتى شكّلت شريطًا مبللًا على القماش...أعادت الإطار ببطء إلى سطح المنضدة، لكنّ السكون داخل الغرفة لم يستطع استيعاب ضجيج قلبها..
مدّت يدها نحو العلبة الخشبية، رفعَت الغطاء..خرج منها صريرٌ رقيق، ثم بريقٌ لامع:
خاتم ذهبٍ بلونٍ قريبٍ للفضّة، حجرٌ ألماس شفاف يلتقط الضوء كعينه البلوريتان ،و نقشٌ داخليٌّ واضح:
«آيزيه • ماشا»
2
الصوت الذي خرج من صدرها لم يكن بكاءً فقط؛ كان مزيجًا من ضحكة مكسورة وأنين طويل...قرأت الحروف بترتيل ضعيف كأنها تحفظ تعويذةً قد تعيد الزمن..
لماذا نقش أسماء أطفالهما معًا، أطفال لم يكونوا قد ولدوا بعد ؟ لماذا خطط بهذا الشكل؟ لماذا لم يُترك لها شيءٌ بعده إلا هذا الختم؟ تذكّرت أحلامهما معًا، أسماءٍ قد وُضعت على قوائمٍ وهمية لأطفالٍ لن يولدوا، فسيفٌ من الحزن قطع صدرها...
2
شعورُ الحب الذي لا يموت استعرّ عليها كلهيب:
هي تحبّه بجنون ،،حبٌ لا يتصلح بالكلمات ولا ينجلي بالزمن..
ضغطت الخاتم على إصبعها ، ارتدَّتهُ ببطءٍ كمن يلتصق بذكرىٍ على جلدٍ رقيق..
اليدُ التي اهتزتُ بها كانت تنتفض، لكن الخاتم باردٌ ومتين؛ كذبُ الثبات بدا في معدنٍ لم تعد تملك القدرة على خطّه..
1
وبكاءها تصاعد، هذه المرَّة بلا محاولة قمع، بلا وئام مصطنع..صوتها ملأ الغرفة وحطم حواجز الصمت، حتى أن جدران المكان بدت تستجيب له بمرارةٍ هادئة..
1
تدحرجت إلى جنبية السرير، جسدها اتخذ وضعًا متكورًا، تعانقُ نفسها بذراعيها كأنها تحاول أن تلتئم من الداخل..
الأنفاس كانت تتقطع، الحزن ينهشُ لحمها وكأنه وحشٌ لم يُشبَع...ساعاتٌ من العناد لم تُجد، ليلٌ واحد مقارنةٌ بكل ما فقدته، لكنها جلست هناك..لا تريدُ شيئًا سوى أن تستسلم لبكائها لئلا يتسلّل في لحظاتٍ أخرى كقبضةٍ من الصمت..
1
ليالٍ حاولت فيها أن تُبقي الجرح داخلها جافًا بتقنيةٍ من الصلابة، لكن الآن، وسط هذا الصمت، تبين أنّ قوة الإرادة وحدها لا تشفي..
وضعت كفها على قلبها ثم أزاحت الهواجس بكفٍ مرتعشة: "يجبُ أن أستمر"
همست لنفسها بصوتٍ متعب، كأنها تقنع بقايا عزيمةٍ أنه لا بدّ من النهوض..
لكن الليلة، في هذه الشقة المفروشة بذكرياته، لم يأتِ العزاء...كل شيء يذكّرها بخططه، بأحلامهما الصغيرة، بختمٍ محفورٍ بالكلمات التي لن تعود واقفةً أمام مكتبٍ تُعلّق فيه الصور... الخاتم على إصبعها صار مرآةً صغيرةً تردُّ وجه حزنها...حجر يلمع في ظلمةٍ لا تزول...
استسلمت لليأس لدقائقٍ، ثم حملت رأسها بيدين مرتعشتين، تنهدت، وبصوتٍ صغيرٍ، خافتٍ لكنه ثابت، قالت لنفسها:
"سأبكي الآن... غدًا سأقف"
3
كانت تلك الوعد الذي لا يعرفه أحد، عزيمةٌ ترسخت بين الدموع...نواةٌ صغيرةٌ في صدرٍ محطم، لكنها حقيقية...
واستمرّت تبكي، حتى كادت الغرفة تمتلئ بأنينها، ثم سادها الهدوء البارد مجددًا، ومعه حضور الخاتم، شاهدٌ صامت على حبٍ انتهى قبل أن يبدأ أبناؤهم يمشوا على أرضٍ تدافعت الحياة لتمنحهم إياها...
. . . . .
في مطعم صغير يقع على زاوية شارع مزدحم بجوار مبنى نيكيتا آند بارتنرز، جلست جليندون مقابلة بافيل، في زاوية بعيدة عن الضوضاء..
2
الجو كان يحمل عبق القهوة المطحونة حديثًا، واختلاط أصوات الملاعق مع حفيف الصحف الورقية في أيدي بعض الزبائن... الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحًا، وقت يفترض أنه للاستراحة القصيرة قبل العودة إلى مكاتبهم المثقلة بالملفات..
1
أمام بافيل صحن شبه فارغ من فطيرة بالقرفة، حوافها مبللة ببقايا السكر المذاب، وكوب قهوة سوداء أنهى أغلبه بجرعات سريعة..
على النقيض، جليندون لم تلمس صحنها بعد؛ قطعة كيكة فانيلا مغطاة بطبقة سكر ناعم ما تزال على حالها، بجوار كوب حليب بالشوكولاتة تتصاعد منه خيوط بخارٍ خفيفة..
رفع بافيل رأسه، عقد حاجبيه وهو ينظر إلى ساعته ثم إليها:
" بقيت عشر دقائق فقط، يجب أن نعود... لدي مكتب مليء بالقضايا ينتظرني، ما الذي تفعلينه؟ كلي شيئًا وانتهي.. "
لم ترفع عينيها من فوق شاشة الحاسوب المحمول الذي استقر على الطاولة، أصابعها تتحرك بسرعة ثم تتوقف لتكتب ملاحظات على ورقة جانبية بخط واضح..
همهمت بصوت منخفض:
" لقد انتهيت.. "
أغلقت الحاسوب ببطء، وضعته في حقيبتها الجلدية بجانبها، ثم دفعت الورقة نحوه بينما جذبت صحن الكيكة أمامها..
رفعت عينيها أخيرًا وقالت:
" ألقي نظرة.. و إختار.."
بافيل مسح يديه بمنديل حريري، تناول الورقة بنصف اهتمام، ثم قرأ بصوت مسموع كلمة واحدة منها بعد أن توقف عندها:
" أممم... هذا مثير للاهتمام...موروزوف، سميرنوف فيدوروف، ...سأختار موروزوف أنه ملفت جدًا للنظر.."
3
أومأت برأسها ببطء، ارتشفت رشفة صغيرة من كوبها الدافئ الذي انسابت حرارته إلى حلقها الجاف كمن يلتقط أنفاسه بعد غرق طويل، ثم قالت:
" لديك وجهة نظر.."
ابتسم بخفة وهو يرفع عينيه إليها:
"حسنًا، هل ستخبرينني الآن لمن هذه الألقاب؟ أم أننا في لعبة نخمن فيها الأسماء؟. "
1
رفعت حاجبًا واحدًا، وأجابت ببرودٍ متعمد:
" أحاول أن أختار لقبًا لي.. "
6
تجمّدت ملامحه لثوانٍ، ثم انفلتت منه ضحكة قصيرة لم يكن يتوقعها:
"حقًا يا جليندون؟ أما زلت تحملين اسم زوجك؟ كان... ماذا؟ كزوسوف؟ واسم عائلتك فولكوف، أليس كذلك؟.. "
عيناها لم تتركا وجهه، لكن ملامحها كانت كلوحةٍ مطلية باللامبالاة :
"ربما لم أذكر الأمر من قبل، لكن لقب عائلتي سُحب مني منذ أربع سنوات... وقريبًا سأتخلى عن لقبي الحالي أيضًا.. أي لقب زوجي "
4
وضعت يدها على حقيبتها، تستعد للنهوض وهي تتمتم:
" هيا، لنغادر.. "
رفع يده ليوقفها، عينيه تلاحقانها بدهشة واضحة:
" انتظري، لم تكملي فطورك بعد.. "
توقفت لحظة، حدّقت في الكيكة ثم حملت حقيبتها على كتفها..
صوته كان يتردد فيها، فضوله يتضاعف، لكنها كانت تعرف أنه مهما سأل لن تُجبر نفسها على الإجابة.. التفتت نحوه وأجابت بهدوء:
1
" لم أعد أشتهيها.. "
كذبت...
كانت تريدها، قطعة صغيرة فقط لتعيد دفئًا مفقودًا، لكنها شعرت أن حلقها سيختنق بها كحد سكاكين.. اكتفت بجرعات الحليب بالشوكولاتة، تجرعته على مهل، كأنه الدواء الوحيد الذي تستطيع ابتلاعه دون أن يتمرد عليها جسدها..
تركت صحن الكيكة كما هو، قطعة لم تُمسّ..
. . . . .
بعد فترة استراحة الفطور، جلست جليندون خلف مكتبها، لا تزال تشعر بثقل الصباح على كتفيها...
لم تتناول فطورًا متكاملًا وصحيًا، اكتفت بكمية من الشوكولاتة والحليب لتخفيف ألم حنجرتها المجروحة، بينما القارورة الحديدية التي أعدتها مساعدتها قبل قليل كانت موضوعة أمامها، جاهزة لتعينها على مواجهة ما تبقى من اليوم..
2
تأملت الأدلة التي أرسلتها شركة جلوبال في الصباح، كل مستند يحمل تفاصيل دقيقة تتطلب انتباهها التام، متزامنة مع الرسالة التي وصلت عبر فاليري حول موعدها مع قائد الوحدة العسكرية 716 بعد خمس عشرة دقيقة...
أي زوجها..
1
شعرت بقوة التوتر تتصاعد داخلها، إدراكًا منها أن هذا اللقاء سيكون اختبارًا صارمًا لقدرتها على الفصل بين العمل والحياة الشخصية، وهو أمر لم تختبره من قبل، فأسرتها لم تتورط يومًا مع الدولة أو ضدها، ولم تعلم معنى الموازنة بين الواجب المهني المكثف والحياة الشخصية المستقلة...
4
وبينما كانت تتصفح الأوراق، تذكرت رسالة شقيقتها الكبرى إيكاترينا التي وصلت إليها في المقهى، لكنها لم تعرها اهتمامًا آنذاك، مشغولة باختيار لقب جديد لها بشكل عاجل... فتحت الرسالة الآن وقرأتها ببطء:
"لن أطيل كثيرًا، أعلم أن دعوة الحفلة قد وصلت إليك أيضًا...لذا أتواصل معك لأتأكد من عدم حضورك، بسبب الهمسة التي دارت حول اشتباهك في العمل.. لذا آمل ألّا تحضري، وألّا تضري بالصورة التي عملتُ عليها سنوات للحفاظ على سمعة لا تهتز.."
11
ارتجفت شفتيها، وضغطت على القارورة الحديدية بجانبها كأنها تتشبث بشيء يثبتها... تمنّت لو جاءت مساعدتها قبل قراءة الرسالة لتنبهها بقدوم زوجها، الرجل الذي لا ترغب برؤية وجهه، وجهه الذي يذكّرها بكل ما فقدته على مدى السنوات الأربع الماضية...
1
فقدت نفسها...
اليوم كان منهكًا بالفعل، جسدها مرهق، حنجرتها لا تزال تؤلمها، ومزاجها متعكّر بسبب ذكريات الماضي...
كل كلمة في الرسالة أثارت الغصة في حلقها، فقد مضى أكثر من أحد عشر شهرًا منذ آخر لقاء مع شقيقتها وجهًا لوجه، وعام وشهران منذ آخر حفلة رأت فيها والديها، اللذين لم يكلفوا أنفسهم عناء الاتصال بها أو السؤال عن أحوالها..
3
جليندون، واقفة خلف مكتبها، شعرت بثقل الذكريات يضغط على صدرها، كل لحظة غياب، كل كلمة لم تُقل، وكل خيبة أمل تراكمت على مر السنوات أصبحت عبئًا ملموسًا على قلبها...
1
قبضت على القارورة بإحكام، رفعت عينيها نحو الأوراق أمامها، محاولة جمع تركيزها وتحضير نفسها لمواجهة ما سيأتي، رغم الألم والغصة التي تكاد تخنقها..
أخذت نفسًا عميقًا، رتبت الأدلة أمامها بشكل منطقي، وتجهزت لمغادرة المكتب، لتصل إلى موعدها مع قائد الوحدة العسكرية 716، حيث سيبدأ اليوم الحقيقي لاختبار صبرها، تركيزها، وقدرتها على الصمود أمام التحديات التي لا تعرف الرحمة..
1
مسحت جليندون أثر التعبير المنكسر عن وجهها كما تمسح آثار دموعٍ قديمة، ثم وقفت أمام مرآة صغيرة إلى جانب مكتبها، تعدّل ياقة معطفها الأسود، تُسوّي خصلات شعرها بعناية آلية، وترفع كتفيها بثبات متصنّع كأنها ترفع درعًا خفيًّا لتحتمي خلفه..
استنشقت نفسًا عميقًا، أزاح شيئًا من ثقلها، ثم خرجت إلى الممر بخطوات مدروسة، وكل نقرةٍ من كعب حذائها على الأرض الصلبة كانت كنبضةٍ توقظ المكان حولها وتنذر من في طريقها أن صاحبة المكتب رقم (7) قادمة..
في نهاية الممر، وقف المتدربان اللذان يعملان تحت إشرافها شاب بوجهٍ متحفّز وعينين حادتين، وفتاة شقراء في أوائل العشرينات تحاول جاهدة أن تخفي توترها خلف ابتسامةٍ رسمية...
كلاهما انتصبا حالما لمحاها، بينما موظفة الاستقبال المقابلة لهما أومأت بتحية صامتة، رفعت رأسها بخفة وقالت بنغمة عملية محايدة:
"لقد وصل ضيفك، السيد كوزوسوف، سيدتي.."
كلمة كوزوسوف كانت كطعنةٍ خفيفة في صدرها، ومع ذلك، لم ترتجف، لم تلمح في عينيها حتى شرارة انفعال... اكتفت بإيماءة قصيرة، ثم أشارت لمتدربيها أن يتبعاها...
الممر المؤدي إلى صالة الاجتماعات بدا أطول من المعتاد...
جدرانه الرمادية تتردد فيها أصداء الخطوات، والهواء بارد لدرجةٍ جعلت أصابعها تنقبض على الملفات التي تحملها كما لو كانت تتمسك بدرعٍ واقٍ..
عند الباب، توقفت لثوانٍ، أعادت ترتيب تنفسها، قبضت على مقبض الباب المعدني بإحكام، ثم أدارتها بثبات، ودخلت..
الضوء المنبعث من النافذة الزجاجية الواسعة صفع عينيها للحظة، لكنها لم تُظهر ذلك..
أمامها، يقف أورلوف كوزوسوف ؛ زوجها، الرجل الذي كان يومًا مركز ثقل عالمها، والآن لم يعد سوى ثقلٍ على صدرها...
5
كان يقف أمام الزجاج الممتد من السقف إلى الأرض، ظهره إليها، وكتفاه العريضتان تشكلان ظلًا قاتمًا يقطع الضوء الرمادي المتسرب من الخارج..
كان المشهد خلفه كلوحةٍ من الجليد والغضب؛ ناطحات سحاب تبتلعها العاصفة، ثلج يهطل بكثافة، والغيوم الداكنة تتكدّس كجنودٍ ينتظرون إشارة الهجوم.. . مشهدٌ يليق به تمامًا ؛ جمود، قسوة، وتهديد صامت..
ارتدى بدلته العسكرية ذات اللون الرمادي الممزوج باللون الزمردي الداكن، أزرارها اللامعة مرتّبة بعناية، حذاؤه الأسود مصقول بعنايةٍ خانقة، حتى شعره بدا وكأنه التزم أمرًا عسكريًا في تسريحه...
3
كل شيء فيه كان صارمًا حد الإزعاج ..إلا تلك الوقفة....تلك الوقفة التي تشبه تمثالًا نُحت ليذكّرها بما كانت عليه وما خسرت معه..
لم يلتفت... لم يحرّك ساكنًا حتى حين أغلقت الباب خلفها بصوتٍ متعمّد، جعله يرتدّ في الغرفة الواسعة كصرخةٍ مكتومة...
أشارت بيدٍ حازمة لمتدربيها، فجلسا في مكانهما؛ الفتاة إلى يمينها، والشاب إلى يسارها ....
بينما تقدّمت هي بخطواتٍ رصينة نحو الطاولة المستطيلة في منتصف الغرفة.وضعت ملفاتها بدقّة أمام المقعد الذي يترأس الطاولة، ثم استدارت نحوه..
تعمدت أن تجعل وقع كعبيها أعلى قليلًا من اللازم، صوتًا متزنًا يقطع سكون الغرفة كنبضٍ معدني.. وعندما توقفت خلفه مباشرة، رفعت ذقنها قليلًا، واستجمعت في صوتها كل ما بقي لها من سلطةٍ وهدوءٍ وكرامة، وقالت بنبرةٍ رزينةٍ محسوبة:
"سيد كوزوسوف..."
لم يكن نداءً، بل إعلانًا..
إعلان أن اللقاء قد بدأ..
إعلان أن الحرب الهادئة بينهما ستُدار هنا ...في هذه الغرفة المربعة المغلقة، بين الجدران التي ستشهد على الكلمات التي لن تُقال، وعلى الجليد الذي سيذوب ببطء بينهما أو يتحول إلى سيفٍ جديد..
هو لم يلتفت بعد، لكن كتفيه تحركا قليلًا، كما لو أنه ابتسم بزاوية فمه دون أن تراها..
4
أما هي، فشدّت قامتها أكثر، ووضعت يدها على طرف الطاولة بثقةٍ لا تشبه شعورها الحقيقي في الداخل...
بهدوءٍ مستفزّ، كأنه يملك العالم تحت أنفاسه، استدار أورلوف بوجهه أولًا إلى الجانب، ثم ببطءٍ متعمّدٍ مدروسٍ التفت نحوها...
3
حركة رأسه وحدها كانت كافية لتجعل الهواء في الغرفة يثقل، وصوته الصامت يعلو دون أن ينطق حرفًا..
عينيه، تلك الزرقتان الفاترتان اللتان طالما أربكتها، التقت بعينيها الرماديتين المتحدّيتين، صدام نظراتٍ أشبه بمعركةٍ بلا صوت..
كانت تنتظر - عبثًا - أن يمرّ على وجهه المنحوت أثرُ مفاجأةٍ أو دهشةٍ صغيرة لرؤيتها في هذا المكان، لكن لا شيء تحرّك..
2
ملامحه الجامدة كانت كما عهدتها: جبينٌ صلب، فكٌ مرسوم كأنه نُحت على جدارٍ من الثلج، وهدوءٌ عسكريّ لا يخترقه شيء...ذلك الوجه لا يُفصح عن شيء... يعرف تمامًا كيف يتحكم في ردّات فعله كما يتحكم في الجند أثناء الهجوم..
بنيته الطويلة، كتفاه المربعتان، وجسده الممتلئ بالقوة الخام، كلها جعلت الجو المحيط بها يضيق كأن الجدران اقتربت من بعضها..
4
بخطوةٍ قصيرة إلى الخلف، رفعت يديها قليلًا، إيماءة هادئة تشير له بالجلوس... ثم لم تنتظر طاعته ولا ردّه، بل استدارت ببساطةٍ تاركةً إياه خلفها، وتقدّمت إلى الطاولة بخطواتٍ محسوبةٍ، حركت ملفاتها أمام المقعد الرئيسي، وجلسَت بثباتٍ مَن يعرف أن عليه أن يحكم سيطرته، لا أن يخضع لها..
بعد ثوانٍ فقط، شعرت بحركته خلفها - خطواتٍ بطيئة لكنها مثقلة بالسلطة - ثم صوت المقعد وهو يُسحب، فتحسست صرير المعدن على الأرض وكأنه يُقربها من حافة هاوية...
1
جلس هو في الجهة المقابلة لها، وكأن القدر أصرّ أن يُقسّم الطاولة بينهما كما قسّم الحياة..
وضع قبعته العسكرية أمامه برتابةٍ مثيرة للغضب، ثم استرخى على الكرسي بثقله الكامل، متكئًا للخلف كأن المكان ملكه منذ الأزل..
1
عينيه لم تتحركا عنها للحظة، كانت نظراته ثابتة، حادّة، تراقبها وهي تضبط جهاز التسجيل العمودي على حافة الطاولة، ثم تفتح ملفّ المعلومات بعنايةٍ باردة، بينما مرّرت للمتدرّبة الحاسوب المحمول لتدوين الملاحظات المهمة..
شعرت بحرارته رغم المسافة، بشيءٍ خامدٍ يتململ في الهواء بينهما، كذلك الشعور ليلة البارحة..وكأن كل مرةٍ تنظر فيها نحوه كان يقترب منها دون حركة..
رفعت بصرها أخيرًا، التقت نظراته مباشرة ..نظرات لا تخجل من التحديق، بل تستمتع به...شعرت بتلك الابتسامة الخفية في عينيه، تلك التي تقول: ما زلتُ أراكِ، رغم كل شيء..
8
يا له من وغدٍ متغطرس...
1
بصوتٍ هادئٍ متزنٍ لا يشي بما في داخلها، قالت:
"سيد كوزوسوف... أنا جليندون، محامية دولية في القضايا المعقدة... نودّ أن نبدأ بتعريفٍ مقتضب عن نفسك.."
1
لكن قبل أن ينطق بحرفٍ واحد، دوّى صوت الباب وهو يُفتح بعنفٍ غير لائق، صريرٌ معدنيّ اخترق هدوء الغرفة..
تجمّد الهواء لوهلة، قبل أن يخترقه صوت رجوليّ مرح لكنه غير مرغوب به بنسبة لأورلوف :
"مرحبًا، آسف للمقاطعة... وعن التأخير أيضًا.."
6
كان بافيل ..بابتسامته العريضة التي تحمل خليطًا من التهذيب والاستخفاف.... يدخل بخطواتٍ خفيفة إلى الغرفة..
أومأ بتحيةٍ سريعة نحو أورلوف، الذي تجاهلها تمامًا، ملامحه لم تتحرك قيد أنملة، فكّه فقط انقبض انقباضةً طفيفة كشرت عن توترٍ لا يُخطئه أحد..
تابع بافيل تقدّمه، متجاوزًا التوتر المحسوس كأنه لا يراه، حتى وصل إلى مكان جليندون...وضع يده على كتف المتدرّب الجالس بجانبها وقال بابتسامةٍ خفيفة:
"هل يمكنني استعارة مقعدك، سام؟"
لم يُجبه سام بكلمة، فقط هزّ رأسه بسرعة، وجذب الكرسي المجاور لينتقل إليه.. جلس بافيل مكانه براحةٍ غير متوقعة، مدّ يده إلى الطاولة بثقةٍ زائدة وقال بصوتٍ مفعمٍ بالبهجة المصطنعة:
"حسنًا، يمكننا الآن الاستمرار!"
كلماته السهلة لم تخفِ التوتّر في الهواء..
فكّ أورلوف كان قد اشتدّ أكثر، وعروقه على عنقه برزت بخفةٍ خطيرة، نظراته التصقت ببافيل كأنها نصلٌ حادّ يستعد للغرس..
21
أما جليندون، فظلّت ساكنة، لكنها في داخلها كانت تموج بالأسئلة..
ما الذي يفعله بافيل هنا؟ ولماذا في هذا الاجتماع بالذات؟
هذا القسم لا يمتّ لعمله بصلة، والملفات التي أمامها ليست من اختصاصه إطلاقًا..
لاحظ بافيل ارتباكها الصامت، فمال نحوها بهدوءٍ متعمّدٍ حتى صار صوته قريبًا من أذنها..
2
قال هامسًا:
"إنها أوامر من القادة العليا..."
ثم، بابتسامةٍ جانبيةٍ ساخرة، أضاف نبرته المألوفة التي تحمل استهزاءً مغلّفًا بالودّ:
"أو لنقل من القائد فاليري تحديدًا.."
تجمدت ملامحها لوهلة، ثم رفعت عينيها نحوه بحدةٍ خاطفة... من نبرته وحدها فهمت..فاليري ..وحده من يعرف الحقيقة..من يعرف ماضيها مع هذا العميل، مع هذا الرجل الجالس أمامها... زوجها..
5
حتى بافيل، برغم سخريته الدائمة وذكائه الماكر، لم يكن يعلم أن الرجل الذي ينظر إليه الآن نظرةَ قاتلٍ صامتٍ هو نفسه زوج جليندون، الرجل الذي شاركها توقيع على ورقة رسمية وذات الخطيئة التي تحاول دفنها اليوم..
وأن الشيء الوحيد الذي يمنع أورلوف من الانقضاض عليه في تلك اللحظة، بعد أن رأى كيف حشر وجهه في رقبة زوجته و لو كان ذاك لمعنى مختلف...هو أنها - جليندون - ما زالت هنا..
28
بينهما..
الفاصل الوحيد بين الغريزة والكارثة..
تنحنحت جليندون، محاولة أن تعيد الإيقاع المنضبط إلى الموقف الذي بدأ ينفلت من يدها منذ لحظة دخول بافيل..
عدّلت جلستها بخفة، شبكت أصابعها فوق الطاولة في تماسكٍ مدروس، رفعت ذقنها قليلًا، ونظرت نحوه بعينٍ جامدة لا تفضح الاضطراب العميق الذي يتململ تحت جلدها.. ثم قالت بنبرةٍ احترافية، ملساء، تخلو من أي انفعال:
"تفضّل، سيد كوزوسوف.."
رفع رأسه، نظرة متماسكة لكن صوته حين خرج كاد يخون ما في صدره؛ لم يكن هادئًا كما أراد، بل خرج خشنًا، محمّلًا بشيءٍ يشبه الغضب المكبوت:
"أورلوف... أفضل أورلوف فقط.."
3
توقّف لحظة، ثم أضاف بثباتٍ وصرامةٍ باردة:
"قائد الجيش لالوحدة 716، ورئيس القوات الخاصة العسكرية..."
2
أومأت ببطء، دون تعليق، كأنها تسجّل معلومة عابرة في ذهنها... رفعت يدها بخفّة على الطاولة، نقرَت بأناملها مرتين في إشارة للبدء..
"حسنًا، سيد أورلوف.."
قالت بوضوح..
"أخبرني، لماذا يجب أن أختارك أنت تحديدًا عن موكّلي في الضفة المقابلة لك؟ ما الذي يجعلك مؤهلًا أكثر منه لتولي هذا الملف؟.."
1
رفع حاجبه الأيمن قليلاً، نصف ابتسامة باهتة شقت طريقها إلى وجهه، ثم قال ببطءٍ قاتل، وكأنه يُلقي حكماً لا رأيًا:
"لأنني أورلوف كوزوسوف.."
29
تجمّد الصمت..
الفتاة المتدرّبة تبادلت نظرة مذهولة مع زميلها، كأنهما لا يعرفان إن كان عليهما أن يكتبا الجواب أم ينتظرا جملة أخرى لتبريره..
2
أما بافيل، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ جانبية لا تخلو من سخريةٍ مبهورة من ثقته...إتكأ على الكرسي للخلف وقال بصوتٍ منخفضٍ ساخر:
"الجواب الكلاسيكي القديم... الثقة تسبق المنطق دائمًا.."
3
أما جليندون، فشعرت بأن عضلات فكيها تشدّ، ويديها اللتين تشبكهما فوق الطاولة أصبحتا أكثر توترًا... ضغطت على أصابعها كي لا تمدّ يدها إلى الحاسوب أمام المتدرّبة وتُحطّمه على رأسه..
5
كانت تظن، أو ربما تأملت، أنه تغيّر... أن أربع سنواتٍ كفيلة بأن تترك فيه ندبة من تواضعٍ أو ترويضٍ للغطرسة..
لكن لا... ما زال أورلوف ذاته..
قطعة من جليدٍ مغرور، لا يعرف سوى صوته ولا يرى أحدًا سواه..
1
قالت بهدوءٍ لاذع:
"جوابك لا يحمل أي قيمة قانونية، سيد أورلوف..الثقة بالنفس لا تُدرج كحجة في القضايا الدولية.."
2
أجابها بنبرةٍ حديديةٍ ثابتة، ناظرًا مباشرةً إلى عينيها:
"بل هي الحجة الوحيدة حين تكون الأرواح على المحك.."
ردّت دون أن تخفض عينيها، بصوتٍ منخفضٍ محسوب:
"القانون لا يحمي الأرواح، بل يُحاسب على من أزهقها.."
ابتسم بخفةٍ ساخرة وقال:
"ولهذا أنا هنا... لأني أنقذت أكثر مما أزهقت.."
3
أمسكت بالقلم بين أصابعها، أدارته نصف دورةٍ ثم كتبَت على الورقة أمامها:
ادّعاء بالبطولة ..بلا توثيق..
6
رفعت عينيها وقالت:
"لنبدأ من البداية... في تقرير موكّلي، ذُكر أن وحدتك كانت مسؤولة عن عملية إدخال الشحنة إلى الحدود الشرقية، وأنّ نتائجها كانت كارثية على المدنيين..ما تعليقك؟"
مال قليلاً للأمام، استقرّ ساعداه على الطاولة، نبرته انخفضت حتى صارت أشبه بالتهديد:
"كارثية؟ من يصفها كذلك لم يكن هناك.. لم يسمع الرصاص وهو يخترق الليل، ولم يشمّ رائحة البارود المختلطة بالثلج المحترق.. من السهل جدًا كتابة التقارير من خلف شاشة، لكن الأصعب هو أن تكون أنت الشاشة التي تتلقى الطلقات.."
2
تدخّل بافيل بخفةٍ، وقد رفع حاجبيه بابتسامةٍ دبلوماسية:
"وجهة نظر عملية مثيرة... لكننا هنا نبحث عن أدلة ملموسة، لا عن شعور البطولة.."
2
تحولت نظرة أورلوف إليه فجأة، بحدةٍ أشبه بحدّ السكين..
قال ببرودٍ قاطع:
"أنتَ لا تعرف ما معنى أن ترى رجالَك يتساقطون كأوراق الخريف، بينما أوامر القيادة تقول لك: لا تتراجع.."
6
ثم عاد بعينيه إلى جليندون، نظرةٌ واحدة كانت كافية لتعيدها إلى زمنٍ لم ترغب أن تتذكره... نبرته انخفضت، لكن كل حرفٍ خرج منها كان يخترقها مثل إبرةٍ باردة:
"أنتِ تعرفين ما أتحدث عنه، أليس كذلك؟"
1
تجمدت للحظة.. لم يتحرك أحد في الغرفة..
حتى المتدربة توقفت عن الكتابة، بينما ارتسمت على وجه بافيل ابتسامة مرتابة وهو يراقب الصمت المتوتر بينهما..
جليندون، وباحترافٍ تعلمته بعد مئات الجلسات، التقطت القلم من جديد، ورفعت رأسها وكأن شيئًا لم يحدث:
"تابع، سيد أورلوف.. نحتاج تسلسلًا واضحًا للأحداث حسب ما رأيته بعينك، لا بعاطفتك.."
1
هزّ رأسه ببطء، ثم قال بصوتٍ أجشّ:
"تمام..عند الساعة 02:47 فجرًا، تلقّينا الأمر بالتقدّم نحو القطاع الثالث.. كان الهدف استعادة الموقع المفقود وتأمين الممر الإمدادي..ما لم تذكره تقاريركم هو أن العدو كان قد حصل على دعمٍ بري غير مصرح به و دخول إلى منطقتي بشحنة محملة بأسلحة غير مرخصة ، وهذا ما قلب الموازين..حينها اضطررنا لاستخدام خطة بديلة، تضمنت انسحابًا تكتيكيًا نحو المنطقة الجبلية، لكن..."
توقّف، نظر إلى الطاولة للحظة، كأنه يتذكّر مشهدًا يرفض أن يغادر رأسه..
" لكن أحدهم غيّر الشيفرة في منتصف العملية.. تم اعتراض تردداتنا، وفُقد الاتصال.. ما حدث بعدها لم يكن معركة، بل مذبحة.."
تبادلت جليندون نظرة سريعة مع بافيل، الذي كتب شيئًا في دفتره ثم قال:
"هل تتهم جهة معينة بالتلاعب بالاتصالات؟"
رفع أورلوف بصره إليه و تجاهله تماما ، ثم إلى جليندون، وقال بهدوءٍ قاتم:
"نعم.. الجهة التي موكلكِ نفسه يعمل لصالحها.."
رفعت حاجبها قليلاً، وجهها لم يتحرك قيد أنملة، لكن نبضها تسارع..
قالت ببرودٍ خالص:
"هذا ادّعاء خطير، سيد أورلوف.. تحتاج إلى دليل، لا إلى نظريات مبنية على التوقعات.."
اقترب قليلًا، خفّض صوته حتى صار بالكاد يُسمع:
"لو لم أكن أملك الدليل، لما جلست هنا أمامك.."
2
مدّ يده إلى الملف الجانبي الذي كان يحمله، وضعه على الطاولة ودفعه ببطءٍ نحوها..
"كل ما تحتاجينه هنا.."
امتدّت يدها بترددٍ بسيط، فتحته، وفيه صور أقمار صناعية، رسائل مشفّرة، وتوقيعات مألوفة... توقيعٌ واحدٌ جعل عينيها تتسعان للحظة قبل أن تغلق الملف دفعةً واحدة..
1
رفعت رأسها نحوه ..هذه المرة، لم تستطع أن تُخفي ارتجافة أنفاسها ..وقالت ببطءٍ متثاقل:
"من أين حصلت على هذا؟"
أجاب بابتسامةٍ صغيرة خالية من الدفء:
1
"من المكان نفسه الذي حصل فيه موكلك على شحنته.."
3
صمتٌ مطبق ساد الغرفة..
المتدرّبة خفضت بصرها، بافيل كفّ عن التدوين، وجليندون حدّقت فيه طويلاً، لا تعلم إن كان ما تشعر به قد يزحزحها نحو ضفته... أم شيئًا آخر لم تمت بعد جذوره..
1
تزحزح بصر أورلوف عنها ببطء، لا لأنه أراد ترك نظرتها، بل لأنه لمح الحركة الخفيفة على الطاولة بين جليندون وبافيل..
كان الأخير قد مدّ يده نحو الكأس الزجاجي الصغير الموضوع أمامه، جذبه نحوه ثم سكب فيه سائلًا بلون العسل من قنينة زجاجية صغيرة كان قد أتى بها معه ..
رائحة خفيفة من النعناع والليمون امتزجت بالهواء، ثم دفع الكأس أمام جليندون بإيماءةٍ شبه مألوفة بينهما..
راقب أورلوف التفاصيل بدقةٍ قاتلة: الطريقة التي قبضت بها جليندون على الكأس، كيف رفعت عينيها سريعًا إلى بافيل بنظرةٍ مختصرة ثم ارتشفت منه دون أن تسأله عمّا يحتويه، وكأنها تفعل ذلك دائمًا..
شيء في صدره ضاق فجأة، لكنه أخفاه بابتسامةٍ باهتة، وأعاد نظره إلى أمامه كأن شيئًا لم يحدث..
23
عدّلت جليندون جلستها من جديد، وضعت الكأس برفق على الطاولة، ثم فتحت الملف الآخر أمامها، وبدأت بصوتٍ رسميٍّ هادئ:
"لنتحدث في صلب القضية، سيد أورلوف.. حسب المعلومات الأولية، الشحنة التي دخلت منطقتكم كانت تحمل موادًّا مصنّفة تحت بند المعدات الطبية.. ومع ذلك، تمّ إيقافها من قِبلكم قبل أن تصل إلى المخازن، وأُبلغ عن وجود موادٍّ مشبوهة داخلها. هل يمكنك أن توضّح؟"
1
انحنى قليلًا للأمام، ساعداه على الطاولة، وصوته خرج عميقًا واضح النبرات:
"الشحنة لم تمر عبر القنوات الرسمية.. وصلت بتصاريحٍ مزيّفة باسم مؤسسة تابعة لموكّلكم، مؤسسة تُعرف في السوق بأنها تزوّد الجبهات الميدانية بالمستلزمات، لكنها في الواقع واجهة لتمرير موادٍّ لا يمكن تصنيفها قانونيًا تحت أي بند تجاري.."
بافيل رفع حاجبه، وقلب الورقة التي أمامه..
"أي نوع من المواد؟"
أورلوف نظر إليه نظرةً قصيرة قبل أن يجيب:
"نترات مختزَلة، مخصّبات متفجّرة، أسلحة غير مرخصة وأجهزة إشعالٍ عن بُعد..نصفها مغطّى تحت بند 'موادّ تعقيم صناعية'.."
همهمت جليندون بهدوء، قلبت بعض الأوراق، ثم قالت دون رفع رأسها:
"هل تملك أدلة توثق هذا الادعاء؟ سجلات، أوامر شحن، صور تفريغ؟"
مدّ يده إلى الملف الجانبي ودفعه نحوها:
"كل شيء موثّق. صور الأقمار الصناعية، تقارير التحليل الكيميائي، وتصاريح النقل بأسماء موظفي شركة ترايدينغ جلوبال حتى توقيع المندوب الرئيسي موجود في الصفحة الأخيرة..."
مدّت يدها بثبات، فتحت الملف، نظرت سريعًا في الأوراق بينما المتدربة تكتب الملاحظات بإيقاعٍ متسارع..
بعد لحظاتٍ من الصمت، رفعت رأسها نحوه وسألت:
"وماذا حدث بعد مصادرة الشحنة؟"
أجاب دون تردد:
"بعد أقل من ساعتين من إيقافها، ساعتين من حدوث المدبحة..تلقّيت أمرًا مباشرًا بالإفراج عنها... الأمر لم يمرّ من القيادة المحلية، بل من جهةٍ أعلى.. وعندما رفضتُ التنفيذ، حاصرتني لجنة التحقيق بدعوى التصرّف الفردي.. و إتهام وحدتي بالمساعدة في فتح الفجوة لدخول الشحنة من الأصل..."
تبادل بافيل وجليندون نظرةً قصيرة، كأن كليهما فهم أكثر مما قيل...
سألته بصوتٍ منخفض:
"تظن أن موكّلي هو من يقف خلف هذه الأوامر؟"
ابتسم أورلوف بزاوية فمه، وقال:
"لا أظن، أنا متأكد. نفس التوقيع الذي مرّ في ملف الشحنة هو التوقيع الذي مرّ في أمر الإفراج.."
أغلقت جليندون الملف ببطء، رفعت رأسها وقالت:
"سيتم تحليل هذه الوثائق والتحقق من صحتها عبر القنوات القانونية... إلى ذلك الحين، ستبقى هذه الادعاءات غير مُثبتة.."
انحنى للأمام، نبرته أكثر هدوءًا لكن عينيه لم تخفّ حدتهما:
"لن تحتاجي وقتًا طويلًا لتكتشفي أني على حق، سيدتي.."
9
تجاهلت نبرة التحدّي في صوته، جمعت أوراقها بترتيبٍ محسوب، ثم قالت وهي تنهض:
"هذا يكفي اليوم..سنُكمل الإجراءات لاحقًا.. سيد أورلوف، تفضل باتباعي إلى مكتبي لإنهاء الإجراءات الإدارية.."
وقف بدوره بثباتٍ عسكري، التقط قبعته من الطاولة، نظراته تتبعها حتى الباب..
في الخلف، نهض بافيل والمتدربان أيضًا، كلٌّ منهم يمدّ يده لمصافحته قبل المغادرة..
صافح المتدربة أولًا بابتسامةٍ مقتضبة، ثم سام، ثم جاء دور بافيل..
مدّ الأخير يده بثقةٍ ودودة، قائلاً بنبرةٍ خفيفة:
"إلى اللقاء، أورلوف.."
لكن اليد التي التقطت يده لم تكن ودودة..
1
قبضةٌ قوية شدّت عليها حتى سُمِع طقطقة المفاصل، وصوت أورلوف خرج منخفضًا، هادئًا، لكنه يحمل سلطةً لا تقبل الجدال:
"نادِني السيد أورلوف كوزوسوف.."
3
تجمّد بافيل لجزءٍ من الثانية، رفع حاجبه بابتسامةٍ متكلفة، وسحب يده ببطءٍ من قبضته الحديدية، بينما نظرته المتفاجئة تلاحق الرجل الذي استدار بخطواتٍ ثابتةٍ خلف جليندون..
لم يفهم ما وراء الإصرار على اللقب، ظنّ أنه تعبيرٌ عن الصرامة العسكرية، أو عادةٌ متجذّرة لدى القادة..
لكنه لم يعرف أن ذلك الإسم - أورلوف - لم يُخلق إلا ليُقال بصوتها هي، وحدها..
10
تبعها بخطواتٍ سريعة، كتفه يلامس كتفها تقريبًا، أنفاسه الحارّة تتلاحق في الممر الضيّق الذي يملؤه صدى كعبيها الحادّين على الأرضية اللامعة..
لم تلتفت إليه، حتى حين أغلق الباب خلفهما بعنفٍ كاد يُسقط لوحة الزجاج المثبّتة عليه، بقيت تمشي بخطواتٍ سريعة نحو مكتبها..
فتحت الباب برشاقةٍ باردة، تركته مفتوحًا له، ثم تقدّمت إلى الداخل دون أن تنبس بكلمة..دخل هو بعدها، أغلق الباب خلفه بقوةٍ محسوبة، حتى اهتزّت الجدران وتردّد الصدى بينهما، ثم استند عليه بذراعيه، كتفه العريضة تسند الخشب، وعينيه تتبعانها في صمتٍ كثيف..
2
راقبها وهي تتخلى في ثوانٍ عن قناع الضابط الهادئ...
حركتها كانت حادة، دقيقة، تشبه تلك اللحظة التي تسبق العاصفة... انحنت إلى درج مكتبها، فتحته بعنف، التقطت ملفًا من الداخل، ثم التفتت نحوه بخطواتٍ سريعة، نظرتها تحمل كل ما أخفته طوال السنوات الماضية..
لم تكن النظرة مجرد غضب - كانت احتقارًا متقن الصياغة..
دفعت الملف إلى صدره بقوةٍ جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف على الباب.. ارتجّ الورق في يده، أما صوتها فخرج قاسيًا كحدّ السيف:
"هذا هو شرطي.."
لم يتحدث، فقط أمسك الملف بكفه، ضغطه إلى صدره بينما عيناه تراقبانها - تلك المخلوقة التي تركها يومًا فتاةً مشتعلة بالفضول والتمرد، ثم وجدها امرأة من فولاذٍ وثلج..
أربع سنواتٍ فقط فصلت بين الصورتين، لكنها بدت له وكأنها قرن كامل..
7
لم تعد تلك الطالبة التي ترتدي الجينز الممزق وتضحك في منتصف الليل بلا سبب، ولا تلك الفتاة التي تحدّت أباها وتزوجته متحدّية العالم..
1
أمامه الآن امرأة في الثامنة والعشرين، محامية دولية ذات حضورٍ مهيب، ترتدي ملابس أنيقة، شعرها مربوط بعناية، ملامحها صارمة لا مكان فيها لللين..
كانت تُشبه السلطة نفسها، لا الأنثى التي لفتت إنتاجه ذات يوم..
خفض نظره إلى الملف وفتحه... العنوان بخطٍ واضحٍ جليّ:
"عقد فسخ الزواج - دعوى الطلاق المدني.."
7
عيناه عبرتا على السطور بسرعةٍ تلتهمها الغيرة والغضب، وكل كلمة كانت كأنها خنجر يغرز في صدره..
توقّف عند التوقيع في أسفل الورقة - توقيعها بخطها الدقيق، بختمها الرسمي، بخطٍ لا يعرف التردد..
صمت لثوانٍ، ثم سمع أذنيه تطنّ، كأن شيئًا في داخله تمزّق..
اختلّت وقفته للحظة، قبض على الورقة بعنفٍ حتى تهشمت بين أصابعه، ثم قال بصوتٍ متقطع، أجشّ، لا يشبه صوته المعتاد:
"مستحيل..."
8
تراجع خطوة، الورقة المسحوقة سقطت بينهما، وعيناه تحدّقان بها كأنها عدوه الجديد..
لأول مرة، شعر أن الخطر الحقيقي ليس في ساحة القتال ولا في المؤامرات العسكرية - بل في تلك الورقة التي تفصله عن المرأة التي كانت يومًا زوجته..
7
صرخت جليندون، صرخةً خرجت من أعماقها، مزيج من وجعٍ وغضبٍ وخيبة عمرٍ ضائع:
1
"لماذا؟! لماذا مستحيل؟ ماذا تعني بكلمتك تلك؟ كل ما بيننا ورقة لعينة وتوقيعان فقط! لا أكثر!"
1
رفع رأسه إليها، نظرة باردة جامدة، وقال بنبرةٍ حادةٍ خالية من أي رجاء:
"ما زلت أحتاج زوجة في العلن.."
20
تراجعت خطوة، ثم انفجرت ضاحكةً ضحكة قصيرة حادة، أقرب إلى شهقةٍ موجوعة..
"زوجة في العلن؟"
كررت بتهكمٍ قاتل..
"وهل كنتَ يومًا زوجًا في الخفاء؟"
5
تقدّمت نحوه خطوة بخطوة، وجهها يتبدّل من الغضب إلى الاشمئزاز، وصوتها يرتفع حتى تردد صداها بين الجدران:
"أربع سنوات وأنا أعيش مع ظلّ رجل لا يعرف كيف يشعر! أربع سنوات وأنا أحاول أن أصدق أنك تملك قلبًا، أنك بشرٌ مثلنا، لكنك مجرد آلة، آلة تحارب، تصدر أوامر، تعود لتنام بجانب ظل جسدٍ لا تراه!"
2
ارتجف فكه، لكنّه لم يتكلم..
واصلت، والنار تخرج من عينيها:
"كنتُ أحمقَة حين تحديت أبي لأجلك، لأني ظننت أني سأغيّرك، أني سأصنع من الجندي إنسانًا.. لكنك لم تتغيّر، ولم تشعر، ولم تتعلم سوى كيف تقمع كل من يحبك! أنت لا تعرف حتى كيف تُعامل امرأة! كل ما تعرفه هو السيطرة... الأوامر... والعقوبات!"
20
مدّت يدها إلى أقرب كرسي ورمته باتجاهه، ارتطم بجانبه..
ثم أمسكت بالحاسوب المحمول على المكتب وقذفته نحوه فارتطم بالجدار وتناثر صوته في المكان..
6
"خذ سيطرتك، خذ برودك، خذ قسوتك واغرب عن وجهي!"
3
تقدّمت نحو الطاولة، التقطت مزهرية زجاجية ودفعتها نحوه، حيث انكسرت على جانب رأسه تحديدا على حاجبه و شفته السفلى ..
17
كان ما يزال واقفًا في مكانه، عينيه تراقبانها بصمتٍ مميت، وكأنه يرى أمامه انعكاسًا لكل ما حطمته الحرب فيه..
صرخت بأعلى صوتها:
"أكرهك يا أورلوف! أكرهك لأنك جعلتني أكره نفسي!"
7
اقتربت أكثر، رفعت يدها وصفعته بكل ما أوتيت من قوة..
20
دارت الغرفة حوله للحظة، لكنه لم يتحرك، فقط استقبل الضربة كما لو كانت طعنةً مستحقة..
3
سالت قطرة دمٍ رقيقة من حاجبه، انزلقت على خده، ثم تبعتها أخرى من شفته التي شُقت بفعل زجاج المزهرية..
2
عادت لتلتقط الكرسي لترميه مرة أخرى عليه ، لكن جسدها تخلّى عنها فجأة..
4
تشوّش بصرها، الغرفة بدأت تدور حولها، الكرسي سقط على قدمها المصابة، فأطلقت أنينًا خافتًا وارتج جسدها..
مدّت يدها لتستند على الطاولة، لكن كل شيء أصبح بعيدًا..
3
آخر ما شعرت به هو ذراعه القوية تلتف حولها، صوته الغاضب المبحوح يتمتم اسمها مرارًا:
"جليندون... جليندون، لا... أفيقي، أفيقي الآن..."
7
انطفأت الأصوات، تلاشت الأضواء، وتوقّف كل شيء..
قبل أن يغمرها السكون، كان آخر ما وصل إلى أذنها هو رجائه بإسمها و دقات قلبها المتسارعة وهي بين يديه...
الأنين الذي إنفلت من صدرها كان كافياً ليخرجه من حالة الصمت الجامد...
التقطها من تحتها قبل أن تسقط بين شظايا الزجاج والأثاث المبعثر، قبضته محكمة حول وركها تصعد ببطء كما يرفع رجل ثقلًا ثمينًا...
جسمها، البارد والرخو، استقر على صدره فتجمدت نبضاته للحظة، وشعر بألمٍ غريب يكاد يخنقه-ألم لا تشبهه ضربات الرصاص ولا زوابع الميدان؛ ألمٌ ولّدته مشاهد الخيانة والخذلان، وها هو يتذوق نتاجه الآن، متوسلاً باسمها وكأنه ينادي روحه الضائعة..
2
لم يدع هذا التردد يطول؛ جمع نفسه كجندي يعيد ترتيب صفوفه، رفعها في أحضانه كأنها قطعة زجاج لا تحتمل السقوط، وتقدم نحو الباب...
فتحه في حركةٍ واحدة قوية، خرجا إلى الممر اللماع حيث توقف الزمن أمامهم للحظة، ثم انجرفت الأجواء كبحرٍ تهتز أمواجه..
خارج غرفة الاجتماعات، وقفت مجموعة من الموظفين منسجمين في مشهدٍ متجمد: وجوهٌ شاحبة، همسات تتصاعد كحرائق صغيرة، وأنفاس متقطعة..
4
الصوت لم يمتد إلى الخارج كثيرًا لحنية عزل الصوت الميكانيكية، لكن وقع تحطيم مكتبها أحدث ارتجاجًا لم يغب عن مسامع الجميع؛ سمعته الأبواب، شعروا به في ارتعاش الأرواح..
10
همساتهم الصغيرة تحولت سريعًا إلى صرخات مكتومة حين رأواها ممددة في ذراعه، فاقدة للوعي، وملابسه متسخة بالدم الذي نزف من حاجبه وشفتيه؛ قطرات حمراء جعلت من صرامته أكثر خطرا..
1
تقدّم بافيل بسرعة، عينيه مشتعلة بغضبٍ لا يخفيه، ومدّ يده ليلتقطها من بين ذراعيه.. لكن قبل أن تلامسها أصابعه ..انطلق صوته، حادًا ورافعًا نبرةً لم يعتد عليها أحد في هذه القاعة:
1
"ارفع يدك عن زوجتي.."
30
كلمة واحدة كسرت التوازن.. الصدمة ارتسمت على ملامح الجميع، تصاعدت أصوات الهمس أضعافًا، وتسارعت نظراتٌ خفيفة مثل سهام...
1
بافيل تجمد للحظة، وارتسم الاستغراب على وجهه، لكن كان شيءٌ أقوى من الاستغراب يربطه الآن: قبضته على الهواء، وعيناه لا تتابع أي حركة أخرى سوى تلك الشخصية التي امتلأت بحماية فجائية..
"زوجته؟"
تمتم أحدهم بلا وعي، ثم توسعت العيون أكثر لدى البعض وهم يربطون الحقائق التي لم تكن واضحة من قبل.. بافيل تقدم خطوة، لكنه قَبَسَ قبل أن يمد يده؛ صوت أورلوف أعلى وأثقل قطع عليه الطريق..
1
" إلمسها و سوف تموت.. "
19
شهق الجميع و هم يتراجعون خطوة إلى الوراء بصدمة ثم كانت نبرة عكاز فاليري قارعة الأرض بقوة..الصوت الذي كان يقسم الجلسات في قاعة المحكمة ويهبّ الكلمة من بين أفواه الجدل...
ضرب بعكازه على الأرض إيقاعًا، كمن يسقط مطرقة قضاة على طاولة الحسم، وقال بصوتٍ جافٍ مملوءٍ بالأمر:
"دعه يخرج زوجته ، بافيل... ليس وقته الأن .."
القاعة كلها سكنت. . الرجل العجوز كان له سلطةٌ تفرضها السنوات والمناصب؛ فالأمر لم يعد مجرد امتدادٍ للقاء عمل، بل صار مشهدًا يختصر أمراً أعلى من المآدب المكتبية..
بافيل تراجع ببطء، عيناه لا تغفلان عن ملامحها المسجاة في حضن أورلوف، ثم تراجع هو أيضًا بخطواتٍ متزنة إلى الخلف، كجندي يقدّر حجم المشهد ويفهم التبعات..
همسات القلق تعالت حولهم، أصواتٌ تُشير بأطراف الأصابع، أقدامٌ تهم بالخروج للبحث عن أغطية أو منادٍ للطوارئ، لكن فاليري رفع يده مرةً ثانية، وأشار بأمرٍ قصير:
"اتركوه يمرّ.. اعطوه طريقه.."
1
فاليري لم يكن يسأل، بل يأمر..الجميع التزم الصمت؛ الأعين على أورلوف باتت مزيجًا من الخوف والاحترام، وأحدهم سرعان ما أخذ يفتح المدخل الرئيسي بعنايةٍ كي لا يُعرّضها لصخب الطابق اسفلا..
لم يلتفت لأي شيء من حوله، حملها بين ذراعيه كما يحمل ما تبقى من نفسه، خطواته ثابتة رغم دمه الذي يلطخ صدره...