رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل السابع 7 بقلم لبني دراز
الحقيقة لا تأتي دائمًا لتُنقذنا، أحيانًا تأتي لتُربكنا أكثر مما تُضيء لنا الطريق، تدخل القلب بهدوء خادع ثم تبدأ في نزع طبقات الوهم طبقةً طبقة، حتى يظل الإنسان عاريًا أمام نفسه، لا يملك سوى أن يُعيد النظر في كل ما صدّقه يومًا، ومع ذلك، مهما كانت قاسية، تبقى الحقيقة هي الوجه الوحيد للحياة الذي لا يمكن الهروب منه.. لأن ما نهرب منه اليوم، يعود غدًا بصورة أعمق وأشد وجعًا.
برد الرحيل بقلمي
بيت كريم
بعد ما فاقت تقى، كريم فضل جنبها عينه ع المحلول لحد ما خلص آخر نقطة فيه، شال الكانيولا وعدل وضعها ع السرير بهدوء وبص لها لحظة يتأكد إنها استقرت، كتب بسرعة شوية مقويات ونقط ترفع الضغط وناول الروشتة لـ عبدالرحمن، ونبرته كانت حازمة وهو بيحذّره من أي انفعال ممكن يرجّعها لنفس الحالة، بعدها جمع حاجته بهدوء، وخرج بسرعة رجع بيته ومعاه أمه وأخته، خطواته كانت تقيلة وصدره مخنوق دخل أوضته وقفل الباب وراه ووقف لحظة فـ نص الأوضة إيده عدّت فـ شعره بعصبية وعينه زايغة وهو حاسس ان الحيطان بتقرب عليه والحرب اللي جواه بدأت تعلى، صراع رهيب بين قلبه اللي اتعلّق بتقى من قبل ما يشوفها بمجرد ما سمع صوتها وعقله اللي سمع حقيقتها فـ لحظة وكأن ترتيب القدر قاصد انه يطلع السطوح فـ الوقت ده بالذات عشان يعرف انها بنت لقيطة وبقى هيتجنن ازاى واحدة بالأخلاق والملامح الهادية دي تبقى كدا، واللي هيجننه أكتر يا ترى هي بنت شرعية ولا غير شرعية، قعد ع طرف السرير حط كوعه ع ركبته وإيده ساندة راسه، أنفاسه سريعة وعينه بتلمع بحيرة.
عقله يقوله: أبعد واحمد ربنا انك عرفت الحقيقة قبل ما تدخل فـ الغويط.
وقلبه يقوله: هي ذنبها ايه انها اتولدت من أب وأم ما عندهمش ضمير.
ضغط ع إيده بعصبية وصوت عقله بيعلى أكتر: ذنبها انها ممكن تكون غير شرعية ومالهاش اصل من فصل.
رفع راسه فجأة وعينه بتضيق كأنه بيرد ع نفسه بصوت قلبه: حتى لو كانت زى ما بتقول، المهم أخلاقها وتربيتها، وده واضح عليها انها متربية كويسة وأخلاقها عالية.
قام وقف ولف فـ الأوضة بخطوات سريعة، كأنه بيحاول يهرب من الدوامة اللي فـ راسه، لكن مازال صوت عقله بيصرخ جواه: مش كل حاجه نشوفها قدام عينينا نصدقها، وبعدين ما هي ماشاء الله مدوراها أهي وكل شوية فـ حضن ابن عمها وع عينك يا تاجر.
وقف مكانه فجأة، صدره بيطلع وينزل وقلبه بيقوله: انت صح مش كل حاجة نشوفها نصدقها، ولا كمان نفسرها ع هوانا، لازم قبل ما نحكم ع المظهر نعرف جوهر الحكاية ممكن تكون وراها حاجة مستخبية احنا ما نعرفهاش.
وفجأة صوته خرج عالي من غير ما يحس، وهو حاطط إيده ع راسه: بسسسسس كفاية انتوا الاتنين انا مش مستحمل، ارحمووني بقى.
الباب اتفتح بسرعة وأمه دخلت جري عليه ملامحها مفزوعة، وعينها عليه مباشرة:
اسم الله عليك يا ضنايا، مالك يا حبيبي فيك ايه؟
كريم لف لها بسرعة وكأنه لقى طوق نجاة رمى نفسه فـ حضنها، وعيط بانهيار ووجع سنين وبنبرة مكسورة:
تعبان اوي يا أمي حاسس ان ضهري انحنى، خايف ماقدرش أشيل الشيلة لأخر المشوار، ومش عارف انا ليه بيحصل لي كدا، ليه انا بالذات الدنيا معانداني وباصة لي فـ الحاجة اللي بتفرحني وحالفة تاخدها مني.
أمه حضنته أكتر وإيدها بتمسح ع ضهره بحنية وبعد لحظة خرجته من حضنها ومسحت دموعه بإيدها، وبصت له بنظرة أم فاهمة:
اللي يعاندك، عانده وأخطف فرحتك منه غصب عنه، ما تستسلمش وتنسحب من اول جولة يا حبيبي.
كريم بص لها باستغراب، ضيق عينه وهو بيحاول يفهم:
انا مش فاهم، انتي تقصدي ايه يا أمي؟
أمه ابتسمت ابتسامة هادية وعينها مليانة حنية:
قصدي اللي شقلبت حالك من يوم ما ظهرت يا ابني، تقى.
كريم رمش كذا مرة وبص لها باستغراب أوضح:
تقى؟! ايه اللي خلاكي تقولي كدا يا أمي؟
أمه مسكت إيده بين كفوفها وطبطبت عليها بحنية وهي بتبص له وبنبرة دافية:
يا واد هو انت فاكر أكمني جاهلة وما اتعلمتش، أني ما بفهمش!
كريم وطّى وباس إيدها بحب:
لا عشت ولا كنت يا ام كريم لو قولت كدا، ده انتي ست الكل وجزمتك ع راسي بس برضو انا مش فاهم بتقولي كدا ليه.
أمه ابتسمت ورفعت إيدها تمسح ع شعره:
نظرة عينك يا نور عيني فضحاك، من يوم ما شوفتها يا حبيبي وانت حالك اتشقلب، البلكونة اللي طول عمرك مش بتحب واقفتها ع طول واقف فيها، والعيادة اللى غيرت مواعيدها فجأة عشان ترجع بدري، وقعدتك اللي زادت فوق السطوح، عرفت بقى بقول كدا ليه.
كريم ابتسم ابتسامة باهتة، عينه فيها وجع وبنبرة حزينة:
خلاص يا حبيبتي، تقى كانت لحظة ضعف وراحت لحالها، وبعدين هي شكلها مرتبطة بقريبها اللي قاعد عندها وداخل وطالع معاها طول الوقت.
أمه هزت راسها بهدوء:
ده يبقى أخوها فـ الرضاعة مش خطيبها، وقبل ما تقول عرفتي ازاى.. خالتك ام عمر هي اللي قالتلي، عشان كدا بقولك مد ايدك واخطف فرحتك من الدنيا يا ضنايا، عاندها وما تسيبهاش تكسرك يا كريم، وكفاية يا حبيبي الوجع والكسرة اللي عشناها، عايزين نفرح بقى.
كريم غمض عينه، واتنهد بوجع، ورجع يدفن نفسه فـ حضن أمه، وجواه لسة الصراع شغال بين قلب بيجري ناحية تقى وعقل متردد وبيحاول يبعده عنها بعد ما سمع حقيقتها.
___________________________
بيت الحاج غريب
فـ نفس الوقت زمردة كانت خارجة من اوضتها وهي ماسكة الموبايل بتكلم صاحبتها وبتجري ع السلم ومن غير ما تاخد بالها خبطت فـ ريّان وهو طالع، ومن شدة الخبطة ما لحقش يسند نفسه ومد إيده يمسك فيها وهو بيقع شدها معاه وهي وقعت عليه، فـ نفس اللحظة اللي كان داخل فيها إيساف من الباب وشافهم واقعين وقرب منهم وهو بيبص لهم بضحك وصفّر بإعجاب وبغمزة:
اوباااا، كدا عيني عينك، فـ وضح النهار يا شقي منك ليها، طب اتداروا شوية.
ريّان بيحاول يقوم من الأرض وهو باصص لـ اخوه:
طبعا لو حلفتلك انها حادثة بريئة مش هتصدقني.
إيساف بص لـ ريّان برفعة حاجب ونبرة تريقة:
حادثة بريئة؟! هو في حادثة بريئة وحادثة خبيثة يا كازانوفا.
زمردة واقعة ع رجلها مش قادرة تقوم وبتصرخ وتشتم فـ إيساف:
هات إيدك يا متخلف قومني بدل ما انت واقف تتريق كدا.
ريّان قعد ع حيله وبص لها بغيظ:
هي البعيدة ايييه؟ عامية ما بتشوفش، ايه قطر نازل يدوس فـ خلق الله، صدق اللي سماكي مرض.
وبنبرة تريقة:
ياااا مرررض.
زمردة حاولت تقعد ع ركبتها وضربت ريّان بإيديها الاتنين بقت تلطش فيه بغيظ:
اسمي زمردة يا حيوان وقوم اتلم وقومني مش قادرة اقف ياللي منك لله.
ريّان وقف عدل هدومه وسابها فـ الارض واتسند ع إيساف وهو ماشي:
خليكي يا جزمة كدا واقعة عشان تتلمي وتلمي لسانك اللي زي المبرد ده شوية، قال زمردة قال، ده انتي مرض مش زمردة، مش عارف انا مين الحيوان اللي سماكي الأسم ده.
ولسة بيلف شاف حمزة واقف وحاطط ايديه فـ وسطه وباصص له من غير ما يتكلم، صوته خرج مهزوز:
حححمزة، أأأأنت هنا من أمتى يا ميزو؟
حمزة كان داخل من الجنينة بعد ما خلص مذاكرة مع إيلاف، قرب منه وهو بيضيّق عينه وبص له برفعة حاجب وبيشاور ع نفسه:
مش عايز تعرف مين الحيوان اللي سماها؟
ريّان بلع ريقه وبنبرة توتر:
هااا.
حمزة قرب منه خطوة كمان وبهدوء قاتل:
ها ايه؟! القطة كلت لسانك؟
إيساف بضحك:
خلاص يا حمزة عيل وغلط.
زمردة بتشتم فـ إيساف وريّان وهي لسة قاعدة مكانها:
انتوا هتسيبوني واقعة كدا؟ تعالوا قوموني يا جزم ياللي ربنا ياخدكم.
مدت إيدها تدعك رجلها اللي وجعتها وبصت لـ حمزة ودموعها بدأت تنزل:
الحقني يا حمزة والنبي مش قادرة أقوم.
حمزة اتحرك بسرعة وقرب منها بهدوء، مسك إيدها وساعدها تقوم واحدة واحدة لحد ما وقفت وسندها لحد أقرب كرسي وبنبرة فيها قلق:
وقعتي ازاى؟ فيكي حاجة بتوجعك؟
زمردة عيطت من وجع رجلها وعينها ع ريّان:
الطور ده شدني وقعني، آه يا رجلي، رجلي بتوجعني أوي يا حمزة.
ريّان زعق بنبرة صوت كلها استنكار:
انا اللي طور برضو؟! ولا انتي اللي جاموسة هربانة من المد*بح؟ نازلة تجري وتشوطي الأبرياء امثالي
إيساف ضحك بعلو صوته واتكلم من بين ضحكه:
الله عليك يا ريّو، نسفت الجبهة يا شقيق.
زمردة بصت لهم بغضب:
وحياة امك انت هو لما اقوملكم يا حيوانات.
فجأة حمزة زعق بعلو الصوت وبنبرة أمر:
بسسس انت وهو وهي، ايييييه مافيش احتراااام لحد خااااالص.
ايساف حاول يهدّي الجو:
خلاااص يا كبير إحـ......
حمزة لف وشه لـ إيساف من غير ما يتكلم، وبص له بنظرة غضب قاطعة، خلّت كلامه يقف فـ بُقه ويسكت فورًا.
إيساف حط إيده ع بُقه وهو بيهز راسه من فوق لتحت بمعنى حاضر خرست اهو.
فـ نفس الوقت كانت شكرية نازلة من شقتها وابراهيم وصفاء نازلين هما كمان وشافوا الموقف وسمعوهم وهم بيشتموا فـ بعض ووقفوا يضحكوا عليهم كالعادة.
ابراهيم بص لهم وهو بيضحك بنفاذ صبر:
مش ناويين تكبروا انتوا التلاتة وتبطلوا الهبل ده؟ هتعقلوا امتى يعني؟
ريّان بسرعة:
يا خالي هي اللي غلطانة، نازلة تجري ع السلم شاطتني فـ رجليها.
زمردة بغيظ:
انا اللي غلطانة برضو يا حيوان ولا أنت؟
شكرية بضحك:
عايزة افهم بس لما انتوا عندكم 25 سنة وبعقل طفل ماكملش 5 سنين هتكبروا وتعقلوا امتى؟ لما تكملوا 100سنة؟
صفاء وهي بتبص لـ التلاتة وبنبرة ثقة من بين ضحكها:
دول عمرهم ما هيعقلوا ابدا هيفضلوا كدا ناقر ونقير.
زمردة بتبص لـ صفاء وبتشاور بغيظ ع ريّان وإيساف:
الحيوان ده شدني وقعني والمتخلف التاني بدل ما يقومني سابني واقعة وفضل يضحك عليا يا ماما.
ريّان بغيظ أكبر:
وحيات أمك؟ ومين اللي كانت نازلة تجري ع السلم زي البهيمة وزقتني؟
رفع عينه لـ صفاء وبنبرة هادية شوية:
يا مرات خالي والله ما كلمتها، انا كنت طالع السلم لا بيا ولا عليا ولقيت بهيمة عامية بتجري خبطتني، رجلي اتزحلقت مالقيتش حد غيرها امسك فيه عشان الحق نفسي، قومت وقعت انا وهي، ذنبي يعني؟
حمزة بص لهم بعصبية:
مش قولت خلاص؟ يلا كل واحد يغور ع اوضته.
ريّان ماشي ساند ضهره بإيديه وهو بيشتم فـ زمردة بصوت واطي:
آااه، وسطي اتخلع ياللي تنشكي فـ معاميعك يا بعيدة، اتجوز واخلف ازاى انا دلوقتى، يا شماتة جيل المستقبل فيا، مستقبلي ضااااع، منك لله.
شكرية سمعته وبصت له وهي بتضحك:
اطلع يا موكوس غير هدومك وانزل عشان نتعشى، قال مستقبلي ضاع قال.
ريّان:
تيجي منك انتي يا نبع الحنان؟ كانش العشم.
حمزة:
اطلع وانت ساكت يا حيوان.
ريّان ماشي بيعرج وماسك ضهره:
حاضر يا عم ما تزقش طالع أهو.
ابراهيم بص لـ إيساف باستفسار:
ايه اللى أخركم فـ المصنع لحد دلوقتي.
إيساف:
كانت في طلبية طالعة خلصناها وقفلنا حساباتها، وبعدين جينا.
ابراهيم هز راسه بفخر وبلغه ان عمر هيشتغل معاهم وهيمسك الحسابات وسابهم ودخل المندرة هو ومراته واخته.
_____________________
بيت تقى
نزل كريم من عند تقى هو وأمه وأخته، وساب ام عمر لسة قاعدة تتعرف ع حنان وترحب بيها، قعدت معاها شوية تتكلم معاها وتطمنها، وعينيها رايحة جاية بخوف وقلق ع تقى وهي نايمة لحد لما لقت حالتها استقرت شوية، فقامت بهدوء بصت لها بنظرة مليانة دعاء وسابتهم ونزلت وهي لسة شايلة قلقها جواها.
بعدها حنان قربت بسرعة من السرير قعدت جنب تقى خدتها فـ حضنها وإيدها بتمسح ع شعرها بحنية، وصوتها طالع بيرتعش من القلق:
اسم الله عليكي يا قلب امك، ايه اللي جرالك يا ضنايا؟ وصلك للحالة دي.
تقى سابت نفسها بين إيدين حنان، غمّضت عينيها بتهرب من كل الوجع اللي جواها ودموعها نازلة فـ صمت تقيل من غير ولا كلمة، بس وجعها كان باين فـ كل نفس بتاخده.
حنان شدّت تقى أكتر لحضنها ودراعها لافف حواليها وإيدها بتمشي ع دراعها بحنية، وصوتها طالع مليان خوف ولهفة:
يا بنتي ريحي قلبي، ردي عليا وسمّعيني صوتك عشان خاطري.
تقى دموعها زادت وشفايفها ارتعشت واتكلمت بالعافية كأنها بتسحب روحها مع كلامها، صوتها خرج مخنوق متقطع مليان بالوجع ونبرتها مكسورة لدرجة إن كل حرف بتنطقه بيحمّلها أكتر من طاقتها:
عمري كله عايشة فـ كدبة كبيرة وفجأة الحقيقة انكشفت وبقيت من غير عيلة ولا عارفة انا مين ولا بنت مين ولا اسمي اللي فـ الشهادة ده، هو اسمي الحقيقي ولا اى اسم وخلاص.
حنان عينيها وسعت من الصدمة وخرّجت تقى من حضنها قعدتها قدامها وهي ماسكة دراعها بإيد فيها رعشة غضب وخوف فـ نفس الوقت ونبرتها طلعت حادة ومتوترة:
مين قال انك مالكيش عيلة؟ اومال عيلة الراوي دي ايييه؟ هي دي عيلتك اللي كبرتي واتربيتي فيها، انتي بنتي وبنت جليلة ومنصور حتى لو مش من صلبهم، فاهمة يا تقى؟ ما اسمعكيش بتقولي الكلام ده تاني.
عبدالرحمن قرب بخطوات تقيلة وقعد جنبهم ع السرير، وعينه فيها وجع وحزن واضحين ع ملامحه، بص لـ حنان بنظرة حزينة وصوته طلع مبحوح ومليان ألم:
قولتلها نفس الكلام ده والله يا عمتي.
ومد إيده بسرعة وشدها دخلها فـ حضنه بقوة ودموعه نازلة من غير ما يوقفها، وصوته طلع مكسور ومليان وجع:
عارفة يا تقى الكلب لو قولتي الكلام ده تاني؟ هزعلك بجد وهخليكي تشوفي عبده تاني خالص غير اللي تعرفيه، مفهوم؟
تقى خدت نفس قوي وخرّجته ببطء وغمضت عينيها ورجعت بذكرياتها قبل وفاة منصور وجليلة بأيام.
"فلاش باك"
تقى كانت داخلة اوضة جليلة تطمن عليها وقبل ما تمد ايدها تفتح الباب سمعت صوتها وهي بتتكلم مع منصور بتعب ونبرة صوت مهزوزة:
آن الآوان يا منصور خلاص ولازم تقى تعرف الحقيقة.
منصور قاعد ضامم جليلة فـ حضنه واتنهد بقلق:
خايف يا جليلة، بقالي سنين طويلة عايز اتكلم وخايف عليها من اللي هتسمعه.
جليلة ابتسمت ابتسامة باهتة وصدرها طالع نازل من كتر التعب:
مافيش وقت يا حبيبي، الأمانة قربت ترجع لـ صاحبها، ريحني وريح بالك قبل ما نقابل وجه كريم يا ابو تقى.
منصور هز راسه بالموافقة وبنبرة صوت موجوع:
الله المستعان.
بعدها أخد نفس قوي وخرجه بهدوء ونده ع تقى واستنى شوية لحد ما ترد.
تقى فضلت واقفة شوية برة وبعدين فتحت الباب ودخلت بابتسامة صافية وبصت لـ منصور وبنبرة مرحة بتداري فيها قلقها من اللي ممكن تسمعه:
سيد الناس يؤمر أمر وعيوني ليك يا منص.
جليلة ضحكت ضحكة خفيفة وسط تعبها، ورغم انفاسها المتقطعة وإرهاقها بصت لـ تقى تحضنها بدفى عيونها، وصوتها خرج ضعيف:
انتي يا بت مش هتبطلي بكش وتبطلي تعاكسي فـ جوزي؟
تقى هزت راسها بسرعة وهي بتضحك وبترد بغُنى:
تؤتؤتؤتؤتؤتؤ، أهو ده اللي مش ممكن أبدًا.
منصور اخد نفس قوي وطرده بسرعه واتنهد تنهيدة تقيلة وبص لـ تقى بنظرة حنونة ممزوجة بحزن وبنبرة دافية:
اقعدي يا تقى عايز اتكلم معاكي انا وامك شوية.
تقى بصت له بقلق وهي بتحاول تفهم اللي شايفاه فـ عينه، ونقلت نظرها بسرعة بينه وبين جليلة، وصوتها خرج متردد ومليان حيرة:
خير يا بابا؟
منصور اتعدل فـ قعدته ببطء واخد نفس قوي وكتمه جواه كأنه بيخفف بيه الحمل التقيل اللي ع صدره وعينه اتجنّبت تبص لـ تقى فـ الأول وبعدين رفعها لها بالعافية وابتدى يحكي حقيقتها ويجاوب ع السؤال اللي طول عمرها بتسأله.. ليه اسمها فـ شهادة الميلاد مختلف عن اسمه فـ البطاقة، وصوته خرج مبحوح ومليان وجع:
بصى يا بنتى هقولك حكاية صغيرة حصلت من زمان، هتلاقي فيها رد ع سؤالك اللى دايما بتسأليه.
تقى بصت له باهتمام وضربات قلبها بتزيد، وجواها خايفة من الإحساس اللي بيجيلها دايما وبتدعي انه يطلع غلط، وبنبرة مهزوزة:
أوعى تقول ان إحساسي صح يا بابا؟
منصور بص لها بنظرة حنونة ولمس الخوف فـ ملامحها ونبرة صوتها، اتردد لحظة، لكن إيد جليلة اللي ضغطت ع ايده شجعته يتكلم، وبنبرة حزينة:
من 26 سنة، أخواتي اللي انا مربيهم من بعد أبويا وجوزتهم، حريمهم عايروا مراتي بالخلفة، وقتها كان عمك محمود معاه 3 ولاد، وزيدان كان معاه عبدالرحمن عمره 4شهور وحنان كانت معاها شريف عنده 40 يوم، وكنا سهرانين كلنا مع بعض، ليلتها زينب وفوزية بقوا يضايقوا جليلة وكل واحدة فيهم بكلمة.. أمك خدت كلامهم جواها وسكتت لحد ما كل واحد مننا راح شقته، واول لما دخلنا الشقة انـfـجرت فيا مرة واحدة وطلبت الطلاق، ودي كانت اول مرة من يوم ما اتجوزنا تعمل كدا، احتويت الموقف بهدوء ولما هديّت فهمت منها سبب غضبها.
جليلة أخدت نفسها بالعافية وبصت لـ تقى بعين مرهقة فيها وجع متداري، حاولت تكمل الكلام وصوتها طلع مهزوز:
يومها قولتله انا أرض بور، وانت من حقك يبقى لك ولاد يخلدوا ذكراك ويرفعوا راسك وسط اخواتك، رد عليا وقالي انا مكتفي بيكي، انتي امي واختي وبنتي وحبيبتي، وبعدين ما عملتهاش وانا صغير هعملها بعد السنين دي كلها؟! نامي يا جليلة فرجه قريب، ونمت فعلا ودموعي ع خدي، وهو عينيه ما عرفتش طعم النوم، وقبل الفجر بساعة صحّاني عشان نصلي القيام زي كل ليلة ونقرأ ورد القرآن.
منصور بلع ريقه بصعوبة وصدره طلع ونزل ببطء، رفع عينه لـ تقى بنظرة تقيلة شايلة وجع السنين، وصوته خرج مبحوح وهو بيكمّل:
صليت بيها كالعادة، بس الليلة دي ما كانتش عادية بالنسبة لنا، بكينا كتير من شدة الوجع والقهر بسبب كلام اخواتي وحريمهم.
اتنهد تنهيدة خفيفة وعينه دمّعت وهو بيفتكر اللي حصل:
اصل انا برضو يا بنتي ماكنتش بسلم من لسانهم، المهم بكينا ودعينا ربنا يمنّ علينا بعطاياه، ولما خلصنا الورد وأذن الفجر نزلت الجامع وانا بدعي ربنا بالفرج والمنة، خلصت الصلاة ورجعت وقبل ما ادخل البيت لقيت أحلى هدية جات لي فـ عمري بعد جليلة.
تقى بصت له بترقّب وقلبها بيخبط جوة ضلوعها من كتر القلق، وصوتها خرج واطي ومتوتر:
لقيت ايه؟
منصور:
لقيت واحدة ست واقفة ع باب بيتي شايلة بنت جميلة خطفت قلبي من اول ما شوفتها وشلتها بين إيديا وهى لسة بنت سبع أيام.
تقى بدموع:
انا البنت دي مش كدا؟ يعني انا لقيطة؟ بنت حـ.....
منصور قطع كلامها بسرعة ومن غير تردد رفع إيده يوقفها قبل ما تكمل، ونبرته خرجت حاسمة وفيها رجفة مكتومة:
لا يا حبيبتي، انتى بنت حلال ومن جواز شرعي ع سنة الله ورسوله،
والدك ووالدتك ولاد عم حبوا بعض جدا، فلما راح لعمه عشان يتجوزها ابوها رفض أكتر من مرة لان بينه وبين أخوه مشاكل بسبب الورث، خالك اتفق مع عمك انهم ينزلوا القاهرة يجوزوا ابوكي وامك، ويرجعوا بلدهم ويسيبوا اخواتهم يعيشوا بين زحمتها، وجم سكنوا عندنا فـ الحارة القديمة اللى كنا فيها عاشوا سنة ماحدش يعرف عنهم حاجة، راجل ومراته عايشين فـ حالهم مش مخطلتين بحد، مافيش غير الست صاحبة البيت اللي كانت بتعاملهم زى ولادها.
جليلة اتنهدت وبصت لـ تقى بنظرة دافية رغم التعب وكمّلت بصوت واطي متكسر:
يوم ما ربنا رزقهم بيكي، ابوكي راح مع امك المستشفى عشان تولدك وسبحان الله كأن قلبه كان حاسس ان هيجراله حاجة، قبل ما ينزل من شقته خبط ع صاحبة البيت وادالها كل الاوراق اللى تثبت صحة جوازهم وطلب منها انهم يفضلوا معاها، وبعد الولادة شافك واطمن عليكي وراح طلع لك شهادة ميلادك، وهو راجع خبطته عربية ونقلوه بالصدفة لنفس المستشفى اللي فيها امك، ومات فيها بعد ما وصى الجارة عليكم، طبعا وقتها والدتك كانت حالتها صعبة، شابة صغيرة وحيدة من غير اهل حواليها ما بقتش عارفة تعمل ايه، اهل الخير ساعدوها تدفن جوزها وفضلت اسبوع بعد وفاته حالتها الصحية بتسوء بسبب الحزن عليه وفـ النهاية حصلته.
تقى كانت بتسمع وكل كلمة كانت بتكسر حاجة جواها، غصب عنها دموعها زادت من غير سيطرة ونظرتها بقت تايهة بينهم، الصورة اللي كانت ناقصة بدأت تكمل وتوضح واحدة واحدة، طول عمرها كان جواها إحساس إن في حاجة مش مظبوطة بس كانت بتهرب منه، وكل مرة تكدّب نفسها وتقول انه وهم، لحد ما الحقيقة ظهرت قدام عينيها وما بقاش في منها مهرب.
منصور بص لها ودموعه محبوسة فـ عينه واتنهد تنهيدة تقيلة من وجع قلب أب ع بنته، رغم إن الكلام بيكسره حتة حتة لكن كمل:
بعدها وانا راجع من صلاة الفجر لقيت ام خالد صاحبة البيت واقفة ع باب بيتي وهي شيلاكي وبتقولي انها ست كبيرة ومش هتقدر تراعيكي، ولاجل الوصية ما لقتش أحسن مني انا وجليلة عشان نحافظ ع الامانة، اديتني كل الاوارق اللى تثبت نسبك لعيلتك الحقيقية ووصتني نفس وصية ابوكي وامك، اني اربيكي فـ بيتي وما اسلمكيش لأهلك لان جدودك ممكن مايقبلوكيش بسبب جواز ولادهم من غير علمهم، خدناكي فـ حضننا بنتنا اللي ماخلفنهاش بس ربنا وهبها لنا وكنتي عطية خير عليا، وقتها كنت راجل بسيط عامل باليومية فـ ورشة نجارة، حامد ربي ومبسوط، وبسببك الخير كله اتفتح لي وربنا وسع عليا، سنتين بالظبط وكان عندي ورشة خاصة بيا، بعدها سبت الحارة القديمة بعد ما بعت نصيبي فـ بيت ابويا واشتريت البيت ده، المهم يوم ما ربنا وهبك لينا، حنان وفوزية كانوا لسة مخلفين عيالهم زي ما قولتلك، عرضت عليهم يرضعوكي معاهم عشان تبقى متحرمة عليا حرمة الخال والعم وتعيشي بحريتك من غير خجل.
جليلة دموعها نازلة مغرقة وشها، صدرها بيطلع وينزل بتقل وإيديها ماسكة طرف هدومها بقوة كأنها بتستمد منها الصبر لكن الوجع اللي جواها ع تقى كان أقوى من أى تماسك، كملت بنبرة صوت مبحوحة:
ساعتها خلصت الصلاة وحضرت له الفطار وقعدت استناه زى كل يوم لقيته اتأخر ع غير العادة يجي ساعة، وما كانش معاه تليفون عشان ارن عليه وفضلت قعدة فـ قلق لحد ما سمعت جرس الباب، قومت جريت وانا مخضوضة وفتحتله شوفته واقف قصادي وهو شايلك بين إيديه ودموعه نازلة ولما سألته ايه ده؟ حطك بين إيديا وقالي دي عطية ربنا وهديته جزاء صبرنا.
"عودة للوقت الحالي"
تقى فاقت من شرودها ع إيد شريف وهو بيحطها ع كتفها، اتفزعت كأن في حاجة لسعتها وجسمها كله انكمش فـ لحظة وسحبت نفسها بسرعة لورا من غير ولا كلمة.
شريف نزل إيده ببطء وهو بيضم صوابعه ويضغط عليهم، وفضل باصص لها لحظة بنظرة حزينة مكسورة، عينه فيها قلق وعتاب لنفسه قبلها، وصوته طلع واطي ومبحوح مليان وجع:
بتبعدي عني ليه يا تقى؟ هو انا مش اخوكي زي عبدالرحمن؟
رفعت راسها بالعافية وبصت له بعيون متورّمة وحمرا من كتر الدموع اللي مش بتقف، نظرتها تايهة ومكسورة، وصوتها خرج متقطع بنبرة انكسار:
للأسف انت خسرت الحق ده يا شريف بعد اللي قولته.
غمضت عينيها وضغطت ع شفايفها تمنع رعشتهم من تقل الكلمة اللي هتنطقها:
انا ما اقدرش أءمنلك تاني بعد ما عرفت حقيقة تفكيرك فيا.
هزّت راسها ببطء وهي بتبص له بعينين مليانين ألم وملامحها موجوعة:
سامحني يا شريف، صدقني مش هقدر.
دموعها زادت أكتر وإحساسها بالخذلان كان واضح فـ كل تفصيلة فيها، بيضغط ع قلبها ويزود وجعها، وكملت بصوت موجوع ومتكسّر:
مع اني كنت محتاجالك يا اخويا فـ حياتي، بس انت خذلتني واتخليت عني فـ عز احتياجي ليك.
شريف عينه وسعت بصدمة، مش مستوعب اللي بيسمعه ورفع إيده يشاور ع نفسه بسرعة، ونبرته طلعت متوترة ومليانة عصبية:
انا؟! انا يا تقى اتخليت عنك وخذلتك؟! ده انا ما حبيتش حد فـ حياتي قد ما حبيتك.
صرخت فيه بصوت عالي طالع من قلبها رغم ضعفها الواضح ع ملامحها وجسمها، ونبرتها كانت مليانة وجع وكسرة باينين فـ كل حرف:
هو ده بالظبط، حبك ليا وتفكيرك فيا بالشكل ده، واعترافك فـ الوقت ده بالذات قمة الخذلان والتخلّي يا شريف.
عبدالرحمن قام وقف من مكانه فجأة وبسرعة اندفع ناحية شريف وشدّه بعصبية بعيد عن تقى، وهو بيمسكه من كتافه بقوة وعينه كلها غضب، ونبرته خرجت حادة:
انت اييييييه يا أخي؟! عايز تعمل فينا اييييه أكتر من كدا؟ مش مكفّيك اللي حصل؟! مش مكفّيك كسرتها، عاااااايز تكمل عليهااااا؟
حنان كانت قعدة ساكتة متابعهم بعيون مليانة قلق وحيرة، بتتنقل بنظرتها بينهم كأنها بتحاول تجمع الصورة كلها، إحساس جواها بيظهر بينبأها بوجع أكبر من اللي ظاهر، وبنبرة صوت متوتر:
في ايه يا ولاد؟ مالكم؟
بصت لـ عبدالرحمن وقلقها بان أكتر فـ عينيها، ملامحها مشدودة بتحاول تفهم اللي بيحصل قدامها، وصوتها خرج مهزوز:
حصل ايه يا عبده، ليه ماسك فـ اخوك كدا؟ شريف عمل ايه عشان اختك تقول اللي قالته ده؟
عبدالرحمن زق شريف بقوة وقعه ع الكرسي غصب عنه، وصدره بيطلع وينزل من الغضب، بص لحنان وعينيه مولعة بعصبية ممزوجة بوجع مكبوت، وصوته خرج حاد:
البيه الظابط المحترم، اللي كنت مستنيه يقف معايا فـ ضهر تقى قصاد اللي كسروها وقهروها جاى يقولها انه بيحبها حب راجل لست وعايز يعوضها وينسيها سليييم، البيه اللي عارف انها متحرّمة عليه بيقولها انه بيعشقها ومش قادر يعيش من غيرها ونسي انها اختتته.
حنان بصت لـ ابنها بوجع، ودموعها نزلت غصب عنها من غير ما توقفها وعينيها كانت بتلف بين التلاتة بحيرة وخوف كأنها بتدور ع تفسير يطمنها ومش لاقياه، سكتت لحظة وبعدين غطّت وشها بكفوفها وخرجت منها آهة مكسورة من قلبها وهي مش قادرة تستوعب اللي بيحصل حواليها:
آاااااه، أنا السبب، يا ريتني كنت قولت من زمان ما كانش كل ده حصل، يارب سامحني ماكنتش أعلم الغيب ولا فكرت ابدا فيه.
رفعت راسها وبصت لهم وملامحها كلها حزن ووجع وبنبرة انكسار:
سامحوني يا ولادي انا اللي عملت كدا فيكم.
عبدالرحمن قرب منها بهدوء ملامحه لسة مشدودة من الوجع والغضب، لكن صوته طلع أهدى وهو بيحاول يطمنها وانحنى باس راسها بحنية:
هوني ع نفسك يا حبيبتي، انتي ما كنتيش تقصدي كل ده، اللي حصل حصل خلاص.
شريف ما قدرش يستحمل أكتر من كدا قام فجأة من الكرسي بعصبية مكتومة ومن غير ما يبص لحد خرج جري من شقة تقى، أنفاسه متقطعة وصدره مليان غليان ووجع، دخل الشقة التانية بخطوات سريعة وهو مش شايف قدامه من كتر التوتر
شد شنطته بعنف وخرج من المكان بخطوات سريعة ناحية الباب بيحاول يلحق نفسه قبل ما ينهار أكتر، راجع ع إسكندرية وهو شايل جواه وجع أكبر.
تقى رفعت عينيها بسرعة ناحية عبدالرحمن وملامحها متلخبطة خوفها باين فـ رعشة إيديها ونبرة صوتها خرجت سريعة ومتوترة:
الحق اخوك يا عبدالرحمن ما تخلّهوش يمشي وهو بالحالة دي.
جري عبدالرحمن فعلا ورا شريف بسرعة ولحقه قبل ما يخرج من الشقة، مسكه من دراعه ووقفه، لكن شريف كان متعصب ومندفع وعبدالرحمن بيحاول يوقفه بالعافية، وبعد فترة من الأخد والرد ومحاولة تهدية الموقف، شريف بدأ يهدى واحدة واحدة، لحد ما استسلم وقعد مكانه، بعد ما أقنعه عبده انه يفضل شوية عشان خاطر أمه.
وعدت الليلة تقيلة وبطيئةع الكل، كل واحد منهم شايل وجعه جواه، جراح بتتفتح من غير صوت، وحرب شغالة جواهم فـ صمت، فيهم اللي قادر يهرب منها، وفيهم اللي مش قادر ولا عارف يواجهها.
___________________________
القاهرة_ تاني يوم
فـ قاعة افراح فخمة
بعد ما راحت فدوى لـ سليم فـ المكتب واتفقوا ينزلوا يجهّزوا كل حاجة لـ حفلة خطوبتهم، لفّوا ع محلات كتير اختاروا الشبكة والفستان والبدلة ومن غير ما ياخدوا نفسهم ختموا يومهم بحجز قاعة أفراح كبيرة فـ فندق 7 ستار، السرعة اللي كان بيتحرك بيها سليم كانت غريبة جدا لدرجة انه اتفق مع مطربين مشاهير، وجهز حتى التغطية الإعلامية اللي هتنشر الخبر، وكل ده حصل فـ زمن قياسي، كأن الموضوع مش مجرد خطوبة عادية، لكن رسالة قاصد يوصلها لشخص معين، انتهى اليوم بكل ترتيباته بس من غير أي إحساس او مشاعر، كل حاجة كانت بتتم بتخطيط بارد مش بفرحة ومع بداية الحفلة، القاعة ظهرت فـ أبهى صورة، فخامة مبالغ فيها، تفاصيل أقرب للملكية لكن الجو كله كان فيه برودة غريبة. سليم وفدوى وصلوا قدام القاعة، ونزلوا من العربية بهدوء محسوب مافيش لهفة ولا توتر خطواتهم كانت تقيلة كأنهم داخلين ع مقصلة مش حفلة خطوبتهم، الزفة كانت كبيرة جدا بشكل مبالغ فيه، أنوار وكاميرات وأصوات عالية وكل العيون عليهم وسط وجود عيلة الراوي إلا عبدالرحمن وشريف وحنان غيابهم كان واضح رغم الزحمة.
سليم وهما داخلين لف راسه ناحية فدوى بنظرة باردة، وابتسامة خفيفة ما وصلتش لعينيه:
مش شايف أخوكي البارد يعني؟ لدرجة دي رافضني؟ ولا لسة حزين ع الست تقى؟.
فدوى ردت عليه بنفس البرود، ملامحها ثابتة وابتسامتها فيها خبث خفي:
ما بلغتهوش أصلا يا حبيبي.
سليم لف وشه للمعازيم، ابتسامته وسعت قدام الكاميرات، وصوته خرج واطي بخبث:
أحسن، اصلا انا قصدت اعمل كل حاجه بسرعة عشان ما يلحقش يرجع من الواحات ويبوظ الليلة.
فدوى بصت له بنظرة غيظ ونبرة صوتها خرجت حادة:
ولما انت قاصد! بتسأل عليه ليه؟ ولا هي عكننة وخلاص.
سليم بص لها بنفس الابتسامة الباردة وعينه فيها لمعة استعلاء ومن بين أسنانه:
افردي وشك وابتسمي وعدي ليلتك، في صحافة وإعلام بيصورونا يا غبية.
كملوا طريقهم لحد الكوشة اللي كانت عبارة عن عرش فرعوني متجهز مخصوص عشانهم، قعدوا عليها جنب بعض بس المسافة بينهم كانت اوسع من المحيط، كل حركاتهم محسوبة وكل ابتساماتهم مصطنعة، المعازيم كانوا بيقربوا يهنّوهم، وهما يمدوا إيديهم بأطراف صوابعهم بس، سلام من غير دفى ويهزوا راسهم بابتسامة باردة من غير روح كأنها تأدية واجب والسلام.
وبعد شوية بدأت الحفلة بالفيرست دانس ع أغنية تامر عاشور "خليني فـ حضنك يا حبيبي"
وقفوا الاتنين واتحركوا ع الاستدچ
عشان يرقصوا سوا.
سليم حط إيد ع وسط فدوى ببرود، وكفُه التاني قافل ع إيدها من غير أي دفى، بص لها بغيظ وابتسامته مرسومة قدام الكاميرات وهو بيتحرك مع الموسيقى لكنه مش سامع اصلا الأغنية:
مش عارف انا لازمتها ايه الرقصة دي؟!
فدوى بصت له بنفس النظرة الحادة وهي بترفع إيدها ع كتفه وابتسامتها الباردة مرسومة ع ملامحها:
ده روتين افراح يا روحي، تحصيل حاصل يعني.
سليم بابتسامة صفرا:
هو ما كانش ينفع الفرح يكمل يا حياتي من غير الروتين البايخ ده؟
فدوى ببرود:
للأسف يا قلبي ما ينفعش، وده مش عشاني لا سمح الله، ده عشان الأعلاميين اللي سيادتك جايبهم ينقلوا الحدث السعيد.
سليم قرب منها شوية وصوته واطي ونبرته فيها نفور:
اصل بعيد عنك، انا مش طايق لمستك يا حبيبتي.
فدوى ابتسمت بغيظ:
من القلب للقلب يا روحي.
الاتنين كانوا بيرقصوا، بس الرقصة ما فيهاش حياة مجرد خطوات محفوظة، أجسام قريبة وقلوب أبعد ما يكون عن بعضهم، كل العيون فـ القاعة عليهم وكل الكاميرات مركزة معاهم وشايفين الصورة من برة لكن مافيش حد شايف حقيقة حرب النظرات والكلام اللي بينهم.
زينب قربت من فوزية بفرحة مبالغ فيها وعينيها ع سليم وفدوى:
شايفة يا سلفتي، ابني وبنتك حلوين ازاى؟ اسم الله عليهم قمرين منورين
وبتنهيدة راحة خبيثة وهي بتخمس فـ وش الناس:
يا سلام عليهم يا فوزية عصفورتين كناريا يا ناس، ماشاء الله ، الله أكبر عليهم، ربنا يكفيهم شر العين.
فوزية رفعت حاجبها وعوجت بقها وبنبرة تهكمية:
عصفورتين كناريا؟! طيب يا ختي!! خمّسي، خمّسي.
زينب بغيظ:
مالك يا ولية مش عاجبك الكلام ولا ايه؟ ولا انتي مش شايفة العيال وهما بيرقصوا سوا وهياكلوا بعض بعينيهم من كتر الحب اللي فيهم.
فوزية ضحكت ضحكة خفيفة وبنبرة سخرية:
هو من ناحية هياكلوا بعض، فـ هما هياكلوا بعض فعلا، بس مش من الحب يا زينبو، ده الاتنين مولعين بعض يا حبيبتي، ولا انتي مش واخدة بالك من نظراتهم؟ ولا تكونيش فاهمة وعاملة عبيطة؟ اتفرجي، اتفرجي وانتي ساكتة اما نشوف هتخلص ع ايه.
عدى الوقت والمناقرات بينهم ما وقفتش كالعادة ع كل تفصيلة وكل حركة بتحصل فـ الليلة، أما محمود وزيدان واقفين فـ الناحية التانية ومشغولين بالترحيب بالضيوف، ولا كأن في حد ناقص ولا شاغل بالهم أصلا وجود حنان وعبدالرحمن من عدمه.
وفـ نهاية الحفلة بعد ما المطربين خلصوا فقراتهم، الدي جي طلب من سليم وفدوى انهم يغنوا سوا، لكنه رفض بإشارة سريعة من إيده، بس ضغط اصحابهم عليهم وتصميمهم خلاهم ينزلوا مرة تانية ع الاستدچ ووقفوا جنب بعض وكل واحد فيهم ماسك ميك، كانوا قريبين من بعض جدا بأجسامهم وبُعاد كل البعد بأرواحهم، وابتدوا يتحركوا مع الأغنية.
فدوى بابتسامة خبيثة:
ياسلام ع حبي وحبك، وعد ومكتوب لي أحبك، ولا نامش الليل من حبك، يا سلام ع حبي وحبك
سليم رد ببرود واضح:
يا سلام ع حبي وحبك ده ماكان ع بالي أحبك، ولا نامش الليل من حبك ياسلام ع حبي وحبك.
فدوى ابتسمت ابتسامة مصطنعة باردة، وصوتها خالي من أي إحساس مجرد أداء تمثيلي قدام الناس من غير روح:
يا حبيبي هواك جنني والشوق ملاني جراح، وحياتك تبعد عني وتسيبني عشان ارتاح.
سليم لف راسه ناحيتها بنظرة فيها سخرية، ورفع حاجبه وهو بيشاور ع نفسه بإيده التانية:
وأنا يعني ماسك فيكي؟ ماهو قلبي المشغول بيكي.
فدوى قرّبت منه خطوة، المسافة بينهم بقت أقل وعينها بتلمع بخبث:
حبك سهرني.
سليم بص لها بغيظ، ورد بنبرة باهتة من بين أسنانه:
أنا زيك برضو.
فدوى ابتسمت ابتسامة فيها تحدي:
ربي يصبرني.
سليم بعد عنها شوية وبص لها بنفاذ صبر بيحاول يداريه ورا ابتسامته الباردة:
أيوا.. أنا فـ عرضه.
المزيكا كانت عالية والإضاءة بتلف حواليهم وهما واقفين فـ النص بيغنوا كأنهم فـ حرب وكل واحد فيهم بيحاول يكسبها.
فدوى رفعت صوتها شوية بنفس البرود، ونبرتها كلها خبث:
اعذرني لأني بحبك، ما بنامش الليل من حبك، يا سلام على حبي وحبك وعد ومكتوب لي أحبك.
سليم بص لها بخبث وابتسم ابتسامة مكر وهو بيرفع إيده كأنه بيدعي:
مش ممكن أعيش من بعدك، ده خيالك جنبي ليلاتي، وبقول لو ربنا ياخدك، كنت أعمل إيه يا حياتي.
فدوى بصت له بغيظ وهي لسة مبتسمة قدام الكاميرات، ومن بين أسنانها:
إنشالله إنت يا حبيبي.. يا هنايا وكل نصيبي.. هاولّع فـ روحي يا قلبي وعينيا.
سليم ضحك ضحكة خفيفة باردة، حط إيده فـ جيبه طلع ولاعة وشغلها وهو بيرد:
لأ اوعى يا روحي، ده واااجب عليّااا.
المعازيم بيضحكوا عليهم وبيسقفوا وهم فاكرين إن كل ده هزار، ما يعرفوش ان كل حركة من سليم وفدوى فعلا مقصودة مش مجرد شو وخلاص.
فدوى قربت الميك من بُقها شوية وبابتسامة مكر:
حبيتني صحيح؟
سليم رد بسرعة، بنبرة فيها غيظ مكبوت:
أومال!
فدوى هزت راسها بابتسامة صفرا:
أتاريني بقيت فرحانة.
سليم لف وشه ناحية المعازيم وهو بيشاور عليهم، وصوته طالع بنبرة فيها تهكم:
عقبال كل العزال يتهنوا زي هنانا.
فدوى بصت له بنظرة حادة وهي بتجز ع أسنانها:
شوف وشي اصفرّ إزاي من حبك.
سليم رد بنفس الأسلوب، وهو بيقرب خطوة:
شوفي جفني احمرّ إزاي من حبك.
فدوى رفعت دقنها شوية، وصوتها طالع ببرود قاتل:
هتعيش يا روحي معايا ده إنت حياتي ودنيتي، كفاية حب كفاية أحسن يضر بصحتي.
وقفوا الاتنين وهما بيبصوا لـ بعض وبيغنّوا سوا بصوت عالي ونبرة فيها تحدي وخبث:
يا سلام ع حبي وحبك، يا سلام ع حبي وحبك، يا سلااااام ع حبي وحبك.
خلصت الأغنية والإضاءة اللي كانت مركزة عليهم بس نورت القاعة كلها مرة تانية، وكانت زينب وفوزية واقفين بيزغرطوا ويسقفوا ومحمود وزيدان منسجمين معاهم بس من جواهم كانوا متأكدين ان كل حركات ولادهم حقيقية، الحفلة انتهت
وقفوا يسلّموا ع المعازيم بنفس الابتسامات المصطنعة ونفس البرود لحد ما مشي آخر ضيف والقاعة فضيت عليهم، فـ نفس اللحظة سليم لفّ من غير ولا كلمة خرج من الأوتيل، ركب عربيته وطار بيها ع البيت كأنه بيهرب من ساحة معركة وساب فدوى واقفة مكانها مصدومة من اللي عمله فيها، رجعت مع أهلها وهي ساكتة، بس جواها بر*كان بيغلي وفكرة واحدة بتسيطر عليها مع كل خطوة.. إزاي هترد له الإهانة دي، وإزاي هتخليه يدفع تمنها.
تقى والمجهول بقلمي
&: نوووح يا شاااااذلي، أخوااااتي خط أحمر يا نوووح، إيااااااك تقرب لحد منهم، فااااااااهم؟
يتبــــــــــع