رواية دروب قرية جابر الفصل السابع 7 بقلم الماس ال حمد
تقدم راعي المحل بابتسامة: "عجبكم شي يا بنات؟"
أفنان سألته بذكاء: "شفتك كاتب إنك تبي موظفة، هل العرض لسه موجود؟"
الراعي: "إي والله، المحل زحمة ومحتاج أحد يفهم في الأذواق."
أفنان: "أنا عندي خبرة سابقة، وأعرف أركب عطور وأميز جودتها."
راعي المحل انبهر بثقتها وقال: "خلاص، دامك فاهمة الشغلة، من بكرة تعالي وأعلمك نظام المحل ونبدأ."
مشاعل ما تمالكت نفسها وحضنت أختها بقوة: "مبروك يا قلبي! أخيراً بنرجع نشوفك في مكانك اللي تحبينه."
طلعوا من محل العطر والضحكة مالية وجيههم، وتوجهوا لمحل الأقمشة.
وقفت مشاعل عند لفات القماش، بدأت تلمس الخامات وتختار لجدتها "شريفة" قماش جديد عشان تخيطه وتكشخ فيه في الحي. كانت محتارة بين السادة والمشجر.
أشرت رتيل على قماش حرير ناعم، لونه هادي وفيه ورد صغير وراقي، وقالت: "مشاعل، شوفي هذا! يجنن وهادي، أحس بيطلع على الجدة شريفة فخم ووقور."
نوير: "صادقة رتيل، الورد اللي فيه يفتح النفس، كأنه بستان."
مشاعل: "عز الله إن ذوقك يا رتيل ما يعلى عليه، خلاص باخذ هذا."
وهن يشترون، كانت غادة جالسة في المقهى مع أبوها وعيال عمها،
عقب نهارٍ طويل وهلاك، رجع الكل لبيوتهم يدورون الراحة. وفي بيت عيسى، كانت شيخة فوق بالسطح تلم الملابس من الحبال، ونوير تفزع معها وساندة سلة الغسيل على متنها (كتفها).
سرحت نوير في خيالها وقالت: "يا شيخة، تخيلي بس لو يلفي عليّ ذاك الأمير اللي ياخذني على فرسه وأغدي أميرة!"
ضحكت شيخة وقالت: "أمير يانوير؟ عز الله إن كذا طلعنا من ذرا القبيلة كلها، اهجدي بس."
وفجأة، قطع عليهن السوالف صوت أمهن وهي تناديهن من تحت بصوتٍ عالي. نزلن يركضن مع الدرج، ولقن فايز بوجههن، توه طالعٍ من الحمام (أكرمكم الله) وينشف شعره بمرزام المنشفة.
وقف فايز في طريقهن ورفع حاجبه: "وش وداكن للسطح في تالي الليل؟ وش عندكن فوق؟"
ردت نوير وهي تلتفت عليه وبطرف عينها: "أقول اهجد بس يا فايز، أنا أختك الكبيرة وعقلي يوزن بلد، لا يكثر هرجك وتحقق معنا."
ضحكت شيخة وقالت بصوت واطي: "يا حليلك يا فايز، نبت لك ريشتين شنب وجيت تفردهن علينا؟ توكل بس وخل الهياط عنك."
تدخلت أم فايز بحزم وقالت: "خلاص عاد، احترمن أخوكن ولا يطول لسانكن، وأنت يا فايز خل عنك كثر البربرة.. يالله كل واحد على فراشه، وراكم بكرةٍ نهارٍ طويل."
بيت الجدة شريفة، كان الهدوء يملأ المكان بريحة العود والسكينة.
دخلن البنات وفصخن غطاوي وجههن، ولقن الجدة شريفة توها مخلصة صلاتها وقاعدة على سجادتها. ركضت مشاعل وهي طايرة من الفرحة، وفردت القماش قدام جدتها توريها زينها.
ابتسمت الجدة وقالت بوجٍّه سمح: "ما شاء الله تبارك الرحمن، بالحيل يجنن وقماشهٍ يفتح النفس، كنه ذوق رتيل!"
ردت مشاعل بضحكة: "إي والله يا جدة، صدقتي.. رتيل هي اللي شارت عليّ به وساعدتني باختياره."
قربت أفنان وحبت رأس جدتها وقالت بصوتٍ واثق: "يا جدة، أنا قررت وقضى الأمر، ما راح أكمل دراستي. بوقف وقفة بنتٍ سنعة وبفزع لك، ومن بكرة بباشر في محل العطور وبنشغل فيه وبيرجع اسمي يركّز مثل زمان."
لحقتها مشاعل وهي تأيد كلام أختها: "وأنا بعد يا جدة، بكون معها في سوق القماش، يدي بيدك نبي نرجع عزنا ونرفع راسك، ولا نبي نكون حملٍ ثقيل على أحد."
الجدة شريفة ما غابت عنها مواري حفيداتها، وعرفت إن ورا هالكلام قلوبٍ خايفين عليها، وما يبونها تشقى وتتعب في تالي عمرها.
نزلت دموعها بابتسامة، وفتحت ذراعيها لـ أفنان ومشاعل وضمتهن لصدورها وهي تسمي عليهن وتقرأ: "يا بعد حيي وميتي أنتن، الله يرضى عليكن ويستر عليكن ستره الوافي.. ما قصرتن يا بنات الغالي، وعز الله إنكن ذخرٍ ينشد به الظهر."
وبدأت تمسح على رؤوسهن وهي تدعي لهن بالتوفيق، والبيت اللي كان هادي صار مليان بدفا المشاعر والفرحة بهالجمعة السنعة.
في بيت أبو غازي..
كانت رتيل جالسة والهدوء يلف المكان، وبنت أخوها غادة غافيةٍ في حضنها مثل الملاك. رتيل تمسح على راسها وتقرأ عليها أبياتٍ من الشعر بصوتٍ هامس وناعم، لين انفتح الباب ودخل أبوها طلال (أبو غازي) وهو محملٍ بأكياس الحلويات اللي تحبها حفيدته.
وقف وبصوتٍ خافت قال: "هاه.. حفيدتي نامت؟"
ابتسمت رتيل وقالت: "يا بعد راسي يا يبة، إي والله توها غفت."
قامت رتيل بشويش، وتقدم أبو غازي وشال غادة بين يديه بكل حنان وحطها على فراشها ولحفها زين، وحط كيس الحلويات عند راسها وقال: "إلى قامت من نومها، عطيها إياه."
في هالحظة، كان غازي واقفٍ عند الباب، يراقب حنان أبوه واهتمام أخته ببنيته، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا. أول ما شاف أبوه طالع، تقدم منه وحب راسه بكل احترام وتقدير.
التفت غازي على رتيل ومد لها الدفتر اللي طلبته: "خذي، هذا اللي بغيتيه."
رتيل بفرحة وحماس: "يا بعد حيّي يا أخوي، مشكور وما قصرت!"
لمحت رتيل "العود" في يده، وقالت بفضول: "غازي.. ودي تعلمني عليه، عادي؟"
رد غازي بابتسامة سمحة: "تامرين أمر، من ذا الخشم.. بكرة أفضى لك وأعلمك أصوله."
دخلت أم غازي البيت عقب ما قضت سهرتها عند الحريم، فصخت عباتها وهي تتلفت وتدور حفيدتها: "أشوف البيت هادي.. وين غادة؟ لا يكون غفت؟"
أشرت لها رتيل بيدها على غادة وهي نايمة، فهمت الأم وقالت بصوت واطي: "إي بالله، زين ما سويتن.. يالله عاد كل واحد على فراشه، وراكم دواماتٍ من غبشة."
التفت أبو غازي عليها وهو يضحك ويمزح: "أبشركم، وصلت القائدة.. عز الله إنه رجع النظام عقب ما رحتِ."
ضحك غازي وقال: "والله يا يبه واضح إنها جاية وراسها مليان من سواليف الحريم وعلومهن."
ردت أم غازي وهي تبتسم وتحاول تبين الحزم: "اتركوا عنكم الهروج والتطنز، وقوموا ارقدوا لا بارك الله في إبليس."
تقدم غازي وحضن أمه بحنان وقال: "تصبحون على خير جميع، أنا استأذنكم بروح أنام."
وانسحبت رتيل هي بعد لغرفتها، وهدي البيت والكل استسلم للنوم استعداداً لنهارٍ جديد.