رواية نسخة من روحي الفصل السابع 7 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء السابع )
" أدهم "
( نعم .. أنا أخوكِ) لم أسمع صوتها بعد تلك الكلمة .. لم أسمع سوى دقّات قلبي وهي تضرب داخل صدري بعنفٍ كأنها تحتجّ عليّ .. أنا أخوكِ !
لم أقلها لأنني أردت .. بل لأنني عجزت عن قول غيرها .. خرجت الكذبة مني كمن يقفز في الماء هربًا من الحريق وليس لأنّه يجيد السباحة بل لأنّ النار ستحرقه.
نظرت إليّ بعينين فارغتين من الذكريات وخاليتين من الشكّ أيضاً وسألت :
- ما اسمي ؟
قلت بتوتر :
- اسمكِ حلا .. ماذا تريدين أن تعرفي أيضاً؟
- لماذا أنا هنا ؟
صمتّ لحظات وأنا أحاول تبرير وجودها .. لكنني تمالكت نفسي وقلت :
- أرى أن لا تشغلي بالكِ بهذا الآن
" أدهم "
( نعم .. أنا أخوكِ) لم أسمع صوتها بعد تلك الكلمة .. لم أسمع سوى دقّات قلبي وهي تضرب داخل صدري بعنفٍ كأنها تحتجّ عليّ .. أنا أخوكِ !
لم أقلها لأنني أردت .. بل لأنني عجزت عن قول غيرها .. خرجت الكذبة مني كمن يقفز في الماء هربًا من الحريق وليس لأنّه يجيد السباحة بل لأنّ النار ستحرقه.
نظرت إليّ بعينين فارغتين من الذكريات وخاليتين من الشكّ أيضاً وسألت :
- ما اسمي ؟
قلت بتوتر :
- اسمكِ حلا .. ماذا تريدين أن تعرفي أيضاً؟
- لماذا أنا هنا ؟
صمتّ لحظات وأنا أحاول تبرير وجودها .. لكنني تمالكت نفسي وقلت :
- أرى أن لا تشغلي بالكِ بهذا الآن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أنا ماذا ؟
- أنت أخي؟
عادت لتسأل ذلك السؤال .. لم أجبها ولم أنكر .. فقط فضلت الصمت على الإجابة .. فجأة وضعت يدها على شفتها وأطلقت تنهيدة ألم بعد أن فُتح جرح كان موجود على طرف شفتها .. سحبت منديلاً واقتربت منها وأخذت أمسح الدم بعناية وانا أقول لها :
- لا تضعي يدكِ على تلك الجروح ..
- وجهي يؤلمني .. وكذلك كل جسدي
- قال الطبيب أنكِ ستكونين بخير وتلك الكدمات والجروح ستختفي خلال أسبوعين
كنت أمسح الجرح على شفتيها عندما ابتسمت وقالت :
- شكراً لكَ .. أخي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكنها صدّقتني بسهولةٍ وكأنها كانت بحاجة إلى اسمٍ تتعلّق به .. ابتسمت أو هكذا خُيّل لي أنّ وجهي فعل .. بينما داخلي كان ينهار قطعةً قطعة .. أيّ أخٍ هذا الذي يُولد من كذبة؟ وأيّ حماية هذه التي تبدأ بتحريف الحقيقة؟ كنت أعلم أنني عبرتُ خطاً رسم بالندم .. وأنني منذ هذه اللحظة لم أعد مجرد شاهدٍ على ما جرى بل صرت جزءً منه .
جلستُ قبالتها وأنا أشعر بثقلٍ جديدٍ يستقرّ على كتفيّ .. ثقل المسؤولية التي لم أطلبها وثقل الوعد الذي لم أُعطه لكنني أصبحتُ ملزماً به .. إذا كانت لا تتذكّر أحداً .. وإذا كنتُ أنا الوحيد الذي بقي في حكايتها الآن .. فمن أكون لأتركها وحدها ؟ ربما كذبتُ عليها .. لكنني في تلك اللحظة وبكل صدقٍ كنت أعرف شيئاً واحداً فقط .. لن أكون الكذبة التي ستؤذيها .. حتى لو اضطررتُ أن أتحمّل ثمنها باهظاً وحدي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أوكلتُ محامياً لـ مؤيد لا دفاعاً عنه بل دفاعاً عنها .. لم أكن أبحث عن العدالة .. كنت أبحث عن وقتٍ فقط .. ستة أشهر الحد الأدنى الممكن .. لم يكن حكماً يُرضي ضميري ولكنه كان كافياً ليجعلني أتنفّس قليلاً.
خلال ذلك الوقت بحثت عن شقةٍ جديدة بعيدة لا يعرفها أحد ولا تطلّ نوافذها على عيونٍ تفتّش عن الفضائح .. لم أخترها لأنها جميلة بل لأنها صامتة وهادئة .. تشبه ما كنت أحتاجه تماماً .. وقّعت العقد وأنا أعلم أنني أرتّب قفصي بيدي
قبل أن تخرج حلا من المستشفى .. جلستُ في مكتب الإدارة أوقّع الأوراق واحدةً تلو الأخرى.
«خروج على المسؤولية الشخصية» .. قرأت العبارة أكثر من مرة .. لم أكن أخاف من التوقيع .. كنت أخاف مما يعنيه أن أكون وحدي معها في هذا العالم .. أقف حائلاً كالسد بينها وبين ذاك الاسم الذي لم تعد تتذكره .. لا أنكر أنني قد فكرت بوضعها بعهدة والدتي .. ولكنني أعرف طبع والدتي الفضولي والصارم وقد تجعلها تفكر في الهرب .. لن أجازف فأنا لا أطمح أن أقضي بقية حياتي فقط بالبحث عنها .. مجرد التفكير في الأمر يرعبني حقاً .. مع ذلك ذهبت لمنزل أهلي واخترعت ذريعةً لأخذ بعض الثياب من شقيتي الصغرى .. ثيابٍ مستعملة لا تحتاجها فهي بعمر حلا تقريباً .. وقلت أنها لشقيقة صديقي فهو من عائلة فقيرة ولا يملك المال لشراء الثياب لشقيقته لتعطيني أختي حقيبةً كبيرة من الملابس الأنيقة التي لم تعد تحتاج لارتدائها .. عندما فردت تلك الحقيبة تفاجأت بأنها قد وضعت ثياباً نظيفة وجديدة نوعاً ما .. أعرف شقيقتي نور لطيفة لكن ليس لتلك الدرجة .. فرحت بما وضعته ورتبته في الخزانة .. مع ذلك عاهدت نفسي أن أعوض شقيقتي بأجمل من تلك الملابس فأنا لم أكن معتاداً على الكذب ولكنني اضطررت لذلك .. بعدها مررت بالسوق واشتريت ما تحتاجه فتاةٌ في عمرها من أشياء بسيطة لا يُفكَّر بها عادة .. كوني الوحيد بين ثلاث أخوات علّمني أشياء لم أظن يومًا أنها ستتحول إلى مسؤولية حقيقية بهذا الثقل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- هل سنعود للمنزل ؟
ترددتُ لحظة واحدة فقط ثم أجبتها بهدوء :
- نعم .. سنعود للمنزل
لم تكن تعلم أن ذلك البيت لم يكن موجوداً قبل أيام ولا أنني بنيته على عجلٍ من خوفٍ وكذبةٍ ونيةٍ صادقة في الحماية.
اقتربت منها وسألتها:
- هل يمكنكِ المشي أم أحضر لكِ كرسيّ متنقّل ؟
ابتسمت و ردت بعفوية :
- وهل تراني عجوز .. أنا ما زلت صغيرة على ذلك الشيء
لم أستطع كتمان ضحكتي بسبب طريقتها بنطق تلك الكلمة .. التفت و قلت :
- إذاً الحقي بس
مشيت خطوتين لكنني تجمدّت عندما أمسكت بساعدي والتصقت بي وقالت :
- لكن هذا لا يعني أن تتركني أمشي خلفك لوحدي .. لا أصدق أنني أملك أخاً أناني
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- الأمر ليس كذلك .. فقط كنت أرغب في إعطائك بعض المساحة
استمرينا في المشي بينما كانت تتحدث :
- لا أشعر أن تلك المساحة ستُشعرني بالأمان مثلما أكون بقربك
وقفت ونظرت بها وسألتها بدهشة :
- حقاً تشعرين بالأمان بقربي ؟
شدت على ساعدي بقوة و ردت :
- وهل ستجد الفتاة أماناً أكثر من قرب أخوتها منها ؟
ابتسمت وربّتّ على يدها وبقينا نمشي حتى وصلنا خارج المستشفى .. فتحت لها باب السيارة وساعدتها في ركوبها بينما ركبت في الجهة المقابلة قربها وأنا أدرك شيئاً واحداً فقط .. أنني منذ تلك اللحظة لم أعد شاهداً على قصتها .. بل صرت جزءاً منها سواء أردت ذلك أم لا.
وصلنا المنزل وفتحت الباب لتدخل قبلي وهي تتلفت حولها بهدوء .. وضعت حقيبة ثيابها على الأرض وأغلقت الباب ونظرت إليها .. سحبت نفساً وقلت :
- هل أعجبكِ المنزل ؟
التفتت إلي و ردت :
- إنه جميل و لكن ينقصه شيء حتى يصبح أكثر حيوية
- ما هو ؟
- بعض النباتات البيتية .. ستجعل هذا البيت نابضاً بالحياة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بعد أن أنهينا الجولة سألتها:
- هل أعجبكِ المنزل ؟
نظرت إليّ بضياع والحزن ظاهراً على ملامحها وقالت :
- يوجد غرفة واحدة فقط !
ارتبكت ونظرت بأنحاء المكان .. لم أستطع إيجاد بيتٍ بمواصفاتٍ جيدة بهذه المدة القصيرة .. هذا كلّ ما وجدته .. ولكنه يبقى أفضل من الشقة التي في ذلك البناء المشؤوم بجانب جيرانٍ جهلة ينظرون إلى العنف على أنه بطولة وعلى الخلاص على أنه فضيحة .. وضعت يدي على خصري و رددت مطمئناً لها وبنبرةٍ أخوية واضحة :
- وماذا في ذلك ؟ إنها غرفتكِ على كلّ حال
- وأنت ؟ أين كنت تنام ؟
- على هذه الأريكة .. إنها تتحول إلى سرير لذا لا تقلقي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ثم أنني معتاد على ذلك
- حقاً ؟
ابتسمت وقلت :
- حقاً .. هل أنتِ جائعة ؟
ردت بإيماءة لأقول:
- وأنا أيضاً .. حسناً يمكنك أخذ راحتكِ في البيت وتغيير ملابسك ريثما أذهب لإحضار عشاءٍ لنا .. هل ترغبين بشيءٍ معين
هزت رأسها بالنفي و ردت وهي ترسم ابتسامة جميلة :
- لا شيء محدد
تراجعت وأنا أحدق بعينيها البندقيتين الجميلتين ثم التفتّ وخرجت بسرعة وأحكمت إغلاق الباب ليطمئنّ قلبي أكثر وذهبت لإحضار العشاء وتسوّق بعض البقالة لأملأ فيها ثلاجتي الفارغة ؛فأنا لم أعد أسكن وحدي الآن
عدت للمنزل بعد فترة وما إن دخلت حتى شممت رائحة طعام آتية من جهة المطبخ .. اتجهت إليه وفوجئت بها واقفةً أمام الغاز وهي تحرك الملعقة في قدرٍ صغير .. وضعت الأكياس من يدي ومشيت اتجاهها وسألتها :
- ولكن ماذا تفعلين ؟
نظرت إلي و ردت بهدوء :
- وجدت بعض المعلبات وأكياس حساء سريعة التحضير في الخزانة وفكرت أن أحضّر شيئاً ريثما تعود
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ولكنني أخبرتكِ أنني ذاهبٌ لإحضار عشاءٍ لنا
أطفأت النار و ردت :
- أعلم ولكنني شعرت أنه كان يجب عليّ الطهي ..
لم تُكمل جملتها لكنني فهمت .. في أحد المرات قرأت أن بعض الناس يعملون رغم آلامهم بأعمالٍ قد تكون تافهة لغيرهم ولكنها بالنسبة لهم شيئاً كبير .. يعملون ليشعروا أنهم موجودين و ما زالوا نافعين وليسوا عالةً على أحد في هذا العالم .. قد تكون حلا من هذه الفئة
كانت أول ليلة لي في ذلك المنزل صعبة بسبب قلق حلا وخروجها كل بضع دقائق من غرفتها وهي خائفة .. لا أدري من ماذا ..
كنت أغط في نومٍ عميق .. استيقظتُ فجأة على صوت خافت يناديني
وجدتها واقفة بجانبي حافية وتمسك وسادتها بيديها .. رفعت نفسي وسالتها :
– ما بكِ؟
قالت بنبرة ناعسة:
- لقد حلمت حلماً مخيف
فركت عينيّ وقلت :
- هذه ثالث مرة تحلمين بكابوس .. قلت لكِ استرخي ولا تفكري بشيء
- ولكن هذا ما يرعبني .. أنني لا أذكر شيئاً لأفكر به .. أنا خائفة يا أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- وما العمل الآن؟
أخفضت رأسها و ردت وهي تحرك قدمها بطريقة طفولية :
- هل يمكنني النوم هنا
- أين هنا ؟
- على الأريكة الأخرى .. صدقني لن أزعجك .. أعرف أنه لديك دوامٌ غداً
ابتلعت ريقي ورددت بتردد :
- طبعاً يمكنك النوم هنا ..
ضحكت واتجهت إلى الأريكة الأخرى .. تمددت عليها موجهة رأسها إلي .. نهضت ووضعت عليها غطاء خفيف وعدت أتمدد مكاني .. كانت تنظر إلي وهي مبتسمة بينما أنا كنت أمثل النوم .. فجأة سمعتها تناديني :
- أدهم
وثب قلبي عندما نطقت اسمي لكنني تمالكت نفسي وهمهمت :
- مممم
- هل أنت مرتاح في منامتك حقاً ؟
قالتها بعفوية لم أجد جوابًا يليق بها .. فقلت وأنا أغمض عيني :
- نامي
لم أكن معتاداً على مشاركة غرفتي مع أحد لهذا كان الوضع غريباً نوعاً ما بالنسبة لي .. بعد فترة فتحت عيناً واحدة واسترقت النظر إليها وجدتها غطت في النوم مباشرة .. تنهدت براحة وابتسمت من غير إرادتي .. رفعت نفسي وأخذت أنظر إليها من مكاني .. كم كانت هادئة وهي نائمة .. وكم ازداد حقدي على مؤيد بسبب تلك الخدوش والندوب التي كانت منتشرة على يديها ووجهها .. كيف له أن يكون بتلك الوحشية مع كائنٍ ضعيف كهذه الفتاة البريئة !
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كنت أخرج إلى جامعتي في الصباح الباكر وأحاول قضاء أكبر فترةٍ ممكنة خارج المنزل حتى لا أزعجها .. مع ذلك لاحظت أنها كانت تنتظر عودتي بالدقيقة .. تحضّر لي الطعام لأعود وأجد طعاماً ساخناً .. كانت تهتم بثيابي وأغراضي ونظافتها ونظافة البيت .. كانت تعمل كل شيءٍ بِحبٍّ واضح مع أنني كنت أطلب منها أن ترتاح وأخبرها أنني سأقوم بذلك وحدي ولكنها ترفض بشدّة وتقول أنها تكون سعيدة عندما تفعل هذا .. وأكثر ما لاحظته أنها تهتم بتلك النباتات التي أحضرتها لها .. تسقيها وتجذّبها وتلمّع أوراقها وتهتم بها وكأنها أطفالها المدللة .. ودائماً ما كانت تقول أنها إن أهملت تلك النباتات ستحزن وتذبل ..
في أحد المرات ... كنتُ جالساً خلف مكتبي أُنهي بعض المقالات حين بدأت أسمع صوتها الأخّاذ قد وصلني من المطبخ .. غناء خافت .. متقن و صادق بشكل أربكني ..
توقفتُ عن الحركة وكأن غنائها أعطاني جرعةً من المخدر .. لم أرد أن تشعر أنني أسمعها .. وقفت بهدوء ومشيت اتجاه المطبخ .. وقفت بجانب الباب وأسندتّ كتفي على الجدار وأنا أتسمع إلى غنائها المتقن بصوتها العذب .. كانت أغنية من فيلم "أنستازيا" الذي شاهدناه مسبقاً ..
" داخلي .. شيءٌ خفي .. لكني لا أتذكر .. لحنٌ ما .. صوتٌ شجي أغنية عن شهر ديسمبر "
شعرت بشيء من الراحة وأنا واقفٌ أسمعها .. فجأة قطعت الغناء وظهرت أمامي وقالت :
- أدهم !!
عدت للواقع و قلت :
– نـ نعم؟
– هل أزعجتك ؟
– لا .. كنتِ ..
ترددت لحظة ثم تابعت :
– كنتِ تغنّين بشكلٍ جميل
ساد صمت قصير ثم قالت بخجل:
- حقاً ؟
– حقاً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أخيراً اتخذتُ قراري .. لم يكن قراراً بطولياً بل كان أبسط من ذلك بكثير .. كان منطقياً .. قررت أن مؤيد يجب أن يخرج من حياتها نهائياً ؛فهو لم يرى في حلا ما رأيته أنا.
لم يرى سوى خصمٍ ضعيف ووسيلةٍ لتفريغ غضبه ومساحةٍ يثبت فيها لنفسه بطريقةٍ مريضة أنه رجل.
وربما لو رآها كما أراها الآن لما استطاع أن يمد يده عليها أصلًا
في المساء بعد انتهائي من دراستي طلبت التحدث معها .. جلست على الأريكة بينما جلست قبالتها على الطاولة .. كانت تلفّ أصابعها ببعضها كعادتها حين تشعر بالضياع
أخيراً تشجعت وقلت بهدوء:
– حلا .. هناكَ أمرٌ مهم يجب علينا التحدث به
- ما هو ؟
تنفستُ بهدوء وقلت :
- لقد سبق وسألتني لماذا أنتِ في المستشفى .. وعن السبب الذي أوصلك اليها وأنا لم أجبكِ يومها .. لم تكرري سؤالك بعد أن خرجنا .. لماذا ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لا يهم السبب .. يكفي أنكَ معي وستحميني ولن يتكرر ذلك صحيح ؟
أصبت بالدهشة من إجابتها .. هل لهذه الدرجة تثق بي وتعتبرني أمانها الأول؟ تمالكت نفسي وقلت :
- ألم يخطر ببالكِ قط أو تراودكِ بعض الشكوك أن أكون أنا من فعل بكِ ذلك ؟!
ردت باندفاع :
- طبعاً لااا .. هذا غير ممكن .. صحيح أنني لا أذكر من فعل بي هذا لكنني مؤمنة أنه ليس أنت
هذه المرة صدمتني باندفاعها ودفاعها المستميت عني .. ابتسمت وأخفضت رأسي بتأثر وسألتها:
- ومن أين أتاكِ ذلك الشعور بأنني بريء ؟
- لأنكَ شخصٌ حنون وغير مؤذي .. ثم أنكَ أخي
- هناكَ أخوةٌ أشداء و ...
لم تدعني أكمل جملتي فقاطعتني :
- ولكنكَ لست شديداً .. أنتَ عائلتي ...
مدت يداها بسرعة وأمسكت يداي بقوة لترتفع خفقات قلبي وأنفاسي معها وأكملت :
- لا تحاول تشويه صورتكَ في نظري يا أدهم .. فأنتَ لن تنجح بهذا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إحساسكِ في مكانه .. لست أنا من فعل بكِ هذا
رأيتها تتنهد براحة بعد نطقي بتلك الكلمات وسألت بهدوء :
- إذاً من فعل هذا ؟
رددت من دون تردد :
- زوجكِ
تجمدت نظراتها بي للحظات قبل أن تنطق :
- زوجي ؟ وهل أنا متزوجة ؟
أومأتُ برأسي بينما قالت :
- وأين هو الآن؟
- إنه في السجن .. لكنه سيخرج بعد أشهر معدودة
ارتفعت أنفاسها وانهمرت دموعها وقالت :
- هل هو حقاً من فعل بي هذا ؟
- نعم
- وانت .. أين كنت؟ لماذا لم تمنعه ؟
لم أعلم بماذا أرد .. أمسكت كتفيها وأخذت أهدئها ثم قلت :
- لم ألحق بكِ .. لقد حصل الأمر بغير إرادتي .. والآن أنتِ معي وتحت حمايتي
- ماذا إن خرج وعاد ليأخذني؟
- هذا متوقفٌ عليكِ الآن .. أنتِ من تستطيعين التخلص منه
- كيف ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم تناقش أو تسأل فقط ردت برضا تام :
- أنا موافقة على كل ما ستقترح عليّ
تلك الثقة العمياء كانت أثقل من أي مسؤولية وقّعتُ عليها في حياتي .. تنهدت وأخذت أخبرها بالخطوات التي ستقوم بها .. خطواتٍ ستكون لها الكلمة الأخيرة فيها متى أرادت التراجع .. ولكنني لا أعتقد أنها ستتراجع فهي مصرّة على التخلص منه
في اليوم التالي اتصلت بمحامي شرعي مرةً أخرى .. هذه المرة كانت الدعوى باسمها ولكن بوكالةٍ مؤقتة ريثما تكون قادرة على الوقوف أمام القاضي بنفسها ... دعوى مخالعة … أوراق وجلسات و تأجيلات .. كل شيء كان يسير ببطءٍ مستفز وكأن العدالة تمشي على عكاز .. ووقت خروج ذلك المتوحش بات قريباً ..
عندما شعرت أن الوقت يضيع .. قررت أن أتحرك بنفسي لكسب الوقت من دون انتظار مواعيد الجلسات .. بدأت تحرّياتي والتنقل من مكانٍ لآخر حتى أجمع بعض المعلومات عنه وعن عمله وحياته خارج منزله .. لم أُصدم من النتائج التي اكتشفتها عنه ؛فشخصٌ كهذا لا يُستبعد عنه شيء
ذهبت بنفسي إلى السجن وطلبتُ رؤيته .. كنت جالساً في غرفة الزيارات التي كانت مقسومة بشباكٍ حديدية منعاً للحوادث .. أهز قدمي بسبب التوتر أولاً .. وما اكتشفته عنه ثانياً .. أخيراً فُتح باب الغرفة ودخل مؤيد مكبّلاً بالأصفاد و ما إن رآني حتى اشتعلت عينيه غضباً واندفع اتجاه الشِباك وضربها بكلتا يديه وقال بنبرةٍ غاضبة:
- أخيراً أتى العشيق بنفسه ..
ضحك بتهكم وتابع:
– أين هي ؟ أين تلك الخائنة ؟ هل أخفيتها عندك؟
لم أرد بل تركته يتكلم حتى يفرّغ كل قذارته دفعة واحدة
- دمرت بيتي و سرقت زوجتي .. هل تعتقد أنكَ شريف؟! صدقني عندما أخرج من هنا سأقتلك وأقتلها ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
عندما سكت أخيراً .. رفعت رأسي ونظرت إليه وقلت بهدوء قاتل:
- هل انتهيت ؟
قطب حاجبيه باستغراب بينما عدت أسأله وأنا أقف :
- انتهيت من كلامك القذر ذاك ؟
بقي ينظر إليّ بنظراتٍ حاقدة بينما تابعت بهدوء:
- لو كنت مكانك كنت حافظت على كرامتي ومياه وجهي واخترت الطلاق.
توقفت لحظة ثم أضفت:
- لأنه لا يوجد سببٌ واحد يجعل رجلاً يربط نفسه بامرأة لا تريده
ضحك بسخرية:
- تريدك أنت إذاً ؟
- لا .. إنها لا تريد أحداً .. إنها فقط تريد العيش بكرامة وأمان
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كرامة ؟ وهل لتلك العاهرة كرامة ؟
كورت قبضتي وحاولت تمالك نفسي .. سكتُ قليلاً ثم رميت الجملة الأثقل:
- لقد سألت عنك.
تصلّب بينما تابعت بهدوء :
- سألت عن عملك .. عن ديونك ..وعن الفوائد والقمار
اقتربت من الشبك وقلت بنبرة منخفضة:
- وعلمت لماذا زوّجك إياها والدها .. ليس حباً بك بل لأنه لم يستطع سدّ ديونه لك التي كانت تتراكم عليه
غرق بالصمت وشحب وجهه وعينيه تهربان مني بعد أن أخبرته عن بضع قذاراته لأكمل كلامي :
- أنت لست نظيفاً يا مؤيد .. صداقاتك وسمعتك وعملك وكل شيءٍ يتعلق بك .. لا يوجد شيءٌ في حياتك نظيف سوى حلا
ارتفعت أنفاسه وبقي يناظرني بحقد واضح بعينين مشتعلتين بالغضب
كانت أصابعه الثخينة تبرز من فتحات الشبك ليشدها حتى شعرت بها بدأت تحيد من مكانها وهمس من بين أسنانه:
- ماذا تريد حتى تُبقي فمك هذا مغلقاً
ابتسمت و رددت :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفع رأسه ببطء و قال :
- ماذا تقصد بأنها ستتحول لفضيحة؟
نظرت إليه و رددت بثبات:
- لا أظنكَ غبياً لهذه الدرجة حتى لم تفهم ما أقصده .. سأفضح كل الذي اكتشفته عنك .. أعدك .. لن يكون هناك شيءٌ سيرحمك.
مرّت ثوانٍ ثقيلة بيننا .. ثم نطق بصوت مكسور:
- أحضر تلك الأوراق اللعينة .. سأوقع عليها
في تلك اللحظة .. عرفت أنني لم أنتصر عليه .. بل أغلقت باباً كان يجب أن يُغلق منذ البداية.