📁 آخر الروايات

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل السابع 7 بقلم رباب حسين

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل السابع 7 بقلم رباب حسين


شاهد بلا ذاكرة.... الفصل السابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أيام تمضي وتقطع صورتها مخيلته بين حين وآخر، وارتعش العقل مما يحدث؛ هل هذا تعلق أم رغبة بالانتصار؟ أول فتاة تتحدث معه بتلك القوة والثقة، أول فتاة لم تتأثر بهيئته ولا بماله، وأيضًا هي الأولى التي غزت عقله بهذه الطريقة.
يتذكر حين اقترب منها، شعور مختلف تولد بداخله، لا يعلم إذا كانت رغبة أو إعجاب، ولينهي ذلك الأمر الذي أرق عقله حاول أن يقضي على رغبته مع أخرى، ولكن حين اقترب منها تسلل إليه رائحة عطر يارا، فابتعد مغمضًا عينيه، ما يحدث عجيب أمر غير معتاد، زفر بقوة وأمر تلك الفتاة بالرحيل، وقضى الليل هائمًا بتلك الشرفة حتى أشرقت شمس النهار وعاد إلى منزله.
فارس الذي عاش عمره يظن أن القوة تعني السيطرة، بدأ يكتشف لأول مرة أن هناك امرأة قادرة على هزيمته دون أن ترفع سلاحًا، فقط بنظرة... بكلمة... أو بابتعاد بسيط عنه.
لم يكن يعلم أنها ستصبح طوق النجاة الخاص به.
____________
أما يارا، فكانت تخوض حربًا أصعب من أي علاج نفسي؛ حربًا ضد قلبها الذي بدأ يضعف أمام رجل كانت ترى فيه يومًا صورة للشيطان نفسه.
قاطع أفكارها دخول منال الغرفة فأوقفت التسجيل وقالت: تعالي يا حبيبتي ارتاحي.
منال بقلق: معلش يا بنتي قاطعتك وإنتي بتشتغلي، بس مش عارفة أرتاح بسبب الراجل ده اللي اسمه مرزوق.
تنهدت يارا وقالت: متقلقيش يا ماما، أنا هتصرف في الفلوس.
منال: منين يا بنتي، ده دفعنا كل اللي معانا حتى الفلوس اللي طلعت من معاش أبوكي على علاجي، ويا دوب عايشين بمرتبك على معاشي، هنجيب منين حق شقة تانية ولا خلو رجل للشقة ديه! يا خوفي لا يرمينا في الشارع.
حاولت يارا ألا تظهر قلقها أمام والدتها، فهي لا ترغب أن تشعرها بالقلق وتؤثر على صحتها، وبالرغم من خوفها ابتسمت بوجهها وقالت: ممكن حبيبتي تطمن ومتقلقش، أنا هتصرف يا أمي، بس دلوقتي روحي نامي عشان نروح بكرة المستشفى زي ما اتفقنا.
منال بضيق: مش عايزة أروح.
يارا: لأ... ديه بقى لأ، مفيش حاجة في الدنيا أهم من صحتك، روحي إرتاحي ومتفكريش في أي حاجة.
قبلتها يارا وتحركت منال بحزن وخرجت من الغرفة، وشردت يارا تفكر؛ أين ستذهب إذا طردها مرزوق.
____________
وسط زحام الحارة الشعبية، اقتحم المكان عدة سيارات فارهة، وقف الجميع ينظر إليها وزاد تعجبهم عندما نزل من السيارة عدة رجال يرتدون حلة موحدة؛ سوداء اللون.
ثم فتح أحدهم باب السيارة التي بالخلف وترجل منها رجل يبدو عليه الثراء الفاحش، بدأت الهمهمة وسط الناس البسطاء، وعيونهم تنظر إليهم مشدوهة، كمثل يونس الذي يترقب ما يحدث وما زاد من دهشته عندما صعد ذلك الرجل إلى منزل نيرة.
ترك منفذ البيع على الفور واقترب من الباب ولكن منعه هؤلاء الرجال وبدأت المشادة بينهم.
أما هو فصعد إلى المنزل وقام رجاله بفتح الباب، فُزعو جميعًا ووقفو ينظرون إليه بصدمة عدا جلال الذي تحولت نظراته إلى الخوف عندما رأه، وقال بصوت مرتعش: عدنان!
نظرو له واختبئت نيرة خلف كمال حين اقترب منهم عدنان وجلس بشموخ أمامهم وقال: قلت أجي بنفسي عشان أتعرف على عيلة فارس السيوفي اللي مقاطعهم من سنين.
نظرو إلى بعضهم البعض بتوتر، فأردف عدنان: أنا عارف كل حاجة، فارس قبل ما يشتغل معايا كنت عارف كل أخباره ده غير إن إحنا كنا نعرف بعض وعارف عن حياته كتير.
ثم نظر إلى نيرة وقال: وعارف إنه مكنش خاطب.
ابتلعت نيرة ريقها بخوف وخفت وجهها خلف كمال، ثم أردف: ولا جلال كان مدير عام الشركة، ولا كمال وناهد كانو عيلته حبيبته.
قاطع حديثه تلك الأصوات المرتفعة التي تأتي من أسفل الدرج، ثم اقترب أحد الرجال من عدنان وهمس له: فيه واحد تحت مصر يطلع.
نظر عدنان نحو نيرة وقال: ده أكيد خطيبك، هو... كان اسمه إيه؟... اه صح... يونس، سيبه يطلع حتى يحضر معانا اللقاء الجميل ده.
تحركت نيرة من خلف كمال بفزع وقالت برجاء: لأ أرجوك، إحنا هنعمل كل اللي إنت عايزه بس بلاش تقول لحد حاجة.
نظر عدنان نحو الرجل وقال: خلوه يطلع.
ارتعش قلبها، ستخسر يونس لا محال، نظرت إلى كمال وقالت برجاء: إلحقني يا بابا.
كمال بغضب مكتوم: ده وقته! ما يغور سي زفت بتاعك ده.
دخل يونس المنزل بفزع، وكأنه صعد الدرج دفعة واحدة، ثم نظر إليهم وهم يرتعدون أمام هذا الرجل، فاقترب منه وقال: إنت مين؟ وجي هنا ليه؟
نظر عدنان نحوه بهدوء وقال: عدنان الخولي، رجل أعمال، جي أتكلم مع جلال بيه شغل مهم، مين حضرتك؟
تنفست نيرة براحة، عادت روحها التي اختنقت داخل عنقها إلى جسدها مرة أخرى، ثم وضعت يدها على صدرها تهدأ قلبها، فنظر لهم يونس وقال: أنا يونس خطيب الأنسة، وأظن لو كلامك مع جلال يبقى وجودها هنا ملوش لازمة.
عدنان: اللي أعرفه إن الأستاذة نائب المدير المالي للشركة، ووجودها مهم في الإجتماع ده.
يونس: كان يفضل يتعمل جوا الشركة مش تقتحم المكان بالشكل ده وترعب الناس الغلابة اللي تحت، ولا تقتحم على الناس بيتها بالشكل ده، وكمان قفلت الشارع كله! ده مش أسلوب شغل أبدًا.
نظر له عدنان بإعجاب من جراءته، ثم قال: معاك حق، بس الاتفاق بينا مش لازم حد يعرفه، ده غير إن ليا منافسين كتير فا لازم يبقى معايا الحرس بتوعي، على العموم إحنا أسفين على الأزعاج، وبصراحة... أنا معجب بجراءتك جدًا، بس يستحسن تطلع برا.
اقترب منه رجلين ووقفا خلفه، فاحتدت نظرة يونس إلى عدنان مما جعل نيرة تشعر بالخوف عليه وقالت: خلاص يا يونس، أنا كويسة متقلقش، وعدنان بيه رجل معروف في السوق، فا لو سمحت سيبنا بس عشان عندنا كلام مهم عايزين نخلصه.
زفر بضيق وخرج من المنزل، ثم التفت عدنان ونظر إليها وقال: جريء بس متهور، لو مش عشانك كنت زعلته، المهم... هتساعدوني عشان مقولش لفارس على كل حاجة وساعتها عارفين هو هيعمل إيه.
كمال: نساعدك في إيه؟!
عدنان: فارس رافض يسلمني البضاعة مع إني عارف إنها موجودة عنده، بس طبعًا هو ناسي هي فين، عشان كده طلبت منه يصنع غيرها لكن هو قالي إنه هيرد الفلوس وبس، دلوقتي الوضع اختلف، أنا عايز البضاعة وال ٥٠ مليون دولار، مش عدنان اللي يتلعب بيه ولا يسمح إن حد يحط رقبته تحت رحمة حد تاني، تجيبو الفلوس والبضاعة تاخدو براءة، لكن لو محصلش إنتو عارفين فارس لما بيغضب بيعمل إيه.
جلال: بس محدش فينا عارف مكان الفلوس ولا البضاعة.
عدنان: أتصرف، إنت ماسك الشركة، شوف المخازن، دور جوا الشركة نفسها، اللي أعرفه إن فارس كان عنده معمل سري بيصنع فيه، ده غير إنكم تقدرو تدخلو البيت براحتكم خصوصًا بعد موت عم عبده، وحظكم إن مفيش حد حواليه دلوقتي عارف حاجة عن ماضي علاقتكم معاه... غيري.
ثم نظر إلى نيرة وقال: وخطيبته ممكن تروح البيت عشان توضب عش الزوجية، وساعتها تدور براحتها، ولو عرفت تجند حد من الخدامين يقولها لو فيه مكان جوا الفيلا خاص بفارس تبقى جابت الناهية.
ناهد: ماشي، بس من غير تهديد، هتاخد فلوسك وبضاعتك وتسيبنا نكمل اللي إحنا بنعمله.
ابتسم عدنان بجانب شفتيه وقال: وماله، طالما المصلحة واحدة نتفق.
كمال: إتفقنا.
عدنان: ياريت بقى لو عرفتو سر التركيبة تجيبوها، وديه ليها مكافأة خاصة من عندي.
تركهم والرعشة تسير تحت جلودهم وينظرون إلى بعضهم البعض دون حديث، ثم ركضت نيرة على الفور نحو يونس، فصاح كمال بغضب: تعالي مش وقت الزفت بتاعك ده.
أشاحت بيدها أمامه ولم تستمع له، ونزلت على الفور وتوجهت نحو يونس الذي وقف يراقب عدنان بصمت وهو يصعد داخل سيارته، ثم قالت: معلش يا يونس حقك عليا، بس الراجل ده عميل مهم جدًا في الشركة ومنقدرش نخسره، كده هنأذي فارس في شغله.
يونس: الراجل ده مش مريح أبدًا، مش شكل راجل بيشتغل في الأدوية، ده تمامه يا سلاح يا مخدرات، لو الناس اللي بيجو الشركة بالشكل ده أنا مش عايزك تروحي.
نيرة: لأ حتى لو جم الشركة ملهمش علاقة بيا، تعاملهم مع جلال وبس، أنا زيي زي أي موظف.
تنهد يونس وقال بضيق: مبقتيش تسمعي كلامي.
نيرة بدلال: ولا أنا بقيت فارقة معاك، أول مرة تسيبني أنام زعلانة يا يونس.
يونس: عشان أول مرة تكسري كلمتي، من إمتى بتعملي كده؟ من ساعة حوار فارس ده وإنتي متغيرة.
نيرة: وحياة عيونك أبدًا، ولا حاجة تخلي حبك في قلبي يقل لحظة واحدة، ده بيطلع بس مش بينزل، وبعدين اللي عملته من شوية رضاني خلاص، بس وحياة نوراة ما تسيبني أنام زعلانة تاني، عيوني مش بتشوف النوم وإنت بعيد.
تبدلت نظراته إلى العشق، اخترق حديثها قلبه، فقال: حقك عليا، بس أنا بغير عليكي وإنتي عارفة، أنا عايزة أخبيكي عن عيون الناس كلها، ولو عليا مش هخليكي تروحي الشغل بس فارس صعبان عليا مش أكتر، على العموم فترة بس لحد ما فارس يرجع شغله وبعدين ترجعي قدام عيني يا نن عيني.
نيرة: يعني خلاص مش زعلان؟
يونس: مين قال إن كان فيه زعل أصلًا!
ابتسمت نيرة له وقالت: طيب أنا هطلع بقى عشان بابا ميزعقش.
أومأ لها وتحركت من أمامه وهو يتابعها بعين عاشقة.
____________
أن يدق القلب لمن عشقه يومًا ولكن بعد فوات الأوان كمن تأخر على موعد قطار حياته ورحل دون عودة.
يا من عشقتني وكرهتني...
يا من رددت وصلك بالهجرِ.
كيف السبيل إلى قلبك بعد هجرك إلّيِ؟
كيف يعود فؤادك ملكي؟
الآن تعشق غيري، وأنا من عاهدتك بالحب الأبدي.
لأقعدن أبكي على جرحي لك، وأظل أنحو واشتكي.
ليت الجرح جرحي ولم يصيب قلبك خيانتي.
كانت تجلس نيفين بالمنزل تنتظر مؤمن الذي تأخر كثيرًا عن موعده، تتصل به مرارًا ولكن لا يتلقى مكالمتها كالعادة، فهو يعاملها وكأنها خادمة... نكرة، لا يهتم بوجودها من عدمه.
تراقب عقارب الساعة أمامها والقلق يحتل صدرها، وباتت الأفكار تتسابق داخل عقلها، حتى سمعت صوت المفتاح يتحرك داخل الباب، فانتفضت ووقفت أمامه وقالت بخوف: معقول يا مؤمن كل ده تأخير!
نظر لها باستهزاء وقال: وإنتي مالك.
نيفين بحدة: لأ مالي، لما تقعد طول اليوم كله برا واتصل بيك مية مرة عشان اطمن وإنت داخل بمنتهى البرود دلوقتي تقولي وإنتي مالك! لأ مالي ونص.
مؤمن: إنتي بتعلي صوتك عليا!
نيفين: عشان إنت مستفز، يا أخي رد عليا طمني، هتخس لو رديت قولتلي إنك كويس، الدقيقة ديه هتفرق في يومك في إيه؟ ولا صعب ترد عليا للدرجة ديه.
مؤمن: وأنا إمتى برد على تليفوناتك!
نيفين: عارفة إني مش حد مهم عشان ترد عليه، بس على الأقل لو هتقعد كل الوقت ده برا إتنازل ورد.
مؤمن: كفاية التنازل اللي أنا عامله عشانك، ولا إنتي لسه طماعة وعايزة كل حاجة تحت رجلك وخلاص.
نيفين: أنا مش عايزة حاجة من الدنيا خلاص ولا فارقة معايا، وأظن من يوم ما أتجوزنا وأنا مطلبتش منك طلب واحد، حتى الأكل والشرب اللي بتجيبه بعمله وبحمد ربنا عليك، ليه مش شايف إني إتغيرت وبقيت حد تاني؟ ليه مصر تشوفني بنظرة واحدة ومش عايز تغيرها مهما عملت.
اقترب منها مؤمن وانخفض قليلًا أمامها لينظر داخل عمق عينيها وقال: عشان صورتك اللي اتحفرت في مخي ليلة الدخلة مش عارف أشيلها من دماغي.
ظل يتطلع داخل عينيها وكأنه يبحث عن نظرة الإنكسار التي تترسخ بهما كلما تحدث عن هذا الأمر، بداخله يعلم إن تلك النظرة لا تعادل ذلك الألم الذي ينبض بداخله حتى الآن منذ ذلك اليوم المشئوم.
ابتلعت نيفين ألمها وقالت: كل مرة بتقول الكلام ده عشان تكسرني، زي ما تكون بتستمع بكسرتي قدامك.
مؤمن: يمكن تحسي بشوية من اللي حسيته واللي لسه بحسه كل أما بشوفك.
نيفين بحزن: كنت معاها؟
كان يعلم أنها سمعت حديثه بالهاتف بالأمس، فأومأ لها بالإيجاب، فأردفت بحزن هي تكتم شهقاتها: بتحبها؟
صمت قليلًا ثم قال مؤمن: بطلت أحب حد.
ارتعش صوت نيفين وقالت بخوف من إجابته: بطلت تحبني؟
مؤمن: كرهتك.
نيفين: كداب، لسه قلبك ملكي.
مؤمن: وعايزاه ليه؟
نيفين: عشان بحبك.
اعتدل في وقفته، وعقد ذراعيه أمام صدره وقال: وعشان حبتيني لازم أبقى ليكي، ما أنا حبيتك ورحتي لغيري.
هربت دمعة من عين نيفين وقالت: غلطت، وندمت، معرفتش قيمتك إلا متأخر، بعد ما خسرتك خلاص، نفسي تديني فرصة، مش هخذلك.
مؤمن: خذلتيني من زمان، من يوم كسرتي فرحتي وقلبي، من يوم ما دوستي عليا من غير رحمة، آسف.... معنديش فرصة ليكي إلا لو ثبتي إن كلامك كان صح، وإنك مكنتيش من حضن واحد لواحد تاني.
نيفين: عمري، أنا مش كده، مش عارفة هتصدقني ولا لأ بس عمري ما حسيت بحنية وحب غير في حضنك في اليوم اللي إنت بتقول عليه شؤم، عرفت الفرق بين إنك تبقى في حضن واحد بيحبك بجد وواحد تاني كان بيخدعك عشان يوصل للي هو عايزه منك، ومن وقتها وأنا قلبي راحلك إنت وعمره ما شاف غيرك.
مؤمن: وإنتي جاية تقولي كده قبل السنة ما تخلص عشان مش عايزة تطلقي صح.
نيفين: أنا كتمت كل ده جوايا على أمل إن قلبك اللي حبني كل السنين ديه يحن عليا، قلت لما تشوف إني إتغيرت ومخلصة ليك هتسامحني، لكن لما لقيتك بتضيع من إيدي إتجننت.
مؤمن: بس أنا ضيعت من زمان إنتي بس اللي مش واخدة بالك، ريحي دماغك يا مدام ووفري ألاعيبك، إنتي بالنسبالي عبء، حاجة بعد الأيام عشان أخرجها من حياتي مش أكتر.
ثم تركها وذهب إلى غرفته، أغلق الباب وأسند ظهره عليه، يغمض عينيه بقوة ليمنع ذلك النبض الذي يتراقص داخل ذلك القلب الغادر، الذي لا يزال ينبض لها رغم كل ما فعلت؛ منذ أن سمع كلمة الحب تخرج من بين شفتيها، الكلمة التي كان يحلم بسماعها لسنوات أصبحت الآن خنجر يطعن كرامته، لن يتنازل من أجل تلك الكلمة أبدًا.
أما هي، فظلت تنظر إلى ذلك الباب المغلق وتدعو الله بأن ينبض قلبه لها مجددًا، أن يغفر لها ويرحمها من هذا العذاب، أن تثبت براءتها ربما يتركها بجواره حتى لو كانت خادمة، فهي ترضى بالقليل منه.
___________
يوم جديد، وأشرقت شمس الصباح على أبطالنا، ترى ما الذي سيحدث اليوم؟
كان فارس يعود من جلسة العلاج الطبيعي، جالسًا على الكرسي المتحرك ويدفعه سعد عائدًا إلى غرفته، كانت ابتسامة فارس تعلو وجهه، يعلم أنه سيقابل يارا الآن، وقلبه يسابقه نحو الباب، ثم قال بابتسامة: سعد، عمرك حلمت بواحدة صحيت لقيتها قدامك؟
سعد: عمري ما لقيت واحدة قدامي يا باشا.
ضحك فارس وقال: ده أنت ضايع.
سعد: يا باشا إحنا نيجي فيك حاجة!
فارس: طيب متعرفش حاجة عن خطوبتي أنا ونيرة؟
سعد: لأ ملحقتش أعرف بصراحة، وبعدين يا باشا إنت كل يوم كنت بتكلم واحدة شكل، هفتكر اسمها منين لمؤخذة.
فارس باشمئزاز: يعني لازم تفكرني! زق وإنت ساكت أحسن.
ثم انتبه إلى سيدة تخرج من الغرفة وكاد سعد يرتطم بها بالكرسي، فصاح: حاسب حاسب.
توقف سعد بآخر لحظة والتفتت إليه السيدة بفزع، فقال فارس: آسف يا أمي، الغشيم ده كان هيخبطك.
_ ولا يهمك يا حبيبي.
ثم انتبهت إلى عينيه فقالت مغازلة له: إيه يا واد العينين الحلوة ديه؟
ضحك فارس عاليًا وقال: عيونك الحلوة يا أمي.
_ هنكدب بقى! هو فيه أحلى من العيون ديه؟ قولي يا واد؛ إنت متجوز.
ضحك فارس مجددًا وقال: يعني على حد علمي لأ، عندك عروسة؟
_ يوووه، أمال بسأل، ده أنا بنتي زي القمر، استنى اندهلها تشوفك يمكن تقع فيك زيي كده.
فارس: طيب وتتقلي عليا ليه! ما طالما عيوني عجبتك إنتي أنا راضي.
_ يا واد أنا كبيرة عليك، استنى بس ده أنا مكنتش أعرف إن المستشفى فيها حاجات حلوة كده، اصبر هي بتكلم الدكتور هتخرج أهي.
مرت ثواني وفارس يقهقه عاليًا من عفويتها وروحها الطيبة، ليتفاجأ بيارا تخرج من الغرفة، ففتح عينيه بصدمة وسمع منال تقول: أهي بنتي، دكتورة يارا.
نظرت لها يارا وهي تعقد حاجبيها متعجبة وسمعت فارس يقول: وهل يخفى القمر، بس لأ بنتك مش معجبة بيا خالص.
منال بدهشة: إيه ده! تعرفها؟
يارا: ده مريض عندي يا ماما، بتعملي إيه بس؟
وضعت يدها على صدرها وقالت: يووووه، يا ختي مش باين عليه مجنون ولا حاجة.
ضحكو جميعًا بقوة، وقالت يارا: بس يا ماما، بتقولي إيه؟ هو أنا بعالج مجانين؟
منال: اه، معروفة يعني، يا عيني يا ابني، يا خسارة العيون ديه في الجنان.
شعرت يارا بالخجل، وحاولت أن تنهي هذا اللقاء فقالت: ماما يلا التاكسي وصل، روحي وأنا هخلص الشغل واجيلك، كفاية فضايح لحد كده.
تحركت منال وهي تتمتم: الحق عليا اللي عايزة أجوزك، الواد حليوة ومفيش زيه، يا خسارة الحلو ميكملش.
غادرت ويارا تتابعها بصدمة ثم نظرت نحو فارس لتعتذر منه ولكن وجدته يضحك بقوة لا يستطيع أن يتمالك نفسه وقال: أنا حبيتها أوي، مامتك زي السكر بجد.
يارا بخجل: يعني يارب متزعلش من كلامها.
فارس: لأ خالص، ديه جميلة، بس فهميها أرجوكي نوعية مرضى عشان توافق نتجوز.
يارا بصدمة: مين يتجوز؟!
فارس: لأ هي طلبت إيدي لبنتها وأنا وافقت.
مازالت الصدمة جالية على وجهها فقالت يارا: مين بنتها؟
ضحك فارس، فأردفت: روح يا دكتور على أوضتك وأنا هشوف نتيجة الأشعة وأجيلك عايزة بس اطمن عليها.
فارس: ألف سلامة عليها، مالها؟
يارا: لأ ده تشيك أب، مفيش حاجة إن شاء الله.
عاد فارس إلى غرفته، وذهبت يارا إلى قسم الأشعة، وبعد وقت اقترب منها الطبيب بتوتر، ثم قال بصوت حزين: آسف يا دكتورة بس.... واضح إن الورم رجع تاني.
تجمدت مكانها، واختفت الألوان من حولها ليتحول كل شيء إلى اللون الأسود، لم تسمع باقي حديث الطبيب، فقط طن أذنها وتجمدت حدقتيها، انسابت دمعة من عينيها بحرقة، فهي لا تملك مال كافي للعلاج وأيضًا ستطرد من منزلها قريبًا.
للحظة شعرت أن العالم ينتهي، وهي فقط تقف تشاهد ما يحدث.
يتبع...



تعليقات