رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثامن 8 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة.... الفصل الثامن
بقلم الكاتبة / رباب حسين
في اللحظة التي ظن فيها الجميع أن الماضي هو العدو الوحيد بدأت الحياة تكشف وجوهًا أخرى للألم؛ مرض يهدد روحًا لم تعرف يومًا سوى التضحية، وقلب يعود للحب متأخرًا بعدما احترق بناره، ورجل يقف على حافة الحقيقة لا يعلم إن كان سيُبعث من جديد... أم يعود الوحش ليسكنه مرة أخرى.
فارس الذي استيقظ بلا ذاكرة بدأ يشعر لأول مرة أن هناك شيئًا أثمن من المال والنفوذ؛ شخص واحد فقط قادر على تهدئة الفوضى داخله. وكلما اقترب من يارا شعر أن قلبه يسبق عقله نحوها، كأن روحه القديمة تعرفها أكثر مما يتذكر.
أما يارا... فكانت تنهار بصمت. تبتسم أمام الجميع بينما الخوف ينهش صدرها؛ خوف من المرض، من الفقد، من المستقبل... ومن ذلك الرجل الذي بدأ يقتحم قلبها رغمًا عنها.
وفي الجهة الأخرى تتحرك الخيانة بهدوء أشد فتكًا من الرصاص، خطط تُرسم خلف الأبواب المغلقة، وأسرار لو انكشفت... ستحرق الجميع دون رحمة.
بعد هذا اللقاء العفوي مع منال، كان يشعر بسعادة ربما لم يشعر بها قط، أن يكون بين البسطاء خفاف الروح، هؤلاء هم المصريين حقًا بطبيعتهم الطيبة وصدقهم المعهود. كان يبتسم بين الحين والآخر متذكرًا خفة ظلها وطلبها منه الزواج من بنتها التي شاء القدر أن تكون هي ذات الفتاة التي يزداد تعلقه بها دون أن يدري، فلم يكن يعرف أنها من سلبت عقله قديمًا ونقشت ملامحها داخل قلبه الذي لم ينساها.
طال الانتظار، لم تأتي يارا حتى الآن ومر أكثر من نصف ساعة، شعر بالقلق ثم نظر إلى سعد بعد أن تطلع بساعته وقال: هي الدكتورة إتأخرت كده ليه؟
سعد: مش عارف.
فارس: روح إسأل عليها، يمكن فيه حاجة في الأشعة بتاعت والدتها روح إسأل في القسم هناك.
أومأ له سعد وذهب مسرعًا، وحين سأل عنها في قسم الأشعة أخبره الطبيب أنها غادرت مسرعة بعد أن علمت نتيجة التحاليل. عاد سعد وأخبر فارس بذلك الذي شعر بالخوف على تلك السيدة البسيطة، فنظر إلى سعد وقال: خدني عندها.
سعد بتعجب: عندها فين؟ مينفعش تخرج يا باشا بالشكل ده، ولا المستشفى هترضى تكتب خروج.
فارس: أنا هرجع تاني مش عايز خروج، بس مش هقدر أقعد مستني أعرف فيه إيه، عايز اطمن على أمها وخايف تكون محتاجة مساعدة، وواضح إن ملهاش غيرها، خدني هناك دلوقتي وأنا معايا العنوان بتاعها.
سعد: يا باشا أنا عيني ليك بس هتخرج إزاي.
فارس بحدة: طالما قلت هخرج يعني هخرج.
سعد: أمرك يا باشا، بس غير هدومك الأول.
ارتدى فارس حلته بمساعدة سعد، وحين نظر إلى المرآة شعر بالاعتزاز بنفسه، ولما لا فهيئته كانت مصدر خوف في قلوب الكثيرين من قبل، وهذا ما حدث بالفعل عندما اقترب من بوابة المشفى ومنعه موظف الاستقبال، فنظر له فارس نظرة سببت الرعشة بأوصاله، فلم يستطع منعه ووعده فارس بأنه سيعود ولكن عليه الخروج الآن، صعد بسيارته وحمل سعد الكرسي المتحرك معه بالسيارة وذهب إلى منزل يارا.
_____________
دخلت نيرة مكتب جلال بعد أن جاء كمال إلى الشركة، وحين رأها قال: ما هو لو الهانم كانت قعدت معانا بعد ما عدنان مشي كان زمانا إتفاقنا على كل حاجة، لكن جريت على البيه اللي واكل عقلها وصحيت الصبح جريت على الشغل.
زفرت نيرة وقالت: هو إنت مش مكفيك خناق في البيت جي هنا تتخانق معايا عشان يونس! هو يونس عمل إيه عشان تتعامل معاه كده.
كمال: فقير، شحات، هتاكلي معاه عيش ودقة.
نيرة: على قلبي زي العسل، وبعدين هو أنا مش وافقت على الخطة الزفت ديه عشان الفلوس، خلاص يبقى خدت اللي أنا عايزاه والفلوس فوقيه.
جلال بضيق: مش وقته، خلونا نشوف حل في البلوة اللي إحنا فيها.
تنهدت نيرة وقالت: هي عمتي فين؟
كمال: بتحضر أكل لفارس عشان تاخده معاها الزيارة. المهم... عدنان عايزنا ندور في الشركة هنا.
جلال: أنا شفت مواقع المعامل، فيه معملين رئيسين للشركة، ده غير المعامل الفرعية، لكن الأساسي وأكبرهم اتنين.
كمال: معتقدش إن فارس إستخدم واحد فيهم عشان يعمل فيه شغله، لأن أكيد في ناس ودكاترا كتير والموضوع ده عايز سرية.
نيرة: هو مفيش غير الفيلا، ده ممكن يكون مخبي البضاعة والفلوس جواها.
كمال: فكرت كده كمان، خصوصًا لإن فارس مكنش بيدخل حد الفيلا نهائي، حتى الستات كان فيه شقة تانية بيروح معاهم هناك، وده بيأكد إن الفيلا خط أحمر.
نيرة: بس الشرطة فتشت الفيلا ساعة الحادثة، إزاي محدش شاف المعمل ولا البضاعة؟!
شرد جلال قليلًا ثم قال: يمكن المعمل في مكان سري.
نيرة: إيه جو الروايات ده؟
كمال: لأ هو منطقي، ممكن يكون عامل معمل سري فعلًا جوا، وأكيد الموضوع ده خد منه وقت عشان يجهزه، عشان كده مبدأش الشغل ده غير متأخر بعد ما مات عزام.
نيرة: يبقى كده قدامنا حلين، أولًا الخدامين، ودول ممكن نجند واحدة منهم زي ما قال عدنان، وثانيًا أنا ممكن أدخل الفيلا عشان تجهيزات الفرح.
جلال: وإنتي أقرب واحدة للموضوع، لأن الخدامين مش هيرجعو غير لما فارس يرجع أو قبل رجوعه بكام يوم عشان ينضفو البيت.
نيرة: طيب هو منطقي أشوف الفيلا والديكور والحاجات ديه وفارس مش قادر يتحرك لسه!
كمال: أنا هكلمه وأحاول أخليه يقتنع بالموضوع، هاجي الزيارة معاكي وأتكلم معاه.
جلال: وأنا جهزت التوكيل، خليه معاكي يا نيرة زي ما أتفقنا.
نيرة: أنا كمان هاخد معايا شيكات وأوراق كانت واقفة على توقيعه، يمكن أقدر أخليه يوقع التوكيل ونخلص من كل ده.
كمال: وساعتها نقول لعدنان أتصرف إنت وخد حاجتك منه لإن وقتها مش هيقدر يمسك علينا حاجة.
جلال: لأ.... مش صح نعادي عدنان، وقتها هياخد فارس تحت دراعه وهيساعده يقف قصادنا، إحنا أصلًا مش أد فارس لوحده لو ظهر غضبه وشخصيته الزفت مرة تانية، فلو معاه عدنان يبقى هياخدو كل حاجة وفوقيها رقبتنا.
نيرة: يعني إيه! لازم ننفذ أوامره؟
كمال: صح، عشان ساعتها فارس بالنسباله مش هيبقى وراه مصلحة ومش هيساعده.
جلال: يبقى هنكمل خطتنا ونعمل اللي عدنان عايزه.
حين يجتمع شياطين الأنس والجن معًا لن يقدر عليهم سوى رحمة الله التي تحيط بالعباد.
___________________
عادت يارا إلى منزلها متخبطة بعد سماع ذلك الخبر الذي هز كيانها، لقد عاد ذلك المرض الخبيث إلى جسد منال مرة أخرى، شعورها بالعجز وعدم توافر المال جعلها تشعر بالخوف الشديد، والأسوء أن هذه المرة يتطلب علاجها التبرع بالكبد، وأصبحت الأمور أكثر تعقيدًا، فبجانب مشكلة تدبير الأموال، يجب البحث عن متبرع يتوافق مع جسدها وأيضًا مشكلة السن التي تجعل تلك الجراحة في غاية الصعوبة.
دموعها تعمي رؤيتها، كانت بداخل سيارة الأجرة والسائق يتابع بكائها بقلق، حتى أنه توقف قليلًا وأحضر لها عصير كي تهدأ، وحين شربته قال لها: ربك بينزل البلاء ومعاه رحمته، متخافيش يا بنتي وقولي فوضت أمري ليك يارب، قادر يحل مشاكلك في ثانية بحق كن فيكون.
يارا ببكاء: ضاقت عليا أوي يا حج، مش عارفة أعمل إيه؟
السائق: هتفرج يا بنتي، سيبيها على الله.
رفعت عينيها الممتلئة بالدموع لتنظر إلى السماء برجاء، تناجي ربها بداخلها أن ينزل عليها رحمته.
عاد السائق ليقود السيارة وحين وصلت إلى المنزل ترجلت منها وشكرت السائق الذي استطاع أن يهدأ من خوفها ولو قليلًا حتى تستطيع أن تتحدث مع منال وتزرع بقلبها الأمل.
وحين دخلت المبنى وجدت باب المنزل مفتوح وسمعت أصوات مرتفعة بالداخل، فركضت نحو الباب ووجدت مرزوق يقف أمام منال ويصيح بها بقوة قائلًا: قولتيلي بنتك هتتكلم معايا إمبارح ومعبرتنيش.
منال: ما قولتلك رجعت متأخر، وبعدين إنت مش قلت قدامنا شهر.
مرزوق: الراجل اللي عايز الشقة مستعجل، وأنا عايز الشقة.
اندفعت يارا داخل المنزل بقوة والغضب يسيطر عليها، وقالت بحدة: وإنت إزاي تتفق على بيع الشقة وإحنا لسه جواها؟
مرزوق: عشان ملكوش حق تقعدو فيها، أنا كنت سايبكم لحد ما يجي رزق الشقة ونبتهك إن الشقة من حقي من ساعة ما أبوكي مات، ودلوقتي الراجل عايز الشقة عشان هيعملها محل ملابس كبير، والشقة عجبته عشان على الشارع العمومي وواخدة ناصية واللي طلبته هيدفعه.
يارا: وإنت الجشع عماك لدرجة إنك تطرد اتنين ستات في الشارع عشان الفلوس؟! إنت إيه معندكش ضمير.
مرزوق بتهكم: لأ عندي عيال عايز أصرف عليهم وأجوزهم، عشان كده أعملي حسابك، هو أسبوع مش شهر، تاخدي حاجتكم وتمشي إنتي وأمك، أسبوع ويوم هرمي الكراكيب ديه في الشارع.
صدع صوت بالخلف يقول بحدة: وإنت مين بقى عشان ترمي حاجتهم في الشارع!
انتبهو جميعًا إلى الصوت، فوجدو فارس يجلس على الكرسي المتحرك ويدفعه سعد من الخلف، فتحت يارا عينيها بدهشة وقالت منال: أبو عيون جريئة!
نظر له مرزوق وقال بتعجب: إنت اللي مين؟
فارس بثقة: فارس السيوفي، وسألت إنت مين وبتزعق في بيت الدكتورة ليه؟
مرزوق: صاحب العمارة، وهما قاعدين من غير ورق.
يارا: الشقة ديه شقة أبويا، وأنا وأمي كنا قاعدين فيها، عايز تطردنا بالعافية ليه هو مفيش قانون!
مرزوق: القانون بيعترف بالعقود، معاكي عقد باسمك للشقة؟ لأ... يبقى الشقة من حقي طالما أبوكي مات، وأنا صبرت عليكي كتير بسبب عيا أمك لكن أكتر من كده ملكيش عندي وقت، وهتمشي يعني هتمشي.
فارس بحدة: كلامك معايا، ولا أنا مش مالي عينك.
نظر له مرزوق ووجد نظرة بعينيه مرعبة، فقال بارتباك: يا باشا الشقة من حقي، وفيه واحد عايز يشتريها، أنا قولتلهم يا تدفعو الفلوس يا تسيبو البيت وغيركم يدفع حقها.
فارس: عايز كام؟
مرزوق: اللي هياخدها هيدفع ٢ مليون.
أشار فارس إلى سعد كي يقترب منه وهمس داخل أذنه: مش أنا أقدر أدفع المبلغ ده؟
سعد: طبعًا يا باشا، وأضعاف كمان.
أومأ له فارس ثم أمسك بهاتفه واتصل بجلال على الفور، وما أن سمع صوته فقال: أيوه يا جلال، عايز شيك ب ٣ مليون جنيه يجيلي على العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي.
اندفعت يارا وقالت: لأ، مش هينفع ناخد الفلوس ديه منك.
فارس: هبعتلك العنوان دلوقتي.
انهى المكالمة ثم أرسل العنوان إلى جلال، وقال: بعدين يا دكتورة هنتكلم مع بعض.
ثم نظر إلى مرزوق وقال: الشيك في الطريق، هتفضل قاعد مستنيه من غير ما تحضر العقد ولا مش عايز الشيك.
مرزوق: لأ، ده أنا هطلع أجيب العقد دلوقتي.
فارس: أكتبه باسم الدكتورة.
مرزوق: حاضر.
ركض مرزوق بسعادة خارج المنزل ثم نظرت يارا إليه وقالت: كده كتير يا دكتور، أنا مش هقدر أرد المبلغ ده كله.
فارس: ومين قال إني عايزك ترديه؟ اعتبريه أتعابك في علاجي، أظن كده حقك.
يارا: أنا باخد مرتبي من المستشفى.
فارس: اعتبريها اتعابك على علاجي بعد خروجي من المستشفى، على رأي مامتك أنا مجنون وعلاجي هياخد وقت.
منال: مكنتش أعرف إنك فارس السيوفي، أسفة لو قلت عليك مجنون.
لاحظ فارس ملامحها التي تبدلت وقال بحزن: واضح إن حضرتك عرفاني، مش هقدر ألومك على إنك غيرتي طريقة كلامك معايا بعد ما عرفتيني، أنا أصلًا مش طايق اسمي بعد اللي عرفته عن نفسي زمان، على العموم أنا جيت عشان قلقت على الدكتورة إنها مجاتش معاد الجلسة، وكويس إني جيت عشان ألحقكم من الراجل ده، وبما إن الشيك جاي في الطريق فا أنا مش هضايقكم أكتر من كده، يلا يا سعد رجعني العربية.
لاحظت منال مدى حزنه فاندفعت قائلة: لأ يا دكتور استنى، مهما كان اللي عملته دلوقتي جميل أشيله على راسي.
يارا كلمتني على اللي حصلك بعد ما فقت من الغيبوبة، الصراحة كنت مستغربة وقولت هترجع زي الأول، بس واضح إنك زي ما قالت يارا فعلًا، كأنك أتولدت من جديد، بس متزعلش مني يا ابني اللي حصل زمان لسه مشيلني منك شوية.
فارس: أنا مش زعلان منك، أنا زعلان على نفسي، لما حد زيك طيب وقلبه أبيض يتغير كده لمجرد إنه سمع اسمي وتتغير معاملته معايا بالشكل ده فا ده دليل على أني شخص غير مرغوب فيه، وبصراحة أنا استاهل كده فعلًا، وأنا مش همشي عشان زعلان منك أنا همشي عشان مش عايز أضايقك.
منال: لا متمشيش، خليك قاعد معانا لحد ما نكتب العقد.
يارا: هو أصلًا إنت خرجت إزاي؟
سعد: بص للموظف اللي على الباب فا خاف وسابه يمشي.
ضحكت يارا وقالت: حضرتك ترجع على المستشفى عشان كده غلط عليك.
نظر لها فارس بحب وقال: قلقت عليكي لما مجتيش، وبعدين أنا كويس وكده كده هرجع.
يارا: بس المبلغ كبير بجد، مش هينفع.
فارس: يبقى توافقي على عرض الشغل اللي قولتلك عليه، تبقي ملازمة ليا كطبيبة لأني مش بثق في اللي حواليا كلهم، لكن إنتي وسعد لأ.
يارا: مقدرش أسيب ماما، ومينفعش أجي أقيم عندك في البيت، ولو إنت دفعت الفلوس عشان كده يبقى مش هقبلهم.
فارس: أنا مقولتش كده، ولا دفعت الفلوس ديه عشان أغصبك تعملي حاجة إنتي مش عايزاها، وحتى لو رفضتي تشتغلي معايا مش هطلب منك الفلوس، أما لو وافقتي فا والدتك فوق راسي وقبل منك، هو أنا أطول أقعد في بيت واحد مع العسل ديه، ده أنا حبيتها خلاص وكنت ناوي أتجوزها بس هي رفضت.
ضحكت منال وقالت: يوووه، دمك شربات يا واد، بس لو إنت عايز يارا تشتغل معاك عشان بتثق فيها فا أنا موافقة، كفاية وقفتك معانا دلوقتي، ده أنا عمري وروحي في البيت ده، كفاية إني عشت فيه مع المرحوم فوق ال ٣٠ سنة.
ابتسم فارس وقال: ناقص الدكتورة توافق، ومش هغصب عليكي في حاجة، وقت ما تقدري تثقي فيا تعالي إشتغلي معايا.
عاد مرزوق وانتظر حتى جاء الموظف الذي يحمل الشيك ثم وقع عليه فارس وأعطاه له.
أما جلال، فكان يستشيط غضبًا واتصل على الفور بكمال الذي غادر مع نيرة ليذهبا إلى المشفى، وقبل أن يدخل الغرفة التي سبقته نيرة إليها؛ تلقى المكالمة وقال: خير يا جلال.
جلال: فارس طلب شيك ب ٣ مليون جنيه دلوقتي.
كمال بدهشة: ٣ مليون! ليه؟ وهيعمل بيهم إيه وهو في المستشفى.
خرجت نيرة وقالت: ما هو مش في المستشفى.
نظر لها كمال بتعجب وقال: معقول خرج! ده لسه مش قادر يمشي، أقفل يا جلال دلوقتي لما نشوف راح فين البيه.
أنهى المكالمة وذهب إلى الطبيب عز، وجده غاضبًا من مغادرة فارس للمشفى دون أذن منه، فرفعت نيرة هاتفها واتصلت به على الفور.
كان فارس يجلس أمام مرزوق الذي يوقع العقد، وعينيه تراقب يارا باهتمام، نظراته تلاحقها بكل إتجاه، مما جعل ارتباك يارا يزداد، وبعد أن وقعت العقد، نظرت الى فارس وهي تبدو في غاية السعادة، وحين نظرت اليه وجدت عينيه تتابعها باهتمام وحب، ظلت نظراتهما تبوح بذلك النبض الذي يتخلل قلبيهما، كان إعجابها به يزداد، فقد أنقذها من مأزق حقيقي، وكأنه الدعوة التي إستجابت حين طلبت الرحمة من ربها.
أشاحت بنظرها بعيدا عنه، فعينيها تفضح ذلك الإعجاب، وهي تردد بداخلها: متوقعيش يا يارا... متوقعيش.
قاطع نظراته صوت اتصال هاتفي، فتلقى المكالمة وقال: أيوه يا نيرة.
نيرة بقلق: إنت فين يا حبيبي؟! وإزاي تخرج من المستشفى من غير ما تقولي؟
حين سمعت يارا اسمها انتبهت أن فارس في علاقة مع ابنة عمه، مما جعلها تتمسك برفض تلك المشاعر التي تنبض بداخلها تجاهه، ففارس لن يكون لها مهما حدث، أجاب فارس وهو يتابع نظرات يارا، وحين لاحظ حزنها أغمض عينيه وقال: أنا في مشوار يا نيرة وراجع على المستشفى على طول.
نيرة: مشوار إيه ده يا حبيبي اللي يخليك تخرج وإنت في الحالة ديه؟
فارس: دكتورة يارا عندها مشكلة وكنت بساعدها، وخلاص هرجع دلوقتي.
ظهر الغضب على ملامح وجهها ولكن تحكمت بصوتها وأظهرت النبرة الحزينة وقالت: دكتورة يارا! طيب يا فارس على راحتك، أنا هرجع على البيت ولما تحب تشوفني ابقى كلمني.
انتبه فارس إلى حزنها وقال: متقوليش كده يا نيرة، أنا بس كان لازم أخرج ومكنش عندي وقت أكلمك، على العموم روحي وبكرة هستناكي، متزعليش.
نيرة: ده بابا كمان هنا وعمتي عملتلك أكل وجاية بيه في الطريق.
فارس: حقكم عليا، بكرة إن شاء الله هشوفكم.
نيرة بحزن: خلاص يا فارس، مش هعطلك أكتر، مع السلامة.
انهت المكالمة ونظر لها كمال بغضب وقال، كان عند الدكتورة! يعني دفع للدكتورة ٣ مليون جنيه؟ ليه إن شاء الله، الواد ده إتجنن وماشي يرمي فلوسنا في الأرض!
نيرة بضيق: فلوس بس؟ البت ديه شكلها داخل على تقيل وهتاخد فارس بفلوسه من قبل حتى ما يمضي على التوكيل، البت ديه لازم نخلص منها ونبعدها عنه.
كمال بمكر: معاكي حق، البت ديه لازم تبعد.