رواية عشق يزلزل الحصون الفصل السابع 7 بقلم بسنت محمد
رواية: عِشْقٌ يَزْلْزِلُ الحُصُونْ 
في صباح اليوم التالي بالمستشفى الميداني..
كانت خيوط الشمس الذهبية قد انتشرت بالكامل لتغطي رمال الصحراء الواسعة، وبدأ المعسكر يستعيد نظامه الصارم وحركته المعتادة بعد ليلة الأكشن المرعبة التي عاشها الجميع تحت أصوات الانفجارات والرصاص.
في خيمة الاستراحة المخصصة للأطباء، كانت حور تجلس على بطانية مفروشة في الأرض بالإعياء والتعب، رافعة كمامتها الطبية فوق رأسها بعشوائية لتصبح مثل التاج، وشعرها البني الكيرلي الغجري هايش ومنكوش من كل اتجاه بطريقة مضحكة جداً ورقيقة تعكس حجم المجهود الذي بذلته. كانت تمسك في يدها ملعقة خشبية كبيرة وتخبط بها بملل على علبة تونة حديدية فاضية لتصدر رنيناً مزعجاً، وتغني بصوت عالي ومرح:
"أنا جوعانة يا ناس.. البطن بتضرب جرس والركب سايبة من الجوع! فين الفطار يا حكومة؟! فين اللحمة والفتة والكوارع؟! أخرتها دكتورة امتياز جراحة شاطرة وعبقرية تتحبس في وسط الصحراء من غير دليفري ولا حواوشي يرم العضم؟! ده ظلم واضطهاد والنعمة!"
جياع من أجل الوطن!
الدكتورة مروة زميلتها المقربة وضعت يدها على رأسها بقلة حيلة وصداع من وراء تصرفاتها وقالت:
"يا حور اتهدي بقا الله يخليكي، فضحتينا والناس برة هتفتكرنا بنموت! إحنا في معسكر عمليات خاصة أمنية، يعني الرجالة هنا بيفطروا بارود ورصاص وبيتحملوا العطش، مش فُول بالزيت الحار وطعمية سخنة زيك! احمدي ربنا واشكريه إننا لسه عايشين وبنتنفس بعد ضرب النار المرعب بتاع امبارح!"
حور لوت بوزها بمرح طفولي وعصبية كوميدية وقالت وهي تلوح بالملعقة الخشبية:
"وعايشين نعمل إيه من غير أكل يا مروة؟ الأكل هو المحرك الأساسي للبشرية! ده أنا في المعركة بتاعة امبارح هزيت طول المرشد الملثم بحامل المحاليل الحديدي وبطحته، يعني المفروض ينزلي مكافأة فطار خمس نجوم من الوزارة! مش بسكوت ناشف يكسر السنان ويجيب هبوط!" 
وفجأة وبدون أي صوت.. انشق غطاء الخيمة ببطء، ودخل بجلالة قدره وهيبته الطاغية.. المقدم أدهم الجارحي! 
كان يرتدي نظارته الشمسية السوداء رغم الصباح، ويمشي بكل ثقة وبرود عسكري يملأ المكان، وفي يده "شنطة بلاستيك كبيرة ومقواة" تصدر منها ريحة قوية ومألوفة قلبت أجواء الخيمة في ثانية واحدة.. ريحة فطار مصري أصيل وسخن يفتح النفس!
حور أول ما شمت الريحة، عيونها العسلية الواسعة لمعت بشدة، وسابت الملعقة الخشبية من يدها فوراً ووقفت على حيلها بلهفة وسعادة لا توصف وقالت:
"الله أكبر ولله الحمد! ريحة طعمية سخنة ومقرمشة وفيها سمسم كمان! قولي إن عيني مش بتجلي يا سيادة المقدم وإن دي مش تهيؤات من الجوع!"
أدهم خلع نظارته الشمسية ببطء شديد ووقار، وبص لمنظر شعرها المنكوش بطريقتها المجنونة ومعلقتها الخشبية المهجورة، وحاول بكل قوته أن يكتم ابتسامته الصخرية التي كادت أن تظهر على شفتيه وقال بنبرته الرخامية الجادة والمستهزئة:
"هو ده الإعصار الشجاع البطل اللي كان من كام ساعة بيحارب بحامل المحاليل ومرعوب؟ طبعاً صوتك وشكواكِ كانوا جايبين لآخر الممر برة في المعسكر وبتطالبي بالفطار واللحمة.. اتفضلي يا دكتورة، بعت عسكري مخصوص بسيارة الجيب جاب فطار شعبي سخن من أقرب نقطة مدنية وسكنية لينا، عشان نخلص من الصداع والزن ده ونشوف شغلنا بتركيز."
حور خطفت الشنطة البلاستيكية من يده بلهفة طفولية وعفوية شديدة وقالت وهي بتغمزله بشقاوة:
"طول عمرك صاحب واجب وأصيل يا أبو لسان ناشف وجدار مسلح! بس يلا مسامحاك في كل التكشيرات والزعاق اللي فات والنعمة! أصل الطعمية السخنة دي بتغسلني من جوة وبتعيد ضبط المصنع! تحب تقعد تاكل معانا وتجرب فطار الشعب؟ ولا الرجالة بتوع القوات الخاصة والعمليات بيفطروا حديد ومسامير وممنوعين من الزيوت؟" 
أدهم نظر إليها بنظرة مطولة وعميقة تحمل بداخله دفيء واهتمام خفي لم يظهره لأحد قط، وقال وهو بيلف ضهره بوقار عشان يخرج من الخيمة:
"لا، سيبتلك أنتِ الحديد والمحاربة والأكل.. اخلصي فطارك بسرعة وحصلينا على خيمة الجرحى والمصابين، المأمورية لسه مخلصتش وورانا شغل كتير."
في نفس الوقت على بوابة المعسكر الخارجية..
كان الرائد إياد سليم واقفاً يشرف على تبديل وردية الحراسة وتأمين المداخل بسيارات الدفع الرباعي، بس عقله وقلبه مكنوش في المعسكر نهائي، بل كانوا مشغولين بالبنت الرقيقة "سلمى" اللي سابت له أثر كبير ونقي في القاهرة. طلع تليفونه من جيبه وبص للشاشة ولقى الإشارة لقطت شرطتين أخيراً بعد عذاب، فضغط اتصال على رقمها فوراً وهو يتنفس براحة.
في القاهرة، سلمى كانت قاعدة في الصالة متوترة وبتابع الأخبار بقلق، أول ما تليفونها رن برقم إياد، ردت بسرعة وهدوء يحمل ذكاء ومرح حقيقي ودون أي مبالغة وقالت بنبرة رقيقة:
"ألو.. سيادة الرائد إياد؟ طمني عليك وعلى الرجالة، الأخبار في التلفزيون كانت بتقول إن في قلق واشتباكات على الحدود برة، كله تمام عندك وبخير؟" 
إياد ابتسم تلقائياً وظهرت غمازاته الخفيفة الساحرة، وحس إن نبرة صوتها الهادية والناعمة بتغسل كل تعب المعركة والإرهاق من جسده، وقال بنبرة دافئة وذكية:
"كله تمام وفي أمان يا سلمى، رجالة العمليات الخاصة مبيقفوش قدامهم حد وأقوى من أي اشتباك. أنا بخير وأدهم بخير، والوفد الطبي كله بما فيهم الدكتورة حور في أمان تام.. الصراحة، كلمتك عشان كنت واعدك إني أطمنك بنفسي أول ما الأمور تهدأ، وعشان دعواتك الطيبة بتاعت امبارح شكلها كانت مستجابة جداً وحمتنا في وسط النار." 

سلمى ابتسمت بذكاء وخجل شديد تلونت به وجنتاها وقالت بنبرة مرحة وخفيفة لتلطيف الأجواء:
"الحمد لله إنكم بخير وسالمين يا فندم. أحمد أخويا عمال قاعد في الأوضة يقولي سيادة الرائد إياد بطل ومفيش مأمورية بتقف قدامه ولا بيهاب الخطر، وشكلي كده هبدأ أصدق كلامه وأثق في قدراتكم.. هترجعوا امتى بقا بالسلامة لمديرية الأمن عشان أحمد عايز يشكرك بنفسه وبشكل رسمي؟"
إياد ضحك بصوت رجولي خفيف مبهج وقال بثقة وود:
"المأمورية والحمد لله بتشطب الليلة دي بالكامل، وبكرة الصبح بالكتير هكون في القاهرة.. ومجهزلك مفاجأة تليق بيكي وبجمالك يا سلمى، فخليكي مستعدة ومنتظرة."
سلمى ردت بشقاوة هادية وصوت منخفض:
"في انتظارك وفي انتظار المفاجأة يا سيادة الرائد، ترجعوا بألف سلامة مقدماً وبوركت جهودكم." 
بالعودة لخيمة الجرحى والمستودع الطبي..
كانت حور بعد ما فترت وشربت المياه و"ظبطت الدماغ" تماماً بالطعمية السخنة، نزلت الشغل بكامل طاقتها وجنانها وذكائها الطبي المعهود. كانت واقفة بتغير على جرح عسكري مصاب برصاصة سطحية في كتفه، والعسكري كان متألم وجسمه بيترعش من البرد والوجع.
حور وهي بتهزر معاه بخفة دمها المعتادة عشان تنسيه الوجع وتخفف عنه الضغط:
"تفتكر الوجع ده إيه يا بطل؟ ده قرصة نملة والنعمة ومتستاهلش التكشيرة دي! وبعدين أحمد ربنا واشكره إن الجرح جه في كتفك مش في رجلك، عشان لو كان في رجلك مكنتش هتعرف تجري ورا خطيبتك لما تزعلك وتصالحها في السوق! قولّي بقا وجاوبني، اسمها إيه خطيبتك القمر دي اللي مستنياك؟" 
العسكري ضحك وسط ألمه الشديد من أسلوبها وقال بصوت متعب:
"اسمها صابرين يا دكتورة."
حور بضحك مبهج وهي بتنظف الجرح باحترافية وسرعة:
"يا عيني! صابرين؟ ده اسم على مسمى بقا عشان صابرة على قطاع الطرق والضرب والمأموريات اللي أنت فيها دي! بكره تقوم بالسلامة وتروح تصالح صابرين."
أدهم كان داخل الخيمة الكبيرة في اللحظة دي عشان يتابع الإجراءات، وسامع كلامها الجانبي وهزارها العفوي مع العساكر المصابين، ولأول مرة في حياته الصارمة يحس بـ "غيرة" خفيفة ومجنونة وعنيفة جوا قلبه لما شافها بتضحك وتهزر مع حد غيره وتمنحه اهتمامها! مفرط التملك والسيادة!
قرب منها بخطوات واسعة وسريعة ووقف ورا ضهرها مباشرة وقال بنبرة غيورة وصارمة جداً جعلت العسكري يرتعب:
"دكتورة حور.. اعتقد الشغل والمداواة هنا محتاجين تركيز كامل ومجهود، مش رغي وفتح مواضيع عائلية وشخصية ملهاش لازمة مع المرضى. اتفضلي اخلصي جرحك عشان ورانا تجهيز لرجوع الوفد بالليل والقوات بتتحرك."
حور لفت بجسدها ووشها ليه، ولمحت نظرة الغيرة الخفية والشرار الهارب في عيونه السوداء الحادة، وابتسمت ابتسامة نصر خبيثة ومرحة للغاية أعجبتها بشدة، وقربت منه خطوة صغيرة بكل جرأة وقالت بصوت واطي ومنخفض وهي بتعدل ياقة بالطوها الأبيض بثقة:
"جرى إيه يا سيادة المقدم؟ أنت بتغير على العساكر بتوعك ولا إيه الحكاية بالظبط؟ متقلقش وتطمن، أنا قلبي مبيفتحش حصونه لأي حد ومبيقبلش الاستسلام بسهولة.. الحصن بتاعي أنا كمان مقفول بالضبة والمفتاح، ومستني الشخص اللي يقدر يزلزله ويهد أسواره!" قصف جبهة رومانسي جريء!
أدهم تصلب في مكانه بالكامل، وأنفاسه عِليت وتسارعت، وبص في عمق عيونها العسلية الواسعة اللي كانت بتتحداه وتنظر إليه بكل شقاوة وجرأة، وحس في داخله إن البنت دي فعلاً هتحل محل كل قوانينه العسكرية الصارمة وهتغير مجرى حياته! 
وفجأة.. وفي عز هذه اللحظة المثيرة والمشحونة بالنظرات.. دخل عسكري مكلف بالحراسة يجري بسرعة وهو بيلهث وماسك جهاز لاسلكي تالت في إيده وبيصرخ بوجل ونبرة عالية:
"يا فندم! سيادة المقدم أدهم! في قوات دعم جديدة وصلت برة على البوابة بقيادة المقدم شريف.. والراجل ده قالب الدنيا برة وبيتخانق وبيسأل على الدكتورة حور الشافعي بالاسم وعايز يدخلها الخيمة حالاً ومحدش قادر يوقفه!!" 

ملامح أدهم الفولاذية اتحولت في ثانية واحدة للجمود التام والصدمة، وعيونه اسودت من الغيرة القاتلة والعنيفة اللي ضربت قلبه، وبص لحور بنظرة حادة وعاصفة كالإعصار المدمر..