رواية اقدار مؤجلة الفصل السابع 7 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟕: شعور المطارد
by Volny_morya
. . . .
عيناكَ بحرٌ ولمْ أبلغْ سواحلهُبل تُهتُ فيهِ وضيّعتُ اتجاهاتي ⊰ 4
عيناكَ بحرٌ ولمْ أبلغْ سواحلهُ
بل تُهتُ فيهِ وضيّعتُ اتجاهاتي ⊰ .
6
. . . .
قرب المسبح، في زواية شبه معزولة من فندقٍ فاخر يحتضن فريق الهوكي بعد ليلة نصر ساحق، انعكست الأضواء الهادئة على صفحة الماء، تتراقص على السطح كأنها تخجل من كل هذه الأحاديث المكتومة..
8
كانوا قد احتفلوا سابقًا في الحانة المفضّلة للفريق، ضحك، كؤوس، وأناشيد الفوز، لكن أرتيوم كالعادة انسحب بهدوء...ليس حزنًا، بل بسبب التزامٍ وحيد يسكن قلبه: ابنه.
إلا أن هذه الليلة تحديدًا، كل شيء تغيّر..
8
سفيتلانا... الاسم الذي سمعه من فم إيغور لاحقًا، والذي لا يزال يُحدث ضجيجًا في عقله..
7
لم كانت مصادفة.. وجودها كان عفويًا، ولا بريئًا...ظهرت تمامًا في لحظة غيابه، حاملة صوت ضحك فلاد، وملامح الراحة على وجهه الصغير، الراحة التي لم يرها أرتيوم حتى بين يديه..
7
والآن، يجلس بجوار أخيه، أورلوف، الجنرال.. الرجل الذي حمل في عينيه منذ لحظة دخوله تلك الغرفة نظرةً لا يمكن تفسيرها... ولا نسيانها..
12
قبعته العسكرية موضوعة على الطاولة بجانبه، يده على فخذه، ظهره مستقيم كما لو كان لا يزال في طابور العرض الصباحي..
7
صامت...
3
نصف ساعة مضت، ولم يتفوه بكلمة..
5
أرتيوم، بطبيعته و خصوصا معه، لم يحتمل الصمت أكثر.. نظر إلى أخيه مطولًا، ثم بصوتٍ خافت مبحوح قال:
2
"ألن تتحدث؟"
3
رفع أورلوف رأسه ببطء، كانت عينيه ثاقبتين كأنهما تخترقان صدر أرتيوم، لكنه أجابه بصوته البارد الجاف:
ضحك أرتيوم ضحكة قصيرة، جافة، كما لو أن الكلمات جرت على لسانه رغمًا عنه، ثم قال ساخرًا:
2
"مر وقت طويل على هذا... فلاد على وشك أن يقف على قدميه، صدق أو لا تصدق.."
6
أومأ أورلوف، لكن ملامحه لم تتزحزح، ثم أجاب بلهجة تحمل نغمة الأوامر، نغمة من يعيش داخل نظام صارم:
2
"أنت متوتر... يمكنك العودة إليه، لن أوقفك.."
5
لم يكن في ملامح أرتيوم ما يدل على قلقه، لكن أورلوف لاحظ كل شيء..
2
نقرات خفيفة متواترة من قدمه على الأرض، يده تمرّ على مؤخرة رأسه مرارًا كل دقيقتين من تكرارها..
3
لا حاجة لقراءة وجهه، فالجسد لا يكذب..
2
ابتسم أرتيوم، ولكن تلك الابتسامة كانت تحمل سخرية لاذعة:
3
"يا صاح، هل أنت قلق على فلاد؟ أنت حتى لم تسأل عن اسمه أو كم عمره.."
5
رفع أورلوف نظره نحوه، ثم قال بجفاف يقترب من البرود الجليدي:
3
"وهل سيفرق شيء إن عرفت؟"
9
ضحك أرتيوم من جديد، هذه المرة بابتسامة أوسع، لكن عينيه تشعّان بغضب كامن:
2
"كان سيفرق، نعم... الكثير تغير منذ رحيلك.. أشياء... وأشخاص.."
7
العبارة الأخيرة، خرجت منه كـالسم مغلّف بالعسل..
2
كان يدرك تمامًا أن أخاه سيفهم المقصود..
2
وفعلًا، نظر إليه أورلوف للحظة، لم يرد، لكن عينيه ظهرت فيهما بشيء يشبه الإدراك الغير مبالي به أصلا..
3
أرتيوم لم يتوقف، بل تابع، هذه المرة بصوت منخفض، أقرب إلى الهمس:
2
"البيت تغيّر، أمي لا تتوقف عن لفظ إسمك، أنا توقفت عن التزلج لعام كامل، كل شيء تغير، حتى الصمت بيننا.. ثم عدت، وأنت كما أنت، قميصك العسكري مكويّ، وأوامرك محفوظة في نبرة صوتك.."
9
لم يتزحزح أورلوف، لكن قبضته تشدّدت فوق ركبته... تلك كانت الإشارة الوحيدة على أن كلماته لامسته..
2
كان غياب أورلوف في السنوات الأربع الماضية أشبه بثقب في ذاكرة العائلة؛ حفرة صامتة لا يُقال عنها شيء، لكنها تُرى في العيون وتُحسّ في الصدر..
3
المفارقة أن هذا الغياب، رغم قسوته، لم يكن الأطول... بل كان ما قبل الزواج أسوأ، لكنّ الجميع حينها عَذرَه..
4
قالوا:
"تغيّر، لقد أصبح رجلًا متزوجًا الآن، مسؤولًا، مستقرًا..."
7
لكن الحقيقة أن تصرفه بعد ليلة زفافه مباشرة دمّر كل شيء..
2
اختفى..
3
غادر إلى وحدته في أقصى الشرق، بلا وداع، بلا حتى رسالة..
3
مرت أسابيع، ثم شهور، ثم عام... فثلاثة أخرى..
2
لا زيارة، لا اتصال، لا صور تُرسل عبر الهاتف.. كأنه حُفر في الصمت..
8
حتى والدهم، الجنرال بوريس ألكسيفيتش ، قائد المنطقة العسكرية الشمالية وواحد من أبرز رجالات الدفاع في البلاد، لم يلتزم بهذا الشكل حين تزوّج والدتهم..
4
رغم مناصبه الرفيعة، كان يعود دومًا في نهاية الأسبوع، يحمل الخبز الطازج، ويجلس على المائدة كأي أب عادي..
5
كان صلبًا مع الآخرين، لكنه لطيف مع من يحب، ولهذا السبب بالذات... لم يتسامح مع تصرف أورلوف..
7
في الشهر الأول من اختفائه، خاطب القيادة، طالبًا له إجازة طويلة، ليعود إلى زوجته ويصحّح ما أفسده غيابه..
4
لكن أورلوف رفض...أغلق الهاتف، وأغلق بابه، واختفى..
11
والآن، بعد كل تلك السنوات، يجلس هنا..في الفندق..قرب المسبح..
5
صامت كأن الزمن لم يمر، وكأن كل ما حدث لم يُحدث شرخًا في قلب أحد..
2
وحين نهض فجأة، كانت خطواته الصلبة فوق بلاط الحديقة تُعلن ما هو آت..
2
"لم آتِ إلى هنا لأتحدث عن غيابي.."
4
قالها بحدة وهو يتجه نحو المخرج، كأن كل هذه المحادثة كانت عبئًا، كأن اللقاء مجرد محطة عبور لا تستحق التوقف..
2
ثم أضاف، دون أن يلتفت تمامًا:
"عد إلى ابنك... وكفّ عن الثرثرة.."
7
كان الغضب يتسلل من بين حروفه، لكنه لم يكن انفجارًا..كان أقرب إلى رفضٍ داخلي لكل ما قيل..
3
قبل أن يعبر عتبة الباب، جاءه صوت أرتيوم، حادًا، واضحًا:
"إلى أين؟"
3
توقف أورلوف... التفت بنصف وجهه، كعادته حين يكون غاضبًا ولا يريد إظهار انفعالاته، وقال:
2
"إلى المنزل.."
6
وهنا...
ضحك أرتيوم، لكن ليس بسخرية، ولا بمرارة..
2
كانت ضحكة محمّلة بعبارة غير منطوقة:
3
"أنت لا تفهم،أنت غبي ؟"
1
ثم قالها بوضوح:
"أيّ منزل؟ منزلنا، أم منزلك؟"
5
كان السؤال أكثر من مجرد كلمات.. كان اختبارًا، تذكيرًا، صدمة صغيرة..
2
أجاب أورلوف بعد لحظة:
"إلى زوجتي.."
47
ابتسم أرتيوم هذه المرة، ومدّ يده بإيماءة مبالغ فيها توحي بالاستسلام، ثم أردف ساخرًا، ولكن بنبرة الأخ الصغير التي تحمل عتابًا خفيفًا:
2
"وهل تعتقد أنها ستستقبلك بـ... منامة مثيرة حمراء مثلا؟ بعد هذا الغياب؟"
26
كان يعلم أن العبارة ستؤلمه، أو على الأقل، توقظ شيئًا من الشعور داخله..
2
توقف أورلوف.. التفت إليه بالكامل هذه المرة، نبرته حادة كالسكين:
"لا تتدخل في شؤوني.."
4
رفع أرتيوم كلتا يديه، كمن يعلن الهدنة، وقال مبتسمًا:
"حسنًا، حسنًا... انسَى أنني قلت شيئًا.."
4
ثم اقترب، وبهدوء غير معتاد، مدّ ذراعيه وعانقه..
لثوانٍ، لم يتحرك أورلوف..
4
ثم... ببطء، رفع ذراعيه، وردّ العناق..
8
"مرحبًا بعودتك.."
3
همسها أرتيوم..
3
كلاهما يعلم أن العناق لا يغسل الألم.
4
ولا يعيد ما انكسر..
2
لكنه، على الأقل، يضع أساسًا لبدء جديد..
3
... ... ... ...
بعد قيادةٍ طويلة على الطريق المنعزل خارج المدينة، توقفت السيارة أخيرًا أمام مدخل حيٍّ هادئ، تحيط به الأشجار العالية والمنازل الراقية التي توحي بالخصوصية أكثر من الفخامة...
3
كان الليل قد بدأ يغمر منتصفه، والسماء تميل إلى الأزرق الداكن، تتناثر فيها بقع نجوم خافتة، بينما الأضواء الخافتة التي تنبعث من النوافذ القليلة حوله تضفي هدوءًا غريبًا على المشهد..
8
توقف أورلوف أمام المنزل...
3
ذلك البيت الذي لم يره من قبل إلا في الصور..واجهة عصرية ذات طابع أوربي، بزجاج واسع وباب خشبي ضخم مطعّم بالنحاس، يقع في نهاية ممر حجري تحفّه شجيرات مرتبة بدقة..
3
منزل لا يشبهه، لكنه يعرف لمن بُني..
3
كانت تلك هديته..
3
هدية رجلٍ لا يعرف كيف يُحب، فقرر أن يُقدّم ما يستطيع: الحماية، الأمان، وبيت..
7
يتذكر جيدًا...
2
بعد أن غادر إلى المعسكر عقب زواجه مباشرة، كتب لها رسالة مقتضبة.. ترك معها رقم مختص عقاري، وعبارة واحدة:
7
"اختاري أي منزل، وسأتكفل بالباقي.."
16
لم يتلقَّ ردًا منها..
3
لكن بعد نحو شهرين، جاء اتصال من المصرف يُبلغه بسحب مبلغ كبير من حسابه..
6
لاحقًا، وصلته رسالة إلكترونية من المكتب العقاري مرفقة بصور:
مخططات، تصميمات داخلية، موقع دقيق..
منزل بعيد عن صخب المدينة، في منطقة باردة تسمح له بممارسة التزلج...هوايته الوحيدة التي كانت تعلمها..
4
كل تفصيلة فيه كانت تخاطبه، كأنه صُمّم ليذكره أنها لم تختَر البيت لتسكنه، بل لتُحاسبه بثمنه..
3
ولم يعترض.. كان مدينًا لها بالكثير... وربما بهذه الطريقة، اختارت أن تُخبره بذلك..
4
فتح باب السيارة بصمت، نزل بخطوات ثابتة، وسحب القفازات من يده..
1
الهواء البارد صافٍ، يلسع وجنتيه بلطف..
2
وقف أمام الباب العالي المصنوع من خشب البلوط، وتناول من جيب سترته المفتاح المعدني الثقيل الذي استلمه فور نقل الملكية إليها...
12
أداره في القفل، فصدر طنين خافت، ثم دفع الباب بقبضته..
انفتح الداخل أمامه على سكون مطبق، كأن البيت نفسه يراقبه..
الضوء الوحيد المنبعث من مصابيح جدارية خافتة على امتداد الممر، ينعكس على الأرضية الخشبية الداكنة..لا صوت، لا موسيقى، لا أثر واضح لوجود أحد..
أول ما لفت نظره كان الأحذية..
خزانة صغيرة عند المدخل...
عليها صف من الأحذية النسائية، مختلفة الألوان والمقاسات، لكنها كلها أنيقة، أنثوية، وكلها... صغيرة.. يجزم أن شبشبها الوردي بحجم يده..
7
كان أحد الأحذية الورديّة لا يزال مائلًا، كأن من خلعته فعلت ذلك بعجلة..
لا أثر لحذاء رجالي، ولا حتى شبشب واحد يدل على وجود رجل آخر..
6
خلع أورلوف حذاءه العسكري، ووضعه بصمت في أحد الأركان..
ثم تقدم، وأصابه تيارٌ من روائح متعددة...
معجنات طازجة، لم تُخبز اليوم على الأرجح، بل ما تبقى من طهو البارحة أو صباحًا..
ورائحة معطر جو تفوح من المكان، بمزيج حاد من التفاح الأحمر والقرفة... رائحة دافئة، أنثوية، متعمدة..
مرّ ببصره على تفاصيل المكان:
مرآة بيضاوية مؤطرة بنحاس باهت، أريكة رمادية موضوعة بزاوية، وبجوارها شمعة صغيرة نصف محترقة..
5
لوحة زيتية فوق المدفأة، لأشجار شتوية تحت سماء رمادية... ربما اختارتها لتشبهه..
9
كل شيء يوحي بأنها تعيش هنا وحدها...لا لمسة رجالية، لا عبث، لا شيء غير منظم... وكأن الزمن نفسه دخل في حالة ترتيب...
5
توقف في منتصف الممر، يحدق في الدرج الذي يقود إلى الطابق العلوي...لا صوت، لا خطوات، لا أبواب تُفتح أو تُغلق..
1
لكن البيت... ليس فارغًا..
2
هناك حياة في هذا الصمت، حياة لا تشبهه..
1
كأنها بنت عالمًا كاملاً من دونه، وحمته بأسوار لا يُخترق منها شيء..
5
لم يتحرك..
اكتفى بالتنفس بعمق، كأن الرائحة وحدها قادرة على أخذه منها أكثر مما فعلت السنوات الأربع..
ثم أغمض عينيه للحظة، وأدرك أنه على مشارف معركة ليست في ميدان قتال، بل في منزل بناه لها بيده، ولم يسكنه معها يومًا..
1
تقدم بخطوات ثابتة إلى الداخل، يتتبع رائحة المعجنات الدافئة التي لا تزال تسبح في الهواء رغم برودته..
دخل المطبخ أولًا..
كان واسعًا بألوان هادئة من الأبيض العاجي ولمسات خشبية شقراء، يضفي عليها نظام الإضاءة المدروس توهجًا ورديًا خافتًا ينعكس على الرخام اللامع، فيجعل المكان يبدو وكأنه لوحة من مجلة ديكور..
كل شيء مرتب بدقة..
لا أثر لدقيق مبعثر أو أدوات متسخة، حتى ماكينة القهوة موضوعة في ركنها بعناية، والفناجين مصطفة وكأنها لم تُستخدم قط..
5
خرج منه، والصمت يرافق خطواته الثقيلة على الأرضية الخشبية..
عبر الرواق الطويل حتى وصل إلى الدرج المؤدي للطابق العلوي، صعده بهدوء يليق بعسكري خبير بالمباغتة...
9
فتح أبواب الغرف واحدًا تلو الآخر، أغلبها مغلقة أو فارغة، بعضها يحوي صناديق تخزين مرتبة بإحكام، وبعضها يبدو وكأنه لم يُستخدم منذ سنين..
توقف أمام باب خشبي مدهون بلون رمادي مائل للزهري..
1
أدار مقبضه بحذر، ودفعه قليلًا للداخل..
ضجيج جريان المياه استقبله فورًا..
صوت الماء وهو يضرب سطحًا خزفيًا، يتردد صداه في الغرفة المضيئة بأباجورات جانبية ذات ضوء دافئ..
كانت رائحة البخار والصابون تعبق بالمكان، تختلط بعبق خفيف لعطر نسائي زهري..
تمعن بنظره في الغرفة...
سرير واسع يغطيه لحاف من ألوان زاهية هادئة، وردي باهت مع خطوط بيضاء وذهبية رقيقة، يبعث راحة في العين ويجعل المكان يبدو وكأنه حقل أزهار ناعم..
3
عند النافذة جلسة صغيرة مبطنة بأقمشة من نفس اللون، تطل على المنحدر الثلجي بالخارج، حيث الأشجار الصنوبرية القصيرة ترتدي عباءة بيضاء وتلمع تحت ضوء القمر..
1
وفي الجهة المقابلة مكتبة صغيرة، مليئة بكتب متراصة بدقة، استطاع بنظره الحاد أن يقرأ عناوينها:
قوانين دولية، عقود تجارية، شروحات جنائية، ومراجع في العقوبات العسكرية، تتخللها كتب طبخ ومعجنات، وملصقات ملونة لحلويات مزينة بطرق احترافية، تعكس ازدواجية شخصيتها بين قوة القانون ونعومة السكر..
اقترب حتى وقف أمام باب الحمام، صوت الماء خلفه كان مرتفعًا بما يكفي ليغرق صوت أنفاسه الثقيلة..
6
مد يده نحو المقبض دون وعي منه، كأنه قد نسي أين يقف ولمن ينتمي هذا المكان، لكن قبل أن يضغطه...
3
قفز صوت أرتيوم في عقله صارخًا بحدة:
"وهل تعتقد أنها ستستقبلك بـ... منامة مثيرة حمراء مثلا؟ بعد هذا الغياب؟"
5
تجمدت يده في مكانها، ثم تراجعت بسرعة حتى اهتزت عضلات ساعده..
استدار بحدة كأن شخصًا ما أمسكه متلبسًا، وابتعد عن باب الحمام بخطوتين متوترتين..
1
توجه بعدها إلى باب غرفة الملابس المجاور، دفعه ليدخل إلى الداخل..
رائحة عطرها هنا كانت أقوى، عطر خفيف برائحة الورد والياسمين، يختلط بروائح مساحيق الغسيل المعطرة..
المكان مرتب بطريقة مثالية، ملابسها مصطفة حسب اللون والنوع، من الفساتين الرسمية الداكنة إلى البيجامات الحريرية..
فتح أدراجها، لا شيء يدل على وجوده هنا يومًا.. أو أن الملابس الذي تعود له وقت إرسالها قبل سنتين موجودة هنا..
لا قميص له، لا رابطة عنق، لا سترة، وكأنها مسحت أي أثر له من حياتها اليومية..
3
فتح خزانة صغيرة جانبية، عبث قليلًا بمحتوياتها... حتى لمح سروالًا داخليًا رجاليًا أسود، كان يعرفه جيدًا.. له..
11
أخرجه، نظر إليه طويلًا وكأنه قطعة أثرية انتُشلت من حطام سفينة غارقة، ثم تنهد بعمق وارتداه سريعًا..
26
جلس بعدها على المقعد الجلدي المربع وسط الغرفة، أخرج هاتفه، وفتح رسائل العمل المتراكمة، يرد عليها بتركيز مصطنع..
1
عيناه تتفحصان حروف الشاشة بينما أذناه تتابعان صوت المياه خلف الباب القريب..
1
كان يعلم أنه من غير اللائق أن تخرج من الحمام فتجده جالسًا هنا، في مساحة لم تعد تعرفه ولا يعرفها، لكنه بقي في مكانه رغم ذلك..
2
ربما لأنه لا يريد مواجهتها، أو ربما لأنه ينتظر أن تأتي هي إليه، فتجده... كالغريب الذي دخل حياتها فجأة دون موعد أو استئذان..
. . . .
خرجت من الحوض بعد أن هدأ الماء الساخن المحيط بجسدها وبدأ يبرد تدريجيًا حتى بات ملمسه مزعجًا، فرفعت المنشفة الكبيرة ولفتها بإحكام حول جسدها المبتل، بينما لفت الأخرى الأصغر على شعرها الغزير بعناية، ضغطت خصلاته برفق حتى لا تقطعها وهي لا تزال رطبة..
3
وقفت أمام المرآة، مدت يدها إلى فرشاة أسنانها و أخرجت معجون النعناع القوي ونظفت أسنانها بهدوء، تتأمل انعكاس عينيها اللتين تختبئ خلفهما عاصفة أفكار لا تهدأ..
أغلقت الماء ثم جففت وجهها و فتحت علبة كريمها المرطب، مررته بحركات رتيبة مدروسة على بشرتها، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أن هذا الروتين هو نقطة توازنها الأخيرة في يوم فوضوي..
8
يدها تتحرك بينما عقلها يصرخ، يناقشها بحدة حول القضية التي باتت تلتهم روحها لليوم الثالث على التوالي..
قضية دولية، ومبدأها كمحامية دولية يفرض عليها أن تكون بصف الدولة دائمًا، هكذا تعلمت، هكذا أقسمت، لكن هذه المرة...
هذه المرة قلبها يرفض الانصياع..
فهناك ما هو أعمق من القانون...
هناك ضميرها الذي بدأ يتحدث أخيرًا بعد سنوات من الصمت..
أدارت مقبض الباب بهدوء، خرجت من الحمام بخطوات ثابتة، كادت تتجاوز العتبة حين تذكرت طعم كراميل الصباح الذي أعدته سريعًا قبل غرقها في أوراق التحقيقات..
توقفت فجأة.. و قدت حاجبيها..
"اللعنة... لقد غسلت أسناني لتوي.."
5
لكن نفسها حدثتها بخبث: قضمة واحدة فقط..
2
اتجهت فورًا إلى مكان جلسة النافذة، انتشلت حاسوبها المحمول، ضمته إلى صدرها، ثم خرجت بخطوات سريعة إلى المطبخ..
10
فتحت الثلاجة، نظرت داخلها بعينين مشتاقتين، التقطت وعاء الحلوى،وغرست الملعقة في الكراميل الكثيف ورفعته إلى شفتيها..
ذابت النكهة على لسانها كحلم دافئ، مزيج السكر والزبدة والسكر البني يملأ حواسها للحظة خاطفة قبل أن يسقط في معدتها ويتركها راغبة بالمزيد..
1
وضعت لنفسها قطعة صغيرة في صحن زجاجي أنيق، أغلقت الثلاجة، وتوجهت إلى غرفة المعيشة..
جلست على الأريكة الرمادية الفخمة وسط غرفة المعيشة، مدت قدميها فوق الوسادة الصغيرة، وضعت الحاسوب في حجرها، وبدأت العمل على الفور..
شاشة الحاسوب أضاءت وجهها بهدوء، بينما عينيها تتابعان الأسطر الكثيفة في ملف تدراينغ جلوبال، كل سطر يحمل اسم شاحنة، رقم هيكل، توقيت خروج، مسار طريق، وجهة نهائية...
1
لكن...لكن هناك شيء غريب..
بينما كانت تقرأ، وتدون ملاحظاتها السريعة على ملف منفصل، أحست بشعور ثقيل يستقر بين كتفيها..
شعور لزج، متسلل، كأن عينين غير مرئيتين تختبئان خلفها، تنظران بتركيز لا يرحم..
شعرت بجلد ذراعيها يقشعر دون سبب، بأنفاسها تثقل كلما دق قلبها في صدرها بانتظام مضطرب..
نظرت حولها بسرعة...
لا أحد..
الغرفة هادئة..
الستائر منسدلة بإحكام على زجاج النوافذ العريضة، الأضواء الهادئة لا تنبئ بأي ظل غريب..
لكن ذلك الشعور...
شعور المطاردة...
شعور بأنها مراقبة في صمت، من خلف ستار لا تراه، كان يكسر تركيزها في كل مرة تحاول فيها الغوص أكثر داخل الملف..
2
لم يكن كابوسًا....
بل حدسًا نسائيًا حادًا يطرق أعماقها كجرس إنذار متواصل..
8
رفعت بصرها إلى سقف الغرفة، أغمضت عينيها للحظة، محاولة تجاهل ذلك الإحساس القاتم الذي التصق بروحها كظل لا يفارق..
لكن قلبها كان يعلم..
هناك شخص هنا...
شخص يراقبها منذ اللحظة التي خرجت فيها من حمامها الدافئ إلى عالم بارد، يملؤه قانون لا يرحم...
وقدر، لن يترك لها مجالًا للهرب..
خرجت من تركيزها على الشاشة بعد ساعتين من العمل الشاق، ذلك الشعور الغريب لم يغادرها لحظة..
كانت تشعر ببرودة غريبة تجري في عروقها وكأن ثلجًا ذاب داخلها ببطء، رغم أن منزلها دافئ دائمًا حتى في أبرد أيام الشتاء الروسي..
أخفضت عينيها نحو قدميها العاريتين، كانت باردة كالجليد، شعرها المبلل التصق برقبتها وكتفيها، خصلاته تشبه قطع ثلج ثقيلة تذيب حرارتها..
لم تكن هذه أول مرة تجلس بالمنشفة بعد حمام طويل، لكنها الليلة كانت مختلفة...
هواء بارد كان يلسع حلقها من الداخل ويتركه مؤلمًا، رأسها ثقيل، ودوامة خفيفة تدور خلف عينيها..
رفعت يدها تلمس جبينها، لم يكن حارًا، لكنها عرفت هذا الشعور جيدًا، ستسقط بنزلة برد شديدة إن بقيت هكذا أكثر..
"يكفي هذا العمل الليلة.."
2
حدثت نفسها وهي تغلق الحاسوب دون أن تفكر حتى بحفظ الملف، عضلاتها ثقيلة ويديها ترتعشان خفيفًا..
نهضت ببطء، شعرت بتلك الغيمة الرمادية تمر أمام عينيها للحظة وكأن الغرفة مالت بها، وضعت يدها على مسند الأريكة تتوازن ثم شدت المنشفة جيدًا حول جسدها المنهك..
تركت الحاسوب مكانه واتجهت إلى المطبخ، فتحت أحد الأدراج سريعًا وأخرجت شريط الدواء الخاص بنزلات البرد، وضعت قرصًا في فمها وشربت فوقه كأسًا كبيرًا من الماء، ثم شربت آخر صغير ليخفف من خشونة حلقها المؤلم..
عندما اتجهت نحو السلم، خطواتها كانت متثاقلة، ساقاها كأعمدة جليدية، أمسكت بالدرابزين بقوة حتى لا تترنح وهي تصعد الدرجات واحدة تلو الأخرى...
مرّت بالممر المظلم الطويل حتى وصلت أمام غرفتها، لكن شيئًا جعلها تتوقف فجأة...
الباب...
كان مفتوحًا قليلًا..
1
تجمدت في مكانها، حاجباها انعقدا ببطء وهي تحدق في الفتحة الضيقة..
"أنا... أنا أذكر أنني أغلقته... ربما تركته مفتوحًا حين خرجت لأجل حلوى الكراميل..."
4
دفعت الباب بيد مرتعشة، شعور مظلم تسرب إليها كدخان أسود..
الغرفة غارقة في الظلام، برد خفيف تسلل من شق النافذة المفتوحة قليلًا جعل شعرها يلتصق أكثر بجلدها البارد..
لكنها شعرت به...
قبل أن تراه حتى، شعرت به..
بذلك الشيء الخاطئ..
بالتهديد الصامت الذي ملأ الغرفة..
بأنها لم تكن وحدها هنا..
3
لمحته...
ظلال جسد ضخم مسترخٍ على سريرها وكأنه ملكه منذ الأزل، كتفاه العريضان يقطعان ضوء القمر الباهت المتسلل من خلف الستائر، رأسه مائل قليلًا وعيناه مثبتتان عليها بحدة جعلت الهواء يختفي من رئتيها..
14
في تلك اللحظة... لم يكن هناك وقت لتفكير أو تحليل أو إدراك..
سقط منها الكأسين الزجاجيين، ارتطما بالأرض وتفتتا إلى شظايا صغيرة، صوت تحطمهما اخترق صمت المنزل وتبعه صرخة حادة مزقت ليل المنزل الهادئ، صرخة خرجت من صدرها بكل رعشة الرعب التي انتشرت في دمها..
16
استدارت تركض خارج الغرفة بسرعة جنونية، خطواتها تحرق قدميها العاريتين بالزجاج المكسور المتناثر على الأرض، لم تشعر بالألم، شعرت فقط بحرارة دمها تتركها وبنغزات لاذعة تلسع جلدها كلما داسته..
7
وراءها مباشرة، سمعت صوتًا خشنًا غاضبًا يلعن بفظاظة، تبعته خطوات ثقيلة تهز أرضية الطابق كزلزال يقترب منها، أسرع من عقلها الذي يحاول التفكير في مخرج...
2
قبل أن تصل إلى الدرج، يدان قويتان أمسكتاها من خصرها ورفعتاها عن الأرض، جسد ضخم التصق بظهرها، أنفاس ساخنة وعنيفة ضربت عنقها المتجمد وهي تحاول الصراخ مجددًا لكن صدرها ضاق وكتم شهقتها..
7
"إهدئي..."
5
صوته خرج هامسًا خافتًا لكنها شعرت به يهز عظام صدرها، صدى عميق مظلم تردد داخل أذنيها حتى ظنت أنه خُلق من الظلمة ذاتها..
ارتعش جسدها حين ضغط يديه عليها أكثر، واحدة قبضت على بطنها أسفل صدرها مباشرة، كأنها تثبتها للأبد، والأخرى شدت خصرها إلى الخلف حتى شعرت بحرارة جسده تحرق جلدها البارد..
2
حينها فقط ضربتها جملته كصفعة:
"أنت عارية تمامًا..."
30
هبطت كلمات على عقلها وكأنها أفاقتها من غيبوبة، خفضت نظرها بسرعة، رأت المنشفة قد انزلقت و تشكلت تحت قدميها، رأت يديه الخشنتين الداكنتين الملتصقتين ببشرتها البيضاء المبللة، رأت كل شيء...
23
شعرت بالاختناق، حلقها جف تمامًا، ونوبة سعال قوية خرجت منها دون تحكم، اهتز جسدها كله معها بينما الدم يقطر من أسفل قدمها على الأرض..
"أريد... منشفتي..."
3
خرج صوتها مبحوحًا متقطعًا بين السعال والألم والرعب..
شعرت به يتحرك خلفها، يتركها ببطء حتى كادت تقع لكنه تداركها ولف المنشفة عليها من رأسها حتى أسفل مؤخرتها بحركة واحدة سريعة ودافئة..
"إهدئي..."
4
مرة أخرى، صوته نزل عليها بثقل الجاذبية، لكنها هذه المرة ميزت نبرته... ميزت ذلك الصدى القاسي والهادئ في نفس الوقت، ذلك الظلام الذي يختبئ خلف صوته دائمًا...
أورلوف..
حين وقع هذا الاسم في ذهنها، قلبها سقط معها..
4
ركضت فورًا إلى غرفتها، لم تجرؤ على النظر في وجهه، فتحت الباب بعنف وصدته خلفها بقوة، اتكأت عليه وهي تسعل بشراسة، صدرها يئن بالألم وقدميها تنزفان على أرضيتها الخشبية النظيفة..
2
جسدها كله كان يرتعش...
ليس من البرد فقط...
بل من ذلك الخوف العميق الذي شعرت به و لا زالت و صدى صوته في روحها...
2
ومن ذلك الدفء الغريب الذي شعرت به في لحظة حيث إلتصقت أجسادهما العارية، كأنه منزل لم تدخله يومًا لكنه كان يسكنها منذ زمن بعيد..
1
تتابعت أنفاسها المقطوعة ببطء، شهيق يتلوه زفير مرتعش، مرّت دقائق طويلة شعرت خلالها أن الوقت تجمد في مكانه...
لا صوت ولا حركة، لكن إحساسها بوجوده خلف الباب ظل غارقًا في أعصابها كإبرة باردة...
حين هدأت أخيرًا، وضعت راحتها على مقبض الباب تستند عليه، وقفت بحذر، ثقل جسدها مائل نحو الحائط...
قدمها وخزتها بحدة جعلتها تطلق شهقة صغيرة مكتومة، لكنها بالكاد التقطت أنفاسها حتى سمعت ضربة خفيفة على الباب من الخارج، كأنه يرد على ألمها دون كلام...
2
تجاهلت صوته وبدأت تتحرك.. دعمت كتفها على الجدار وهي تجر قدمها جراً، وصلت غرفة الملابس وركعت أرضًا، يداها تبحثان بعصبية في أدراج الخزانة عن أي قطعة قماش منسية...
قبضت أخيرًا على منشفة يد صغيرة داكنة اللون، ضغطتها على جرح قدمها تمتص الدماء قبل أن تتسرب إلى الأرضية البيضاء أكثر...
وضعت المنشفة جانبًا، سحبت من الدرج منامة قطنية رمادية طويلة الأكمام، ارتدتها بسرعة، وبرودة شعرها تلسع رقبتها فربطته للأعلى في عقدة رديئة فقط ليبتعد عن جلدها المرتعش...
4
خرجت من غرفة الملابس تعرج بوضوح، كلما وخز الزجاج جرحها انعكست ملامح الألم على وجهها بوضوح، عضّت على شفتها حتى كادت تقطعها وهي تتحمل ثقل الخطوات نحو الحمام...
3
لكنها حين رفعت رأسها، تجمدت..
وقف أمامها، بجسده الضخم العاري إلا من سرواله الداخلي، عضلات صدره العريضة تتحرك بهدوء مع تنفسه المنتظم، وذراعيه يضغطان على صندوق الإسعافات الأولية الذي يحمله بيد واحدة، ينظر إليها بتلك العينين الباردتين المليئتين بشيء مظلم جعل عضلات رقبتها تتوتر بقوة..
8
أرادت ألا يظهر الخوف في صوتها، رفعت ذقنها قليلًا ونطقت بصلابة أرادت أن تشعر بها داخلها:
"أخرج من هنا.."
18
لم يجب..
تحرك تجاهها بخطوات هادئة، كل خطوة تهز الأرض تحت قدميه، حتى وصل إليها تمامًا، حتى تلامست أصابع قدميه مع قدميها الدامية، وقبل أن تلتقط أنفاسها، انحنى عليها ورفعها عن الأرض بيد واحدة، كأن جسدها لا يزن شيئًا في ذراعيه..
9
شهقت شهقة عالية مرتعشة، وضعت يدها بسرعة على فمها لتحبس صوتها، ثم أمسكت بذراعه تتوازن، أنفاسها تضطرب حين شعرت بقوة قبضته على فخذيها، رفعها وأجلسها برفق على طرف الفراش، انحنى أمامها، ركع أرضًا ببطء وبعينين هادئتين خطيرتين في نفس الوقت...
2
فتح الصندوق، أخرج ملقطًا دقيقًا وبدأ بنزع شظايا الزجاج من قدمها، كل شظية يسحبها تترك ألمًا حارقًا جعل دموعها تتجمع عند طرفي عينيها لكنها لم تذرفها...
كان يعمل في صمت، أنامله الكبيرة تنظف الجرح بلطف لا يناسب خشونته، ضمده بقطن مبلل مطهر، ثم لفه بشاش أبيض بتركيز كامل كأن العالم كله اختصر في تلك القدم الصغيرة...
1
رفعت عينيها تنظر إليه، مزيج من الغضب والذهول يملأ صدرها، كانت تريد أن تلتقط المزهرية قرب السرير وتحطمها فوق رأسه لكن جسدها كان أضعف من أفكارها..
7
حين أنهى لف قدمها بالشاش، رفعت نظرها لتلتقي بعينيه، لكن قبل أن تتكلم وجدت عينيها تنزلان بلا إرادة منها نحو سرواله الداخلي، اتسعت عيناها ثم انكمشت بسرعة وأدارت وجهها بعيدًا عنها وهي تشعر بحرارة خجل محرقة تخنق حلقها..
8
دون وعي، سحبت الغطاء الخفيف بجانبها وضربته به قائلة بحدة مرتعشة:
"ارتدي شيئًا أو غطِ نفسك بهذه!"
1
قبض على الغطاء بيد واحدة قبل أن يسقط أرضًا، رفعه عاليًا قليلًا ونظر إليها بعينين ضيقتين وقال بنبرة هادئة خطيرة:
"وهل تركتِ لي شيئًا لأرتديه؟! لو أنكِ تخلصتِ من هذا أيضًا لكنت الآن أتجول أمامك عاريًا.."
9
نظر إلى سرواله الداخلي، ثم إليها مرة أخرى..
تلعثمت، بلعت ريقها وابتلعت الكلمات التي كانت على طرف لسانها قبل أن تتمتم دون أن ترفع عينيها:
"غطي نفسك أولًا..."
3
لف الغطاء حول خصره ببطء ثم وقفت عيناه على قدمه، كانت مجروحة بدورها، شق صغير ينزف منه الدم، قطرات صغيرة على الأرضية بجانب قدمها...
كادت تفتح فمها تقول شيئًا، كادت تنطق بكلمة تطلب منه الجلوس ليعالج نفسه، لكن عزة نفسها هزمتها..
1
رفعت صندوق الإسعافات وضغطته بقوة على صدره قائلة بحدة:
"أخرج من هنا... عقم جرحك... يمكنك استخدام الغرفة المجاورة حتى الصباح.."
5
استدارت لتتركه لكنه أمسك يدها فجأة بقوة جعلتها تتوقف، صوته خرج خشنًا عميقًا وهو يهمس قرب أذنها:
"ألن تردي ديني...؟"
10
وأشار إلى قدمها الملفوفة بشاش أبيض نظيف...
ضحكت ضحكة قصيرة مشوبة بالاشمئزاز، رفعت عينيها إليه ببرود قاتل وقالت بنبرة باردة حادة:
"دين؟! هذا كان بسببك أنت.."
6
ترك يدها ببطء، عضّ فكه السفلي حتى بانت عضلات عنقه تحت بشرته المشدودة، استدار دون أن يجيبها، وخرج بخطوات ثقيلة هادئة لكنها حملت معها صوت غضبه المكبوت، أغلق الباب خلفه بإحكام..
نظرت هي إلى الباب طويلًا، صدرها يرتفع وينخفض بسرعة، الألم ينهشها من الداخل والخارج...
زحفت ببطء إلى منتصف السرير، أسدلت الغطاء على جسدها بالكامل، دفنت وجهها في الوسادة وهي تسمع خطواته في الممر، خطوات طويلة قوية تحمل وزنه وشيئًا أكبر من وزنه...
حقيقة ثقيلة لم تدركها بعد، لكنها شعرت بها في عمق نخاعها، كأنها ستقلب حياتها كلها حين تصحو في الصباح..
... ... ... ..