رواية ما لا يحكي الفصل السادس 6 بقلم دنيا شعبان
ـ لازم تعرف يا حبيبي إني بعمل كل ده عشانك، يعني لو شاكك فيا مثلاً أو حاسس إني طمعانة فيك.
كانت قاصدة كل كلمة بتقولها، وكل حرف كان وراه تخطيط عاصم مقدرش يفهمه. كانت بتتكلم بثقة وثبات، بينما عقلها شغال في اتجاه تاني تمامًا.
مسك إيديها وقال لها:
ـ إنتِ أكتر واحدة بثق فيها يا داليا، ده كفاية إنك قبلتي تكملي معايا بعد اللي حصل في حياتي واللي شوفتيه يومها.
وضعت إيدها التانية على إيده وقالت بكذب متقن:
ـ عاصم، إنت أي ست تتمناك، وصدقني نور هي اللي هتندم بعدين وتعرف قيمتك، بس متأخر.
كلامها كان بيشبع غروره، ويمكن ده اللي مخليه مكمل معاها، لأنه حس إنها قادرة تملي النقص اللي جواه بكلامها واهتمامها المصطنع.
لاحظت موبايلها وهو بيرن، وكان معمول صامت. من غير ما ياخد باله، حطت شنطتها عليه وقالت له:
ـ حبيبي هدخل الحمام أظبط الميكب وجاية على طول.
ـ ماشي يا روحي.
ابتسمت له بتصنع، وقفت ومسكت شنطتها، وبإيديها التانية خبت الموبايل ورا الشنطة عشان ما يشكش في حاجة.
أول ما دخلت الحمام ردت بسرعة:
ـ ألو، إيه يا مجدي؟ فيه إيه؟ مش حذرتك مترنش عليا طول ما أنا مع عاصم؟
ـ ...
ـ طيب طيب خلاص، هحاول أتحجج له بأي حاجة وجاية لك.
قفلت الخط وبصت لنفسها في المراية. حاولت تهدي نفسها عشان عاصم ما يحسش بحاجة، وأخدت نفسًا عميقًا وهي بتحاول تستعيد هدوءها.
"لازم أخليه واثق فيا لغاية ما أوصل لكل حاجة."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانوا لسه في المطعم بعد ما سارة مشيت، ويونس حاسس نفسه تايه. بمجرد ما سمع اسمها، قلبه اتقلب. نفسه يشوفها، يسمع صوتها، حتى مجرد وجودها قدامه كان وحشه. كل حاجة فيها كانت وحشاه بشكل وجعه.
خرج من تفكيره على صوت أحمد اللي قاعد جنبه، عمال يكلمه، بس هو ولا هنا.
ـ يونس... يونس.
بص له وحاول يبان طبيعي:
ـ نعم؟ إنت كنت بتقول حاجة؟
بص له بصدمة وقال:
ـ حاجة يا بني؟ ده أنا قولت موضوع كامل! لا أوعى تصدمني وتقول إنك ماكنتش مركز معايا، كده ممكن يحصلي حاجة بسببك.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ معلش، بس أنا فعلًا سرحت شوية وما ركزتش، قولي تاني كنت بتقول إيه.
حط إيده على قلبه بشكل درامي:
ـ لا كده كتير عليا، قلبي الصغير لا يتحمل كل هذه المعاناة.
مقدرش يسيطر على نفسه وضحك على طريقته، وكانت الضحكة دي أول حاجة تخفف الضغط اللي حاسس بيه من وقت ما سمع اسم نور.
ـ ألف سلامة على قلبك يا سيدي، هاا كنت بتقول إيه بقى؟
ـ لا يا حبيبي، أصل الاهتمام ما بيتطلبش، وبما إنك مركزتش معايا من أول مرة يبقى خلاص، اعتبر كل حاجة بينا انتهت.
ـ إيه يا بني الدراما اللي إنت عايش فيها دي؟ يخربيتك.
ـ هو أنا عندي بيت أصلًا عشان يتخرب؟
ـ متخافش يا حلو، بكرة تيجي اللي تلمك في بيت بدل ما إنت سارح عندي في البيت وكأنه ملوش صاحب.
ـ احلم براحتك، هي الأحلام بفلوس؟ وجواز؟ انسى، مش هيحصل.
ـ ليه؟ ناوي تخلل جنبي مثلًا؟
ـ بالظبط، أحبك وإنت فاهم، ويلا انجز وخلص قهوتك عشان نروح، مش قادر، هموت وأنام.
ـ لا كده كتير عليا، أنا حاسس إني بقيت ضيف في بيتي يا ناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
نور قاعدة قدام التليفزيون بتتفرج، وقدامها طبق سناكس بتاكل منه. قالت بصوت عالي نسبيًا عشان صفاء تسمعها وهي في المطبخ:
ـ يلا يا ماما، فين المكرونة البشاميل؟ أنا جُعت أوي.
ردت عليها بصوت عالي:
ـ خلاص يا حبيبتي، خلصت.
وقبل ما نور ترد، كان صوت دقات على باب الشقة عالي، كأن حد بيطبل في فرح أو زفة برا بتزف عريس.
ابتسمت تلقائيًا، وعرفت إنها أكيد سارة جت.
قالت بصوت عالي وهي بتقوم من على الأريكة عشان أمها تسمع:
ـ المجنونة جت أهي.
أول ما فتحت الباب، ما عداش ثانية وكانت سارة ناطة في حضنها.
الاتنين كانوا مبسوطين إنهم أخيرًا شافوا بعض، وكأنهم بيعوضوا أيام طويلة من الغياب بحضن واحد.
وبعد أحضان كتيررررر، اتجمعوا على السفرة.
سارة وهي بتحط الشوكة في بقها بعد ما غرزتها في المكرونة:
ـ تسلم إيدك يا صفصف، المكرونة تجنن.
ـ بالهنا على قلبك يا حبيبتي.
ـ لا لا، بس لازم تقوليلي الطريقة. إزاي؟ أنا أمي بتعملها وبكل الخطوات اللي قولتيلي عليها، بس برضو فيه حاجة ناقصة.
نور بضحك:
ـ يا بنتي، مش بيقولوا ادي العيش لخبازه ولو أكل نصه؟
سارة:
ـ عندك حق، بس برضو عايزة أعرف الطريقة.
صفاء:
ـ المرة الجاية وأنا بعملها هعرفك، تيجي بدري وتقفي معايا في المطبخ وأنا بعملها.
سارة:
ـ أوكيه يا صفصف.
لاحظت سكوت نور فجأة وسرحانها، بس ما حبتش تتكلم أو تسألها قدام صفصف.
فضلوا قاعدين شوية مع صفصف، وبعدين دخلوا أوضة نور.
سارة:
ـ مالك يا نور؟ فجأة حسيت إنك سكتي مرة واحدة، في إيه؟
نور ما قدرتش تفضل راسمة دور القوية. كانت من جواها منهارة، وكأنها مستنية حد يسألها مالك عشان تطلع كل اللي في قلبها.
سارة استغربت سكوتها، وده خوفها عليها أكتر. بس أول ما شافت دموعها، قعدت جنبها على السرير وخدتها في حضنها على طول.
"الحضن قادر يداوي حاجات الكلام لوحده ما يقدرش يعملها."
بمجرد ما بقت في حضنها، انهارت من العياط. كل الوجع اللي كانت حابساه خرج دفعة واحدة.
سارة خافت عليها أكتر، بس فضلت ساكتة واستنتها لما تهدأ خالص. رفعت إيديها وبدأت تربت على ضهرها بحنان، لغاية ما حست إنها بدأت تهدأ وقادرة تتكلم.
سألتها بخوف باين في صوتها:
ـ مالك يا نور؟ إيه اللي مزعلك؟ أنا أول مرة أشوفك في الحالة دي.
خرجت من حضنها والدموع مغرقة وشها. سارة رفعت إيديها ومسحت دموعها بهدوء وهي هتموت من القلق على صاحبتها.
وطبعًا نور ما كانش قدامها حل غير إنها تحكي وتقول كل اللي حصل معاها. كانت مخنوقة ومش قادرة تفضل ساكتة أكتر من كده.
سارة كانت بتسمعها وهي مصدومة من كل اللي بتسمعه، وصدمتها في عاصم كانت كبيرة. مش قادرة تستوعب إزاي قدر يستغنى عن نور ويعمل معاها كده وهي أكتر واحدة عارفة نور بتحبه إزاي.
قالت بعصبية مقدرتش تكتمها:
ـ ده واحد واطي، وحقير، وبجح كمان يعني زعلان اوي إنك خرجتي من غير إذنه، لكن يجيب الهانم بتاعته لغايط عندك وفي بيتك عادي مش كدا. ولا أمه الحرباية اللي بدل ما تفهمه غلطه لا أصلا تلاقيها هي اللي مقوية قلبه أنا أول مرة اشوف ناس ظالمة كدا.
نور كانت بتسمعها، وهي منهارة وحاسة إنها كانت واخدة اكبر خدعة فيه.
سارة مقدرتش تشوفها كدا:
ـ أنا عارفة إنه صعب عليكي كل اللي بتمري بيه ومش هطلب منك متعيطيش عشان أنا متأكدة دلوقتي إنك مش بتعيطي عليه هو أد ما على حبك ليه اللي حسيتي فجأة إنه ما يستاهلش كل ده.
ردت عليها بعياط:
ـ أنا مش عارفة أنا عملت ايه وحش معاه عشان يعمل فيا كدا أنا عمري ما قصرت معاه فأي حاجة دايما أي حاجه كان بيحتاجها كنت بعملها حتي قبل ما يطلبها ليه... ليه يجرحني ويكسرني كدا، دايما كان بيحسسني أن بضغط عليه بطلباتي وأنا أصلا كل اللي كنت بطلبه منه وجوده تخيلي كنت بطلب منه يقعد معايا بس شوية عشان بحبه بس.
كانت بتتكلم بانهيار وكأنها بتحاول تلاقي أي حاجة هي قصرت فيها معاه ولا مرة زعلته فيها بس لا مفيش مفيش أي حاجة خالص.
سارة قلبها وجعها على صاحبة عمرها، كانت شايفة الانكسار في عينيها بوضوح، وده أكتر شيء وجعها. عمرها ما شافت نور بالشكل ده، ولا عمرها تخيلت إن البنت اللي كانت دايمًا قوية قدام الكل ممكن توصل للحالة دي.
سارة:
ـ نور، أنا مش هقولك إنتِ غالية عندي إزاي، وإنك مش مجرد صديقة، لا... إنتِ أختي، ومقدرش أشوفك في الحالة دي. لو سمحتِ حاولي تبقي قوية على قد ما تقدري. عارفة إنه صعب، بس مش مستحيل. خليكي فاكرة دايمًا إن نفسك تستاهل كل شيء جميل.
ردت عليها بعياط وصوت متقطع:
ـ هحاول... صدقيني.
ـ طيب إيه رأيك بقى لو تنزلي تشتغلي معايا في الشركة؟ إنتِ ناسية نفسك إنك مهندسة ولا إيه؟
هزت رأسها بتعب، وكأنها فقدت القدرة حتى على التفكير في أي خطوة جديدة.
ـ مش حاسة إن ده الوقت الصح عشان أشتغل فيه... أنا محتاجة وقت أريح أعصابي شوية.
ردت عليها بحماس وهي بتحاول تخرجها من الدائرة اللي حابسة نفسها فيها:
ـ بالعكس، ده أكتر وقت لازم تنزلي وتشتغلي فيه. لو فضلتي حابسة نفسك في الأوضة، ده مش هيساعدك، بالعكس، هتلاقي نفسك غرقتي في أفكارك، وأنا مش عايزة ده يحصلك.
تنهدت نور ببطء وقالت:
ـ معلش يا سارة، سبيني براحتي. أنا لما ألاقي نفسي بقيت كويسة أكيد هاخد خطوة الشغل، بس دلوقتي لا.
فضلت سارة باصة لها لثواني وهي ساكتة. كانت نفسها تضغط عليها أكتر، لكنها عارفة إن الجروح الكبيرة محتاجة وقت.
ـ طيب، مش هضغط عليكي... بس بكرة هننزل سوا نخرج، بقالنا سنين مخرجناش.
كانت لسه هتعترض، لكن سارة كانت أسرع منها وقالت بحزم:
ـ مش هسمح بأي اعتراض، اتفقنا؟
رغم حزنها، ابتسمت نور ابتسامة صغيرة لأول مرة من وقت طويل.
ـ اتفقنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
ـ ممكن أعرف بتكلمني كل شوية ليه؟
كان صوت داليا حادًا وملامحها متجهمة، فهي من وقت ما خرجت من عند عاصم وهي متوترة وخايفة إن كل شيء يضيع منها.
رد مجدي بهدوء مستفز:
ـ هنتكلم على الباب؟ خشي.
بصت له بضيق ودخلت وهي مخنوقة:
ـ هاا يا مجدي، قول اللي عندك. عايز مني إيه؟
رفع حاجبه باستغراب وقال:
ـ مالك يا داليا؟ بتكلميني كده ليه؟
ردت ببرود وهي عايزة تنهي الكلام بأسرع وقت:
ـ اخلص.
ابتسم بسخرية خفيفة وقال:
ـ هي بقت كده؟ أنا بس حبيت أفكرك بحاجة صغيرة خالص... لما أكلمك تردي عليا على طول، فاهمة؟
جزت على أسنانها من الغيظ وقالت:
ـ إنت ناسي إني كنت مع عاصم؟ ولا عايزه يشك فيا؟ وبعدين الشراكة اللي بينا لازم تنتهي لغاية هنا.
نظر لها مطولًا، ثم قال بنبرة أخفت غضبه بصعوبة:
ـ كويس إنك فاكرة إننا شركاء. يعني لو عرفت إنك خدتي أي خطوة جديدة من غير ما أعرف... هتزعلي مني.
شعرت بقشعريرة خفيفة من طريقته، لكنها رفضت تظهر خوفها.
ـ إنت ما سمعتش قولت إيه؟ بقولك لازم تنتهي.
اقترب منها خطوة وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
ـ مش إنتِ اللي هتقرري... أنا بس هنا اللي أقرر. إنتِ فاهمة ولا لا؟
اشتعل الغضب داخلها، وردت بعناد:
ـ وأنا جاية أعرفك، مش جاية آخد رأيك. وبعدين أنا بحب عاصم، وقررت أبدأ معاه وأعيش حياتي. ليه مصمم إنت بقى تدمرها؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، وكأن كلامها كان نكتة بالنسبة له.
ـ الكلام ده تضحكي بيه على أي حد تاني، لكن أنا لا. وبعدين حب إيه اللي بتتكلمي عليه؟ إنتِ ناسية إن أنا اللي عرفتك على عاصم، وخليته يتعلق بيكي ويعجب بيكي عشان ناخد اللي معاه وبس. لكن حب ومش حب؟ ده كلام معرفهوش.
توقفت ملامحها للحظة، وكأنها بتسمع اعترافًا كانت بتحاول تهرب منه طول الوقت.
أكمل وهو بيبصلها بحدة:
ـ بلاش يا داليا تختبري صبري... عشان هتندمي.
رغم إنها حاولت تتمسك بثباتها، إلا إن الخوف تسلل لجواها. كانت عارفة إن مجدي مش من النوع اللي بيهزر في تهديداته، وده اللي خلّى قلبها يدق بسرعة.
لكنها رفضت تديه فرصة يشوف خوفها.
اتجهت ناحية الباب بخطوات سريعة، فتحته بقوة، وخرجت من غير ما تبصله، ثم قفلته وراها بعنف.
وقفت ثواني برا الشقة وهي بتحاول تلتقط أنفاسها. إيديها كانت بترتعش من التوتر، وعقلها مليان بأسئلة كتير.