📁 آخر الروايات

رواية ما لا يحكي الفصل السابع 7 بقلم دنيا شعبان

رواية ما لا يحكي الفصل السابع 7 بقلم دنيا شعبان 


ـ طب فهمني، إنتَ بتدور على إيه؟
قالها أحمد بتعب وهو يشاهد يونس يقلب المكتب رأسًا على عقب، حتى أصبحت الأوراق مبعثرة في كل ركن.
= فين ملف العميل الأخير؟
سند أحمد يده على المكتب وقال بدرامية:
ـ ما خلاص، إنتَ لسه فاكر؟ ما حبيبك أخد العميل في حضنه.
نظر له يونس لثوانٍ قبل أن يتحدث بجدية:
= فين الملف يا أحمد؟
رد أحمد بلا مبالاة:
ـ عندي في المكتب.
= روح هاته حالًا.
ـ ليه؟
أخذ يونس نفسًا عميقًا، ثم رفع يده يمررها بين خصلات شعره محاولًا السيطرة على أعصابه، وقال بنفاد صبر:
= عندي خطة أقدر أرجّع العميل والمشروع لينا، وكل حاجة ترجع لينا تاني، بس إنتَ بقى لو رافض أو...
وقبل أن يكمل حديثه، كان أحمد قد أصبح واقفًا أمامه في ثوانٍ:
ـ ثواني والملف يبقى عندك.
ثم خرج من المكتب سريعًا، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
أما يونس فظل واقفًا مكانه، وكأنه يعيد ترتيب أفكاره وخطواته من جديد، محاولًا جمع كل الخيوط التي تفرقت منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡
= يلا بسرعة... بسرعة!
قالتها سارة وهي تمسك يد نور، وتهبط درجات السلم ركضًا، بينما كانت نور تجري خلفها بصعوبة.
= براحة يا مجنونة، هنقع كده!
خرجتا من العمارة، ولوّحت سارة لأول سيارة أجرة رأتها.
= تاكسي!
وبعد دقائق كانتا قد استقلتا السيارة، بينما ما زالت نور لا تفهم إلى أين تأخذها سارة.
سألتها باستغراب:
= ممكن أفهم رايحين فين؟ جيتي صحّتيني الصبح بدري جدًا، وكنت هموت وأنام، وحتى نزلنا من غير فطار.
ابتسمت سارة وقالت بمرح:
= هنطلع على الشركة الأول، وبعدها هاخدك ونروح مطعم نفطر سوا. إيه رأيك؟
= بس ليه هنروح الشركة؟ هنعمل إيه هناك؟
= مش يمكن لما تشوفي أجواء الشركة بنفسك تغيري رأيك وترجعي الشغل تاني؟
تنهدت نور وقالت:
= سارة، بجد مش عايزة أروح الشركة، خلينا نروح المطعم على طول أفضل.
ردت عليها بجدية مزيفة:
= آسفة، بس أنا قررت خلاص، ولازم يتنفذ. وممكن بكرة أبقى أخليكي إنتِ تختاري.
هزت نور رأسها بقلة حيلة، عشان عارفة سارة كويس لو خدت قرار فمن المستحيل تقريبًا أن تتراجع عنه.
وبعد مدة وصلوا إلى الشركة بالفعل، واتجهوا مباشرة نحو مكتب يونس.
قالت نور بقلق:
= مش كان المفروض نعرفهم إننا جايين؟ افرضي عندهم شغل دلوقتي.
ردت سارة وهي تواصل السير:
= امشي يا نور وإنتِ ساكتة، وبعدين إحنا مش محتاجين إذن عشان نيجي.
وقبل أن تتمكن نور من الرد، كانوا أمام المكتب.
طرقت سارة الباب وفتحته بسرعة، ثم دخلت دون أن تنتبه أن نور ما زالت واقفة في الخارج مكانها، تشعر بإحراج شديد من فكرة أنها جاءت فجأة دون موعد مسبق.
في الداخل كان يونس وأحمد مندمجين تمامًا في مراجعة ملف المشروع.
وما إن لمح أحمد سارة حتى همس ليونس:
ـ الراديو وصل.
اقتربت سارة منهما وقالت بابتسامة واسعة:
= صباح الخير، عاملين إيه؟
رد يونس بابتسامة هادئة:
= صباح النور، أخبارك إيه يا سارة؟
= الحمد لله.
ثم نظرت بجوارها، لتتفاجأ بأن نور ليست معها.
= هي راحت فين؟
سألها يونس باستغراب:
= هي مين؟
ردت سريعًا:
= نور. أصلها جت معايا النهاردة الشركة، بس شكلها لسه برا. لحظة واحدة هطلع أشوفها وأجيبها.
وما إن سمع يونس اسمها حتى شعر وكأن حصونه كلها انهارت دفعة واحدة.
ذلك الاسم وحده كان كفيلًا بأن يبعثر كل هدوئه.
رجفة خفيفة سرت في جسده، وقلبه بدأ يخفق بعنف لم يستطع السيطرة عليه.
لاحظ أحمد التغير المفاجئ الذي طرأ عليه، فوضع يده على كتفه مطمئنًا:
ـ إنتَ كويس يا يونس؟
لم يرد، واكتفى بهزة خفيفة من رأسه.
في الخارج كانت نور ما تزال واقفة مكانها، تعبث بأصابعها بتوتر واضح.
اقتربت منها سارة وقالت:
= إيه يا بنتي؟ إنتِ لسه واقفة مكانك؟ ما دخلتيش ليه؟
ثم توقفت عندما لاحظت ارتجاف يديها، وأكملت بنبرة أكثر هدوءًا:
= نور يا حبيبتي، اهدي. هو إحنا داخلين امتحان؟ مفيش حد جوا غير يونس وأحمد، أصحابنا من وإحنا صغيرين. إيه؟ نسيتي؟
الموضوع مش مستاهل كل التوتر ده.
كانت سارة تلاحظ التغيرات النفسية التي مرت بها نور مؤخرًا، وكيف أثرت على ثقتها بنفسها وجعلتها أكثر قلقًا وتوترًا من أي موقف بسيط.
أمسكت يدها برفق وقالت:
= إنتِ كويسة يا نور؟ لو حاسة إنك تعبانة أو مش مرتاحة، ممكن نرجع البيت عادي.
هزت نور رأسها نفيًا:
= لا... لا، أنا كويسة. بس معرفش ليه حسيت بتوتر شوية.
ابتسمت لها سارة بحنان:
= طب يلا بينا.
ودخلوا المكتب معًا.
وما إن وقعت عينا يونس عليها حتى شعر أنه تاه داخل ملامحها.
كانت ما تزال تشبه تلك الفتاة التي عرفها قديمًا، لكن الزمن أضاف إليها جمالًا مختلفًا ونضجًا هادئًا.
ولم تفته تلك اللمعة الحزينة المختبئة داخل عينيها، حتى شعر برغبة عارمة في معرفة سببها.
كان يريد أن يطمئن عليها، أن يحتضنها، أن يخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
لكن كل ذلك ظل حبيس صدره.
انتبه على اقترابهما، فوقف بهدوء، ورسم ابتسامة جذابة على شفتيه، ثم مد يده إليها قائلًا:
= إزيك يا نور؟
كانت لا تفهم تلك النظرات التي يرمقها بها، شعرت أنها مختلفة وغريبة بعض الشيء، لكنها رفعت يدها وصافحته قائلة بهدوء:
= الحمد لله يا يونس، إنت عامل إيه؟
ثم نقلت نظراتها إلى أحمد، الذي كان لا يزال جالسًا في مكانه دون أن يبدي اهتمامًا كبيرًا بوجودها، لأنه كان يعلم جيدًا، بل ومتأكدًا، أن وجودها أصبح خطرًا على يونس أكثر من أي شيء آخر.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى ابتسمت قائلة:
= عامل إيه يا أحمد؟
ـ الحمد لله يا نور، اتفضلوا... واقفين ليه؟
جلس يونس مجددًا على مقعده، بينما جلست سارة ونور أمامهما.
مرّت خمس دقائق كاملة وسط صمتٍ تام، حتى بدا وكأن الجميع ينتظر من الآخر أن يبدأ الحديث.
قطعت سارة ذلك الصمت قائلة:
= أمم... طب وبعدين؟ هنفضل ساكتين كده كتير؟
رفع أحمد حاجبه وقال بملل:
ـ هو إنتِ إيه؟ متعرفيش تفضلي ساكتة شوية؟ ولا لازم الراديو يشتغل؟
ردت عليه فورًا:
= آه، لازم أشغل الراديو. وبعدين إنت مالك؟ هو أنا وجهت ليك كلام أصلًا؟
قال بغرور مصطنع:
ـ والله في شركتي ومكتب صاحبي، وأتكلم براحتي.
= بس يا كئيب.
ـ يا راديو.
كانت نور تنظر إليهما وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، فالثنائي أمامها بدا وكأنهما طفلان صغيران يتشاجران على أتفه الأسباب.
على العكس تمامًا من يونس...
الذي لم يكن يسمع شيئًا مما يدور حوله.
كل تركيزه كان منصبًا عليها هي فقط.
على ملامحها التي يحاول أن يحفظها داخل ذاكرته من جديد، وعلى ابتسامتها التي ما زالت قادرة، رغم كل هذه السنوات، على خطف قلبه في لحظة واحدة.
قالت سارة فجأة:
= بقولكوا إيه؟ تعالوا نروح أي مكان نفطر فيه بدل ما إحنا قاعدين في الشركة كده.
تنهد أحمد وقال:
ـ إنتِ مش بتفكري غير في الأكل وبس.
ردت عليه بغيظ:
= ممكن تخليك في حالك؟ وبعدين لو مش عشاني يبقى عشان البنت الغلبانة اللي نزلتها من بيتها من غير فطار.
ضحكت نور على مشاكساتهما وقالت:
= خلاص يا سارة، خلينا نروح إحنا. شكلهم عندهم شغل كتير.
رد أحمد مؤيدًا بسرعة:
ـ عندك حق، إحنا فعلًا عندنا شغل كتير ومش هنعرف...
لكن يونس قاطعه سريعًا وكأنه يخشى أن تنتهي الفكرة قبل أن تبدأ:
= فكرة حلوة. أنا النهاردة حاسس برضه إني ما فطرتش كويس، وفرصة نور معانا... هو إحنا بنشوفها كل يوم؟
ثم نظر إليها بنظرة امتلأت بمشاعر عجز عن إخفائها مهما حاول.
كان أحمد على وشك الاعتراض، لكن يونس نهض بالفعل، وأخذ جاكت البدلة من فوق المقعد وقال:
= يلا، اتفضلوا.
وقفت نور وسارة، وقبل أن يتحرك التفت يونس نحو أحمد وقال:
= هتيجي معانا.
نظر له أحمد بصدمة مصطنعة وقال:
ـ لا، صدق... كتر خيرك إنك افتكرت إني موجود أصلًا.
ضحك يونس وهز رأسه:
= طب يلا بسرعة، عشان ما أسيبكش وأمشي يا شاطر.
تمتم أحمد بغيظ وهو ينهض:
ـ كله من الراديو... تيجي وتخرب كل حاجة.
ثم وقف بيأس واتجه نحو الخارج خلفهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡
"بارك الله لكما وجمع بينكما في خير"
اقترب عاصم من داليا بابتسامة واسعة وقال:
ـ مبروك يا روحي.
ابتسمت له بحب وردت:
= الله يبارك فيك يا عصومي.
قالت والدة داليا بسعادة:
ـ ألف مبروك يا ولاد.
ـ الله يبارك في حضرتك يا طنط.
ابتسمت والدة عاصم وهي تنظر إلى داليا بحنان:
ـ أنا كان نفسي يبقى عندي بنت، وربنا كرمني بأحلى بنت في الدنيا.
ابتسمت داليا بخجل:
= ميرسي يا طنط.
نظر عاصم للجميع وقال:
ـ طيب يا جماعة، نستأذن إحنا بقى.
سألته والدة داليا باستغراب:
ـ رايحين فين؟ لسه بدري، خليكوا قاعدين معانا شوية.
ابتسم عاصم وقال:
ـ معلش يا طنط، بس هاخد داليا ونخرج شوية قبل ما نروح بيتنا.
ضحكت والدة عاصم وقالت:
ـ سيبيهم يفرحوا ببعض. روحوا يا حبايبي، ربنا يسعدكم يا رب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡
جلس الأربعة حول طاولة في أحد أركان المطعم المطلة على النيل.
كانت سارة تمسك قائمة الطعام بتردد واضح، وكأنها تخوض معركة حقيقية في اختيار ما ستطلبه.
قالت وهي ما زالت تتأمل المنيو بتركيز:
= أنا مش أول مرة أجي المطعم ده، بس كل مرة بيبهروني بالإضافات الجديدة اللي بتحصل في المنيو، وكلهم أكيد أحسن من بعض.
رد أحمد دون أن يرفع عينيه عن قائمته:
ـ خلاص... اطلبيهم كلهم.
رفعت رأسها نحوه وقالت باستنكار:
= ليه؟ حد قالك عليا إني طفّصة؟
وما إن نطقت بالكلمة الأخيرة حتى انفجر أحمد ضاحكًا من قلبه، لدرجة أن بعض الجالسين حولهم التفتوا ينظرون إليهما باستغراب.
احمر وجه سارة قليلًا من الإحراج وقالت بغيظ:
= إنت بتضحك على إيه؟ على فكرة دمك تقيل أوي.
حاول الرد وهو يكتم ضحكاته بصعوبة:
ـ أيوة... أيوة، أنا دمي تقيل... وظالم كمان.
لكن عبارته الأخيرة جعلته ينفجر في الضحك مرة أخرى، وهو ما زاد غيظها أكثر.
أما نور فلم تكن منتبهة لما يحدث أصلًا.
كانت تجلس شاردة تنظر عبر الزجاج الشفاف المطل على النيل، غارقة داخل أفكارها البعيدة.
بينما كان يونس يراقبها بصمت.
يرى الحزن المختبئ خلف عينيها، ويتساءل ألف مرة عما يؤلمها.
كان يريد أن يسألها، أن يطمئن عليها، أن يعرف ما الذي أثقل روحها إلى هذا الحد.
لكن شعورًا مؤلمًا كان يخبره أنه لم يعد يملك ذلك الحق.
اقترب النادل منهما، وسجل الطلبات، ثم غادر.
قالت سارة فجأة:
= يونس، إيه رأيك لو نور تشتغل معانا؟
اتسعت عينا نور بدهشة.
لم تكن تتوقع أن تفتح سارة هذا الموضوع أمام الجميع دون أن تأخذ رأيها أولًا.
أما يونس فشعر بفرحة حقيقية غمرت قلبه للحظة.
على الأقل... سيستطيع رؤيتها كل يوم.
لكن فرحته تراجعت قليلًا عندما لاحظ التوتر الذي ارتسم على وجهها.
فهم فورًا أن الأمر فاجأها.
ابتسم وقال:
= ياريت بجد. ده أنا هبقى كسبت بشمهندسة شاطرة لشركتي.
ابتسمت له بلطف وقالت:
= متشكرة جدًا يا يونس، بس الحقيقة أنا حاليًا مش بفكر أشتغل.
ثم التفتت إلى سارة بنظرة عتاب قبل أن تعود وتنظر إليه مجددًا.
= الحقيقة سارة فاجئتني بالكلام ده دلوقتي، بس أنا مش حاسة نفسي جاهزة دلوقتي.
قالت سارة بسرعة:
= بالعكس، ده أنسب وقت. صدقيني، وعلى الأقل كلنا هنبقى مع بعض.
وقبل أن ترفض مجددًا، قال يونس بهدوء:
= سارة عندها حق... خلينا نرجع زي زمان يا نور.
ثم تدارك نفسه سريعًا:
= قصدي يعني... الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تجمعنا زي زمان. مش كده يا أحمد؟
أجاب أحمد بهدوء:
ـ أكيد هبقى مبسوط لو بقيتي معانا يا نور.
ابتسمت سارة بحماس وهي تميل نحوها:
= هاا... قولتي إيه؟ وافقي عشان خاطري.
أما يونس فكان يحاول بكل قوته أن يبدو هادئًا وطبيعيًا، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كان هناك شيء داخله لا يسمح له بالهدوء.
شيء ظل معلقًا بين الأمل والخوف، ينتظر منها كلمة واحدة فقط...
موافقة.
يتبع...


الثامن من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات