رواية نسخة من روحي الفصل السادس 6 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء السادس (
"وائل "
لم تلفتني رهف حين رأيتها أول مرة .. بل قبل ذلك بكثير.
لفتتني كحالةٍ مكتوبةٍ بين السطور محكيةٍ على لسان طبيبها .. كفراغٍ يتكرر في التقارير ولا يجد له تفسيراً واضحاً .. كانت ملاحظات المدرسين متناقضة؛ تفوقٌ لافت يقابله انطواءٌ غير مبرر .. ذكاءٌ حاد يتجاور مع شرودٍ طويل ونوبات إعياء لا تتناسب مع سنّها ولا مع نمط حياتها .. لهذا وحين عُرض ملفها الطبي على صديقي الدكتور حامد طلبتُ منه أن ينصح والدتها بعرضها على طبيبٍ نفسي .. لم يكن في الأمر حدسٌ خارق بل شعور مهني مألوف يؤكد لي أن هنا شيء غير مكتمل .. لم يكن الأمر صدفة فكل ذلك كان من ترتيبي حيث قلت لـ حامد يجب أن تجعلني أنا ذلك الطبيب.
"وائل "
لم تلفتني رهف حين رأيتها أول مرة .. بل قبل ذلك بكثير.
لفتتني كحالةٍ مكتوبةٍ بين السطور محكيةٍ على لسان طبيبها .. كفراغٍ يتكرر في التقارير ولا يجد له تفسيراً واضحاً .. كانت ملاحظات المدرسين متناقضة؛ تفوقٌ لافت يقابله انطواءٌ غير مبرر .. ذكاءٌ حاد يتجاور مع شرودٍ طويل ونوبات إعياء لا تتناسب مع سنّها ولا مع نمط حياتها .. لهذا وحين عُرض ملفها الطبي على صديقي الدكتور حامد طلبتُ منه أن ينصح والدتها بعرضها على طبيبٍ نفسي .. لم يكن في الأمر حدسٌ خارق بل شعور مهني مألوف يؤكد لي أن هنا شيء غير مكتمل .. لم يكن الأمر صدفة فكل ذلك كان من ترتيبي حيث قلت لـ حامد يجب أن تجعلني أنا ذلك الطبيب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مع مرور الجلسات بدأتُ ألاحظ نمطاً غريباً .. تفاصيل دقيقة تحفظها عن أحداثٍ غير مؤلمة مقابل فراغٍ كامل حين يقترب الحديث من محيطها الأسري أو من مشاعر يفترض أنها بديهيّة .. ولكن دائماً كانت هناك حلقة ناقصة في قصتها .. حلقة لا تُمحى بسهولة بل تُخفى عمدًا أو تُنسى قسرًا.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد فضولي مهنياً فقط .. أردت أن أفهم رهف .. لا بوصفها كحالة بل بوصفها لغزاً اختار الصمت
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
إهانتها لي في وسط عيادتي كانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير وجعلتني أفكر جدياً بالانتقام منها ولكن بطريقتي الخاصة .. لم يجرؤ أحدٌ يوماً على توجيه تلك الانتقادات اللاذعة لي .. فطالما كنت أنا من يوجهها للآخرين .. لا غروراً بل ثقةٌ بحدسي الذي لم يخطئ يوماً ..
بعد تلك المناشدة الحادّة بيني وبين السيدة ليلى اتصلت بصديقي الطبيب حامد وطلبت منه المجيء عندما يفرغ من عمله في المستشفى ..
وفي المساء اجتمعنا في شقتي وجلسنا نتحاور .. كان متفاجئاً من ردة فعل ليلى العنيفة عندما أخبرته عنها .. وأكد لي أنها لا تملك ذلك الطبع الحاد وليس من عادتها .. دُهشت بما قال ووقفت أتمشى أمامه ذهاباً وإياب وهو يلاحقني بعينيه .. سألته:
- منذ متى وأنت تعمل في ذلك المستشفى ؟
رد بعد لحظات :
- عشر سنوات تقريباً
- أي منذ تخرجك ؟
- أجل
- ولم تشعر بشيءٍ غريب خلال عملك عندها ؟
- أبداً .. كل شيءٍ كان طبيعياً .. ليلى طبيبة والمشفى الذي تديره كان لوالدها الطبيب فارس رحمه الله وقد ورثته منه وبقيت تداوم على إدارته من دون أن تُغير به شيء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا عن رهف ؟
- ما بها ؟
- متى رأيتها أول مرة ؟
- لا أذكر .. كانت ليلى تحضرها دائماً معها إلى المشفى وهي طفلة حتى كبرت
- وأصبحت بحاجة علاج
- سبق وقلت لك أن الفتاة لا تشتكي من شيء .. إن مرضها ليس عضوياً أو جسدياً .. العلة تكمن في رأسها .. لابد وأنها تتوهم ذلك .. بصراحة شككت أنها تعاني من اضطرابات في الدماغ ولكن لا .. عندما قامت بعمل رنين مغناطيسي رأيت أن دماغها سليمٌ مئة بالمئة
- ماذا عن مرض ثنائي القطب ؟
- فكرت به أيضاً ولكن ليس هذا أيضاً .. فليس لديها أعراض ذلك المرض
- الشقيقة ؟
هز رأسه نافياً .. سكتُّ للحظاتٍ وأنا أحدّق في الفراغ وكأنّ فكرةً ثقيلة كانت تتشكّل ببطءٍ في رأسي .. توقّفت عن المشي فجأة ونظرت إلى حامد مباشرةً وسألته بنبرةٍ هادئة تخفي ما وراءها:
- حامد .. هل يوجد مرضٌ يفرض بالضرورة وجود متبرّعٍ من أقرباء من الدرجة الأولى؟
رفع حاجبيه باستغراب وتحرّك في مقعده قبل أن يجيب بتأنٍّ:
- نعم هناك عدة حالات .. فشل النخاع العظمي .. بعض أنواع فقر الدم الوراثي وأخطرها سرطان النخاع الشوكي.
أومأت ببطء وكأنني كنت أنتظر هذه الإجابة تحديدًا .. عاد يسألني بحذر:
- ولكن لماذا تسأل؟
اقتربت منه خطوةً واحدة وخفّضت صوتي قائلاً :
- أريدك أن تُخبر ليلى أن رهف مصابة بسرطان النخاع الشوكي.
تجمّد حامد في مكانه ونهض فجأةً وقد ارتسم الذهول والغضب على ملامحه وقال :
- هل جننت يا وائل؟! هذا تزوير صريح .. هذا كذب طبي .. هل تدرك ما تطلبه مني؟
قلت بهدوءٍ مريب:
- أدرك تمامًا.
ضرب بيده على الطاولة بعصبية و رد :
- نحن أطباء يا وائل .. أقسمنا قسماً لا يُكسر .. ما تطلبه قد يجرّدنا من شهاداتنا و مستقبلنا ومن كل شيء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ولكن أنت لن تفعل شيئًا.
قطّب حاجبيه:
- ماذا تقصد؟
- ستقول إن التشخيص مبدئي .. ستُحيل الأمر إلى اشتباهٍ طبي وإلى خطأ وارد في القراءة الأولى .. الطب ليس علماً قطعياً يا حامد .. أنت تعلم ذلك أكثر مني.
هزّ رأسه بعنف:
- لا .. لا يمكنني .. ثم إن هذا ليس أخلاقيًا.
اقتربت أكثر وخاطبته بنبرة أقل حدّة:
- لكنه إنساني.
نظر إليّ وقال باستنكار:
- إنساني؟!
- نعم .. رهف تموت ببطء ليس في جسدها .. بل في داخلها .. وليلى ستفعل المستحيل إن اعتقدت أن ابنتها على شفير الموت.
سكت قليلًا ثم أضفت:
- ثم أن هذه الكذبة لن تضرّها بل ستدفع أمّها للبحث عن الحقيقة .. عن الأصل .. عن الدم.
ابتلع حامد ريقه وقال بصوتٍ منخفض:
- وماذا لو انكشفت؟ ماذا لو تمدّدت الكذبة أكثر مما يجب؟
أجبته فورًا:
- عندها نُنهيها قبل أن تتحوّل إلى كارثة.
ساد الصمت بيننا طويلاً .. رأيت الصراع واضحاً في عينيه .. الطبيب في داخله ضد الإنسان .. أخيراً تنفّس بعمق وقال بصوتٍ مكسور:
- سأفعلها و لكن بشرط.
نظرت إليه منتظراً ليكمل :
- إن شعرتُ أن هذه الكذبة خرجت عن السيطرة و بدأت تؤذي رهف بدل أن تنقذها .. نُنهي كل شيء فوراً بلا تردّد.
أومأت ببطء وكأنني أوقّع على عهدٍ غير مكتوب:
- اتفقنا.
في تلك اللحظة كنت أعلم يقيناً أننا لم نكذب فقط على ليلى .. بل فتحنا باباً لن نعرف كيف نغلقه لاحقاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- تفضل
ابتسمت وفتحت الباب وتفاجأت بـ شابٍ يجلس بالقرب منها .. لا أنكر أنني شعرت ببعض الغيرة وخاصة بعد أن وقف وبادلني التحية وعرّفني عن نفسه على أنه ابن خالتها .. لا أدري كيف تمالكت نفسي حتى خرج وتركنا وحدنا .. يا له من ابن خالة متفهم .. عدت لتمالك أعصابي ورسمت ابتسامة هادئة واقتربت من السرير وهي تبادلني نظراتي الحالمة .. مددت لها الباقة وقلت :
- الحمدلله على سلامتك آنسة رهف
أخذت الباقة مني وقالت :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فككت زر سترة بدلتي وجلست بارتباك على الكرسي المجاور لها وقلت :
- إذاً عاد إليك ذاك الشعور
أومأت رأسها و ردت بخفوت :
- أقسى من ذي قبل
- هذا غريب .. ولماذا ؟
- لقد قُطعت جلساتنا فجأة لهذا لم أستطع إخباركَ أنني كنت قد شعرت بالتحسّن في تلك الفترة
- حقاً ..!
- أجل .. فجأة اختفى ذلك الشعور بالخوف والكوابيس لم تعد تأتي وعادت حياتي طبيعية .. اعتقدت أنني شُفيت ولكنني لم أعلم أن هذا ما يسموه هدوء ما قبل العاصفة
هزت رأسي وقلت :
- هذا غريبٌ فعلاً
حل صمت مهيبٌ بيننا .. لم يكن يُسمع به سوى دقات قلبي وقلبها أو ربما هذا ما تمنيته .. أخيراً كسرت رهف ذلك الصمت عندما سألتني:
- لماذا احتملت أنه ربما يكون لدي توأم؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كان تشخيصاً وحسب .. قلت أنني ربطت حالتك مع حالة أحد مرضاي المشابهة لكِ .. ففسرتها على هذا الأساس .. ولم أكن أتخيل أن والدتكِ ستنفعل لهذه الدرجة
- حتى أنا صدمتني بانفعالها ذاك ..
ثم ضحكت وأكملت :
- هل تعلم أنها قالت أنني أتدلل فقط
- تتدللين ؟
- أجل وقالت أن ذلك مجرد دلع ولا أشتكي من شيء
ضحكت و رددت :
- يا له من تشخيصٍ مقنع
أطلقت ضحكةً مسموعة أسرتني .. كانت تتحدث وهي تصنع حركاتٍ عفوية بيدها .. ترفع شعرها تارةً وتلوح بهما تارةً أخرى بينما ترسم ضحكةً جميلة لم أرها بأحدٍ من قبل ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إذاً ماذا تشعرين الآن؟
تنهدت بصوت مسموع ثم قالت بهدوء :
- لا شيء ..
- انقباض القلب ؟
وضعت يدها على صدرها وشردت قليلاً بينما كانتا عينيها تلمعان ..ثم ردت باستنكار :
- لا يخفق
ضيقت عيناي وسألتها:
- كيف ذلك ؟
ضحكت بتوتر واضح وقالت :
- انه يخفق .. ولكنه ليس منقبضاً
- أي أنكِ تشعرين بالراحة الآن؟
عادت للشرود ثم قالت بعد فترة من الصمت :
- لا أشعر بشيء حقاً .. اختفى الألم واختفت الكوابيس واختفى عدم الارتياح .. هذا كل شيء
لم أفهم مغزى كلامها .. لم أفهم .. أهي مرتاحةً لذلك الشعور أم أنها خائفة منه؟ .. فجأة فُتح باب الغرفة ودخلت ليلى وبدت مصدومةً بوجودي .. وقفت وقلت :
- كيف حالك سيدة ليلى
اقتربت مني وسألت بغضب :
- ما الذي تفعله هنا ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- جئت لأطمئنّ على مريضتي لا أكثر.
تقدّمت خطوة أخرى نحوي وعيناها تقدحان ناراً وقالت :
- مريضتك؟ منذ متى أصبحتَ طبيبها؟ ألم نتّفق أن لا تتجاوز حدودك؟
تدخّلت رهف بصوتٍ خافتٍ متردّد:
- أمي السيد وائل لم يفعل شيئاً خاطئاً
التفتت إليها ليلى بسرعة وكأنها لم تكن تتوقع دفاعها:
- رهف هذا لا يعنـ ....
قاطعتها بهدوء:
- هو فقط سألني عن شعوري وحالتي كما كان يفعل دائماً
ساد صمتٌ ثقيل .. كنت أراقب ليلى وهي تحاول استعادة سيطرتها ولكن ارتباكها كان أوضح من أن يُخفى .. تنفّست بعمق ثم قالت ببرودٍ مصطنع:
- حسناً .. انتهت الزيارة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- بالطبع .. سأمرّ لاحقاً عندما يكون الوقت مناسباً.
تجاوزتها متجهاً نحو الباب لكنني توقّفت لحظة والتفتّ نحو رهف وقلت :
- ارتاحي الآن .. وسنلتقي قريباً
التفتت ليلى اتجاهي وبادلتني نظراتٍ نارية بينما لم تجبني رهف .. فقط اكتفت بالنظر إليّ بصمتٍ طويل .. فتحت الباب وخرجت تاركاً خلفي توترٌ لا نهاية له
في الممرّ وقفت .. شعرتُ للمرة الأولى بثقل ما أقدمتُ عليه .. لم تكن ليلى غاضبة فقط بل كانت خائفة .. وخوفها هذا أكّد لي شيئاً واحداً .. أننا اقتربنا كثيراً من الحقيقة .. أكثر مما ينبغي.