رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل السادس 6 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة.... الفصل السادس
بقلم الكاتبة / رباب حسين
بعض القلوب لا تنكسر مرة واحدة بل تتشقق بصمت كل يوم حتى تصبح عاجزة عن الشعور بأي شيء سوى الألم.
وفي عالم تتشابك فيه الخطايا بالندم، كان الجميع يدفع ثمن اختياراته بطريقة مختلفة؛
رجل فقد ذاكرته فبدأ يكتشف أن ماضيه أشد ظلمة مما تخيل، وامرأة أحبت متأخرًا حتى أصبح الحب عقابًا لا نجاة منه،وأخرى تحاول أن تقنع نفسها أن الشفقة ليست بداية حب، بينما قلبها يسقط ببطء داخل عيني رجل تخشاه.
فارس لم يعد خائفًا فقط من ماضيه بل من نفسه.
كل باب يُفتح أمامه يقوده إلى حقيقة أبشع من سابقتها، وكأن القدر يصر أن يجعله يرى صورته القديمة كاملة قبل أن يمنحه حق التوبة.
أما يارا، فكانت ترى بعينيها ذلك الصراع الممزق داخله؛ رجل يحمل ملامح الوحوش لكن روحه الحالية ترتجف من فكرة أن يكون واحدًا منهم.
وفي مكان آخر، كانت نيفين تتذوق لأول مرة معنى أن تُحب بصدق ثم تُحرم منه.
الحب الذي تجاهلته يومًا عاد ليقف أمامها شامخًا لكنها لم تعد تملك حق الوصول إليه، وكأن الحياة تعاقبها بأن تريها النعمة بعد فوات الأوان.
أما العاصفة الحقيقية... فلم تبدأ بعد.
لأن الماضي حين يعود لا يطرق الأبواب بل يقتحمها وتُفتح ملفات الدم والخيانة والطمع، ولن يبقى أحد بريئًا كما يبدو.
وبين فتاتين؛ أحدهما خطفت قلبه قبل أنا يعود للحياة مرة أخرى، من تعلق بها كما يتعلق الطفل المولود حديثًا بأمه التي تنعم بحضنها أولًا دون العالم أجمع، وبين فتاة يشعر معها بالغربة بالرغم من أنها من اختارها لتصبح زوجته، وبدأ عقله ينبض بالشك؛ هل حب نيرة يومًا؟
نظر لها فارس وهي ترمق يارا بنظرات الشك وقال: معلش يا نيرة نخلص الجلسة أنا والدكتورة وبعدين إدخلي تاني.
نظرت له بحزن مصطنع وقالت: ديه تاني مرة تطردني من الأوضة يا فارس من ساعة ما صحيت، لو مش عايزني أجي هنا تاني قولي.
تنهد فارس يحاول أن يسيطر على غضبه، لا يعرف ما هذا الغضب الكامن بداخله وكأن هناك شيطان يسكن داخل صدره، فقال من بين أسنانه: نيرة أنا مش فاهم أنا في إيه ولا فاهم نفسي، أرجوكي سيبينا دلوقتي.
لمحت نيرة غضبه، فتعجبت من الأمر، لقد تغير كثيرًا منذ أمس، ثم طرق سؤال بعقلها جعلها ترتعش من داخلها: هل سيعود فارس إلى سابق عهده؟
أومأت له بحزن وخرجت من الغرفة، ثم نظر فارس نحو يارا وقال: إنتي هتكملي علاجي صح؟!
يارا: ليه بتسأل السؤال ده؟
فارس: عشان لو مكانك مش هبص في وشي، إذا كنت أنا قرفان من نفسي، لدرجة إني حاسس من جوايا إن فيا حاجات وحشة أوي، أنا ليه بتعصب وبغضب بالشكل ده، ده أنا جالي إحساس فجأة إني عايز أقتل عدنان ده عشان كلمني وحش، ودلوقتي جوايا خوف من حاجة واحدة بس، خايف تبعدي عني، أنا من ساعة ما فتحت عيني إمبارح وأنا مش عايز أتكلم ولا اسمع غيرك، معلش استحملي قذارتي وكملي علاجي.
يارا: بص يا فارس، الحياة بتدي الإنسان فرصة جوهرية واحدة بس، فرصة ممكن تغير حياته للأبد ويا أما يستغلها صح يا أما يفضل يندم عليها طول عمرك.
إنت ربنا إداك فرصة عمرك. البني آدم لما بيفقد الذاكرة بيرجع للفطرة الأساسية بتاعته، وإنت؛ فارس اللي قاعد قدامي ده أنا متأكدة إنه كان عايش جواك بس محبوس جوا عوامل كتير حولته للوحش اللي ساكن جواك دلوقتي، الغضب والعصبية هما اللي بيغذوه، كل اللي إنت محتاجه حاليًا إنك تستغل الفرصة اللي جاتلك ديه، لازم تقيم نفسك بنفسك.
يمكن عملت ذنوب كتير وأخطئت كتير بس خير الخطائين التوابين، وباب التوبة مفتوح دايمًا قدامك، عمره ما هيتقفل إلا لما الساعة تبقى خلاص هتقوم، وربنا حطك في الإختبار ده عشان يعرف هترجعله ولا هتفضل واقف مكانك كده زي ما أنت وترجع للي كنت فيه، هتختار الدنيا ولا لأ المرة ديه.
بالنسبة بقى لإني هكمل علاجك ولا لأ، فأنا هكمل، لأني كطبيبة مش مهمتي إني أحكم عليك، أنا مهمتي إني أساعدك وأوصلك للطريق السليم نفسيًا.
شعر فارس بالارتياح عندما سمع ذلك الحديث منها، وكأنها أعطت قلبه مسكن للألم، ثم قال بحزن: طيب وكإنسانة عادية رأيك فيا إيه؟
يارا: ليه ندخل أرائنا الشخصية في علاجك؟
فارس برجاء: عارف إن مينفعش تخلطي بينهم، لكن أنا محتاج أعرف إنتي شيفاني إزاي، ده أهم عندي من أي حاجة بتحصل حواليا دلوقتي.
تنهدت يارا، تعلم أن ما ستفعله خطأ ولكن ترى الرجاء داخل عينيه وكأنها طوق النجاة الذي يتمسك به قبل النهاية، فقالت: رأيي إن فارس اللي قدامي ده يستحق يعيش، يستحق يتحب ويحب ويكمل حياته وسط عيلة بتحبه وتخاف عليه زي اللي عندك، ينسى الغضب والعصبية ويرجع للطريق السليم ومهما حصل ميتراجعش عنه.
ابتسم فارس وقال: وأنا عرفت دلوقتي ليه خليت سعد يدور عليكي، عشان إنتي طلعتي زي النور في وسط الضلمة اللي كنت عايش فيها، الجميلة اللي دخلت عرين الوحش وعلقته بيها وهربت، كل اللي عايزه منك تحكيلي كل اللي حصل بينا أول مقابلة، ممكن؟
ارتبكت يارا وقالت: مش النهاردة، كفاية كده وحاول ترتاح شوية.
كاد يتحدث ولكن صدع هاتفها بمكالمة هاتفية، فاستأذنت لتستقبل المكالمة وقالت: أيوه يا ماما.
منال بتوتر: أيوه يا بنتي، الراجل صاحب البيت ده اللي ميعرفش رحمة ولا عنده ضمير، جيه من شوية واتكلم في موضوع الشقة التاني، عايز يعلي الإيجار يا أما نمشي، وبيقولي يا تدفعو خلو رجل واعملكم عقد جديد باسمي بدل العقد بتاع أبوكي الله يرحمه يا أما هيرفع علينا قضية طرد عشان صاحب العقد مش موجود، والقانون الجديد في صفه، هنعمل إيه بقى في المصيبة ديه ونروح فين بس ياربي!
زفرت يارا بضيق وقالت: اهدي يا ماما، مش مهم أي حاجة عندي غير صحتك، متفكريش في حاجة أنا هتصرف معاه، خدي بس أدويتك وارتاحي وأنا جاية في الطريق.
كان فارس يتابعها بقلق، وحين انهت المكالمة قال: فيه حاجة حصلت؟ ماما كويسة؟
يارا: خير متقلقش، أنا بس هستأذن دلوقتي وبكرة هشوفك تاني.
فارس: يارا لو محتاجة أي مساعدة قوليلي، أنا هبقى مبسوط لو ساعدتك بجد.
ابتسمت يارا وقالت: لأ بجد التحديث اللي نزل لفارس السيوفي يجنن، خليك بس فاكر الفرصة اللي ربنا ادهالك، وأمسك فيها بكل قوتك.
نظر لها فارس بإعجاب وقال: أنا عمري ما هضيعها من إيدي.
لمحت يارا معنى آخر بحديثه، فاصطنعت أنها لم تفهم ذلك التلميح وابتسمت له برقة وغادرت الغرفة، تحدث عقلها من داخلها قائلة: متقعيش يا يارا... متقعيش.
خرجت من الغرفة ورأت نيرة تنظر إليها بضيق، ثم اقتربت منها وقالت: هي جلسة العلاج النفسي بتقعد بالساعات كده يا دكتورة؟
يارا: اه، عن إذنك بس عشان لازم أروح.
غادرت تحت نظرات نيرة التي بدأت تستشعر الخطر من جانب يارا، ثم تنهدت وبدلت ملامحها إلى الحزن ودخلت الغرفة، نظر لها فارس ولاحظ حزنها، فقال: حقك عليا، حصل حاجات كتير أنا مش فاهمها، وبجد مش قادر أفهم إيه اللي بيحصلي ده، فأكتر حد أنا محتاجله دلوقتي وفاهمني هو الدكتورة.
نيرة: وإنت حاولت تتكلم معايا ومفهمتكش؟
نظر لها فارس وهو يفكر، ويتردد داخل عقله: إنتي أصلًا مش حاسة بيا ولا واخدة بالك من حالتي.
ثم عقد حاجبيه قليلًا وقال: هو إحنا إتخطبنا عن حب ولا تقليدي؟
اقتربت نيره منه وقالت: عن حب طبعًا، ده إنت مكنتش بتعرف تنام غير لما تسمع صوتي، طول عمرك من وإحنا صغيرين وإنت بتعاملني على إني ليك وبس، وأنا كبرت وأنا عارفة إن إحنا لبعض.
نظر لها بتعجب، أما هي فكانت تجيد التمثيل أمامه، تنفذ الخطة التي رسمتها مع عائلتها بإتقان، ثم قالت: أنا بقى رحت الشركة النهاردة واشتغلت زي ما أنت كنت دايمًا بتطلب مني، كنت تقولي إنتي المحاسبة الوحيدة اللي هثق فيها تشتغل معايا، وأنا كنت دايمًا برفض عشان متفتكرش إني طمعانة فيك، بس إنت محتاجني دلوقتي يا حبيبي وأنا مقدرش مقفش جنبك.
مدت يدها بتمسك بيده، كانت تتصنع نظرات الحب أمامه مما زاد من حيرته، كيف لا يشعر بأي شيء نحوها، على عكس يارا تمامًا، الذي بدأ البحث عنها بجواره بمجرد أن غادرت الغرفة لدقائق.
شعر بالشفقة على نيرة، يبدو وأنهما كانا بقصة حب، فلم يرغب بأن يكسر قلبها بيده وسوف يعطي قلبه فرصة أخرى كي يقرر من التي تسكنه حقًا، على الرغم من أنه بدأ يشك بالأمر، فيارا أكدت له أنه تزوج من فتاة وتخلى عنها، فكيف كان على علاقة حب كهذه مع نيرة؟
أغمض عينيه بضيق وقال في نفسه: نضيف كمان خاين، يعني هي جات على ديه!
_______________
انتهى وقت الزيارة وعادت نيرة إلى منزلها، وحين دخلت الشارع اقتربت من منفذ بيع يونس، الذي رمقها بضيق وقال: ما كنتي تكملي باقي اليوم برا، جاية على نفسك وراجعة بدري كده ليه؟ كل ده في الشغل يا نيرة، ومفكرتيش تتصلي بيا ولا تردي عليا.
نيرة: لأ ما هو أنا خلصت شغل وطلعت على المستشفى، لأن بابا وجلال وعمتو مقدروش يروحو النهاردة.
حاول يونس التحكم بشعور الغيرة الذي تخلل صدره وقال: أنا مقدر جدًا إنك بتراعي فارس عشان هو مريض ومحتاجلكم، بس مش لدرجة إن إنتي اللي تقومي بده لوحدك، يعني تنزلي تشتغلي في الشركة عشانه، تروحي المستشفى تطمني عليه، معلش يعني هو ابن عمك بس مش للدرجة ديه، راعي شوية إن فيه راجل في حياتك ومش هسمح إنك تقربي منه أكتر من كده، وهو بقى مش فاكر حاجة وممكن يتعلق بيكي، الكلام ده مينفعنيش.
نيرة بضيق: يعني أعمل أنا يا يونس، ما غصب عني كان لازم أروح اطمن عليه، مينفعش كلنا منروحش وهو تايه كده مش عارف هو مين حتى، ماشي أنا فاهمة إنك بتغير عليا بس في مواقف مينفعش أتصرف فيها عشانك بس، إحنا مش عايشين في الدنيا لوحدنا.
يونس: صح، بس لو فضلتي تضغطي عليا كده هتعيشي لوحدك من غيري.
نظرت له نيرة بعتاب وقالت: كده يا يونس، هونت عليك تقولها! على العموم اللي تشوفه.
غادرت من أمامه فنظر إلى أثرها بضيق، كل هذا تحت نظرات سماح التي تتابع من بعيد ما يحدث، ابتسمت بسعادة عندما لاحظت مشدتهما، فاقتربت منه وقالت: المثل زمان كان بيقول خد اللي تحبك، اللي تتمنى تراب رجليك، اللي تأمرها تقولك أمرك نافذ.
يونس: وهي ديه اللي خدتها فعلًا يا سماح، على العموم شكرًا على النصيحة، طلباتك إيه؟
شعرت سماح بالخجل والضيق من حديثه، فقامت بتقديم طلبها ثم أخذت الأغراض وغادرت بصمت.
وصلت نيرة إلى منزلها، وحين دخلت وجدتهم يجلسون ويتحدثون معًا، ويبدو من هيئتهم أن هناك خطبٍ ما.
زفرت بضيق وقالت: خير، فيه إيه تاني.
قصت لها ناهد ما حدث بين جلال وعدنان، فقالت نيرة بصدمة: مخدرات! يادي المصيبة.
كمال: أنا عايزك تتأكدي من رأس مال الشركة، تعرفي إذا كان بيغسل أموال فيها ولا فلوسها سليمة، عشان لو عدنان ضغط على فارس يعمل المخدرات تاني واتقبض عليه كل الفلوس ديه هتروح، وكمان لازم نسرع موضوع التوكيل، عايزين ناخد الشركة منه عشان متروحش برده مننا، واعتمادنا كله عليكي، لازم تاكلي عقله على الآخر عشان يمضي من غير ما يراجع وراكي.
نيرة: ما فيه بلوة تانية حصلت لازم أقولكم عليها، الدكتورة ديه شكلها بتلعب عليه هي كمان، نظرات فارس ليها مش مريحاني.
صاح جلال قائلًا: يعني إيه! البت ديه كده هتخرب كل حاجة، فارس بتاع بنات وعينه زايغة وده اللي كنت خايف منه، وهي حلوة وواخدة بالها من نفسها والعلاج ده هيخليها تقرب منه أكتر، لأ لازم نبعد الدكتورة ديه عنه، وإنتي خلي معاكي التوكيل دايمًا، وابقي خدي الملفات معاكي المستشفى وخليه يوقعها وأول لما تلاقيه مش مركز حطي التوكيل بين الورق.
تنهدت نيرة وقالت: ماشي، بس أعملو حسابكم بعد كده تروحو الزيارة، أنا مش هفضل أروح لوحدي.
ناهد: هبقى أروح أنا كمان، بس إنتي لازم تروحي كل يوم، وطبعًا مش هوصيكي زي ما اتفقنا، وأنا هبقى أخدله أكل معايا وأنا رايحة، لازم يحس إن إحنا عيلته وخايفين عليه عشان يطمن.
أومأت لها نيرة ثم دخلت إلى غرفتها، بدلت ثيابها وجلست بالفراش تطلع بهاتفها، تنتظر أن يراسلها يونس كعادته دائمًا عندما يتشاجران معًا، انتظرت كثيرًا ولم يرسل لها أي شيء.
_____________
كانت يارا تجلس بغرفتها وتستمع إلى التسجيل الذي سجلته اليوم لجلسة فارس، وحين سمعت الجزء الأخير تذكرت نظراته لها وهو يتحدث معها، كان يهيم داخل عينيها بنظرة لم تراها من قبل، عكس نظراته التي رمقها بها بذلك اليوم المشؤوم، تتذكر جمال عينيه ابتسامته التي تخطف القلوب، تذكرت حديث نيفين عنه وعن غزله الذي لا يوجد امرأة تستطيع أن تقاومه، والآن؛ علمت أنها محقة، فهو فعلًا جذاب للغاية، ولولا ذلك الماضي لتركت لقلبها العنان في حبه.
ثم تذكرت غزله لها بذلك اليوم، حين ذهبت إلى منزله.
فلاش باك
حين ذهبت إليها نيفين وهي في حالة انهيار تام، قررت أن تتدخل وتتحدث مع فارس بنفسها، بالرغم من أنها لم تفعل مثل هذا الأمر من قبل ولكن شعورها بالشفقة نحو نيفين جعلها تقدم على هذا الأمر.
أخذت عنوانه منها وها هي تجلس ببهو المنزل الضخم تنتظر مقابلته.
بعد دقائق وجدته يهبط الدرج أمامها، يرتدي قميص يبرز عضلاته ولونه قد ظهر لون عينيه بدقة، هيئته جذابة لأي فتاة ولكن خلفيته التي عرفتها من نيفين جعلتها تنظر إليه باشمئزاز.
كان يقترب منها بكل ثقة وكأن العالم ملكه وحده، وقفت أمامه وقدمت نفسها: دكتورة يارا عبد العزيز، طبيبة نفسية، وكنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع خاص.
انتبه إليها، ثم ابتسم بعينيه قليلًا، يبدو وأن هناك ضحية جديدة قد دخلت عرينه الخاص وكالعادة لن يتركها تخرج دون الوقوع بشباكه، فتحدث بثقة وقال: ويا ترى دكتورة حلوة كده جاية تتكلم معايا في إيه؟
رمقته بنظرة مقيتة، يتغزل بها من أول نظرة، يبدو وأنه لعوب حقًا وأن هذا سيصعب مهمتها.
لاحظ نظراتها فقال: ارتاحي يا دكتورة، اتفضلي.
جلست أمامه وهي تلاحظ نظراته التي تخترق جسدها مما جعلها تشعر بالضيق منه فأرادت أن تنهي الحديث سريعًا، فرسمت نظرة جدية على وجهها وقالت: أنا جاية أتكلم معاك بخصوص نيفين، اللي حضرتك إتجوزتها عرفي وطلقتها ومش معاها ورق رسمي يثبت جواز أو طلاق، ودلوقتي هي هتتجوز وأكيد حضرتك فاهم يا دكتور إنها هتبقى فضيحة ليها ولأهلها.
فارس: اممم، وبعدين؟
تنهدت يارا وقالت: مش من الرجولة أبدًا إنك تتخلى عنها في موقف زي ده.
تبدلت ملامحه قليلًا ورفع حاجبه وقال: يستحسن متتعديش حدودك معايا، مش ضامن رد فعلي في الأوقات ديه، واعتبري ده استثناء لأني عادة مش بهدد، برد الأساءة فورًا وبطريقة ممكن تزعلك، بس بما إنك حلوة كده هعديها بس المرة ديه، مع أني هموت وأثبتلك إني راجل بجد، بس ماشي خلينا نكمل كلام وياريت تلتزمي بحدودك معايا.
يارا: لو رأيي فيك زعلك فا أحب أقولك إنه رأي عام بيتقال على أي حد عمل زي حضرتك كده، ضحك على بنت وأقنعها إن الجواز العرفي جواز شرعي وبعد ما اتسليت بيها شوية رميتها، مفكرتش في سمعتها ولا سمعة أهلها، هي كانت مراتك والعقد كان معاك كل اللي بطلبه إنك توثق العقد وتديهلوها، على الأقل تقدر تثبت ده قدام أهلها.
فارس: مش شايف إني مستفيد بحاجة من الموضوع ده، ده غير إنه ميشرفنيش أثبت إن واحدة زي ديه سلمتني نفسها من غير ما تفكر في عواقب الأمور اللي حضرتك جاية تتكلمي معايا فيها دلوقتي؛ إنها كانت مراتي، هي مفكرتش في الموضوع ده قبل كده وأنا مش ملزم أصلح قرارها الغلط.
يارا: يمكن عشان وثقت فيك مثلًا ومفكرتش إنك ممكن تتخلى عنها بالشكل ده.
ابتسم فارس باستهزاء وقال: وده برده غلطها، مين قالها تثق في حد، مفيش حد في الدنيا يستاهل الثقة ولا جدير بيها، أنا عمري ما وثقت في حد؛ بصي عليا كده مفيش حد يقدر يتحكم فيا ولا يفرض عليا أمر، ولو إنتي شايفة إنك هتقدر تقنعيني إني أنفذ اللي حضرتك عايزاه تبقي غلطانة.
ثم اقترب منها ونظر داخل عينيها وقال بصوت رخيم: فارس السيوفي مش بيعمل حاجة مش على مزاجه، وإنتي قولتي أنا خدت مزاجي منها وبالنسبالي نيفين كارت محروق.
كان يتطلع داخل عينيها التي تنظر إليه بحدة، نظرتها واثقة قوية لم يرى فتاة مثلها، عدا أنه لاحظ نظراتها التي رمقته بها حين رأته بأول وهلة، لم تهتز الأنثى التي بداخلها أمام هيئته الملفتة، ربما هذا كان بداية التحدي بداخله، فليست تلك الفتاة الصغيرة التي ستهزم كبريائه، بل سيتبع كل الطرق ليصل إلى تلك النظرة التي ترضي غروره.
فابتسم وقال: بس عارفة لو كانت حلوة زيك وعيونها جريئة كنت إتجوزتها رسمي مش عرفي، وكنت حبستها جوا البيت ده مخرجتش منه.
اقتربت منهما الخادمة وقاطعت حديثهما وقالت: العصير يا هانم.
انتبه فارس إليها ورمقها بنظرة غاضبة ارتعشت أوصالها أمامه على أثرها، فسقط الكوب وانسكب العصير على ملابس يارا، وقف فارس غاضبًا وقال: إنتي إيه اللي عملتيه ده! إنتي مرفوضة، اطلعي برا البيت حالًا.
وقفت يارا وقالت: لأ الموضوع مش مستاهل رفض، عادي بتحصل يعني مش قصة، لو سمحت بلاش تقطع عيشها.
نظر لها فارس وحاول أن يتحكم بغضبه في سبيل الإيقاع بها فقال: عشان خاطرك إنتي بس، اللي زيك يأمر وإحنا ننفذ.
تنهدت بضيق ونظرت إلى الخادمة وقالت: ممكن تقوليلي الحمام فين.
الخادمة: طبعًا يا هانم، أنا أسفة جدًا على اللي عملته.
يارا: ولا يهمك حصل خير.
تحركت أمامها وتبعتها يارا حتى وصلت إلى المرحاض، دخلت يارا وقامت بتنضيف ملابسها وهي تفكر بشخصية فارس، قوي... جريء... ولكن الشيطان سيطر عليه كليًا، المال والسلطة منحاه قوة محملة بالغرور الذي جعله متجبر.
بعد وقت، خرجت من المرحاض لتتفاجأ بفارس يقترب منها على حين غفلة، ارتدت إلى الخلف بذعر وارتطمت بالحائط، فرفع كلا ذراعيه بجوارها ليمنعها من الحركة، واقترب بجسده منها حتى كدا أن يلتصق بها، ثم قال بصوت هادئ متعمدًا أن يخترق حواسها به: طمنيني، الفستان نضف؟
سيطرت يارا على ارتباكها فورًا بخبرة الطبيبة النفسية، ونظرة له بثقة وقالت: نضف، بس المفروض تخاف على هدومك الشيك ديه بدل ما تتلطش بالدم على أيدي.
فتح فارس عينيه بإعجاب وقال: واو، شرسة أوي، لأ بجد عجباني، وعينيكي اللي مفيهاش ذرة خوف مني ديه هتخليني أحطك في دماغي أكتر، وعلى فكرة ده هيوقعك في بير فارس السيوفي اللي مش هتعرفي تخرجي منه.
يارا: بس فارس السيوفي معندوش بير، هو أقرب إنه يكون حفرة من حفر جهنم اللي عمري ما هقرب منها، وفر ألاعيبك على حد غيري يا دكتور، أن أبعد مما تتخيل عنك.
رفع فارس يده ووضعها فوق رقبتها بحنان ثم بدأ يحرك أنامله إلى أسفل ببطء، مما أصاب جسدها بالقشعريرة، ثم قال: بالعكس، إنتي بين إيديا.
دفعته يارا بعيد عنها بقوة، فارتد إلى الخلف وتحولت نظراتها إلى الغضب وقالت: الظاهر إني كنت فاكرة إني بكلم بني آدم، لكن في الحقيقة إنك مش أكتر من حيوان بيجري ورا شهواته وبس، ومفتكرش إن واحد زيك هيشفق على حالة واحدة زي نيفين وده بينهي مهمتي هنا.
تحركت سريعًا من أمامه وغادرت المنزل على الفور، أما فارس فرمقها بنظرة ثاقبة، لقد رفعت مستوى التحدي أمامه ولن يتركها تفوز بالمعركة.
عودة من الفلاش باك
لا تزال تتذكر لمسته لها، كانت بالماضي تكره مشاعرها التي تحركت بداخلها أثرها، ولكن مع هذا الفارس الجديد الذي وقف في ساحة الحرب معلنًا غزوًا جديدًا داخل قلبها؛ جعلها تتذكر لمسته بشعور مختلف.
نفضت تلك الأفكار عن رأسها وهي تردد بصوت مسموع قليلًا: متقعيش يا يارا، متقعيش.