📁 آخر الروايات

رواية سكن مشترك الفصل السادس 6 بقلم نورهان علام

رواية سكن مشترك الفصل السادس 6 بقلم نورهان علام


|6|

"فارس... أوعي متسفرش."

كنت بحلم، أحلام جميلة أوي، مكنتش مستني منها "خليك عشاني"، بس كان باني أحلام إنها لو حست إن في احتمالية ميسافرش... متخفش، الفكرة متكنش مرعبة للدرجة اللي هي فيها دلوقتي.

بلعت ريقي وغصة في قلبي وأنا بقول لها بهدود مستسلم:

"متخافيش يا غالية... أنا عند اتفاقي وكلمتي، هسافر."

حسيت بتنهدتها المتعبة، ومتكلمناش. خرجت أمي وإحنا ساكتين، مكنتش حمل أي حاجة. قومت وأنا بقول:

"أنا حطيته عشانك، عشر دقايق وهغسل ظهري وأنزل."

انشغلت مع أمي، وأنا فضلت قاعد سرحان لغاية ما العشر دقايق عدوا وغسلت ظهري بمعاناة، وبعدين أخدت التيشيرت ولبسته وأنا بقول:

"يلا."

قامت معايا، وطول الطريق مفتحتش بوقي بكلمة، وكذلك هي، والصمت أصحاب.

وصلنا الحضانة، وكان تقريبًا في حد يعرفها لأنه رحبوا بينا، وأنا استكشفت المكان، بصيت على كل حاجة فيه؛ من أبواب الخروج، للكاميرات المراقبة، للي شغالين. مكنش كبير أوي، بس الأوضة بتاعة استراحة المدرسين مكنش ينفع أدخلها، كانت مختلطة.

فكسرت الصمت بينا من الصبح وقلت:

"طبعًا مش محتاجة أقول إنك متقعديش في الأوضة دي مهما حصل."

هزت راسها بتفهم، وفي نفس الوقت استغراب.

لأني في العادي مبسكتش، بحاول وبحاول، وأقرب خطوة وهي بترجع نص خطوة قصدها. مبطلتش محاولة، بس النهاردة المحارب مهلوك. سمعت كلمتين بس خلوه يحس إنه بيخسر قبل ما الحرب تبدأ. محتاج استراحة بس عشان النهاردة أنا مش هقدر أتحمل أي رفض بسيط منها.

خلصنا مشاوير الحضانة وكنت مطمن نوعًا ما. وصلتها البيت واختفيت طول اليوم، وبعد ما خلصت مشاويري روحت الجيم. كان المفروض أتمرن ساعتين، معرفش إزاي بقوا خمسة.

الساعة كانت ٢ الفجر وأنا واقف قصاد الباب. كنت بفكر أخبط، لكن زمانها نامت، عشان كده فتحت براحة، لكني لقيتها على الكنبة، صاحيه، الموبايل في إيديها.

سألتها:

"صاحيه ليه لغاية دلوقت؟"

"مجاليش نوم... إنت اتأخرت كده ليه؟"

سؤال فلت منها، وباين عليها جدًا إنها بتحاسب نفسها على نطقها بيه.

قربت من باب أوضتي وأنا برد بهدوء:

"خلصت مشاويري واشتريت كام حاجة عشان السفر خلاص، وعديت على الجيم أخد التمرينة بتاعتي."

دخلت وقفلت الباب من غير كلام. فضلت مرمي على السرير لمدة وقت محترمة، معرفش تعبان من التمرين ولا من اليوم الطويل اللي مش راضي يخلص.

طلعت لنفسي هدوم وفوطة، وبعدين خرجت. مكنتش موجودة في الصالة، توقعت إنها دخلت أوضتها، ورحت على الحمام.

وقبل ما أفتحه من بره، لقيته اتفتح من جوه. واقفة قصادي، شعرها مبلول وبينقط بغزارة.

لحظة اتخضت، وشدت على طرف بيجامتها عند الرقبة. ركزت زيادة عن اللزوم في المنطقة دي بحاول أفهم، لكن هي عدت من جنبي بسرعة، وراحت على أوضتها.

===============================

كام ساعة بتوع الفجر عدوا هوا، مكنتش عارف أنام. قومت نزلت أصلي، وكنت عارف إنها مش بتصلي، عشان كده مخبطتش على الباب زي كل يوم.

لاحظت دا طول النهار. طلعت ودخلت على المطبخ على طول، لكني اتخضيت ورجعت خطوة وأنا بشوفها واقفة قصاد الثلاجة.

"إنتِ صاحيه؟ محتاجة حاجة؟"

"معرفتش أنام... إنت داخل المطبخ تعمل إيه؟"

"قهوة."

رديت وأنا بعدي من جنبها وجبت الكنكة والبن، لكن جات وقفت جنبي وقالت:

"لو ضروري أوي يعني ممكن أعملها، لكن لو مش هتعمل حاجة مهمة ارتاح أحسن. الطيارة بتاعتك الفجر الجاي، وهتبقى مشغول طول اليوم، مش هتعرف ترتاح."

فضلت باصص في عيونها لثواني. كانت بتفكرني بكل حاجة مش عاوز أفتكرها، وأولهم حدودي.

نزلت عيني على الكنكة وبدأت أحط البن وأنا بقول:

"ورايا حاجات لازم أعملها."

"طب خد دش بارد يفوقك وأنا هعملك القهوة."

كان في إصرار عجيب منها.

سلمت لها، وفعلاً روحت على الحمام على طول وضبطت المية الباردة. فضلت واقف مكاني، مصدع، مخنوق، مش عاوز الساعات دي تعدي، زي اللي مستني معجزة وهو عارف إن زمن المعجزات انتهى.

لقيت خبطاتها البسيطة على الباب وصوتها:

"فارس... إنت تمام؟"

سكت لوهلة وأنا بستوعب إني ماخدتش هدوم تاني، فقولت لها:

"معلش... ممكن تطلعي ليا هدوم عشان نسيتها؟"

"طب استنى."

فعلاً دقيقتين مثلًا ولقيتها بتخبط، ففتحت ومخرج راسي أشوف الهدوم في الأرض زي المرة اللي فاتت، لكني بلعت ريقي لما لقيتها هي اللي واقفة، إيديها ممدودة وعيونها في الأرض.

أخدتهم بسرعة وقفلت الباب في وشها وأنا بحاول أستوعب هي بجد وقفت تديني حاجة.

لبست بسرعة وخرجت عشان ألحق القهوة.

قعدت مكاني على الأرض، واللاب على الترابيزة جنبه القهوة، وكمان الورق موجود. مكنتش مجهز كل دا أصلًا.

فتحت اللاب وبدأت مراجعة. امبارح لما كنت بتكلم اكتشفت إن في تاسك من قبل كتب الكتاب كنت المفروض أعمله وأنا نسيته ومسلمتوش، والشركة اللي سبتها لما قرب معاد تسليمه اللي هو بعد يوم بعتوا ليا، لأنه المفروض على ذمتي.

ودي كارثة، لأني خلاص هبقى ماشي. عقد الشركة بكرة بالكتير، وشغال على تاسك شركة تانية، عشان كده دا لازم يخلص.

فضلت مسحول لساعتين تلاتة، وفجأة قطعني فتحة باب البلكونة.

رفعت عيني بصدمة وأنا بشوفها خارجة منها. عيونها محمرة، باين جدًا إنها معيطة.

لكن هي كل دا منمتش!

بصراحة قلقت، قلق رغم تعبي وخوفي من أي ذرة رفض منها.

مع ذلك سألتها وقلت:

"صاحيه ليه كل دا؟ في حاجة مضايقاكي؟"

هزت راسها وقالت:

"مش عارفة، قاعدة طول الليل أتقلب لغاية ما زهقت، وطلعت الصالة. لما جيت حسيت إني نعست شوية، لكن برضو مش عارفة أغمض عيني لغاية دلوقتي."

كنت أتمنى إن كلامها يكون معناه إني لما جيت اطمنت ولو شوية ونعست، بس لا، أكيد دا مش قصدها.

ابتسمت بهدوء وقلت:

"ما تفكريش كتير، صفي دماغك وشغلي قرآن وحاولي تنامي."

فضلت واقفة لحظات، بعدين دخلت أوضتها وأنا كملت شغلي لغاية بعد الظهر.

نزلت صليت وطلعت، لقيتها بتقول:

"كنت لسه هرن عليك، ارتاح شوية بعدين انزل هات فطار عشان لازم تاكل."

نسيت خالص الحوار دا، فعليًا مكنش معايا وقت، عشان كده قولت لها:

"افتحي طلبات، اطلبي اللي إنتِ عاوزاه وهيجيبوه، بجد ورايا حاجات كتير لازم تخلص على العصر."

"ربنا يقويك."

قالتها وأنا قاعد على الأرض أكمل شغلي.

وأخدت صدمة عمري، إنها قعدت على الكنبة جنب راسي تقريبًا.

معرفتش مبصش لها، وفعلاً بصيت لقيتها مركزة في شاشة الموبايل وهي بتقول:

"تفطر حاجة معينة، ولا أفطرك على مزاجي؟"

رمشت مرتين ورا بعض، وهي عيونها على الموبايل، وفجأة حطيته في عيني وهي بتقول:

"طاسة بيض بالسجق والجبنة السايحة؟"

ابتسمت وأنا شايف قد إيه هي مشتهاه كده فعلًا، فقولت:

"أشطا، اعملي اللي نفسك فيه."

حواجبها ضاقت للحظة، بعدين قالت:

"لو مش عاوز خلاص، أعملك بيض وجبنة."

استغربت إزاي كان باين عليها حماس، ولو بسيط، ودلوقتي رجعت نظراتها الفاترة.

"لا، عاوز أجرب والله... اطلبي اللي نفسك فيه."

رجعت عيونها للموبايل، وفضلت قاعدة وأنا مركز في شغلي قدر الإمكان.

أصلها عمرها ما قعدت في حتة قريبة مني كده.

بعدين الموبايل رن، عامل التوصيل طبعًا.

قبل ما ترد، خطفت الموبايل منها وأنا بكلمه وبنزل له الحساب والسبت وهي واقفة.

"خطفت التليفون مني كده ليه؟"

"طول ما أنا موجود مافيش داعي تكلمي دليفري."

"طب ما بكرة إنت ماشي، وكل ما أطلب حاجة هكلمهم أنا."

نظراتها... كان فيها حاجة أول مرة أشوفها، مكنتش عارف أحللها.

وبعد ما كنت كويس شوية، جات جملتها ورجعتني لتحت الصفر.

بتفكرني إني مسافر.

مكنتش متخيل اليوم اللي حلمت بيه، وبجد بقالي سنتين بخطط له، هيبقى بالشكل دا.

اديتها الحاجة من غير كلام، ورجعت أكمل شغلي.

وهي غابت شوية صغيرين، بس الريحة كانت مشتتة تركيزي.

لغاية ما جات بصينية عليها طاسة ريحتها اتنشرت، وجنبها عيش محمص.

حطيتهم قصادي، وطبق جنبه كريمي شكله يجنن، كانت مزيناه بتوابل وخضرة.

"بقالي كتير أوي مفطرتش كده... في العادي بعمله لما يكون مودي مش ألطف حاجة، وباين عليك مضغوط ومودك مش تمام... قولت يمكن الفطار يروق عليك."

تقريبًا دي أطول جملة سمعتها منها بعد الجواز.

جملة طويلة وجميلة زيها.

بسمتي خرجت من غير ما أحس، وأنا مبسوط إنها لاحظت مضايقتي وانشغالي، وعملت لي ولو حاجة بسيطة... عشاني.

أكلت أول لقمة.

الأكل حلو أوي، معرفش حلو ولا عشان هي عملاه لي.

كنت مستمتع ومركز على الأكل، نسيت حتى أشكرها.

"عجبك؟"

"تحفة!
تسلم إيدك... من وقت للتاني ابقي اعمليهولنا."

سكتنا شوية، وأنا بدرك إن الأحلام والتخيلات سرحت بيا شويتين تلاتة.

لكنها لطفت الجو وقالت:

"كل أجازة تنزلها هبقى أعمله... وممكن كمان أعلمك تعمله، هو سهل جدًا."

خلصنا أكل، وأنا خلصت على الطاسة بصراحة.

وبعدين كملت شغلي اللي أخيرًا قرب يخلص نوعًا ما.

وقبل العصر بشوية خرجت من أوضتها وهي لابسة فستان ولفة طرحتها وقالت:

"فارس... إنت بجد صعبان عليا وشكلك مشغول، هروح أنا عند ماما لوحدي، وبليل تبقى تيجي تاخدني عادي، مش لازم تيجي يعني."

"مينفعش، دي تاني مرة تروحي بيت أهلك، لازم أكون معاكي، والمرة دي بالذات لازم عشان أعرفهم بموضوع سفري... معرفش ليه إنتِ رفضتي كل دا نقول لهم."

"عشان سعاد وكريمة هيعملوا فيا العجايب عشان أمنعك تسافر، وأنا كنت مستحملة كريمة بالعافية، ربنا ما يوريك أمي كانت ممكن تعمل فيا إيه."

"طب استني ألبس."

===============================

خلصنا من بيت أهلها، كان فيه هزار خفيف بيغطي على حزن إني مسافر. كنت زعلان لأني مضطر أكدب عليهم، لأننا قولنا لهم زي ما قولنا لعيلتي، إني بعد ٣ شهور هرجع إجازة وآخد غالية، وأكيد مش هسيبها أكتر من كدة. لكن الحقيقة إنها هتبقى مدة أربع سنين.

كنت واخد عربية طه صاحبي، الشهرين دول كانت معاه لأنه سبقني وسافر قبلي بشهرين. المسافة بين بيتنا وبيت أهلها مكنتش كبيرة، لكن كان ورايا مشوار، وفجأة جاتلي مكالمة إن المشوار اتلغى.

"كدة إنت مش رايح في حتة؟"

هزيت راسي بـ"لا" وقلت:

"هوصلك وأتمشى شوية... أشبع من الشوارع شوية."

"ينفع أجي معاك؟
لو عاوز يعني تبقى لوحدك خلاص."

نبرتها كان فيها استئذان. كنت مركز عليها ومركز على توترها وهي بتعدل الطرحة كالعادة في نفس المكان. سكت لحظة، فخلتها تقول:

"خلاص لو مش حابب روحني."

"لا لا... حابة تروحي فين؟
أنا بس استغربت."

"بص، أنا معرفش أماكن كتير في القاهرة، شوف إنت بتحب تروح فين وإنت مخنوق ووديني."

ابتسمت بخفة، وضربات قلبي عاملة حفلة. كانت بتتعامل عادي، ملامحها مرتاحة جنبي، وعيونها فيها رغبة إنها تبقى معايا، كأنها محسبتش اللحظة دي.

مفكرتش كتير، اتحركت بالعربية ناحية البيت. لقيتها عقدت حواجبها باستغراب، فقلت بسرعة وأنا بضحك:

"هنطلع بس تغيري الطرحة دي عشان قصيرة، وهاخد حاجة من البيت وننزل تاني."

هزت راسها ونزلت فعلًا معايا. طلعنا، أخدت فلوس من البيت، وهي غيرت الطرحة وخرجت بتلف وبتقول:

"الطرحة تمام كدة؟"

بصيت لها بفرحة وهي بتاخد رأيي. كانت جميلة في اللون النبيتي، والطرحة زودتها حلاوة، فقلت بإعجاب:

"طولها نوعًا ما كويس... بس محتاجين نشتري طرح أطول من كدة. لكن اللون حلو أوي عليكِ."

بصت في الأرض شوية وسكتت، وبعدين راحت ناحية الباب وقالت:

"بفكر أرجع ألبس طرح طويلة زي الأول."

"أدعم وبشدة."

سكتت شوية وفتحت الباب ونزلنا. كانت لسه ساكتة، لكني نكشتها وقلت لما ركبنا:

"بس اللون النبيتي ممنوع بعد كدة."

بصت لي، وكان باين إنها بتفكر في حاجة بتركيز شديد.

"إشمعنى؟"

"بيحليكي أكتر... مظنش يعني فيه راجل يحب مراته تبقى حلوة بزيادة كدة في الشارع."

"يعني الطرح الطويلة حلوة فيا؟
مش عاملة زي الستات الكبيرة؟"

خرج السؤال زي الطلقة، كأنها سألت نفسها السؤال ده ألف مرة لدرجة إنه خرج بصوت عالي أخيرًا.
سكت شوية احترامًا للخبطة اللي جواها، ولما بصت لي كأنها مستنية الرد، قلت:

"بصي... الحجاب أصلًا فرض عشان يخبي جمالك. طبيعي لما تلبسي براحتك وتفردي شعرك وتتزيني تبقي في أعلى درجات جمالك. لكن برة إنتِ مأمورة تخبي ده. عمرك ما هتبقي وحشة، بس طبيعي تحسي إن جمالك أقل. أصل خسارة الجمال ده اللي يسوى واللي ميسواش يشوفه... الجمال ده حقك لوحدك تخرجيه لصاحب الحق فيه."

مكنتش عاوز أوضح أكتر أو أشرح إن الوحيد اللي يشوف جمالها هو جوزها. كفاية أصلًا إني وأنا بتكلم كانت عيونها بتدمع وهي بتحاول تداريها.

معرفش ليه، بس قلبي وجعني لتكون الدموع دي بسبب كلامي.

اتحركت بالعربية، وبعد شوية كنت في مصر الجديدة عند محل شاورما هناك جامد أوي.
ركنت قدامه وقلت:

"تاكلي في الطريق ولا في المطعم؟"

سكتت لحظة وقالت بابتسامة:

"مبحبش الكافيهات والمطاعم... لو هتعرف تاكل وإنت سايق، خلينا ناكل في الطريق."

هل انا بستعبط؟
أيوة.
لكني حبيت أرخم وقلت:

"أظن هحتاج مساعدتك سيكا وأنا سايق."

"عادي... هاتلي اتنين شاورما فراخ وزود التومية."

"من عيوني."

قولتها بابتسامة ومشيت على طول. غبت ربع ساعة تقريبًا وجبت الأكل ومعاه عصير مزارع دينا، ورجعت العربية
.
"عارف الناس بتشرب بيبسي... لكن إنت بتحبي الفريش، وكمان العصير أفيد."

ابتسمت ابتسامة دافية أوي وهي بتبص للعصير ولامساه بحب.
معرفش، بس حسيت إن فيه امتنان كبير في عيونها.
اتحركت بالعربية على سرعة هادية عشان تاكل.

"طب إيه؟
إنتِ نسيتيني ولا إيه؟"

شهقت وسابت الساندويتش بتاعها، وفتحت واحد ليا وقالت:

"آسفة... بس الأكل تحفة. أحط لك تومية ولا سبايسي؟"

ابتسمت وأنا بشوفها بتجهز الساندويتش وقلت:

"ميكسّي."

حطت من الاتنين ومدته ليا وقالت:

"خد."

"طب لما الرادار يلقطني وأنا سايق وباكل... هتدفعيلي المخالفة؟"

سأست بشفايفها صوت اعتراض، فضحكت عليها وهي قالت:

"أعملك إيه يعني؟"

"أكليني يا غالية... مش هآكل إيدك يعني. أنا على فطاري على فكرة."

كررت صوت الاعتراض تاني، واتعدلت في قعدتها عشان تأكلني فعلًا.
الأكل بيحلو والله من إيدها.
أكلتني نص الساندويتش، وبعدين سابته وأكلت بتاعها وهي بتقول:

"كل ده والرادار معداش؟"

"الشارع ده أصلًا فيه أربع رادارات."

"جايز... إحنا رايحين فين أصلًا؟"

"كورنيش المقطم... القعدة هناك حلوة. ولو ليكي في القهوة هشربك أجمل قهوة ممكن تشربيها."

"أمم... ممكن أجرب. أنا أصلًا ريحة القهوة بتتعبني، بس لو واثق إنها حلوة ممكن أجرب."

فضلت عيوني عليها هي والطريق، شوية عليها وشوية مركز في الطريق لغاية ما وصلنا. كانت باصة للمكان بانبهار. المكان لسه متجدد ومبقالوش سنة، وهي مجتش قبل كدة. أنوار وكافيهات ومطاعم هادية، لكني ركنت في حتة هادية جنب الكافيه اللي بجيب منه القهوة وقلت لها:

"بلاش تشربي من النوع اللي بجيبه، إيه رأيك أجيب لك فرنسي بندق مثلًا؟ خفيفة وبيعملوها حلوة."

"مافيش مانع... ممكن أنزل أقف جنب العربية."

متكلمتش، لكني فتحت لها الباب. ودخلت بسرعة طلبت القهوة وخرجت لها لقيتها قاعدة على الكبوت، فنطيت جنبها وسألتها:

"إيه رأيك في الفيو؟"

"حلو أوي..."

سكتنا شوية، عادتنا مافيش حوار بيستمر أكتر من خمس دقايق. كنت بفكر أفضل ساكت، مش عاوز فعلًا أتكلم في أي حاجة ممكن تعكر اللحظة دي. عاوزها تفضل محفورة في بالي لشهور قدام، لكن غالية كان ليها رأي تاني وهي بتقول لي:

"فارس... إحنا هنعمل إيه في حضن المطار؟!"

صراحة، الـ mood اتشغل.

خدت الصدمة بجد، وفضلت متنح شوية شايف توترها اللي مخبياه ومصدره ليا. وش واحدة بتناقش قضية مجتمعية لا حياء فيها. كنت حابب أرخم شويتين، لكني هديت اللعب وقلت:

"دي المشكلة اللي شغلاكي؟"

زفرت وهي بتبص قدامها، وفضلت ساكتة، وقبل ما أتكلم سبقتني وهي بتقول:

"مدركة إنه ضروري، بس... مش عارفة، لازم حضن أوي يعني؟"

"يعني واحد بيودع مراته عشان مسافر شهور، أظن الموضوع ممكن يمشي بسلام بالإيد... الحضن أوفر أوي بصراحة."

ضحكت... الضحكة خرجت غصب عنها، وملامحها عليها ضيق طفولي، وقالت:

"أكتر من خمس ثواني مش هسمح."

"وكريمة تمسك لك Stopwatch، حاضر."

"إيه؟ عاوز تطول عن خمس ثواني؟!"

"يا ستي صلي على النبي، أنا مش عاوز حاجة غير إني أريحك."

"تريحني إيه... مينفعش متحضنيش بس.. هرتاح كدة؟"

"صلي على النبي الأول بس... وبعدين نتكلم خمس جد. أنا جوزك شرعًا، مش حرام، وبعدين ثقي فيا، مش هطول ولا هرخم عليكي. حضن يقضي الغرض وهروح لحضن أمي، هي أصلًا مش هتبقى مركزة علينا وممكن تخطفني منك."
"عليه الصلاة والسلام... تمام، موافقة. يلا نروح بقى عشان تلحق تنام، طيارتك الساعة سبعة الصبح."
"الساعة لسه ١١، وكل حاجة جاهزة. أصلًا القهوة اللي طلبناها لسه مجتش... استمتعي بالهوا ومتشيليش هم حاجة."
روحت جبت القهوة، ونوعًا ما كانت عجباها، بس أول ما خلصنا أصرت إننا نروح. الطريق كله ساكتة وأنا بتفرج عليها وهي سرحانة مع الطريق.
فتحت لها الشباك بتاعها أكتر وقلت:

"خرجي إيدك لو عاوزة."

ابتسمت وبصت لي ثواني، وفعلاً عملت كدة، والهوا بيلعب في صوابعها. من غير ما تلاحظ كانت مبتسمة وباصة للهوا والسما. لو ينفع أحتفظ بشكلها وهي كدة في صورة، كنت عملت.

===============================

وصلنا تحت البيت على الساعة ١٢ ونص. أول ما دخلنا طارت على أوضتها وخرجت في إيدها هدوم وفوطة وسألتني:

"محتاج الحمام؟
عشان هتأخر."

"لا، خدي راحتك"

دخلت الحمام فعلًا وغابت. أنا كنت بكلم صاحبي أعرفه إن أحمد أخويا هيرجع العربية تحت بيته لما أسافر بكرة، وقعدنا نتكلم شوية كعادتنا.

صاحبي الوحيد، اللي كان مشاركني في كل اختيار مجنون ومتهور أخده. من ساعة ما سبنا الهندسة واتعلمنا تسويق وبقينا ناجحين على الحركرك، مكنش بيحب القراءة زيي، بس كل سنة بيتسحل معايا في معرض الكتاب.
غيابه الشهرين دول كان فارق في نفسيتي، حتى لو كنت مشغول أكتر مع غالية، بس كنت محتاجه. وفكرة إني هسافر وهنحشر أنا وهو في شقة واحدة، على قد ما كانت فكرة حلوة وسعيدة، بس بقيت مضايق، عشان خلاص اتعودت وحبيت العيشة مع صمت غالية وحركتها وأكلها.

خرجت من الحمام أخيرًا، وقبل ما تدخل على أوضتها نطقت:

"استنى، في حاجة نسيت أديها لك."

لفتت ليا واقفة مستنياني، فقومت وجبت شنطة اللاب اللي جيت بيها امبارح وقلت:

"ده اللاب بتاعي القديم، كان بايظ. صلحته عشانك. هو كويس، كان بايظ فيه بس البطارية، لأني شغلي على اللاب تقيل أوي وكان لازم أحدثه... وبإذن الله وأنا راجع هجيب لك واحد أحسن."

برقت لي وقعدت على الكنبة وهي بتقول:

"ليه تكلف نفسك وتصلحه؟
أنا معايا موبايلي، مش محتاجة لاب. وبعدين أوعى تشتري حاجة وإنت راجع... لا لاب ولا غيره... تمام؟"

"صدقيني هينفعك في حاجات كتير. عمومًا هو بقى بتاعك خلاص واتصلح علشانك، وموضوع اللاب الجديد ده نبقى نشوفه بعدين."

سكتت شوية، وبعدين قامت وهي بتسألني:

"إنت مش هتنام؟"

هزيت راسي وقلت:

"كان نفسي والله... بس طول ما دماغي مشغولة مش بعرف أغمض ساعة حتى. ممكن أخطف ساعتين في الطيارة."

"مدة الرحلة قد إيه أصلًا؟"

"أربع ساعات ونص تقريبًا."

"طب ما تجرب تنام؟
خد دش دافي وصدقني هتنام."

ابتسمت لها. فعلًا تعبان جسديًا، لكن أنا عارف إني مش هغمض غير لما جهازي العصبي ينهار. طول ما أنا بفكر في كمية الحاجات دي مش هنام.
بس قلت لها بإحراج، وحبيت أشاركها جزء من تفاهتي:

"هقوم أخد دش وأرجع أتفرج على كرتون يشتت مخي شوية."

===============================

قام فعلًا على أوضته، أخد هدومه وبعدين دخل الحمام من غير كلام. أصلًا مبركزش على نص الكلام اللي بيقوله، هيقول إيه يعني؟
اتأخر شوية صغيرين جوه، وأنا معرفش انا قاعدة ليه.

اللي حصل اليومين اللي فاتوا شاغل بالي. اتصرفت بطريقة مجنونة، مكنتش بحسب تصرفاتي. تأقلمت مع الوضع الجديد، البيت الجديد والحياة الجديدة اللي هتستمر لكام سنة، فأكيد مكنتش هفضل عايشة ورا باب الأوضة ده.

خصوصًا إن فارس فعلًا كل مرة بيثبت براءته وحسن نيته. عندي كلام كتير عاوزة أقوله له، بس معنديش الجرأة أقوله في وشه.

سمعت صوت باب الحمام بيفتح، وهو ماشي في الصالة، الفوطة مغطية وشه وبينشف شعره... وبدون تيشيرت!
حطيت راسي في الأرض بسرعة وتوتر، وصوتي خرج متلجلج وأنا بقول:

"إيه ده يا فارس!"

سكت لحظة كأنه بيستوعب إني لسه موجودة، فرفعت عيني لقيت نظراته مستغربة وقال:

"إنتِ مدخلتيش تنامي؟"

قالها ودخل على طول لأوضته عشان يجيب تيشيرت، وفعلاً خرج وهو لابسه وقال بتبرير:

"التيشيرت اللي أخدته معايا الحمام وقع في اليمامة، وتوقعت إنك تكوني دخلتي تنامي... إيه مقعدك؟"

"قولت أتفرج معاك على الكرتون... أهو تكون أخذت مقابل كل اللي بتعمله، مش كده؟"

اتسحبت من لساني وقلتها. مكنتش عارفة بعمل كده ليه. كل حاجة ليا مبهمة. بس لما قال إن الكرتون بيشتت عقله، قولت: وفيها إيه نشتت عقلنا إحنا الاتنين؟ إحنا تعبانين ومحتاجين استراحة ولو بسيطة.

"ممكن تشغل لنا إنت... علاقتي بالكرتون مش أقوى حاجة."

كان مصدوم وواقف مكانه متحركش، لغاية ما قعد على الأرض، وبسرعة كان بيعرض عليا قائمة طويلة:

"بصي... البنات بتميل لرابونزل أو فروزن مثلًا، لو حابة حاجة منهم نشغلها... لو عاوزة مغامرات والجو الهادي ده فممكن تختاري الجزء اللي بتحبيه من تنانين فرسان قرية بيرك، ولو حاجة فيها عمق وفكرة فعلًا تعجبك ممكن 'Soul' بس ده أغلبه موسيقى فهنستبعده، والأجمل بقى هو 'قلبًا وقالبًا'."

شكله كان عسل وهو متحمس، زي الطفل بجد، وعيونه بتلمع وكل شوية يوريني بوستر من اللي بيقوله. مكنتش أعرف غير أول اتنين ذكرهم.

فعلاً علاقتي بالكرتون مش قوية، تكاد تكون نادرة، حتى طفولتي مكنش فيها كرتون أو أغاني أطفال. لكنه لسه لحد دلوقتي مخبي حتة طفولة جواه، وحلو أوي إنه بيطلعها معايا... يمكن لأني أنا اللي عرضت.

لكن هو اللي فتح الباب ده من الأول، ليه حد يكشف لحد جزء سري فيه لو مش شايفه مهم بالنسبة له زي ما أنا شايفاه كده؟

"روحتِ فين؟"

قالها وهو بيحرك إيده قدام وشي عشان أنتبه، فقلت:

"الأخير ده البوستر بتاعه شكله لطيف... في كائنات صغننة مع البطلة."

اختارت أكتر بوستر بعيد عن الرومانسية، يكون فيه بطلة لوحدها أو بطل، وده كان شكله لطيف فعلًا والاسم غريب فخطفني.

شغّل الكرتون وهو بيقول بهزار وكلامه له مغزى مش فاهماه:

"أعتقد هتحبي 'Fear' أكتر واحدة."

الكرتون بدأ، وفي بدايته مكنتش متوقعة إنه هيعجبني، بس فضلت مكملة ومركزة وبدور على الشخصية اللي قال اسمها، لغاية ما ظهرت فشهقت وأنا مستوعبة إنه قصده على الخوف.

"تقصد إني خوافة؟"


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات