📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل السادس 6 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل السادس 6 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

البارت السادس
في صباح اليوم التالي، لم تنتظر سعاد كثيراً.
كانت قد أمضت الليل كله تنفخ في رأس زوجها، تذكره بأن شعاع ابنته، وأن الناس بدأت تنساها وتنسبها إلى بيت البيبية، وتذكره بالجنبر والمال الذي يدخل منه كل يوم.
ومع كل كلمة كانت نار الطمع تكبر في قلبه.
وحين شرب استكان الشاي الصباحية، نهض من مكانه فجأة.
قال:
اليوم أجيبها.
ارتسمت ابتسامة خفية على وجه سعاد.
وقالت وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ:
إي والله، البنية أولى ببيت أبوها.
في ذلك الوقت...
كانت شعاع تقف خلف الجنبر الصغير تبيع للأطفال حلوى العلوجة واللبلبي.
أما سلمان فكان جالساً قربها يعد النقود بطريقته الخاصة، يتحسس القطع المعدنية بأصابعه ويحفظها.
والبيبية جالسة على عتبة الباب تراقبهما بابتسامة رضا.
فجأة...
ظهر أبو شعاع في رأس الزقاق.
كان يمشي بخطوات سريعة وعصبية.
حتى وصل إلى الجنبر.
توقفت شعاع عن الحركة.
وشحب وجهها.
أما البيبية فنهضت فوراً.
وقف الرجل أمام الجنبر وقال بصوت مرتفع:
شعاع... يلا لمي أغراضج.
ساد الصمت.
حتى الأطفال ابتعدوا عن المكان.
نظرت شعاع إلى البيبية بخوف.
وقالت بصوت مرتجف:
ليش يابه؟
أجاب بلهجة حازمة:
لأن مكانج بيتج.
كافي قعدة هنانة.
ارتجفت يدا شعاع.
أما سلمان فوقف مرتبكاً.
وقال:
عمو... شعاع شمسوية؟
لم يجبه الرجل.
وتقدم خطوة أخرى.
يلا بنتي... لا تخليني أعصب.
وقفت البيبية بينه وبين شعاع.
وقالت بهدوء:
خير إن شاء الله؟
أريد بنتي.
البنية مرتاحة هنانة.
هاي بنتي مو بنتج.
بدأت أصوات الناس ترتفع في الشارع.
وخرجت النسوة من الأبواب.
وتجمع الأطفال قرب المدرسة.
أما شعاع فكانت تقف خلف البيبية ترتجف.
وتكاد الدموع تملأ عينيها.
قالت البيبية:
إذا تريد تاخذها... خلي أهل المحلة يسمعون أول.
غضب الرجل.
شنو دخل أهل المحلة؟
فدقت البيبية عصاها بالأرض.
وقالت بصوت قوي:
لأن هاي البنية مو بس بنتك.
هاي يتيمة الثورة كلها.
ساد الصمت.
ثم التفتت نحو أحد الصبية الواقفين.
وقالت:
اركض جيب الحاج جبار.
ثم أشارت إلى آخر.
وجيب الأستاذ كاظم.
وخلال دقائق...
بدأ الرجال يتوافدون من كل الجهات.
جاء الحاج جبار.
وجاء أبو حسين.
وجاء أبو علي.
وجاء الأستاذ كاظم من المدرسة بعدما سمع الضجة.
وامتلأ المكان برجال المحلة.
أما سعاد...
فكانت تراقب المشهد من بعيد.
وهي تظن أن الجميع سيقفون مع زوجها.
لكنها لم تكن تعلم أن الأمور ستسير بعكس ما تريد.
نظر الحاج جبار إلى الجمع وقال:
ما يصير نحجي بالشارع.
تعالوا للمضيف.
وأومأ الجميع بالموافقة.
أما شعاع فبقيت ممسكة بعباءة البيبية.
وكأنها تخاف أن يختطفها أحد.
فربتت البيبية على رأسها وقالت:
لا تخافين يمه.
اليوم الحقيقة راح تنحچي.
ومع تحرك الرجال نحو المضيف...
كانت سعاد تشعر لأول مرة أن الأرض بدأت تهتز تحت قدميها.
وأن الاجتماع الذي طلبته لاسترجاع شعاع...
قد يتحول إلى محاكمة لها هي.
....
دخل الرجال إلى مضيف الحاج جبار واحداً تلو الآخر.
كان المكان بسيطاً، مفروشاً بالبواري والحصران القديمة، وتتوسطه عدة استكانات شاي تفوح منها رائحة الهيل.
جلس الحاج جبار في صدر المجلس.
وعن يمينه الأستاذ كاظم.
أما أبو شعاع فجلس مقابلهما مباشرة.
بينما بقيت البيبية خلف الستارة ومعها شعاع وسلمان وعدد من نساء المحلة.
كانت شعاع ترتجف.
كلما سمعت صوت أبيها شعرت بالخوف.
وخلف الستارة كانت تمسك بيد سلمان بقوة.
أما سلمان فكان صامتاً يستمع لكل شيء.
تنحنح الحاج جبار وقال:
بسم الله نبدأ.
ساد الصمت.
وأضاف:
أبو شعاع يريد ياخذ البنية لبيته.
وأم سلمان تكول البنية تبقى يمها.
واحنه مجتمعين حتى نحجي بالحق.
هز الجميع رؤوسهم.
فقال أبو شعاع:
هاي بنتي.
والشرع والقانون يكولون بنتي.
وأني أريد أرجعها لبيتها.
ساد الصمت للحظات.
ثم التفت الحاج جبار نحو الأستاذ كاظم.
تفضل أستاذ.
عدل الأستاذ كاظم جلسته.
ثم قال:
قبل لا نحچي عن الشرع والقانون...
لازم نحچي عن الأمانة.
نظر مباشرة إلى أبو شعاع.
وأضاف:
أنت تدري شصار يوم الي غركت بالساكيه
تغيرت ملامح الرجل.
وهز رأسه.
سمعت سوالف.
أجاب كاظم:
مو سوالف.
كل رجال هالمجلس يعرفون شصار.
هز أكثر من رجل رأسه بالموافقة.
فأكمل:
ذاك اليوم شفت حامد بعيني.
من بعيد.
وهو يلحق شعاع.
ساد الصمت.
وأضاف:
وشفته يدفها.
وشفناها كلنا توقع بالساقية.
ضرب أبو حسين كفه بكف.
وقال:
إي والله شفناها.
الدنيا كلها انقلبت ذاك اليوم.
وقال أبو علي:
جانت راح تموت البنية.
الله سترها بس.
واصل الأستاذ كاظم:
مو أني وحدي.
نص المحلة شافوا الحادثة.
وهاي مو أول مرة.
التفت نحو الرجال.
وقال:
منو ما شاف حامد يتحرش بيها؟
ارتفعت عدة أصوات دفعة واحدة.
كلنا شفنا.
إي والله.
يومياً.
بالمدرسة وبالشارع.
وقال أبو حسين:
حتى الأطفال كان يحرضهم عليها.
يكولهم هاي المحروكة.
هاي تخوف.
هاي مو آدمية.
ارتفعت همهمات الغضب داخل المضيف.
أما أبو شعاع فبدأ ينظر إلى الأرض.
وأكمل الأستاذ كاظم:
وأني أسأل سؤال.
لو ما لحگناها ذاك اليوم...
لو غرگت بالساقية...
منو كان يتحمل ذنبها؟
ساد الصمت.
ولم يجب أحد.
ثم وقف أبو علي من مكانه.
وقال:
أني عندي كلمة.
أشار له الحاج جبار.
احچي.
قال الرجل:
أني ساكن حايط على حايط ويا بيت أبو شعاع.
وأعرف شعاع من كانت أمها فاطمة عايشة.
سكت قليلاً.
ثم أكمل:
هاي البنية كانت مثل الوردة.
تضحك والشارع كله يضحك وياها.
هز الرجال رؤوسهم.
وأضاف:
ومن ماتت أمها...
ومن دخلت سعاد للبيت...
انقلب حال البنية.
ساد الصمت.
ثم خرج صوت البيبية من خلف الستارة.
صوت متعب لكنه ثابت.
أريد أحجي.
قال الحاج جبار:
تفضلي أم سلمان.
قالت البيبية:
والله العظيم مرات تجيني شعاع ما واكلة من يومين.
انخفضت رؤوس بعض الرجال.
وأكملت:
ومرات أشوفها ترتجف من الجوع.
وأكعد أبجي عليها مثل ما أبجي على حفيدي.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت:
إذا ترجع لذاك البيت...
أني ما أضمن حياتها.
ساد المضيف صمت ثقيل.
صمت جعل الجميع ينظرون نحو أبو شعاع.
كان الرجل جالساً كأنه يحمل جبلاً فوق كتفيه.
فجأة قال الحاج جبار بهدوء:
هسه أبو شعاع...
بعد كل هالحچي...
تكدر تحلفلنا أن البنية راح تكون بأمان؟
رفع الرجل رأسه ببطء.
لكن الكلمات لم تخرج من فمه.
ولأول مرة...
وجد نفسه عاجزاً عن الجواب.
أما خلف الستارة...
فكانت شعاع تضم ثوب أمها إلى صدرها.
وتنتظر القرار الذي سيحدد مصير حياتها كلها.
.....
ساد الصمت داخل مضيف الحاج جبار.
كان الجميع ينظر إلى أبي شعاع.
أما هو فكان جالساً مطأطئ الرأس.
كأن السنين كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.
قطع الحاج جبار الصمت قائلاً:
أبو شعاع...
هذوله رجال يعرفون الله.
محد يريد يأخذ بنتك منك.
بس كلنا نريد نعرف شلون راح تحميها إذا رجعت.
لم يجب.
بقي ينظر إلى الأرض.
فتقدم أبو حسين وقال:
أخوية...
إحنا مو ضدك.
بس البنية عانت هواية.
وخايفين عليها.
وقال أبو علي:
كلنا شفنا شلون كانت تمشي بالشارع.
لا أكل.
لا صحة.
لا طفولة.
ثم تنهد وأكمل:
والله مرات جانت تكسر الخاطر.
خلف الستارة بدأت دموع البيبية تنزل بصمت.
أما شعاع فكانت تضغط على ثوب أمها بقوة.
كأنها تخشى سماع القرار.
وقف الأستاذ كاظم من مكانه.
وقال بهدوء:
أبو شعاع...
جاوبني بصراحة.
رفع الرجل رأسه ببطء.
نعم أستاذ.
قال كاظم:
إذا رجعت شعاع للبيت...
منو يضمن ما تتأذى مرة ثانية؟
لم يعرف ماذا يقول.
فسكت.
وأكمل الأستاذ:
منو يضمن ما تتعرض للجوع؟
منو يضمن ما تتعرض للإهانة؟
منو يضمن حامد يتركها بحالها؟
بدأ العرق يظهر على جبين الرجل.
وكانت الكلمات تثقل صدره.
نهض الحاج جبار من مكانه.
واتكأ على عصاه.
وقال بصوت هادئ لكنه حازم:
أبو شعاع...
أني أعرفك من عشرين سنة.
وأعرف أنك مو رجل ظالم.
بس الظلم صار ببيتك.
سواء شفته أو ما شفته.
ساد الصمت.
وأكمل:
والبنية هسه بأمان يم أم سلمان.
تاكل.
تنام مرتاحة.
وتلقى محبة.
ليش نرجعها للخوف؟
هز أكثر الرجال رؤوسهم بالموافقة.
وقال أبو حسين:
خليها يم البيبية.
وأنت أبوها وتكدر تزورها بأي وقت.
وقال رجل آخر:
وإذا تحتاج مصروف إحنا نساعد.
المهم البنية تعيش.
بدأت الكلمات تتجمع فوق قلب أبي شعاع كالحجارة.
كان يريد أن يتمسك بحقه كأب.
لكنه في أعماقه يعرف أنهم لا يكذبون.
تذكر شعاع وهي صغيرة.
تذكر أمها فاطمة.
وتذكر وصيتها له قبل موتها:
"دير بالك على البنية."
شعر بشيء ينكسر داخله.
ورفع يده إلى وجهه.
ومسح عينيه بسرعة حتى لا يراه أحد.
ثم قال بصوت مبحوح:
يمكن قصرت.
ساد الصمت.
وأكمل:
ويمكن ما انتبهت على هواية شغلات.
نظر نحو الرجال.
ثم نحو الستارة التي يعرف أن ابنته خلفها.
وقال:
إذا بقاها يم أم سلمان أحسن إلها...
أني موافق.
حبست البيبية شهقة فرح.
وامتلأت عيناها بالدموع.
أما خلف الستارة...
فشعرت شعاع أن قلبها عاد ينبض من جديد.
وأكمل أبو شعاع:
من هسه...
أم سلمان مسؤولة عنها.
وتبقى بنتي طول العمر.
وقف الحاج جبار مبتسماً.
وقال:
هذا الحچي الزين.
الله يبيض وجهك.
وتعالت أصوات الرجال:
أحسنت.
بارك الله بيك.
هذا القرار الصح.
في تلك اللحظة...
رفعت البيبية يديها إلى السماء.
وقالت بصوت مرتجف:
الله يرحمج يا فاطمة...
اليوم بنتج نجت.
أما شعاع...
فلم تستطع منع دموعها.
كانت أول مرة منذ سنوات تشعر أن أحداً اختار حمايتها...
بدلاً من التخلي عنها.
.....
كان عصر ذلك اليوم حاراً.
والأطفال يلعبون كرة القدم قرب الساقية المقابلة للمدرسة.
وكان حامد بينهم.
يصرخ ويضحك ويركض خلف الكرة.
وفجأة...
ارتطمت الكرة بحجر صغير.
وانحرفت نحو الساقية.
ثم سقطت في الماء الآسن.
توقف الأطفال عند الحافة.
أما حامد فخلع نعليه بسرعة.
وقال بثقة:
لا تخافون... أجيبها.
نزل إلى الساقية.
وبدأ يتقدم وسط الماء والطين حتى أمسك الكرة.
ثم عاد نحو الحافة.
كان ثوبه مبللاً بالكامل.
والماء يقطر من جسده.
ضحك أحد الصبية:
هسه أمك تذبحك.
فضحك حامد بدوره.
وقفز خارج الساقية.
وأمسك الكرة.
ثم ركض مبتعداً.
لكن بعد خطوات قليلة...
تعثر بحجر.
فمد يده بسرعة ليتوازن.
وكان أقرب شيء إليه...
عامود الكهرباء المحاذي للساقية.
ما إن لامست يده الحديد المبتل...
حتى دوى صوت مكتوم.
ورجف جسده بعنف.
تجمد الأطفال في أماكنهم.
وسقطت الكرة من يده.
ثم وقع على الأرض بلا حراك.
صرخ أحدهم:
حامد!
وركضوا مذعورين نحو البيوت.
بعد دقائق...
كان أهل المحلة كلهم متجمعين حوله.
وأبو شعاع جاثٍ على ركبتيه.
يحاول إفاقته.
لكن دون جدوى.
أما الأستاذ كاظم فوقف صامتاً.
وقد أدرك الحقيقة من أول نظرة.
كان الأوان قد فات.
أغلق عينيه بحزن.
وقال:
الله يرحمه.
فانفجر أبو شعاع بالبكاء.
وفي اللحظة نفسها...
في مستشفى الولادة.
كانت سعاد تصرخ من شدة المخاض.
والقابلة تردد:
دفعي... دفعي.
وبعد دقائق طويلة...
دوى بكاء طفل.
ثم بكاء طفل ثانٍ.
ابتسمت القابلة.
وقالت:
مبروك...
ولدين.
وقبل أن تفرح سعاد...
انفتح باب الغرفة بعنف.
ودخل زوجها.
كان وجهه شاحباً.
وعيناه محمرتين.
شعرت سعاد أن شيئاً مخيفاً قد حدث.
همست:
خير؟
لم يجب.
فأعادت السؤال:
شصار؟
ارتجفت شفتاه.
ثم قال بصوت مكسور:
حامد...
توقفت أنفاسها.
وأكمل:
مات.
انطلقت من صدرها صرخة مزقت جدران المستشفى.
صرخة اختلط فيها وجع الأم بفاجعة الفقد.
وبكاء الطفلين حديثي الولادة.
حتى بدا وكأن الفرح والحزن التقيا في لحظة واحدة.
وفي اليوم التالي...
كانت المحلة كلها تتحدث عن الأمر.
وكان الناس يرددون عبارة واحدة:
الله أخذ ولد...
وعطاها ولدين.
لكن القدر...
لم يكن قد أنهى قصته مع بيت سعاد بعد.
فبينما كانت البيبية تضم شعاع إلى صدرها تلك الليلة...
وتدعو لحامد بالرحمة...
كانت عقارب الزمن تستعد للدوران بسرعة.
ست سنوات كاملة...
ستغير كل شيء.
ستحول الأطفال إلى شباب.
وستكشف أسراراً لم يكن أحد يتوقعها.
وستجعل مصير شعاع وسلمان...
أقرب من أي وقت مضى.
لكن هل سيكون القدر رحيماً هذه المرة؟
أم أن العاصفة الحقيقية...
لم تبدأ بعد؟



تعليقات