رواية احفاد نصار الفصل السادس 6 بقلم دنيا كريم
6 = أحفاد نصار "مكتملة" - الفصل 6 "تواجهه" -6 /
للجميع@
الفصل 6 "تواجهه"
صُدم «طارق» عندما رأى حالتها ليقترب منها ويسألها بقلق :
" سما... أنتِ كويسة ؟ "
انتفضت من مكانها عندما رأته لتنظر الي الجهة الأخرى وهي تحاول مسح دموعها ليكرر سؤاله عندما لم يجد إجابة :
" أنتِ كويسة ؟ "
اومأت له دون أن تنظر إليه ومازالت تعطيه ظهرها ، لتتجه بعد ذلك الي ابريق الشاي و تضعه على الموقد و تشعل النار بأرتباك لتحرقها دون أن تنتبه ، سمع صراخها الذي منعته وهي تضع يدها على فمها قبل أن يغادر ليعود إليها مرة أخرى و يسألها بلهفة :
" اي الي حصل ... اتلسعتي ؟ "
نظرت إليه وهذه المرة خانتها دموعها وهبطت على وجنتيها وهي تمسك كفها بيدها الأخرى ، كاد يمسح دموعها بأنامله لكنه دُهش عندما وجدها انتفضت من مكانها و ابتعدت عنه وهي ترتجف وتضع كلتا يداها على وجهها بخوف ، أبعدت يداها و نظرت إليه لترى صدمته فقالت بصوت متقطع اثر بكائها :
" انا ... انا اسفة "
" سما أنتِ كنتِ فاكرة اني ها اضربك ؟! "
سألها بدهشة ومازال يحاول استيعاب ما فعلته لتهرب من أمامه وهي تضع يدها على وجهها و تكرر اعتذارها ، غادرت المكان بأكمله وذهبت الي الاسفل حيث شقتهم لتدلف الي الداخل وهي تمسح دموعها بيدها لتجد أن الشقة فارغة لتعلم أن والديها عند جدتها بالاسفل فحمدت ربها أنهم ليسوا بالمنزل كي لا يروا حالتها تلك ، دلفت الي غرفتها و أغلقت الباب و استندت عليه بظهرها ، أخذت تبكي مرة أخرى لكن بغزارة حتى شعرت أن قدميها لم تعد تحملانها لتجلس على الأرض و تضم ركبتيها بيدها وهي تبكي .
بينما في الأعلى عاد «طارق» الي الداخل وقال وهو يعود الي مكانه :
" سما تعبت شوية و نزلت تستريح "
" ما كانت لسه كويسة اي الي حصل ؟ "
كان هذا سؤال «يزن» الذي شعر بالريبة ليجيب «طارق» مبررًا :
" قالت إنها ماعرفتش تنام كويس فا نزلت ترتاح شوية "
اومأ له «يزن» وعاد للعبث بهاتفه بينما جلس «طارق» على الأريكة شارد الذهن يتذكر ما حدث قبل دقائق و بكائها الذي لم يفارق ذهنه ، كان مصدوم لا يصدق أن «سما» تلك الفتاة المرحة والتي أعطت أجواء لهذا المكان و ساعدتهم على أن يتعرفوا ببعضهم و التي لا تفارق الابتسامة وجهها هي نفسها تلك الفتاة المنهارة التي كانت تقول عيناها الكثير ، كان بكائها بكاء شخص يتألم بحق ويخفي ألمه تحت تلك الابتسامة الزائفة التي ترسمها على محياها طوال الوقت ، وضع يده على رأسه وهو يحاول استيعاب ما يحدث و كل ما يفكر به هو كيف لشخص يتألم لهذه الدرجة أن يضحك طوال الوقت ! .....
_________________________________
كانت مازالت على حالتها تلك تجلس على الأرض و تستند على باب الغرفة ، كانت تمسك رأسها بيدها تحاول أن تخرج تلك الذكريات الملعونة التي تطاردها بلا رحمة ولا تريد تركها و شأنها ، تذكرت ذاك اليوم المشؤوم بالنسبة لها والذي كان سبباً في أنطفائها و جرحها هذا الجرح العميق ...
في تلك الليلة التي كانت بها امطار الشتاء غزيرة ، هبطت تلك الصفعة على قلبها قبل أن تهبط على وجنتها لتفيقها من غفلتها و كأنها تقول لها "انظري هذه هي نتيجة اختيارك الخاطئ" ، نظرت بصدمة إلي ذاك الواقف أمامها وعيناه لا توحي الا بالشر ليقول بعد تلك الصفعة التي جعلت وجهها احمر اللون من قوتها :
" بتخونيني يا سما بتخونيني يا بنت ال *** "
وضعت يدها على وجنتها وقد لمعت عيناها بدموع لتقول وجسدها بالكامل يرتجف :
" يا خالد اسمعني والله ماخونتك ده كدب "
ليسحبها من خصلاتها وهو يقول بشر :
" خاينة و كدابة كمان يا بجاحتك .... انا غلطان اني عملت قيمة لواحدة زبالة زيك "
كانت تصرخ و تحاول التملص من يده وهي تبكي بعنف ، دفعها لتقع أرضًا أمامه ليرقمها بأشمئزاز ويقول قبل أن يغادر :
" مش عايز اشوف وشك تاني في حياتي "
غادر وهي يبصق على الأرض تاركًا إياها منهارة على الأرضية وحدها تحت تلك الأمطار التي لم تستطع التفرقة بينها و بين دموعها .
وضعت يدها عند موضع قلبها وهي تضغط على ملابسها بقوة تحاول تخفيف ألمه بأي طريقة ، سمعت صوت باب المنزل قد تم فتحه لتضع يدها على فمها سريعًا تكتم شهقاتها بعدما علمت بعودة والديها و عندما شعرت بأقتراب أحدهم من الغرفة هرولت الي الفراش لتغطي جسدها بالكامل و تتصنع النوم ، دلفت والدتها الي الغرفة لتجدها نائمة لتخرج من الغرفة وتغلق الباب بهدوء .
_________________________________
جاء منتصف الليل و كانت تجلس «اسيل» على فراشها تعبث بهاتفها لتجد رسالة من تطبيق "واتساب" لترى ما أتاها لتجد أنه قد تم إنشاء مجموعة جديدة تملك نفس اسم السطح أو النادي الخاص بهم "احفاد نصار"
لكنها لم تجد اي رسائل ارُسلت بعد فيه ، وقبل أن تعود إلي تطبيق التواصل الاجتماعي "فيسبوك" جاءت رسالة من المجموعة ، كان المرسل «سما» وكان محتوى الرسالة هو :
" ابعتوا اكونتات الفيسبوك بتاعتكم ياجماعة عايزين نبقى عند بعض "
رد عليها معظمهم بإرسال الرابط الخاص بحساب الفيسبوك الخاص به وفعلت «اسيل» المثل و أغلقت الهاتف وقررت الخلود الي النوم .
__________________________________
في شقة «احمد» جلست «سما» على الفراش تستند بظهرها على الحائط وهي في دوامة من التفكير ، كانت تمسك بهاتفها وقررت انشاء تلك المجموعة و ارسال اي رسالة كي يعلموا انها بخير ولا يشك احد في أمر مغادرتها النادي لتضع الهاتف جانبها بعد ذلك و تعود الي التفكير مرة أخرى ، لكن بعد دقائق نهضت من الفراش و ذهبت الي الخارج بهدوء لتجد ان الجميع نائم ، ارتدت عبائة بيتية فضفاضة باللون الازرق و معها حجاب بنفس اللون لتقرر الذهاب الي الاعلى لعلها تتوقف عن التفكير و تهدأ قليلًا ، ذهبت الي الخارج بعدما أغلقت الباب برفق كي لا يستيقظ أحدهم وذهبت الي الاعلى و قررت الاتجاه الي الشرفة ولكن عندما دلفت الي الداخل صُدمت بوجود «طارق» لتسأله بصدمة :
" انت بتعمل اي هنا ؟! "
التفت اليها «طارق» بجذعه العلوي وهو يمسك لفافة تبغ بيده لينفخ دخانها ببطء في السماء وهو يقول بهدوء :
" ماعرفتش انام ... وأنتِ ؟"
ذهبت وجلست على أحد المقاعد الموجودة وهي تقول بأرتباك :
" انا كمان ماعرفتش انام"
اومأ لها ثم ألقى تلك اللفافة من يده بعدما انتهى منها وذهب وجلس على المقعد المجاور لها في صمت ، كانت جالسة تشعر بالاضطراب خائفة من أن يسألها عن ما حدث بالأمس وحينها لن تستطيع الرد هذا كان كل ما يشغل تفكيرها الان ، لاحظ «طارق» توترها من حركة يداها المضطربة والغير مستقرة ليسألها وعيناه لم تفارق حركة يداها :
" أنتِ كويسة ؟ "
شعرت بالارتباك من سؤاله لتجيب بأضطراب :
" أيوة ... كويسة "
مازالت عيناه مصوبة على يداها التي كانت ترتجف بشدة ليبتسم بسخرية وهو يقول :
" واضح "
نظرت إليه قليلًا ثم عادت الي النظر الي السماء لتقول دون النظر إليه :
" طارق انت بتشرب سجاير ؟ "
" أيوة "
شعرت بالدهشة من إجابته التي لم يفكر بها حتى لترمقه بحزن وهي تقول :
" مع انك بتصلي "
اراح ظهره على المقعد قائلًا :
" جات فترة بعدت فيها عن ربنا وفي الوقت ده شربت ، بس الحمد لله رجعت تاني وانتظمت بس للاسف ماعرفتش ابطلها ، بس بقيت بشرب قليل اوي ، ممكن دي المرة الأولى من لما جينا هنا "
اومأت له وهي مازالت تنظر إلي السماء ثم قالت :
" إن شاء الله تعرف تبطلها "
لم يجيب فقط اكتفى بابتسامة صغيرة وساد الصمت من بعد ذلك ليكسره بسؤاله :
" حاسة انك بقيتي احسن دلوقتي ؟ "
ابتلعت ريقها بصعوبة بعدما فهمت ما يقصده لتنظر إليه بتوتر وهي تقول :
" احسن "
تنهد وهو يرى تلك الحالة التي تصبح بها عندما يحاول التلميح لاي شيء حدث أمس ، ظل ينظر إليها وهو يفكر في أن يتحدث معها ام لا ، حتى حسم قراره في النهاية و قال بهدوء :
" سما انا مش عايز اعرف أنتِ كنتِ بتعيطي ليه غير لو أنتِ حابة تحكي طبعاً ، بس انا عايز اسألك سؤال واحد "
نظرت إليه وهي مازالت تشعر بالاضطراب لتومئ له برأسها تحثه على الحديث ليسألها وهو ينظر في عيناها بتركيز :
" أنتِ ازاي عملتي كده ؟ "
عقدت حاجبيها بعدم فهم ليسترسل حديثه قائلًا:
" انا لغاية دلوقتي مش قادر اصدق ان سما الي عملت جو للمكان و ساعدتنا اننا نقدر نتعرف على بعض ، و الي برضو من اول يوم شوفتها فيه و الابتسامة مش بتفارقها ، روحها الحلوة ، ابتسامتها ، طريقة كلامها "
صمت قليلًا ثم قال بحزن :
" كل الي شوفته منها ده يطلع مُزيف "
اتسعت عيناها بصدمة اثر حديثه لتنهض من مقعدها لتقول بصوت محشرج وهي على وشك البكاء :
" انا عُمري ماكنت مُزيفة "
طالعها بحزن وهو يقول :
" الحزن الي شوفته في عنيك النهاردة ، حزن كفاية أنه يخلي شخص يعتزل العالم كله مش بس أنه مايضحكش ، قدرتك على الضحك مع كل الحزن الي جواكِ ده اثبتلي أن فعلًا دي كانت ضحكة مُزيفة "
عادت للجلوس وهي تبتلع ريقها بصعوبة فهي تعلم أكثر من أي شخص أن مايقوله صحيح تمامًا ، تنهدت بحزن وهي تمسح دمعة هبطت رغمًا عنها لتقول بصوت محشرج :
" هو علشان بحاول انسى حاجة مزعلاني يبقى كده انا بتصنع ؟ "
حرك رأسه نافيًا وهو يقول :
" لا طبعاً ، بس انا عايز اديكِ نصيحة "
نظرت إليه بتركيز ليقول بنبرة لينة :
" سما أنتِ كده بتدمري نفسك ، انا فاهم انك بتحاولي تنسي بالطريقة دي ، بس انا عايز اوضحلك انك بالطريقة دي عمرك ما هاتنسي ، بصي تعرفي أن الضحك و الابتسامة دي حاجة مفيدة جدًا للإنسان و بتخليه يحس براحة نفسية ، بس لما تبقى الضحكة دي مجبورة عليها أو مش طالعة من قلبك مش ها تفيدك في حاجة غير أنها هاتوجعك زيادة ، دايمًا لما بنضحك في وقت مضطرين فيه لكده بنحس أن الضحكة دي بتوجع اوي و بنقعد نستنى اي فرصة عشان نشيلها "
تنهد وهو ينظر لها ليجدها تنظر إليه بحيرة ولم تفهم ما يرمي إليه ليتنهد ويكمل موضحاً أكثر مايريد إيصاله لها :
" لكن الحزن رغم أنه مش كويس لينا ولا البكا ، بس مع ذلك ممكن البكا يساعد اكتر من الضحك في الحالة دي ، لأن أنتِ بتكتمي حزنك جواكِ و مستنيه أنه يروح لوحده ، طيب ها اسألك سؤال ، لو أنتِ جبتي ورقة و حطيتيها في برطمان و قفلتي عليها هل هي ها تختفي ؟ "
حركت رأسها نافية ليستكمل حديثه وهو يقول :
" بالظبط ، نفس الشيء مع الحزن الي جوانا ، لو فضلنا كاتمينه جوانا وماخرجناهوش بأي طريقة ها يفضل جوا و بالعكس بعد كده هايبقى انك تخرجيه اصعب بكتير "
عاد برأسه الي الخلف وقد تذكر شيئًا ما ليقول وهو ينظر إلي السماء :
" عارفة يا سما ، ها اقولك موقف حصل معايا ، ها نبعد عن الفكرة الأساسية شوية بس هو ممكن يوصلك رأيي برضو ، انا مرة كنت ماشي في الشارع ولقيت واحدة ماشية مع ابنها وكان بيعيط من حاجة ضايقته روحت لقيتها مسكت ايد الولد وقالتله بطل عياط مافيش راجل بيعيط ، بصراحة أنا استغربت و روحت كده قولتلها ماتسيبيه يعيط "
نظر إليها ليقول وهو يضحك :
" حسيت من ردة فعلها كأنها عايزة تقولي وانت مالك ، بس الحمد لله ماقالتش "
ابتسمت رغمًا عنها ليعود بنظره الي السماء وهو يسترسل حديثه :
" قولتلها أنتِ دلوقتي منعتيه من أنه يخرج حزنه من حاجة مضايقاه و خلتيه يبطل عياط لما قولتيله أن مافيش راجل بيعيط ، بعد كده بقى كل ما يزعل من حاجة و يجي يخرج حزنه على شكل دموع ها يفتكر أن مافيش راجل بيعيط و ها يفضل يشيل جواه و بعد كده أنتِ الي ها تتحايلي عليه يقولك ماله لما تلاقيه قاعد زعلان ومش ها يرضى يتكلم ، شوفتي أنتِ دمرتي ابنك مستقبلًا ازاي بجملة واحدة "
اعتدل في جلسته وهو يكمل :
" اقتنعت الحمد لله و سابت ابنها يكمل عياط ، الي عايز اوصلهولك من هنا أن مش عيب ولا حرام أن احنا نعيط لما نزعل ، غير أن الجملة الي قالتها دي ضايقتني اوي ، يعني اي مافيش راجل بيعيط ؟ ، لو ربنا كان حرم البكا على الرجالة ماكنش خلقلهم دموع ، ده الرسول صلى الله عليه وسلم كان لما بيشتد عليه الحزن كان بيبكي ، نيجي اي احنا جنب الرسول علشان نقول كده ؟ "
نظرت إليه ثم قالت وقد لمعت الدموع في عيناها مرة أخرى :
" طيب ولو مضطر تخفي الحزن ده ؟ "
اومأ برأسه وهو يقول بابتسامة :
" ده وارد جدًا ، علشان كده تقدري تعيطي حتى لو لوحدك ، ممكن تكتبي كل الي جواكِ في ورقة و تحرقيها لو مافيش حد تقدري تقوليله ، تقدري تكلمي نفسك أو تكلمي ربنا و تشكيله ، في طرق كتير اوي ممكن تفضفضي بيهم من غير ما تحكي لحد بس اهم حاجة انك ماتفضليش شايلة الحزن جواكِ"
تنهدت بعمق وقد شعرت ببعض الراحة اثر حديثه لتنظر إليه و تقول بابتسامة :
" تعرف أن كلامك مُريح اوي "
ابتسم قائلًا :
" يسعدني اني قدرت اساعدك ولو بحاجة بسيطة "
" انت ساعدتني فعلًا ، بس بحاجة كبيرة اوي "
نظر إليها ليحك مؤخرة رأسه وهو يبتسم ببلاهة و يقول :
" انا ماعملتش حاجة تذكر "
حركت رأسها نافية لتقول بصدق :
" انت ساعدتني بجد ، تعرف انك تنفع دكتور نفسي ؟ "
نظر إليها قليلًا ثم عاد بنظره الي السماء ليقول بابتسامة :
" كان نفسي فعلًا "
انكمش حاجبيها لتسأله بجدية :
" بجد ؟ ، طب مادخلتش طب ليه ؟ ، انت داخل هندسة يعني أظن كان مجموعك يجيب انك تدخل صح ؟ "
" ما انا قدمت "
نظرت إليه ثم حثته على الأكمال وهي تسأله باهتمام :
" وبعدين ؟ "
قال وهو يضحك بمرح :
" اترفضت من على باب الكلية "
" ليه ؟! "
سألته بدهشة ، ليعقد ذراعيه وهو يقول بابتسامة :
" بعد ما قدمت و عملت اختبار كده قبل القبول ، اترفضت علشان ماعنديش اهم حاجة ممكن تبقى عند الدكتور النفسي "
استندت برأسها على يدها التي وضعتها أسفل ذقنها لتسأله بنفس باهتمام :
" اي هيا ؟؟ "
" الثبات الانفعالي "
قال كلماته بنبرة صوت ظهر بها حزن دفين داخله ، لتشعر أنه قد مر بالكثير هو الآخر فسألته بلطف :
" انت مش بتعرف تتحكم في اعصابك ؟ "
اومأ لها ليقول بمرح :
" قالولي كده ها تخلي المريض جاي بمرض نفسي ، و ها يروح بمرض نفسي وعضم مكسور "
لم تستطع كبح ضحكتها لتضحك بقوة على ما قاله بينما يتأملها هو وهي تضحك بابتسامة ، ثم قال و مازال نظره مصوب عليها :
" أخيرًا ضحكتي "
نظرت إليه وهي تشعر أن دقات قلبها تزداد اثر كلماته ، لتنهض من مقعدها وهي تقول بارتباك :
" طيب ها أنزل انا علشان الوقت اتأخر "
هربت من أمامه لينظر هو في أثرها بابتسامة تلتها تنهيدة عميقة لتنتهي هذه الليلة بأغرب ما يمكن بالنسبة له .
________________________________
جاء الصباح ، استيقظت «اسيل» على صوت رنين هاتفها ، لتمسكه وترد على المتصل بأنزعاج دون النظر الي هوية المتصل ، فتحت المكالمة ليأتيها صوت صديقتها «مريم» لترتبك فور سماع صوتها وهي تسألها :
" اي يابنتي فينك ، معقولة كل ده لسه المشكلة الي قولتي عليها ما اتحلتش ، انتوا بتتخانقوا على الورث ولا اي ؟ "
ابتلعت «اسيل» ريقها بصعوبة وقالت وهي تحاول التشويش على حديثها :
" يابنتي قولي صباح الخير الاول "
تأففت صديقتها وقالت بغيظ :
" صباح الخير ياستي ، ممكن تقولي بقى في اي ؟ "
شعرت «اسيل» أنه لم يعد هناك مهرب من اخبارها بالحقيقة فأخذت نفسنًا عميقًا ثم تبعه قولها :
" بصي "
_________________________________
كان يجلس على احد المقاعد في غرفة الانتظار ، حتى دلف إليه أحد الموظفين وهو يقول برسمية :
" استاذ يزن نصار ، اتفضل "
نهض فور سماع اسمه ودلف الي غرفة المدير الذي أشار له بالجلوس ليجلس بالفعل ، بدأ المدير اسألته بهدوء :
" عرفني نفسك "
اخذ «يزن» نفسًا عميقًا وبدأ بالحديث قائلًا :
" يزن نصار ، 23 سنة ، خريج كلية تجارة ، كنت عايش في قطر ولسه راجع من قريب و ماعنديش تجارب قبل كده لان دي اول مرة اشتغل بشهادتي "
تنهد بعد اخر كلماته ليومئ له المدير و يقول برسمية :
" تمام ، ها نرد عليك قريب "
غادر بعدما سمع تلك الجملة التي لا يعلم عدد المرات التي سمعها به منذ قدومه الي هنا ، وفي كل مرة تكون نفس النتيجة وهي الرفض .
________________________________
ابتسم الرجل يقول برسمية :
" نورتنا يا فندم "
غادر «اكرم» من بعد ذلك وعاد الي المنزل بسيارته الجديدة والتي اشتراها لتوه ، وصل أمام المنزل ليقوم بركن سيارته و يتجه الي الداخل ليجد «اسيل» تقف ببهو المنزل وتعبث بهاتفها ليدلف الي الداخل و ما كاد يصعد الي شقته لتقول وهو يمر بجانبها بنبرة ساخرة :
" الف مبروك "
توقف عن السير و نظر إليها ليقول بنفس نبرتها الساخرة :
" الله يبارك فيكِ "
كاد يصعد الدرج ليقف مرة أخرى ويلتفت لها ليقول بسخرية :
" و ادام مش من قلبك ياريت ماتقوليهاش "
تركها و اتجه الي الدرج و قبل أن يصعد عاد بنظره إليها ليسألها بجدية :
" أنتِ رايحة فين ؟ "
رفعت حاجبيها بدهشة لتضع يدها على خصرها متزامنًا مع قولها الساخر :
" و انت مالك "
عاد ليقف أمامها وقال ما جعل الدماء تغلي داخل عروقها :
" لا مالي ومالي اوي كمان ، علشان لما تبقي غبية ومن اول مرة تنزلي فيها الشارع تعملي مشكلة ، يبقى مالي أنتِ رايحة فين وجاية منين و قبل ما تسألي و تقولي ليه هو تحقيق بقولك اهو ... اه هو تحقيق "
صكت على أسنانها وهي تطالعه بغضب شديد ليتركها ويتجه ناحية الدرج مرة أخرى ليسمعها تقول وهو يصعد :
" وانا كان مالي أنهم شباب ماتربوش وجايين يضايقوني ، كنت عايزني اسكت؟ "
نظر إليها ليقول اخر كلماته وهو يغادر :
" شوفتي بقى انك فعلًا غبية "
تركها وصعد الي شقته لتبقى هي تشعر أنها قد تنفجر من كم الغضب الذي بداخلها تجاهه الان ولا تتمنى سوى الفتك به في اي لحظة ، بعد دقائق جاءت «هنا» وهي تقول :
" انا خلصت "
غادرت معها في صمت ما أثار ريبة «هنا» من تقاسيم وجهها الغاضبة ، كادت تسألها عن ما بها لتوقفها وهي تشير إليها بسبابتها و تقول بتحذير :
" هنا ... مش عايزة اسمع اي اسئله لحد ما نوصل ، فاهمة ؟ "
اومأت برأسها عدة مرات وقررت أن لا تسأل كي لا ينشب شجار بعدما شعرت إن شقيقتها تود الفتك بأحدهم الان .
بعد مدة كانوا قد وصلوا الي كلية «هنا» ، تأكدت «اسيل» من ذهاب شقيقتها الي الداخل وغادرت قاصدة أحد الشركات القريبة ، وصلت الي هناك وجلست تنتظر دورها كما طلبت منها الموظفة لتشرد بذاكرتها إلي ذاك الحديث الذي دار بينها وبين صديقتها «مريم» في الصباح...
كانت قد أخبرت صديقتها بما حدث وسبب عدم عودتها دفعة واحدة لتلتقط أنفاسها و تشعر بقليل من الراحة لاخبارها بالحقيقة ، لتصمت منتظرة ردة فعل صديقتها والتي اتاها ردها سريعًا وهي تقول بنبرة صوت أظهرت غضبها :
" يعني اي الكلام ده يا اسيل ؟ ، يعني أنتِ مش راجعة تاني ؟ "
اجابت «اسيل» بسرعة قائلًا :
" لا طبعًا ها ارجع بس إقناع بابا و اخواته ها ياخد شوية وقت ، غير أن مش انا بس الي مش موافقة لا كمان معظم ولاد عمي مش موافقين يقعدوا وعايزين يرجعوا الدولة الي كانوا عايشين فيها تاني "
تنهدت «مريم» بحزن ثم قالت بمعاتبة :
" وليه ماقولتيش الكلام ده من المرة الي فاتت لما كلمتك ؟ "
" خوفت تزعلي "
اجابت بصدق شعرت به «مريم» لتقول بابتسامة :
" خلاص ياستي وانا ها استنى لما ترجعي ، عندي امل كبير انك هاترجعي "
صاحبت جملتها الاخير الكثير من المشاعر منهم التفاؤل والحزن و الخوف لتجيب عليها «اسيل» تطمئنها بقولها :
" اوعدك اني ها احاول بكل الطرق اني ارجع "
أغلقت الخط بعد أن ودعتها وذهبت من بعدها لتغيير ملابسها بملابس للخروج و من بعد ذلك اتجهت الي المطبخ لتضع صحون الطعام على مائدة الإفطار بعدما انتهت والدتها من تحضيره ، جلسوا جميعًا يتناولون الطعام وقبل أن تسألها والدتها الي اين هي ذاهبة وجهت حديثها الي والدها حيث قالت :
" بابا انا ها انزل ادور على شغل "
نظر إليها «محمود» وقد انكمش حاجبيه وهو يسألها :
" ليه يا اسيل مستعجلة كده ؟ "
حركت كتفيها قائلًا :
" عادي ، انت عارف اني خدت على الشغل و مش واخدة على قاعدة البيت دي علشان كده عايزة انزل ادور على شغل "
تفهم والدها ليومئ برأسه عدة مرات وهو يقول :
" طيب يا حبيبتي ، خدي بالك من نفسك "
ابتسمت بسعادة وعادت لتناول افطارها متجاهلة عمدًا نظرات والدتها المشتعلة منها و الرافضة لكل ما يحدث ، لتضع والدتها أمامها صحن و تقول بغيظ :
" دخلي الطبق ده لاخوكِ علشان يفطر "
اخذت الصحن دون جدال ودلفت الي غرفة «مازن» الذي كان مستلقيًا على الفراش لتقول بابتسامة وهي تضع الصحن أمامه :
" رجلك عاملة اي دلوقتي ؟ "
" احسن الحمد لله والدكتور قال ها افك الجبس بعد اسبوع او عشر ايام "
اومأت برأسها وهي تقول :
" طيب افطر يلا علشان تاخد العلاج "
" حاضر ، بس انتِ رايحة فين ؟ "
" ها أنزل ادور على شغل اصل بصراحة زهقت من قاعدة البيت اوي يا مازن "
اومأ لها ليقول بهدوء :
" طيب كنتِ استني لما افك الجبس و انزل معاكي "
شعرت بقلقه عليها في كلماته لتقول بنبرة مطمأنة :
" ماتخفش عليا انا ها ابقى كويسة ، يلا عايز حاجة ؟ ، سلام "
غادرت بينما هو حرك رأسه بعدم فائدة ، اتجهت الي باب المنزل وقبل أن تغادر أوقفها صوت والدتها التي قالت بنبرة صوت متهكمة حادة نسبيًا :
" استني خدي هنا معاكِ وصليها الكلية "
اومأت لها ثم نظرت إلي «هنا» لتجدها لم ترتدي ملابسها بعد فقالت بأنزعاج :
" طيب خلصي يلا يا هنا ها اتأخر "
" قايمة اهو "
انهت جملتها و اتجهت الي غرفتها تغير ملابسها لتقول «اسيل» بصوت عالي نسبيًا ليصل لها :
"ها استناكي تحت "
ذهبت الي الاسفل وأخذت تعبث بهاتفها وترى طلبات الصداقة الجديدة التي أرُسلت من قبل اولاد عمها ، لترفع عيناها من بعد ذلك عن الهاتف وتجد سيارة اكرم أمام المنزل .
قاطع شرودها تلك الموظفة التي قالت برسمية :
" آنسة اسيل نصار ، اتفضلي "
دلفت «اسيل» الي غرفة المدير وأعطته الـ CV الخاص بها ليتفحصه قليلًا ثم ينظر إليها ويقول بأبتسامة :
" ماشاء الله CV مُشرف "
اتسعت ابتسامتها وهي تقول :
" شكراً ده ذوق حضرتك "
وضع الـ CV أمامه ثم قال بنبرة ودودة :
" بصراحة كده احنا عندنا عجز في الموظفين و علشان كده محتاجين نسد العجز ده بأي طريقة و طبعًا يشرفني أن آنسة اشتغلت في الشركات المعروفة دي و منهم أحد شركاتي أنها تشتغل معايا وتساعد في سد العجز "
ابتسمت له رغم عدم معرفتها عن أي شركة تخصه يتحدث لكثرة الشركات التي عملته لكنها مع ذلك أجابت دون الاستفسار :
" ده شيء يشرفني يافندم "
كانت نبرة حديثه لطيفة للغاية غير رسمية وجادة ما أعطاها شعور بالراحة لاول مرة في طلب وظيفة ولكن مع ذلك فضلت أن تتحدث برسمية بما انها المرة الأولى لها ، نظر إليها قليلًا ثم اومأ برأسه عدة مرات وهو يقول :
" تقدري تبدأي شغل من النهاردة لو حبيتي يا ... "
نظر إلي الاسم المكتوب على الـ cv الخاص بها ليعود للنظر إليها وهو يقول بأبتسامة :
" يا اسيل "
رأى الدهشة ظهرت على محياها فور مناداته لها دون لقب ليسألها و مازال مبتسمًا :
" تحبي اناديكِ آنسة اسيل ؟ ، هو انا متعود انادي كل موظفيني ببنتي و ابني لاني بحبهم زي عيالي بالظبط لكن لو أنتِ حابة.... "
قاطعته سريعاً وهي تقول :
" لا لا مافيش مانع ، حضرتك قد والدي برضو ويشرفني اني ابقى في مقام بنتك "
ابتسم للمرة التي لا تعرف عددها وقال بنبرته البشوشة :
" ماشي يابنتي "
" طيب ممكن ابدأ الشغل من بكرا علشان اجهز ؟ "
سألته ببعض التردد ليومئ برأسه وهو يقول :
" تقدري طبعًا"
شكرته وغادرت وهي مازالت مندهشة من هذه المقابلة التي لم ترد عليها في اي مرة من قبل ولكنها كانت سعيدة لوجود مدير شركة لطيف ولديه ابتسامة بشوشة للغاية وقد شعرت أنها ارتاحت له بالفعل .
_________________________________
جاء المساء وصعدت «اسيل» الي الاعلى حيث كانوا يجتمعون كعادتهم لتدلف الي الداخل وهي تبحث عنه بعيناها لتجده يجلس على الأريكة يعبث بهاتفه لتذهب إليه وتقف أمامه و تقول بجمود :
" انت يا استاذ "
رفع «اكرم» عينه ينظر إليها ليسألها بهدوئه المعتاد :
" في اي ؟ "
وضعت يدها على خصرها لتقول بسخرية :
" لا مافيش حاجة خالص ... "
احتدت نظرتها ثم قالت وهي تشير إليه بسبابتها بتحذير :
" انت غلطت فيا اكتر من مرة وانا بقى مش بسكت عن اهانتي للاسف "
كان الجميع عداهما لا يفهم شيئًا مما يحدث وهذا ما دفع «طارق» لسؤالها :
" في اي الي حصل يا اسيل ؟ "
استقام «اكرم» تاركًا مقعده ليقف أمامها وهو يشير لـ «طارق» بأن يصمت ثم نظر إليها وهو يقول :
" طيب ما توريني بتاخدي حقك من الي اهانك كده ازاي ؟ "
وووويُتبع
للجميع@
الفصل 6 "تواجهه"
صُدم «طارق» عندما رأى حالتها ليقترب منها ويسألها بقلق :
" سما... أنتِ كويسة ؟ "
انتفضت من مكانها عندما رأته لتنظر الي الجهة الأخرى وهي تحاول مسح دموعها ليكرر سؤاله عندما لم يجد إجابة :
" أنتِ كويسة ؟ "
اومأت له دون أن تنظر إليه ومازالت تعطيه ظهرها ، لتتجه بعد ذلك الي ابريق الشاي و تضعه على الموقد و تشعل النار بأرتباك لتحرقها دون أن تنتبه ، سمع صراخها الذي منعته وهي تضع يدها على فمها قبل أن يغادر ليعود إليها مرة أخرى و يسألها بلهفة :
" اي الي حصل ... اتلسعتي ؟ "
نظرت إليه وهذه المرة خانتها دموعها وهبطت على وجنتيها وهي تمسك كفها بيدها الأخرى ، كاد يمسح دموعها بأنامله لكنه دُهش عندما وجدها انتفضت من مكانها و ابتعدت عنه وهي ترتجف وتضع كلتا يداها على وجهها بخوف ، أبعدت يداها و نظرت إليه لترى صدمته فقالت بصوت متقطع اثر بكائها :
" انا ... انا اسفة "
" سما أنتِ كنتِ فاكرة اني ها اضربك ؟! "
سألها بدهشة ومازال يحاول استيعاب ما فعلته لتهرب من أمامه وهي تضع يدها على وجهها و تكرر اعتذارها ، غادرت المكان بأكمله وذهبت الي الاسفل حيث شقتهم لتدلف الي الداخل وهي تمسح دموعها بيدها لتجد أن الشقة فارغة لتعلم أن والديها عند جدتها بالاسفل فحمدت ربها أنهم ليسوا بالمنزل كي لا يروا حالتها تلك ، دلفت الي غرفتها و أغلقت الباب و استندت عليه بظهرها ، أخذت تبكي مرة أخرى لكن بغزارة حتى شعرت أن قدميها لم تعد تحملانها لتجلس على الأرض و تضم ركبتيها بيدها وهي تبكي .
بينما في الأعلى عاد «طارق» الي الداخل وقال وهو يعود الي مكانه :
" سما تعبت شوية و نزلت تستريح "
" ما كانت لسه كويسة اي الي حصل ؟ "
كان هذا سؤال «يزن» الذي شعر بالريبة ليجيب «طارق» مبررًا :
" قالت إنها ماعرفتش تنام كويس فا نزلت ترتاح شوية "
اومأ له «يزن» وعاد للعبث بهاتفه بينما جلس «طارق» على الأريكة شارد الذهن يتذكر ما حدث قبل دقائق و بكائها الذي لم يفارق ذهنه ، كان مصدوم لا يصدق أن «سما» تلك الفتاة المرحة والتي أعطت أجواء لهذا المكان و ساعدتهم على أن يتعرفوا ببعضهم و التي لا تفارق الابتسامة وجهها هي نفسها تلك الفتاة المنهارة التي كانت تقول عيناها الكثير ، كان بكائها بكاء شخص يتألم بحق ويخفي ألمه تحت تلك الابتسامة الزائفة التي ترسمها على محياها طوال الوقت ، وضع يده على رأسه وهو يحاول استيعاب ما يحدث و كل ما يفكر به هو كيف لشخص يتألم لهذه الدرجة أن يضحك طوال الوقت ! .....
_________________________________
كانت مازالت على حالتها تلك تجلس على الأرض و تستند على باب الغرفة ، كانت تمسك رأسها بيدها تحاول أن تخرج تلك الذكريات الملعونة التي تطاردها بلا رحمة ولا تريد تركها و شأنها ، تذكرت ذاك اليوم المشؤوم بالنسبة لها والذي كان سبباً في أنطفائها و جرحها هذا الجرح العميق ...
في تلك الليلة التي كانت بها امطار الشتاء غزيرة ، هبطت تلك الصفعة على قلبها قبل أن تهبط على وجنتها لتفيقها من غفلتها و كأنها تقول لها "انظري هذه هي نتيجة اختيارك الخاطئ" ، نظرت بصدمة إلي ذاك الواقف أمامها وعيناه لا توحي الا بالشر ليقول بعد تلك الصفعة التي جعلت وجهها احمر اللون من قوتها :
" بتخونيني يا سما بتخونيني يا بنت ال *** "
وضعت يدها على وجنتها وقد لمعت عيناها بدموع لتقول وجسدها بالكامل يرتجف :
" يا خالد اسمعني والله ماخونتك ده كدب "
ليسحبها من خصلاتها وهو يقول بشر :
" خاينة و كدابة كمان يا بجاحتك .... انا غلطان اني عملت قيمة لواحدة زبالة زيك "
كانت تصرخ و تحاول التملص من يده وهي تبكي بعنف ، دفعها لتقع أرضًا أمامه ليرقمها بأشمئزاز ويقول قبل أن يغادر :
" مش عايز اشوف وشك تاني في حياتي "
غادر وهي يبصق على الأرض تاركًا إياها منهارة على الأرضية وحدها تحت تلك الأمطار التي لم تستطع التفرقة بينها و بين دموعها .
وضعت يدها عند موضع قلبها وهي تضغط على ملابسها بقوة تحاول تخفيف ألمه بأي طريقة ، سمعت صوت باب المنزل قد تم فتحه لتضع يدها على فمها سريعًا تكتم شهقاتها بعدما علمت بعودة والديها و عندما شعرت بأقتراب أحدهم من الغرفة هرولت الي الفراش لتغطي جسدها بالكامل و تتصنع النوم ، دلفت والدتها الي الغرفة لتجدها نائمة لتخرج من الغرفة وتغلق الباب بهدوء .
_________________________________
جاء منتصف الليل و كانت تجلس «اسيل» على فراشها تعبث بهاتفها لتجد رسالة من تطبيق "واتساب" لترى ما أتاها لتجد أنه قد تم إنشاء مجموعة جديدة تملك نفس اسم السطح أو النادي الخاص بهم "احفاد نصار"
لكنها لم تجد اي رسائل ارُسلت بعد فيه ، وقبل أن تعود إلي تطبيق التواصل الاجتماعي "فيسبوك" جاءت رسالة من المجموعة ، كان المرسل «سما» وكان محتوى الرسالة هو :
" ابعتوا اكونتات الفيسبوك بتاعتكم ياجماعة عايزين نبقى عند بعض "
رد عليها معظمهم بإرسال الرابط الخاص بحساب الفيسبوك الخاص به وفعلت «اسيل» المثل و أغلقت الهاتف وقررت الخلود الي النوم .
__________________________________
في شقة «احمد» جلست «سما» على الفراش تستند بظهرها على الحائط وهي في دوامة من التفكير ، كانت تمسك بهاتفها وقررت انشاء تلك المجموعة و ارسال اي رسالة كي يعلموا انها بخير ولا يشك احد في أمر مغادرتها النادي لتضع الهاتف جانبها بعد ذلك و تعود الي التفكير مرة أخرى ، لكن بعد دقائق نهضت من الفراش و ذهبت الي الخارج بهدوء لتجد ان الجميع نائم ، ارتدت عبائة بيتية فضفاضة باللون الازرق و معها حجاب بنفس اللون لتقرر الذهاب الي الاعلى لعلها تتوقف عن التفكير و تهدأ قليلًا ، ذهبت الي الخارج بعدما أغلقت الباب برفق كي لا يستيقظ أحدهم وذهبت الي الاعلى و قررت الاتجاه الي الشرفة ولكن عندما دلفت الي الداخل صُدمت بوجود «طارق» لتسأله بصدمة :
" انت بتعمل اي هنا ؟! "
التفت اليها «طارق» بجذعه العلوي وهو يمسك لفافة تبغ بيده لينفخ دخانها ببطء في السماء وهو يقول بهدوء :
" ماعرفتش انام ... وأنتِ ؟"
ذهبت وجلست على أحد المقاعد الموجودة وهي تقول بأرتباك :
" انا كمان ماعرفتش انام"
اومأ لها ثم ألقى تلك اللفافة من يده بعدما انتهى منها وذهب وجلس على المقعد المجاور لها في صمت ، كانت جالسة تشعر بالاضطراب خائفة من أن يسألها عن ما حدث بالأمس وحينها لن تستطيع الرد هذا كان كل ما يشغل تفكيرها الان ، لاحظ «طارق» توترها من حركة يداها المضطربة والغير مستقرة ليسألها وعيناه لم تفارق حركة يداها :
" أنتِ كويسة ؟ "
شعرت بالارتباك من سؤاله لتجيب بأضطراب :
" أيوة ... كويسة "
مازالت عيناه مصوبة على يداها التي كانت ترتجف بشدة ليبتسم بسخرية وهو يقول :
" واضح "
نظرت إليه قليلًا ثم عادت الي النظر الي السماء لتقول دون النظر إليه :
" طارق انت بتشرب سجاير ؟ "
" أيوة "
شعرت بالدهشة من إجابته التي لم يفكر بها حتى لترمقه بحزن وهي تقول :
" مع انك بتصلي "
اراح ظهره على المقعد قائلًا :
" جات فترة بعدت فيها عن ربنا وفي الوقت ده شربت ، بس الحمد لله رجعت تاني وانتظمت بس للاسف ماعرفتش ابطلها ، بس بقيت بشرب قليل اوي ، ممكن دي المرة الأولى من لما جينا هنا "
اومأت له وهي مازالت تنظر إلي السماء ثم قالت :
" إن شاء الله تعرف تبطلها "
لم يجيب فقط اكتفى بابتسامة صغيرة وساد الصمت من بعد ذلك ليكسره بسؤاله :
" حاسة انك بقيتي احسن دلوقتي ؟ "
ابتلعت ريقها بصعوبة بعدما فهمت ما يقصده لتنظر إليه بتوتر وهي تقول :
" احسن "
تنهد وهو يرى تلك الحالة التي تصبح بها عندما يحاول التلميح لاي شيء حدث أمس ، ظل ينظر إليها وهو يفكر في أن يتحدث معها ام لا ، حتى حسم قراره في النهاية و قال بهدوء :
" سما انا مش عايز اعرف أنتِ كنتِ بتعيطي ليه غير لو أنتِ حابة تحكي طبعاً ، بس انا عايز اسألك سؤال واحد "
نظرت إليه وهي مازالت تشعر بالاضطراب لتومئ له برأسها تحثه على الحديث ليسألها وهو ينظر في عيناها بتركيز :
" أنتِ ازاي عملتي كده ؟ "
عقدت حاجبيها بعدم فهم ليسترسل حديثه قائلًا:
" انا لغاية دلوقتي مش قادر اصدق ان سما الي عملت جو للمكان و ساعدتنا اننا نقدر نتعرف على بعض ، و الي برضو من اول يوم شوفتها فيه و الابتسامة مش بتفارقها ، روحها الحلوة ، ابتسامتها ، طريقة كلامها "
صمت قليلًا ثم قال بحزن :
" كل الي شوفته منها ده يطلع مُزيف "
اتسعت عيناها بصدمة اثر حديثه لتنهض من مقعدها لتقول بصوت محشرج وهي على وشك البكاء :
" انا عُمري ماكنت مُزيفة "
طالعها بحزن وهو يقول :
" الحزن الي شوفته في عنيك النهاردة ، حزن كفاية أنه يخلي شخص يعتزل العالم كله مش بس أنه مايضحكش ، قدرتك على الضحك مع كل الحزن الي جواكِ ده اثبتلي أن فعلًا دي كانت ضحكة مُزيفة "
عادت للجلوس وهي تبتلع ريقها بصعوبة فهي تعلم أكثر من أي شخص أن مايقوله صحيح تمامًا ، تنهدت بحزن وهي تمسح دمعة هبطت رغمًا عنها لتقول بصوت محشرج :
" هو علشان بحاول انسى حاجة مزعلاني يبقى كده انا بتصنع ؟ "
حرك رأسه نافيًا وهو يقول :
" لا طبعاً ، بس انا عايز اديكِ نصيحة "
نظرت إليه بتركيز ليقول بنبرة لينة :
" سما أنتِ كده بتدمري نفسك ، انا فاهم انك بتحاولي تنسي بالطريقة دي ، بس انا عايز اوضحلك انك بالطريقة دي عمرك ما هاتنسي ، بصي تعرفي أن الضحك و الابتسامة دي حاجة مفيدة جدًا للإنسان و بتخليه يحس براحة نفسية ، بس لما تبقى الضحكة دي مجبورة عليها أو مش طالعة من قلبك مش ها تفيدك في حاجة غير أنها هاتوجعك زيادة ، دايمًا لما بنضحك في وقت مضطرين فيه لكده بنحس أن الضحكة دي بتوجع اوي و بنقعد نستنى اي فرصة عشان نشيلها "
تنهد وهو ينظر لها ليجدها تنظر إليه بحيرة ولم تفهم ما يرمي إليه ليتنهد ويكمل موضحاً أكثر مايريد إيصاله لها :
" لكن الحزن رغم أنه مش كويس لينا ولا البكا ، بس مع ذلك ممكن البكا يساعد اكتر من الضحك في الحالة دي ، لأن أنتِ بتكتمي حزنك جواكِ و مستنيه أنه يروح لوحده ، طيب ها اسألك سؤال ، لو أنتِ جبتي ورقة و حطيتيها في برطمان و قفلتي عليها هل هي ها تختفي ؟ "
حركت رأسها نافية ليستكمل حديثه وهو يقول :
" بالظبط ، نفس الشيء مع الحزن الي جوانا ، لو فضلنا كاتمينه جوانا وماخرجناهوش بأي طريقة ها يفضل جوا و بالعكس بعد كده هايبقى انك تخرجيه اصعب بكتير "
عاد برأسه الي الخلف وقد تذكر شيئًا ما ليقول وهو ينظر إلي السماء :
" عارفة يا سما ، ها اقولك موقف حصل معايا ، ها نبعد عن الفكرة الأساسية شوية بس هو ممكن يوصلك رأيي برضو ، انا مرة كنت ماشي في الشارع ولقيت واحدة ماشية مع ابنها وكان بيعيط من حاجة ضايقته روحت لقيتها مسكت ايد الولد وقالتله بطل عياط مافيش راجل بيعيط ، بصراحة أنا استغربت و روحت كده قولتلها ماتسيبيه يعيط "
نظر إليها ليقول وهو يضحك :
" حسيت من ردة فعلها كأنها عايزة تقولي وانت مالك ، بس الحمد لله ماقالتش "
ابتسمت رغمًا عنها ليعود بنظره الي السماء وهو يسترسل حديثه :
" قولتلها أنتِ دلوقتي منعتيه من أنه يخرج حزنه من حاجة مضايقاه و خلتيه يبطل عياط لما قولتيله أن مافيش راجل بيعيط ، بعد كده بقى كل ما يزعل من حاجة و يجي يخرج حزنه على شكل دموع ها يفتكر أن مافيش راجل بيعيط و ها يفضل يشيل جواه و بعد كده أنتِ الي ها تتحايلي عليه يقولك ماله لما تلاقيه قاعد زعلان ومش ها يرضى يتكلم ، شوفتي أنتِ دمرتي ابنك مستقبلًا ازاي بجملة واحدة "
اعتدل في جلسته وهو يكمل :
" اقتنعت الحمد لله و سابت ابنها يكمل عياط ، الي عايز اوصلهولك من هنا أن مش عيب ولا حرام أن احنا نعيط لما نزعل ، غير أن الجملة الي قالتها دي ضايقتني اوي ، يعني اي مافيش راجل بيعيط ؟ ، لو ربنا كان حرم البكا على الرجالة ماكنش خلقلهم دموع ، ده الرسول صلى الله عليه وسلم كان لما بيشتد عليه الحزن كان بيبكي ، نيجي اي احنا جنب الرسول علشان نقول كده ؟ "
نظرت إليه ثم قالت وقد لمعت الدموع في عيناها مرة أخرى :
" طيب ولو مضطر تخفي الحزن ده ؟ "
اومأ برأسه وهو يقول بابتسامة :
" ده وارد جدًا ، علشان كده تقدري تعيطي حتى لو لوحدك ، ممكن تكتبي كل الي جواكِ في ورقة و تحرقيها لو مافيش حد تقدري تقوليله ، تقدري تكلمي نفسك أو تكلمي ربنا و تشكيله ، في طرق كتير اوي ممكن تفضفضي بيهم من غير ما تحكي لحد بس اهم حاجة انك ماتفضليش شايلة الحزن جواكِ"
تنهدت بعمق وقد شعرت ببعض الراحة اثر حديثه لتنظر إليه و تقول بابتسامة :
" تعرف أن كلامك مُريح اوي "
ابتسم قائلًا :
" يسعدني اني قدرت اساعدك ولو بحاجة بسيطة "
" انت ساعدتني فعلًا ، بس بحاجة كبيرة اوي "
نظر إليها ليحك مؤخرة رأسه وهو يبتسم ببلاهة و يقول :
" انا ماعملتش حاجة تذكر "
حركت رأسها نافية لتقول بصدق :
" انت ساعدتني بجد ، تعرف انك تنفع دكتور نفسي ؟ "
نظر إليها قليلًا ثم عاد بنظره الي السماء ليقول بابتسامة :
" كان نفسي فعلًا "
انكمش حاجبيها لتسأله بجدية :
" بجد ؟ ، طب مادخلتش طب ليه ؟ ، انت داخل هندسة يعني أظن كان مجموعك يجيب انك تدخل صح ؟ "
" ما انا قدمت "
نظرت إليه ثم حثته على الأكمال وهي تسأله باهتمام :
" وبعدين ؟ "
قال وهو يضحك بمرح :
" اترفضت من على باب الكلية "
" ليه ؟! "
سألته بدهشة ، ليعقد ذراعيه وهو يقول بابتسامة :
" بعد ما قدمت و عملت اختبار كده قبل القبول ، اترفضت علشان ماعنديش اهم حاجة ممكن تبقى عند الدكتور النفسي "
استندت برأسها على يدها التي وضعتها أسفل ذقنها لتسأله بنفس باهتمام :
" اي هيا ؟؟ "
" الثبات الانفعالي "
قال كلماته بنبرة صوت ظهر بها حزن دفين داخله ، لتشعر أنه قد مر بالكثير هو الآخر فسألته بلطف :
" انت مش بتعرف تتحكم في اعصابك ؟ "
اومأ لها ليقول بمرح :
" قالولي كده ها تخلي المريض جاي بمرض نفسي ، و ها يروح بمرض نفسي وعضم مكسور "
لم تستطع كبح ضحكتها لتضحك بقوة على ما قاله بينما يتأملها هو وهي تضحك بابتسامة ، ثم قال و مازال نظره مصوب عليها :
" أخيرًا ضحكتي "
نظرت إليه وهي تشعر أن دقات قلبها تزداد اثر كلماته ، لتنهض من مقعدها وهي تقول بارتباك :
" طيب ها أنزل انا علشان الوقت اتأخر "
هربت من أمامه لينظر هو في أثرها بابتسامة تلتها تنهيدة عميقة لتنتهي هذه الليلة بأغرب ما يمكن بالنسبة له .
________________________________
جاء الصباح ، استيقظت «اسيل» على صوت رنين هاتفها ، لتمسكه وترد على المتصل بأنزعاج دون النظر الي هوية المتصل ، فتحت المكالمة ليأتيها صوت صديقتها «مريم» لترتبك فور سماع صوتها وهي تسألها :
" اي يابنتي فينك ، معقولة كل ده لسه المشكلة الي قولتي عليها ما اتحلتش ، انتوا بتتخانقوا على الورث ولا اي ؟ "
ابتلعت «اسيل» ريقها بصعوبة وقالت وهي تحاول التشويش على حديثها :
" يابنتي قولي صباح الخير الاول "
تأففت صديقتها وقالت بغيظ :
" صباح الخير ياستي ، ممكن تقولي بقى في اي ؟ "
شعرت «اسيل» أنه لم يعد هناك مهرب من اخبارها بالحقيقة فأخذت نفسنًا عميقًا ثم تبعه قولها :
" بصي "
_________________________________
كان يجلس على احد المقاعد في غرفة الانتظار ، حتى دلف إليه أحد الموظفين وهو يقول برسمية :
" استاذ يزن نصار ، اتفضل "
نهض فور سماع اسمه ودلف الي غرفة المدير الذي أشار له بالجلوس ليجلس بالفعل ، بدأ المدير اسألته بهدوء :
" عرفني نفسك "
اخذ «يزن» نفسًا عميقًا وبدأ بالحديث قائلًا :
" يزن نصار ، 23 سنة ، خريج كلية تجارة ، كنت عايش في قطر ولسه راجع من قريب و ماعنديش تجارب قبل كده لان دي اول مرة اشتغل بشهادتي "
تنهد بعد اخر كلماته ليومئ له المدير و يقول برسمية :
" تمام ، ها نرد عليك قريب "
غادر بعدما سمع تلك الجملة التي لا يعلم عدد المرات التي سمعها به منذ قدومه الي هنا ، وفي كل مرة تكون نفس النتيجة وهي الرفض .
________________________________
ابتسم الرجل يقول برسمية :
" نورتنا يا فندم "
غادر «اكرم» من بعد ذلك وعاد الي المنزل بسيارته الجديدة والتي اشتراها لتوه ، وصل أمام المنزل ليقوم بركن سيارته و يتجه الي الداخل ليجد «اسيل» تقف ببهو المنزل وتعبث بهاتفها ليدلف الي الداخل و ما كاد يصعد الي شقته لتقول وهو يمر بجانبها بنبرة ساخرة :
" الف مبروك "
توقف عن السير و نظر إليها ليقول بنفس نبرتها الساخرة :
" الله يبارك فيكِ "
كاد يصعد الدرج ليقف مرة أخرى ويلتفت لها ليقول بسخرية :
" و ادام مش من قلبك ياريت ماتقوليهاش "
تركها و اتجه الي الدرج و قبل أن يصعد عاد بنظره إليها ليسألها بجدية :
" أنتِ رايحة فين ؟ "
رفعت حاجبيها بدهشة لتضع يدها على خصرها متزامنًا مع قولها الساخر :
" و انت مالك "
عاد ليقف أمامها وقال ما جعل الدماء تغلي داخل عروقها :
" لا مالي ومالي اوي كمان ، علشان لما تبقي غبية ومن اول مرة تنزلي فيها الشارع تعملي مشكلة ، يبقى مالي أنتِ رايحة فين وجاية منين و قبل ما تسألي و تقولي ليه هو تحقيق بقولك اهو ... اه هو تحقيق "
صكت على أسنانها وهي تطالعه بغضب شديد ليتركها ويتجه ناحية الدرج مرة أخرى ليسمعها تقول وهو يصعد :
" وانا كان مالي أنهم شباب ماتربوش وجايين يضايقوني ، كنت عايزني اسكت؟ "
نظر إليها ليقول اخر كلماته وهو يغادر :
" شوفتي بقى انك فعلًا غبية "
تركها وصعد الي شقته لتبقى هي تشعر أنها قد تنفجر من كم الغضب الذي بداخلها تجاهه الان ولا تتمنى سوى الفتك به في اي لحظة ، بعد دقائق جاءت «هنا» وهي تقول :
" انا خلصت "
غادرت معها في صمت ما أثار ريبة «هنا» من تقاسيم وجهها الغاضبة ، كادت تسألها عن ما بها لتوقفها وهي تشير إليها بسبابتها و تقول بتحذير :
" هنا ... مش عايزة اسمع اي اسئله لحد ما نوصل ، فاهمة ؟ "
اومأت برأسها عدة مرات وقررت أن لا تسأل كي لا ينشب شجار بعدما شعرت إن شقيقتها تود الفتك بأحدهم الان .
بعد مدة كانوا قد وصلوا الي كلية «هنا» ، تأكدت «اسيل» من ذهاب شقيقتها الي الداخل وغادرت قاصدة أحد الشركات القريبة ، وصلت الي هناك وجلست تنتظر دورها كما طلبت منها الموظفة لتشرد بذاكرتها إلي ذاك الحديث الذي دار بينها وبين صديقتها «مريم» في الصباح...
كانت قد أخبرت صديقتها بما حدث وسبب عدم عودتها دفعة واحدة لتلتقط أنفاسها و تشعر بقليل من الراحة لاخبارها بالحقيقة ، لتصمت منتظرة ردة فعل صديقتها والتي اتاها ردها سريعًا وهي تقول بنبرة صوت أظهرت غضبها :
" يعني اي الكلام ده يا اسيل ؟ ، يعني أنتِ مش راجعة تاني ؟ "
اجابت «اسيل» بسرعة قائلًا :
" لا طبعًا ها ارجع بس إقناع بابا و اخواته ها ياخد شوية وقت ، غير أن مش انا بس الي مش موافقة لا كمان معظم ولاد عمي مش موافقين يقعدوا وعايزين يرجعوا الدولة الي كانوا عايشين فيها تاني "
تنهدت «مريم» بحزن ثم قالت بمعاتبة :
" وليه ماقولتيش الكلام ده من المرة الي فاتت لما كلمتك ؟ "
" خوفت تزعلي "
اجابت بصدق شعرت به «مريم» لتقول بابتسامة :
" خلاص ياستي وانا ها استنى لما ترجعي ، عندي امل كبير انك هاترجعي "
صاحبت جملتها الاخير الكثير من المشاعر منهم التفاؤل والحزن و الخوف لتجيب عليها «اسيل» تطمئنها بقولها :
" اوعدك اني ها احاول بكل الطرق اني ارجع "
أغلقت الخط بعد أن ودعتها وذهبت من بعدها لتغيير ملابسها بملابس للخروج و من بعد ذلك اتجهت الي المطبخ لتضع صحون الطعام على مائدة الإفطار بعدما انتهت والدتها من تحضيره ، جلسوا جميعًا يتناولون الطعام وقبل أن تسألها والدتها الي اين هي ذاهبة وجهت حديثها الي والدها حيث قالت :
" بابا انا ها انزل ادور على شغل "
نظر إليها «محمود» وقد انكمش حاجبيه وهو يسألها :
" ليه يا اسيل مستعجلة كده ؟ "
حركت كتفيها قائلًا :
" عادي ، انت عارف اني خدت على الشغل و مش واخدة على قاعدة البيت دي علشان كده عايزة انزل ادور على شغل "
تفهم والدها ليومئ برأسه عدة مرات وهو يقول :
" طيب يا حبيبتي ، خدي بالك من نفسك "
ابتسمت بسعادة وعادت لتناول افطارها متجاهلة عمدًا نظرات والدتها المشتعلة منها و الرافضة لكل ما يحدث ، لتضع والدتها أمامها صحن و تقول بغيظ :
" دخلي الطبق ده لاخوكِ علشان يفطر "
اخذت الصحن دون جدال ودلفت الي غرفة «مازن» الذي كان مستلقيًا على الفراش لتقول بابتسامة وهي تضع الصحن أمامه :
" رجلك عاملة اي دلوقتي ؟ "
" احسن الحمد لله والدكتور قال ها افك الجبس بعد اسبوع او عشر ايام "
اومأت برأسها وهي تقول :
" طيب افطر يلا علشان تاخد العلاج "
" حاضر ، بس انتِ رايحة فين ؟ "
" ها أنزل ادور على شغل اصل بصراحة زهقت من قاعدة البيت اوي يا مازن "
اومأ لها ليقول بهدوء :
" طيب كنتِ استني لما افك الجبس و انزل معاكي "
شعرت بقلقه عليها في كلماته لتقول بنبرة مطمأنة :
" ماتخفش عليا انا ها ابقى كويسة ، يلا عايز حاجة ؟ ، سلام "
غادرت بينما هو حرك رأسه بعدم فائدة ، اتجهت الي باب المنزل وقبل أن تغادر أوقفها صوت والدتها التي قالت بنبرة صوت متهكمة حادة نسبيًا :
" استني خدي هنا معاكِ وصليها الكلية "
اومأت لها ثم نظرت إلي «هنا» لتجدها لم ترتدي ملابسها بعد فقالت بأنزعاج :
" طيب خلصي يلا يا هنا ها اتأخر "
" قايمة اهو "
انهت جملتها و اتجهت الي غرفتها تغير ملابسها لتقول «اسيل» بصوت عالي نسبيًا ليصل لها :
"ها استناكي تحت "
ذهبت الي الاسفل وأخذت تعبث بهاتفها وترى طلبات الصداقة الجديدة التي أرُسلت من قبل اولاد عمها ، لترفع عيناها من بعد ذلك عن الهاتف وتجد سيارة اكرم أمام المنزل .
قاطع شرودها تلك الموظفة التي قالت برسمية :
" آنسة اسيل نصار ، اتفضلي "
دلفت «اسيل» الي غرفة المدير وأعطته الـ CV الخاص بها ليتفحصه قليلًا ثم ينظر إليها ويقول بأبتسامة :
" ماشاء الله CV مُشرف "
اتسعت ابتسامتها وهي تقول :
" شكراً ده ذوق حضرتك "
وضع الـ CV أمامه ثم قال بنبرة ودودة :
" بصراحة كده احنا عندنا عجز في الموظفين و علشان كده محتاجين نسد العجز ده بأي طريقة و طبعًا يشرفني أن آنسة اشتغلت في الشركات المعروفة دي و منهم أحد شركاتي أنها تشتغل معايا وتساعد في سد العجز "
ابتسمت له رغم عدم معرفتها عن أي شركة تخصه يتحدث لكثرة الشركات التي عملته لكنها مع ذلك أجابت دون الاستفسار :
" ده شيء يشرفني يافندم "
كانت نبرة حديثه لطيفة للغاية غير رسمية وجادة ما أعطاها شعور بالراحة لاول مرة في طلب وظيفة ولكن مع ذلك فضلت أن تتحدث برسمية بما انها المرة الأولى لها ، نظر إليها قليلًا ثم اومأ برأسه عدة مرات وهو يقول :
" تقدري تبدأي شغل من النهاردة لو حبيتي يا ... "
نظر إلي الاسم المكتوب على الـ cv الخاص بها ليعود للنظر إليها وهو يقول بأبتسامة :
" يا اسيل "
رأى الدهشة ظهرت على محياها فور مناداته لها دون لقب ليسألها و مازال مبتسمًا :
" تحبي اناديكِ آنسة اسيل ؟ ، هو انا متعود انادي كل موظفيني ببنتي و ابني لاني بحبهم زي عيالي بالظبط لكن لو أنتِ حابة.... "
قاطعته سريعاً وهي تقول :
" لا لا مافيش مانع ، حضرتك قد والدي برضو ويشرفني اني ابقى في مقام بنتك "
ابتسم للمرة التي لا تعرف عددها وقال بنبرته البشوشة :
" ماشي يابنتي "
" طيب ممكن ابدأ الشغل من بكرا علشان اجهز ؟ "
سألته ببعض التردد ليومئ برأسه وهو يقول :
" تقدري طبعًا"
شكرته وغادرت وهي مازالت مندهشة من هذه المقابلة التي لم ترد عليها في اي مرة من قبل ولكنها كانت سعيدة لوجود مدير شركة لطيف ولديه ابتسامة بشوشة للغاية وقد شعرت أنها ارتاحت له بالفعل .
_________________________________
جاء المساء وصعدت «اسيل» الي الاعلى حيث كانوا يجتمعون كعادتهم لتدلف الي الداخل وهي تبحث عنه بعيناها لتجده يجلس على الأريكة يعبث بهاتفه لتذهب إليه وتقف أمامه و تقول بجمود :
" انت يا استاذ "
رفع «اكرم» عينه ينظر إليها ليسألها بهدوئه المعتاد :
" في اي ؟ "
وضعت يدها على خصرها لتقول بسخرية :
" لا مافيش حاجة خالص ... "
احتدت نظرتها ثم قالت وهي تشير إليه بسبابتها بتحذير :
" انت غلطت فيا اكتر من مرة وانا بقى مش بسكت عن اهانتي للاسف "
كان الجميع عداهما لا يفهم شيئًا مما يحدث وهذا ما دفع «طارق» لسؤالها :
" في اي الي حصل يا اسيل ؟ "
استقام «اكرم» تاركًا مقعده ليقف أمامها وهو يشير لـ «طارق» بأن يصمت ثم نظر إليها وهو يقول :
" طيب ما توريني بتاخدي حقك من الي اهانك كده ازاي ؟ "
وووويُتبع