رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل السادس 6 بقلم لبني دراز
أشدّ ما يُوجع الإنسان ليس الحقيقة ذاتها، بل اللحظة التي يُجبر فيها على سماعها وهو بلا استعداد.
هناك، لا تسقط الكلمات فقط، بل يسقط ما تبقّى من يقينٍ داخليّ كان يُبقيه واقفًا.
وحين يُحتَوى الانكسار، لا يُمحى الألم.. بل يُمنح فرصةً مؤقتة ليتنفس قبل أن يقرر.. هل يُشفى، أم يظلّ ندبةً لا تُرى لكنها لا تختفي.
تقى والمجهول بقلمي
طنطا_ بيت الحاج غريب
اوضة كادي
بعد ما مشي كريم، حمزة ساب عمر قاعد مع جده وأبوه وطلع السلم بخطوات سريعة ودخل أوضته وقف لحظة قدام الدولاب فتحه وطلّع منه شراب جديد من اللي مخبيهم وقافل عليهم بالمفتاح بص له بابتسامة خفيفة وقفل دولابه تاني، مشي لحد أوضة كادي خبط خبطة خفيفة بإيده واستنى لحد ما سمع صوتها بالإذن فتح الباب بهدوء ودخل وهو حاطط إيديه الاتنين ورا ضهره وفيهم الشراب، وقف قدامها ساكت وعينه ثابتة عليها بنظرة مش مفهومة.
كادي أول ما شافته قامت بسرعة من مكانها ودموعها نازلة ع خدها وهي بتحاول تقرأ ملامحه، مش قادرة تفهمه وبصوت مكسور وندمان:
أسفة يا أبيه، مش هكرر اللي عملته ده تاني.
حمزة قرب منها خطوة ببطء، رفع حاجبه وهو مركز فـ عينيها وصوته طالع هادي بس فيه جدية:
تفتكري اللي انتي عملتيه تحت ده صح؟
كادي نزلت عينيها للأرض وبحركة تلقائية رفعت إيدها تقطم فـ ضوافرها من التوتر، وصوتها مليان ندم:
انا عارفة انه غلط، بس اعمل ايه فـ نفسي بقى؟ انا ببقى والله طول ما انا برة البيت عاقلة بس مش عارفة ايه اللي بيجرالي لما برجع، اول ما بعدّي من البوابة الكبيرة بتجنن كأني بسيب العقل برة الباب.
فضل واقف لحظة يبص لها وهو مضيّق عينه وبعدين اتحرك خطوتين قعد ع السرير، ولسة مخبي الشراب ورا ضهره ومد إيده شدها تقعد جنبه وحاوط كتفها بدراعه بحنية:
يا دودو يا حبيبتي، انا مش عايز حد ياخد عنك فكرة وحشة.
كادي رفعت عينيها له بسرعة تدافع عن نفسها ولسة الدموع بتلمع فيها: بس انا ما عملتش كدا قدام حد غريب يا حمزة، ده كان أبيه عمر ابن عمو حسين وأبيه كريم صاحبك.
حمزة شدها أكتر لحضنه باس راسها بيطمنها قبل ما يلومها:
حتى لو هما اللي موجودين يا دودو، رغم أني عارف ومتأكد انهم مش هيفهموكي غلط بس برضو ما تعمليش كدا قدامهم، ويا ستي كفاية عليكي اللى فـ البيت، ولا مش مكفيّنك دول يعني؟
هزت راسها بسرعة وملامحها رجعت طفولية وهي بتحاول تراضيه:
حاضر يا حمزة، هاستكفى بيهم وأمري لله.
حمزة لف وشه لها بسرعة بغيظ مصطنع وعيونه وسعت وبنبرة اندهاش:
أمرك لله؟! وبعدين ايه حاضر يا حمزة دى؟! اومال فين موزة اللي كرهتيني فـ الموز كله بسببها؟
كادي ضحكت رغم دموعها وبنبرة هزار:
ما هو انت لما بتتعصب يا موزة يا حبيبي شكلك بيخوّف أوي وبصراحة بخاف تزحلقني بقشرة منك هههههه.
حمزة زقها بخفة وقعها ع المخدة، وقام وقف وهو بيمثل انه متضايق: تصدقي يا بت انتي؟ خسارة فيكي الشراب اللي كنت جايبهولك.
سابها ولف وشه ومشي ناحية الباب كأنه هيخرج من الاوضة.
كادي قامت جري وراه بسرعة ووشها رجع ينور من الفرحة:
خلاص خلاص يا موزة يا حبيبي ما تزعلش حقك عليا هات الشراب بقى.
وقف ولف لها بجسمه وهو بيضحك وبيهز راسه بيأس ومد إيده بالشراب:
آه يا جزمة، بقى الشراب يعمل فيكي كل ده؟!
كادي خطفته من إيده بسرعة وهي بتضحك بطفولة:
ما انا بقيت مدمنة شراباتك بقى ومش عارفة اتعالج.
حمزة ضحك عليها وبنبرة سخرية:
ويا ترى بقى بتاخديهم عضل ولا بتشميهم ولا ايه بالظبط؟!
كادي ضحكت ورفعت كتفها بدلع:
بضربهم فـ الوريد يا موزة ههههههههههه.
حمزة بص لها باستغراب ممزوج بضحك:
اللي هيجنني اشمعنى شراباتي انا بالذات مع ان في عندك بابا، وكمان إيساف وريّان فوق، اشمعنى انا؟.
كادي قربت منه شوية وبنبرة حب صافية ممزوجة بدلع أخوي:
انت موزتي حبيبي، شراباتك سينييه ماركة يعني، مش زي شراباتهم يا حموزة أى كلام.
حمزة ابتسم ابتسامة صافية وبص لها بنظرة كلها حنان وبصوت هادي: طب يا فالحة يلا انزلي عشان بيسألوا عليكي تحت.
وقرب منها باس جبينها بحب وسابها ومشي وهو مطمّن إن قلبها رجع يضحك تاني.
أما كادي بعد ما خرج حمزة من الأوضة فضلت واقفة مكانها لحظة، بتبص للباب اللي اتقفل وراه وابتسامة صغيرة اترسمت ع وشها من غير ما تحس ضمت الشراب فـ حضنها بفرحة من قرب حمزة ومن إحساسها إنه مهما زعل منها، عمره ما هيهون عليه زعلها.
_______________________
بيت كريم
بعد ما خرج كريم من عند حمزة، مشي بخطوات سريعة وهو بيفكر يشترى هدية لـ أخته، لف كتير لحد ما وقف قدام محل دهب، عينه فضلت تلف ع كل المعروضات لحد ما استقرت ع سلسلة صغيرة متعلق فيها قلب رقيق وأول حرف فـ اسمها ابتسم من قلبه وحس إنه اختارها صح، دخل اشتراها وحطها فـ علبة قطيفة واشترى معاها وردة بلدي حمرا، اول ما رجع البيت وفتح الباب ودخل الشقة كانت هادية بشكل غريب وقف لحظة لف براسه يمين وشمال، استغرب الهدوء وقلبه دق بخفة وهو بينادي:
كارما.. كوكي.. كرملة.. بت يا كارما!
باب أوضتها اتفتح فجأة وخرجت جري عليه ومن غير ما تستنى رمت نفسها فـ حضنه وضحكتها طلعت صافية من قلبها:
قلب كارما من جوة يا أحلى كيمو فـ مجرة درب التبانة كلها.
كريم ضحك وهو بيخرّجها من حضنه وباس خدها بحنية:
لما أنا أحلى كيمو فـ المجرة كلها، ما ردتيش ع طول ليه يا بكاشة؟
غمضت عين واحدة جامد، وهرشت فـ شعرها بتمثيل طفولي وهي بتفكر:
ما ردتش ليه.. ما ردتش ليييه.. آه، كنت بغير هدومي يا دكترة عشان لسة راجعة من الكلية.
كريم هز راسه بابتسامة ورفع إيده شم الوردة وباسها، قبل ما يقدمها لـ كارما وصوته خرج هادي ومليان حب:
أحلى وردة لـ أجمل زهرة بتنشر عبيرها فـ حياتي.
وبعدها حط إيده التانية فـ جيبه، طلع العلبة القطيفة وباس جبينها وهو بيديها لها:
شدي حيلك بقى يا بشمهندسة ومكتبك يجهز فـ الحال، اتفضلي يا قلبي، يارب زوقي يعجبك.
كارما أخدت الوردة والعلبة بإيدين ملهوفة فتحتها ببطء ولحظة ما عينيها وقعت ع السلسلة، شهقت بفرحة ومن غير ما تحس نطت فـ حضنه:
الله! جميلة أوي يا كيمو، ربنا يخليك ليا يا أحن وأحلى أخ فـ الدنيا.
كريم ضمها لحضنه أكتر، بإيد بتطبطب ع ضهرها وباس راسها بحب صادق وصوته طلع دافي: ويخليكي لـ قلبي يا أرق كارما فـ الكون كله.
باب الشقة اتفتح فجأة ودخل كارم بخطوات سريعة وهو بيرمي الشنطة بإهمال ع الكنبة وشاف كريم حاضن كارما، فاتجمد لحظة وبعدين صرخ بصوت عالي مليان هزار:
خياااااااانة! كارما توأمي وكريم أخويا الكبير فـ حضن بعض؟! وفين؟! فـ الصاااالة! فين الأمانة؟ فين الضمير؟ فين ماما؟ فين الأكل؟ أنا جعااااان.
كريم ساب كارما ولف له بغيظ مشي ناحيته خطوتين مسكه من قفاه:
أنا كام مرة أقولك يا حيوان انت بطل دخلة المخبرين دي؟!
كارم حاول يفلت منه وهو بيضحك بمشاكسة:
ما تهربش يا دوك من السؤال، بتعمل إيه انت والمفعوصة دي فـ الصالة؟ وماما فين؟ سايباكم تحضنوا بعض كدا عاتشي؟
كارما طلعت له لسانها وهي رافعة الوردة والسلسلة قدامه بتغيظه:
كيمو كان بيديني هدية جديدة، شوف كدا، إيه رأيك؟!
كارم قرّب يبص عليها، وبعدين رجع راسه لورا بتمثيل الحقد:
الله يسهله يا ست، ناس ليها كل شوية هدايا.. والغلبان المطحون اللي هو أنا؟! مافيش حد معبرني حتى بقرطاس لب.
كريم ضحك وهو بيقرب منه خطوة، وخبطه بخفة ع كتفه:
هو أنا يا واد انت مش لسة جايبلك هدية فـ عيد ميلادك؟
كارم لف له بغيظ مصطنع وهو بيشاور بـ إيده باعتراض:
صح النوم يا باشا! عيد ميلادي ده كان من 7 شهور.. وبعدين ما كانش عيد ميلادي لوحدي يعني، ولا الهدايا لست كارثا بس؟
كارما حطت إيدها ع صدرها وبدأت تمثل العياط بصوت مبالغ فيه: أخص عليك يا كركر، بقى أنا كارثا؟! أهئ، أهئ، أهئ.
كارم قرّب منها خطوة ورفع إيده كأنه بيمسح دموعها، بنبرة تمثيل: حقك عليا يا كارثتي، تزعليش مني، تزعليش مني أبتًا، فين الأكل بقى عشان أنا جعان.
كارما بصت له بهدوء وهي بتقعد تفتح التليفزيون:
مافيش أكل قبل ما ماما ترجع من عند خالتو.
كريم ضحك وهو بيتحرك ناحية أوضته وبص لـ كارم بنظرة سخرية: ياض انت تنفع ممثل فاشل تحفة، أنصحك تسيب صيدلة وتدخل معهد تمثيل أحسنلك.
كارم دخل وراه الأوضة، أخد التيشيرت من ع الشماعة وبص له بابتسامة فيها هزار:
وماله يا باشا، أهو نتفسح ونسافر ونركب فيراري ونبقى من المشاهير، بدل الصيدلية اللي هنفتحها وتطلع روحنا فيها.
كريم كان بيفك أزرار قميصه بهدوء، بص له بحاجب مرفوع وهز راسه بنفاذ صبر:
خلص انت بس الكلية ويعدلها ربنا، وبعدها اعمل اللي انت عايزه.
كارم بدأ يغير هدومه هو كمان، وبص له بدلع:
أنا ناوي أتجوز وأقعد فـ البيت، بلا شغل، بلا مرمطة يا خويا.
كريم بيفتح باب الأوضة عشان يخرج لف نص لفة وبص لكارم وهو بيضحك ومن بين ضحكه:
ده اختك ما قالتهاش يا فاشل.
خرج من الاوضة وكارم طلع وراه وقعدوا الاتنين يتشاكسوا كعادتهم ضحك وخناق هزار مالي المكان لحد ما فجأة الجو اتبدّل.
كارما قربت من كريم ببطء، خطواتها تقيلة وملامحها متغيرة، عيونها حمرا ودموعها نازلة وبنبرة حزينة:
كريم، عايزة أقولك حاجة حصلت معايا النهاردة.
كارم بص لها ورد عليها بسرعة قبل كريم:
بلاش يا كارما.. أخوكي مش ناقص.
كريم وقف فـ مكانه فجأة، ابتسامته اختفت وبص لها بقلق اتحرك خطوتين وضمها لحضنه بسرعة وبنبرة متوترة:
مالك يا حبيبتي؟ حصل إيه؟
وبعدين رفع عينه لكارم، ونبرة صوته اتحولت لعصبية حادة:
وانت عايزها تخبي عليا إيه؟ انطق! في إيه؟!
كارما بلعت ريقها بصعوبة ودموعها زادت، وبصوت مهزوز:
بابا جالي النهاردة الكلية.. وكان معاه ابن مراته عايزني أقعد معاه واتعرف عليه.
كريم سكت لحظة ملامحه اتجمدت وبعدها أنـfـجر فجأة، عينه احمرت وصوته عِلي بشكل مرعب:
هي حصّللللت؟! مش مكفييييه اللي عمله فيناااا؟! كمان رايح لك الكلية؟! وعايزك تقعدي مع البيه اللي ساحبه وراه ليل نهاااااار؟!
نَفَسه بقى تقيل وصدره بيطلع وينزل بعنف، بيحاول يكتم البر*كان اللي جواه:
وعايزك تتعرفي عليه ليه ان شاء الله؟
كارما بصت له بخوف وصوتها اتهز أكتر:
عشان.. عشان عايزني أتجوزه.
الكلمة وجعت قلبه كأنها سـkـينة
انغرزت فيه، كوّر قبضة إيده بعصبية وصوته خرج من بين أسنانه:
ده ع جثتي، فاهمة؟ ع جثتي ده يحصل.
بص لها وعيونه مليانة غضب وسألها بقلق:
وانتي قولتيله إيه؟!
كارما جريت عليه حضنته بقوة، بتطمنه وتستخبى فيه من كل اللي واجعها:
ما تخافش يا كريم قولتله أخويا مانعني أكلم حد غريب.. وسبته ومشيت والله، رُحت عند كارم فـ مبنى الصيدلة ع طول.
كريم غمّض عينه لحظة وحط إيده ع شعرها بيمسح عليه بهدوء، بيحاول يطمنها رغم بر*كان الغضب اللى جواه، وصوته طلع مكسور وموجوع:
شاطرة يا حبيبتي، أوعي تديله فرصة مهما حصل.
رفع عينه لـ كارم وNـار الغضب باينة فيها لكن وراها وجع أخ أكبر شايل المسؤولية لوحده سنين، وبصوت مبحوح:
كنت عايز أختك تخبي عليا حاجة زي دي يا كارم؟
كارم قرّب بخطوات هادية وعينه بتلمع بالدموع:
أنا كنت خايف عليك يا كريم، لأني عارف إنك هتتوجع وتتعصب لما تعرف، عشان كدا لما جاتلي قولتلها ما تقولكش وأنا كنت هاتصرف، بس هي بقى مش بتعرف تخبي عليك.
كريم سكت لحظة بيحاول يسيطر ع نفسه بالعافية اتنهد تنهيدة تقيلة مليانة وجع السنين ومشي خطوتين ناحية الباب وقبل ما يفتحه بص لـ كارم بهدوء قاتل:
طلع نفسك من الموضوع ده، أنا اللي هتصرف وإياكم ماما تعرف، هي فيها اللي مكفيها، مفهوم؟
فتح الباب وسابهم، سحب وجعه جواه بيخبّيه عن الدنيا كلها وطلع السلم بخطوات سريعة تقيلة، وصل السطوح متنفسه الوحيد، المكان اللي دايمًا بيهرب له لما الدنيا تضيق بيه وقف لحظة ياخد نفسه والذكريات بدأت تهجم عليه من غير رحمة، صور قديمة، وجع متراكم، وصوت أب ما سابش فيه غير أثر القهر، قرب من سور السطح ضغط عليه بإيده بقوة كأن السور هو الحاجة الوحيدة اللي سانداه وفجأة سمع صوت صريخ شق سكون المكان، رفع عينه بسرعة ناحية الصوت، شاف تقى واقفة قدام ابن عمها ومعاهم شاب غريب عنه وهي بتصرخ فيهم، اتجمد مكانه لحظة رغم ان جواه لسة موجوع من أبوه لكن قلبه شدّه ناحيتها وقف يبص لها بتركيز ونبضه بيعلى مع كل صرخة منها، نسي وجعه وما بقاش شايف غيرها وعايز يطمن عليها بأى طريقة.
________________________
بيت تقى
فـ نفس اللحظة اللي طلع فيها كريم ع سطح بيته، كانت تقى قاعدة منكمشةع نفسها منهارة تمامًا إيديها الاتنين ضاغطة ع ودانها بكل قوتها، صوابعها مغروزة فـ شعرها وراسها بتتهز بعنف كأنها بتحاول تمنع صوت شريف يوصل لها، صدرها كان بيطلع وينزل بسرعة، أنفاسها متقطعة ودموعها نازلة مغرقة وشها، وفجأة
شالت إيديها بعصبية وقامت جريت ناحيته بسرعة شدّته من هدومه بعنف خلاه يميل لقدام وصوابعها كانت مكلبشة فـ قميصه بقوة، وشها كان قريب منه جدًا عينيها واسعة ومليانة غضب ووجع، وشفايفها بترتعش وهي بتتكلم:
أنا ما انفعععكش ولا أنفع غييييرك، أنت مش فاهم حاااااااجة، انت ما تعرفش انا مييين.
قاطعها شريف بغضب وعينيه فيها لمعة عصبية واضحة مسك إيدها بسرعة وهو بيزُقها بعيد عنه صوابعه ضغطت ع دراعها بعنف، ونبرته طلعت حادة ومتوترة:
هتكوني مين يعني؟ هااا؟! هتكوني مييين؟ بنت الجيراااان؟ ولا يكونش خالي لاقيكي فـ الشاااااارع مثلًا؟!
زاد انهيار تقى وجسمها كله اتشنج، وراسها رجعت لورا وهي بتصرخ بأعلى صوت عندها، صوتها كان مخنوق ومكسور وطالع من قلب وجعها لدرجة إن الصرخة وصلت لـ كريم، ونبرتها مليانة ألم وقهر:
أيوا يا شريييف، خالك لاقني فـ الشارع، أيواااااا انا لقيطة.. عاااااارف يعني ايييييه لقيطة، يعني بنت حرااااااااااام.
فـ نفس الثانية عبدالرحمن رفع إيده بسرعة مفاجئة ومن غير أي تردد نزل بيها ع خد تقى، ضربة قوية خلت راسها تلف الناحية التانية وجسمها يميل للحظة من شدتها، نزل إيده ببطء بعد القلم وهو واقف قدامها وصدره بيتهز من كتر الإنفعال وعينه مو*لعة من الغضب والخوف عليها فـ نفس الوقت، ونبرة صوته حادة:
أخرسيييي، إياك أسمعك تقولي الكلمة دي تاااااني، فاااااااهمة؟ انتي بنت منصور وجليلة مش بنت حرااااااام، أنتي عطية ربنا وهديته وعوضه بعد صبر سنين طويلة، انتي فتحة الخييير اللي شافه منصووور، حتى لو ما كنتيش من صلبه، رضيتي او ما رضتيش، غصب عنك انتي بنت منصور، فاهمة ولا لأ؟
وبعدها ملامحه لانت وقرب منها بسرعة شدّها لحضنه بقوة، إيده لفّت حوالين ضهرها والتانية ع راسها بيضمّها لصدره وهو مغمض عينه ودموعه نازلة ع شعرها ونبرته بقت دافية بس مليانة وجع:
انتي أختي اللي شاركتني صدر أمي وقاسمتني فـ رزقي سنة كاملة، وبنت حنان اللي خدتك فـ حضنها ورضعتك حبها وحنيتها مع لبنها، انتي بنت عيلة الراوي غصب عن أي حد يا تقى.
شريف كان واقف بعيد خطوتين، تايه مش مستوعب ولا فاهم أي حاجة عينيه بتتحرك بينهم بارتباك، حاسس إنه واقف بيتفرج ع فيلم بايخ عينه وسعت بذهول، وصوته طلع مهزوز ومليان صدمة:
انتوا بتقولوا ايه؟ لالالالالا، اللي بتقولوه ده مستحيل، بتهزورا صح؟!
صوته بدأ يعلى، وملامحه اتشدت، وإيده بتتحرك بعصبية فـ الهوا:
ردووووا، إيه التخاريف اللي نتوا بتقولوها دييي، انهوا المشهد البايخ ده بقى وقولوا انكم بتهزرووووا.
قرب بسرعة ومد إيده شد تقى من حضن عبدالرحمن بعنف وبنبرة مليانة غضب:
ما تتهميش نفسك بالباااااااطل عشان تقنعيني أبعد عنننننك، ما تتبريش من اسمك وعيلتك عشان تقنعيني اننا ما ننفعش لبععععض، انا كدا كدا عارف انك متحرّمة علياااا، حتى لو كنت حبيتك غصب عننني، بس خلاااص انا عرفت الحقيقة من أمي، بلاش تشوهي صورتك قدامي عشان شوية فضفضة، وتخااااريف طلعت مني زي ما قال عبده.
تقى اتنهدت بوجع ودموعها نازلة سيل ع خدها وهي بترفع عينها تبص له بنظرة مكسورة وبتهز راسها بوجع وبنبرة إنكسار:
يا ريتها تخاريف يا شريف، صدقني هي دي الحقيقة اللي عرفتها قبل موت بابا بفترة بسيطة، واللي بسببها سليم رمى الدبلة فـ وشي، واللي بسببها برضو محمود وزينب وزيدان.
لفّت وشها ناحية عبدالرحمن وطلعت منها ضحكة مكسورة ودموعها ما وقفتش:
وفوزية اللي رضعتني سنة كاملة، رمولي هدومي وحاجاتي من البلكونة من غير رحمة فـ عز الليل والبرد، ما قدروش يستنوا للصبح او حتى يسيبوني ألم هدومي بالراحة من غير ما يكسروني.
عبدالرحمن قرب منها بهدوء وابتسامة خفيفة ظهرت ع وشه رغم وجعه، رفع إيده ومسك وشها بين كفوفه بحنان، مسح دموعها بإبهامه قبل ما يبوس جبينها برقة وصوته خرج دافي كله احتواء:
ما عاش ولا كان اللي يكسرك يا قلب أخوكي، مش عايز اشوف فـ عيونك نظرة الأنكسار دي مرة تانية، فاهمة؟
وبعدها ضم راسها لـ صدره بحنية، إيده لفّت حواليها كأنه بيحاول يلمّ كسرها جواه وكمل بصوت واطي فيه رجفة وجع:
أنا واقف فـ ضهرك لأخر يوم فـ عمري ولحد أخر نفس فيا يا تقى، عمري ما هسيبك وهسلمك بإيدي للراجل اللي يستاهلك، اللي يستاهل تقى منصور الراوي، حتى لو مش ده اسمك اللي فـ شهادة ميلادك، هتفضلي تقى الراوي يا بنت منصور.
شريف رجع خطوة لورا وحط إيده ع راسه بيضغط عليها جامد وبيهزها بعنف ونظرة عينه كلها صدمة وهو بيبص لهم وبنبرة مليانة رفض:
لأ.. مستحيل، مش بعد 26 سنة عشناهم سوا، كبرنا فيهم وبنينا كل أحلامنا وذكرياتنا مع بعض وعشنا تفاصيل حياتنا لحظة بلحظة إحنا التلاتة بالذات.. جايين دلوقتي تقولوا إنك مش بنتنا وإنك لقيطة؟!
أنا مش مقتنع.. ومش هقتنع بالكلام ده يا تقى، هتفضلي بنت خالي منصور الراوي، وهتفضلي أختي حتى لو غصب عني حبيتك حب راجل لست، هتفضلي أختي برضو، حتى لو اللي بتقوليه ده هو الحقيقة.
لحظات قليلة وقطع كلامهم رنة موبايل عبدالرحمن، بص للشاشة شاف اسم عمته، رد بهدوء وعرف إنها وصلت طنطا وقربت تنزل من القطر فهز راسه وقفل المكالمة، بص لشريف وطلب منه يروح يستقبلها فـ المحطة ويجيبها ع البيت، لأنه مش هيقدر يسيب تقى لوحدها فـ الحالة اللي هي فيها، وحاجة تانية خباها جواه وما قدرش يعلن عنها.
__________________________
القاهرة_ مكتب سليم
فدوى راحت لـ سليم فـ مكتبه بعد جدل طويل بينها وبين زينب وفوزية عشان تنزل تشتري معاه الشبكة لوحدهم، خرجت من البيت بخطوات سريعة ومشحونة، ركبت تاكسي وقالتله العنوان وأول ما وصلت قدام العمارة وقفت لحظة تبص لفوق بلعت ريقها وبعدين بدأت تطلع السلم خطوة ورا خطوة صوت كعبها بيخبط فـ الرخام بإيقاع ثابت، لحد ما وصلت قدام الباب الواسع المفتوح، وقفت ع العتبة لحظة عينيها وسعت وهي بتبص جوة المكان شافته كبير بشكل يلفت، مساحات واسعة ومكاتب متقسمة بأزاز بيلمع، ناس داخلة وناس خارجة، ورسبشن كبير وراه أكتر من سكرتيرة، الفخامة كانت واضحة فـ كل تفصيلة وده خلّاها تتجمد ثواني مكانها، بعدين أخدت نفس قوي وخرجته ببطء وهي بتعدل وقفتها رفعت دقنها لفوق ورسمت نفسها بغرور قبل ما تتحرك ناحية مكتب السكرتيرة، وقفت قدامها وبنظرة فيها تعالي، نَقرت بطرف صابعها ع سطح المكتب وبنبرة متعالية:
أنتي.. بلغي سليم اني هنا.
رانيا السكرتيرة رفعت راسها بهدوء، بصت لها بابتسامة مهنية وردت:
في ميعاد سابق؟
فدوى لفّت عينيها بزهق وحركتهم يمين وشمال وهي بتعوج بُقها، وقالت باستفزاز:
لأ، مافيش.
رانيا نزلت عينيها تاني ع الورق اللي قدامها وكملت شغلها وبنبرة هادية: ماقدرش أبلغه طالما مافيش ميعاد سابق.
فدوى اتغاظت من رد رانيا، رفعت إيدها بسرعة وخبطت ع المكتب بعصبية، وعينيها لمعت بغيظ وبنبرة متعجرفة:
يعني ايه ما تقدريش تبلغيه؟ انتي ما تعرفيش انا مين ولا ايه؟ اتفضلي يلا بلغيه اني هنا.
قالت كلمتها وما صبرتش، اتحركت خطوة لقدام:
ولا أقولك.. انا هدخل بنفسي ابلغه.
السكرتيرة قامت بسرعة من مكانها، اتحركت قدامها تسد الطريق بإيد ممدودة كأنها حيط تمنعها تدخل، باعتراض:
يا فندم قولت لحضرتك لازم ميعاد سابق، ما ينفعش سيادتك تدخلي كدا من نفسك.
فدوى وقفت قدامها وبصت لها من فوق لتحت بنظرة مليانة احتقار، شفايفها اترسم عليها ابتسامة صفرا وبعصبية مكتومة:
يبقى اتفضلي اتصلي بيه يلا، بلغيه اني موجودة.
رانيا رجعت ورا مكتبها، قعدت ببطء وهي بتعدل نفسها بس ملامحها كان فيها ضيق مستخبي، رفعت سماعة التليفون الداخلي وطلبت مكتب سليم وعينيها عليها وبنبرة هادية متغلفة بغيظ:
اقوله مين حضرتك؟
فدوى قعدت قدامها، حطت رجل ع رجل وسندت ضهرها بغرور، وبنبرة متكبرة:
قوليله فدوى هانم.. خطيبتك.
رانيا بصت لها باستغراب وعينيها ضاقت شوية، ثواني وسمعت صوت سليم رد عليها، استجمعت نفسها بسرعة وبنبرة مندهشة:
فدوى هانم يا فندم خطيبة حضرتك موجودة هنا وعايزة تقابلك.
ع الناحية التانية سليم كان قاعد بهدوء، عينه ع الملف اللي قدامه، صوته خرج ثابت:
خليها تتفضل يا رانيا.
رانيا:
حاضر يا فندم.
قفلت السماعة وبصت لـ فدوى وهي بتشاور بإيدها ناحية الممر:
اتفضلي يا هانم، استاذ سليم فـ انتظارك، مكتبه أخر الطرقة يمين.
فدوى قامت ببطء عدلت هدومها بحركة فيها استعراض وبدأت تمشي تتمخطر فـ الطرقة، خطواتها بقت أبطأ شوية عينيها بتلف ع كل تفصيلة لحد ما وقعت ع لوحة مكتوب عليها اسم تقى، ع المكتب اللي جنب مكتب سليم، وقفت فجأة وعينيها ثبتت ع اللوحة، ملامحها اتغيرت وقربت خطوة بغيظ وهي بتقرأ الاسم بصوت واطي مليان غل: الاستاذة تقى المحامية.. سكتت لحظة وبعدين ابتسمت ابتسامة مليانة حقد وعينيها لمعت بـ Nـار الغيرة:
انا عارفة كان عاجبه فيكي ايه؟ يلا أديكي غورتي.. وانا اللي هقعد ع عرش الهيلامان ده كله.
فضلت واقفة ثواني تستمتع بإحساس الانتصار وبعدين كملت طريقها ناحية مكتب سليم بخطوات بطيئة.
أما رانيا فبعد ما فدوى بعدت عنها، فضلت واقفة تبص عليها وعينيها متابعاها لحد ما اختفت من قدامها، واتنهدت بهدوء ووشها فيه مسحة حزن خفيف، وهمست لنفسها بتعجب:
يا عيني عليكي يا استاذة تقى.. بقى يسيبك انتي ويخطب ام 44 دي؟! يلا ابن حلال ويستاهل.
________________________
طنطا_ بيت الحاج غريب
فـ نفس الوقت حمزة بعد ما صالح كادي، خرج من أوضتها وقلبه مطمن عليها، مشي فـ الطرقة لحد ما وصل عند السلم، لمح إيلاف طالعة وقف استناها وعينه ثبتت عليها وابتسامته وسعت من غير ما يحس، ناداها بصوت دافي:
إيلي.. فينك من الصبح؟
إيلاف أول ما شافته واقف قدامها، دقات قلبها زادت، رفعت عينيها بسرعة وبعدين نزلتهم تاني بخجل، وابتسامة صغيرة اترسمت ع شفايفها وردت بصوت هادي:
كان عندي محاضرات كتير النهاردة، واغلبها تدريب عملي من موقع الحدث.
اتنهدت بخفة، وبصت فـ الأرض وهي بتلعب فـ حزام شنطتها بتوتر:
انت عارف بقى كلية الأعلام صعبة قد ايه يا حمزة.
حمزة ضحك ضحكة خفيفة، حط إيديه فـ جيوبه وميّل بجسمه شوية وبص لها بنظرة فيها مرح:
مش قولتلك يا إيلي بلاش إعلام؟ قولتيلي ايييه؟ عايزة ابقى صحفية زيك يا حمزة.
صوته وهو بيقلدها خلاها ترفع له عينيها فجأة واتعلقت بيه لحظة بتوهان، ضحكته كانت كفيلة تسرقها من نفسها بس فاقت بسرعة وبصت له بغيظ مصطنع وهي بتحاول تداري ارتباكها:
بقى كدا؟ انت بتتريق عليا يا حمزة؟ لأ انا زعلانة منك.
حمزة هز راسه بخفة وابتسم ابتسامة فيها حنية واضحة، وبنبرة مليانة حب أخوي:
يا خراشي، إيلو حبيبتي زعلانة مني، تؤتؤتؤتؤتؤتؤ انا لازم أعاقب نفسي فورًا عشان زعلتك يا قلبي.
الكلمة خرجت منه عفوية، بس كان لها وقع تاني عليها قلبها اتشد له أكتر وابتسمت ابتسامة خجولة، وهي بتقرب منه خطوة صغيرة ورفعت إيدها بإشارة طفولية:
ممكن تنزل شوية يا طويل افندي؟
حمزة ضحك بصوت أعلى ومال بجسمه لقدام ناحيتها وقرب منها شوية وهو بيبص لها ومن بين ضحكه:
انا مش طويل خالص يا اوزعة، ومع ذلك ننزل شوية عشان خاطر عيونك يا اوزعتي.
قربه المفاجئ منها خلّى نفسها يتلخبط، غمضت عينيها بسرعة بتحاول تسيطر ع قلبها اللي بيدق بعنف إيدها اتحركت لا إراديًا تمسك طرف هدومها وكل حاجة حواليها اختفت للحظة ما بقاش فيه غير صوته وقربه.
حمزة لاحظ ارتباكها وتوترها اللي مش مفهوم، حس بحاجة غريبة بس رجع بسرعة يبعد الفكرة عن راسه، عدل وقفته وبنبرة مرحة:
اييييه يا إيلو؟ نمتي وانتي واقفة ولا ايه؟.
فتحت عينيها بسرعة ولفّت وشها الناحية التانية بخجل، وصوتها طلع مهزوز شوية:
ها؟! لا، لا، انا صاحية أهو.
حمزة بص لها بحاجب مرفوع، وابتسامة جانبية خفيفة ظهرت ع ملامحه، وهو لسة واقف إيديه فـ جيوبه:
ها، عايزاني انزلك ليييه؟ يا أوزعة.
إيلاف أخدت نفس صغير تحاول تهدي نفسها ووقفت ع أطراف صوابعها وقربت منه، صوتها واطي شوية وهي بتهمس:
عايزة أعاقبك عشان اتريقت عليا، واخليك تذاكر لي مادة التحرير الصحفي.
رجعت بسرعة اتعدلت فـ واقفتها، وغمضت عينها جامد وهي بتهز راسها من فوق لتحت بتأكد ع كلامها.
حمزة ابتسم بهدوء ابتسامة استسلام:
مع اني أجازة.. بس حاضر يا ستي أذاكرهالك وأمري لله، اطلعي يلا غيري هدومك وانزلي اتغدي، وبعد الغدا أعملي فنجانين قهوة وتعالي بيهم الجنينة هتلاقيني مستنيكي.
كلامه كان عادي جدا لكن بالنسبة لها كان حاجة أكبر بكتير، كأنه وعد صغير متغلف بالأمان، فرصة تقرب منه بحجة المذاكرة، لحظة تقدر تعيش تفاصيلها بكل قلبها حتى لو هو مش حاسس بيها، أول ما لف ومشي، عينيها فضلت متعلقة بخطواته لحد ما اختفى من قدامها، حطت إيدها ع قلبها بسرعة بتحاول تهدّي دقاته اللي كانت عالية لدرجة إنها حسّت إن حد ممكن يسمعها، ابتسمت ابتسامة دافية ولفّت ناحية السلم وطلعت تجري عليه بسعادة، خطواتها خفيفة وسريعة، فيها لهفة طفلة خايفة اللحظة تهرب منها قبل ما تعيشها، فتحت باب أوضتها واتحركت جواها بتوتر حلو غيرت هدومها بسرعة وقربت من مكتبها أخدت كتبها ومذكراتها بإيد فيها رعشة خفيفة وكل شوية تروح لحد الباب وترجع تبص فـ المراية تتأكد أنها فـ أجمل صورة ممكن يشوفها، وأخيرًا نزلت قلبها سابقها بخطوات وأنفاسها متلخبطة من كتر الحماس، بس مش عشان المذاكرة لكن عشان تقعد معاه أطول وقت ممكن.
________________________
القاهرة_ مكتب سليم
وصلت فدوى قصاد مكتب سليم، وخطوتها وقفت فجأة وعينيها وسعت بذهول وهي بترفعها ع واجهة المكتب، اللي كان عبارة عن حيط كامل من الإزاز الأسود العاكس لامع بشكل يخطف النظر، وقفت لحظة ثابتة وهي بتتأمل المكان حواليها عينيها بتلف ع كل التفاصيل بإنبهار ممزوج بطمع واضح، قربت نص خطوة وبصت لانعكاسها فـ الإزاز، عدلت وقفتها ورفعت دقنها شوية كأنها بتعلن لنفسها إنها صاحبة المكان ده، ابتسامة خفيفة بدأت تظهر ع شفايفها وضيّقت عينيها بخبث وهمست لنفسها بصوت واطي كله غِل وطمع:
وحيات امك الغالية يا ابن زينب، ان ما خلّيتك زي الخاتم فـ صباعي وخلّيتك تكتب لي كل ما تملك وأولهم المكتب الأوبهة ده بموظفينه ومحاميينه ما بقاش فدوى بنت فوزية.
بعدها أخدت نفس قوي وخرجته بسرعة، اتعدلت فـ وقفتها وهي بترفع كتافها بغطرسة، فردت ضهرها وكل ملامحها اتبدلت فـ لحظة،
ابتسامة خبيثة اترسمت ع شفايفها، مدت إيدها ع مقبض الباب فتحته من غير ما تخبط ودخلت كأن المكان ملكها وصوتها طالع بنعومة متعمدة ودلع واضح:
سولي حبيبي وحشتني يا روحي.
سليم أول ما الباب اتفتح وصوتها وصل له، وقّف القلم فـ إيده لحظة وبـ الإيد التانية نزل النضارة شوية وبص لها من فوقها بعين باردة وحاجب مرفوع من غير ما يرفع راسه عن الملف اللي قدامه، صوته خرج واطي بس قاطع:
اعتقد قولتلك قبل كدا يا فدوى فكك من الحوار الفكسان ده، اللي بيني وبينك جوازة مصلحة وبس، وما تحلميش بأكتر من كدا.
فدوى قربت من المكتب وقعدت ع الكرسي اللي قدامه وهي بتحط رجل ع رجل، فتحت شنطتها طلعت علبة السجاير وسحبت منها سيجارة بعصبية ولعـ*ـتها بحركة سريعة وأخدت منها نفس طويل وهي بتحدف العلبة والولا*عة ع الترابيزة وبعدين نفخته ببطء متعمّد فـ وش سليم وبتبص له بغيظ:
عارفة انها زفت جوازة مصلحة بس ع الاقل حسسني أني مخطوبة حتى لو بالكدب وبلاش كل ما احاول اقرب منك تقفلني وتبعدني عنك.
سليم عدل نضارته بهدوء وكمل تقليب فـ الورق اللي قدامه ومش مهتم بوجودها أصلًا، وبنبرة باردة مستفزة:
اطفي الزفتة اللي فـ ايدك دي وقولي جاية ليه؟
عدلت قعدتها بسرعة وهي بتكتم غيظها، طفت السيجارة بعصبية وملامحها اتبدلت ما بين الغضب والتمثيل وبصوت طالع بين الانفعال والعتاب المصطنع:
هو حرام يعني أفرح بخطيبي يا استاذ سليم؟ وأجي اشوفه وهو بيشتغل؟
سليم بص لها بحاجب مرفوع وابتسم ابتسامة باردة، وبنبرة هادية جدا لدرجة الاستفزاز:
اخلصي يا فدوى وقولي عايزة ايه؟ او اخرجي من الباب اللي دخلتي منه، انا مش فاضي لتفاهاتك دي.
فدوى قامت وقفت ببطء، جواها غل
لو اتوزع ع العالم كله هيكفي ويفيض، لكنها رسمت ع وشها ابتسامة خبيثة وقربت منه بخطوات هادية ووقفت وراه مباشرة، ومدت إيدها بحركة ناعمة حطتها ع كتفه بدلال مقصود وصوتها طلع هادي وحزين:
يا سليم انا بحبك من زمان وما صدقت اننا هنبقى لبعض، ونفسي نعيش سوا كل لحظة حلمت بيها معاك.
سليم مسك إيدها بعنف وشدها ناحيته فجأة لدرجة إن توازنها اختل وكانت هتقع، ملامحه اتبدلت فـ لحظة لحدة مخيفة، انـfـجر فيها بغضب:
فدووواااااا، قولتها لك قبل كدا وهقولها لك تاني، انا لا بتاع حب ولا دلع، انا ما عنديش وقت للحب ولا عندي قلب أصلا عشان احب، فاهمة؟ ومن الأخر كدا يا بنت زيدان عشان نبقى ع نوووررر، عاجبك الوضع ع كدا كان بها، مش عاجبك نفضها سيرة وكل واحد يروح لحاله، وبلاش منها الجوااااازة دي خالص، قولتي اييييه؟
فدوى اتوجعت من ضغطته بس ملامحها ما اتهزتش، كتمت الألم جواها ورفعت عينيها له بثبات مصطنع ونبرتها مليانة غيظ:
عاجبني يا استاذ سليم، حاضر اللي تؤمر بيه، بس يا ريت حضرتك ما تنساش ان خطوبتنا بكرة ولحد دلوقتي ما جبناش الشبكة ولا الفستان، وعشان كدا جيت يا متر.
سليم رفع عينه لها ببطء، وبص لها من فوق لتحت بنظرة مليانة استهانة وملامحه ثابتة ببرود قاسي، ونبرة صوته خرجت فيها استهزاء:
اترزعي لغاية ما أخلص شغل ونبقى نتنيل ننزل ونخلص من أم المشوار التقيل ده.
اتحركت فدوى ناحية كنبة الأنتريه اللي جوة المكتب، خطواتها كانت هادية فـ ظاهرها لكن جواها Nـار بتغلي، قعدت ببطء وهي بتسند ضهرها وعينيها ما اترفعتش من ع سليم، واترسم ع شفايفها ابتسامة نصر صغيرة إنها قدرت تستفزه وتكسر لوح التلج اللي جواه وخلّته غضب وخرج عن شعوره، رفعت عينيها ناحية باب المكتب للحظة، وفـ قلبها وعد ساكت إن اللي جاي مش هيكون سهل عليه ولا عليها.
_______________________
طنطا_ بيت تقى
بعد ما نزل شريف بسرعة عشان يستقبل أمه فـ المحطة، تقى وقفت لحظة جسمها مهزوز وعينيها زايغة، مش شايفة اللي حواليها.
عبدالرحمن كان لسة بيبص عليها، لمحها وهي بتفقد توازنها قلبه اتقبض واندفع ناحيتها بسرعة، إيده لحقتها قبل ما تقع لكن جسمها ارتخى فجأة بين إيديه وعينيها قفلت، نطق اسمها بخضة صوته طلع مكسور، هزها بخفة كأنه مستني منها أي رد لكن مفيش، من غير ما يفكر شالها بسرعة ونزل السلم بخطوات واسعة، نفسه سريع وقلبه بيدق بعنف وهو شايلها، فـ نفس الوقت أم عمر كانت طالعة تطمن عليهم أول ما شافته بالحالة دي، اتفزعت وعينيها وسعت بصدمة دخلت وراه بسرعة وهي بتسأله بقلق:
مالها يا عبده يا ابني جرالها ايه؟
عبدالرحمن حطها ع السرير بالراحة وإيده فضلت ثابتة ع كتفها مش قادر يسيبها، رفع عينه لـ صفية ووشه اصفر وصوته مهزوز:
ما تعرفيش دكتور قريب يا حاجّة يجي بسرعة يفوّقها؟
صفية بلعت ريقها وردت بسرعة:
آه دكتور كريم، جارنا فـ البيت اللي قدامنا، استنى هندهولك.
وجريت ع البلكونة، مسكت فـ السور ونادت بصوت عالي فيه رجفة.
كارما سمعتها وخرجت بسرعة بصت لها بقلق:
أيوا يا خالتي، خير؟
صفية ردت بلهفة:
كريم فين يا كارما؟ تقى مغمى عليها ومش بتفوق.
كارما اتحركت فورًا:
فوق السطوح، هطلع أندهولك حالًا.
طلعت السلم بخطوات سريعة
بلّغت كريم، ونزل معاها بس كان واضح عليه التردد، خطواته تقيلة شوية لكن ملامحه وعينه فيهم قلق متداري، وهم خارجين من البيت قابلوا أمهم راجعة من عند خالتهم وطلعت معاهم عند تقى، اول ما وصلوا الشقة ودخلوا الأوضة شافوا عبدالرحمن قاعد ع السرير واخد تقى فـ حضنه بيحاول يفوّقها إيده بتمسح ع وشها بحنية ودموعه نازلة ع خدها، خايف تروح منه فـ لحظة وصوته طالع مهزوز:
فوقي يا تقى، فوقي يا قلب اخوكي ما توجعيش قلبي عليكي، ردي عليا يا حبيبتي عشان خاطري.
كريم قرب منه بخطوات هادية، ملامحه ثابتة، بس عينيه كان فيها ارتباك خفيف ولخبطة مشاعر حاول يداريها ورا هدوءه خصوصًا بعد اللي سمعه، وقف قدام عبدالرحمن ومد إيده بثبات وبنبرة صوت مهني وحازم رغم كل اللي جواه:
تسمح تسيبها؟! الوضع ده كدا غلط.
ومن غير ما يستنى رد أخدها منه بحذر، فرد جسمها ع السرير بالراحة وشال المخدة بسرعة من تحت راسها وابتدى يتحرك حواليها بسرعة وتركيز عمل الإسعافات اللازمة عشان تسترد وعيها واستنى لحظة وهو مركز ولما فاقت ابتدا يقيس لها الضغط، بص للجهاز بتركيز وعينه متابعة المؤشر، وبنبرة عملية:
ضغطها واطي جدًا.
كتب لها نوع محاليل معين وشوية فيتامينات وبعدها رفع عينه لصفية بهدوء:
انا هنزل اجيب الادوية وجاى يا خالتي.
عبدالرحمن اتحرك بسرعة ناحيته، صوته طالع ملهوف:
لحظة واحدة يا دكتور استنى انا جاى معاك.
كريم وقف لحظة أخد نفس هادي، ورد بنبرة بسيطة:
مالوش داعي، خليك جنبها وانا راجع ع طول.
عبدالرحمن بسرعة حط إيده فـ جيبه وطلعها مدها لـ كريم بفلوس:
طب اتفضل خليهم معاك عشان العلاج.
كريم بص له نظرة قصيرة فيها رفض واضح وبنبرة ثابتة:
حط فلوسك فـ جيبك يا استاذ، ما ينفعش كدا.
ولف بسرعة خرج من الشقة بخطوات سريعة كأنه بيهرب من حاجة جواه، نزل ع الصيدلية اشترى العلاج ورجع ع طول، دخل الشقة تاني بنفس السرعة قعد جنب تقى وابتدى يجهز المحاليل، إيده ثابتة وهو بيركب الكانيولا ووشه مركز بقوة كأنه بيحارب أي فكرة تشتته.
فـ نفس اللحظة وصلت حنان مع شريف ودخلت من باب الشقة المفتوح وعينها وقعت ع وشوش ناس غريبة قاعدين حوالين تقى وعبدالرحمن واقف جنبها ودموعه نازلة وكريم ماسك إيدها بيعلق لها المحلول، قلبها وقع فـ رجليها وصرخت قبل حتى ما تسلم وصوتها طلع مليان خوف:
أختك مالها يا عبدالرحمن؟ بنتي مالها جرالها ايه؟ انطق، أختك فيها ايه؟
عبدالرحمن اتحرك ناحيتها بسرعة، ضمها لحضنه بيحاول يطمنها رغم إن هو نفسه قلبه مش مطمن، صوته خرج هادي بالعافية:
أهدي يا حبيبتي مافيش حاجة، هي بس ضغطها وطي شوية والدكتور بيعمل لها اللازم.
كارما قربت من حنان بتلقائية بخطوات هادية، صوتها طالع فيه طمأنة:
ما تقلقيش يا طنط هتبقى كويسة إن شاء الله، أبيه كريم دكتور شاطر وهيخليها تفوق وتخف بسرعة.
عبدالرحمن رفع عينه ناحيتها، عشان يشكرها بس الكلام وقف فجأة ع لسانه، براءتها وتلقائيتها خطفوه فـ لحظة، حس بحاجة غريبة فـ قلبه إحساس دافي ومربك فـ نفس الوقت أول مرة يحسه، خلاه يقف ساكت تايه فيها وناسي هو كان هيقول إيه أصلًا.
شريف وقف متخشب مكانه عينه ع تقى وهي نايمة متعلق لها المحاليل ووشها شاحب، قلبه اتقبض وأنفاسه بقت تقيلة دموعه نزلت من غير ما يحس وصوته خرج مهزوز ومليان خوف:
ايه اللي حصل يا عبده؟ انا كنت سايبها كويسة؟ جرالها ايه؟
عبدالرحمن انتبه لنفسه ولف وشه ناحية تقى بخوف واتنهد تنهيدة تقيلة:
بعدين يا شريف، نطمن عليها الأول، ونتكلم بعدين.
شريف هز راسه ببطء، بس عينه ما اتحركتش من عليها، واقف تايه مش عارف يقرب ولا يبعد.
كريم كان قاعد جنب السرير، إيده ثابتة وهو متابع المحلول بدقة، ملامحه هادية بس عينه فيها حاجة مستخبية بتخنقه من جواه.. ورغم سكوته كان سامع كل كلمة، وكل حرف بيزود الحرب اللي دايرة جواه وهو بيحاول يفضل ثابت.
أم كريم قربت من صفية بخطوات هادية، وبصت ناحية عبدالرحمن وهمست:
هو قريبها ده لسة قاعد عندها؟
صفية ردت بنفس الهدوء، وعينيها ع تقى:
آه لسة، بصراحة طلع واد جدع وراجل وأخلاقه زي ولادنا بالظبط، ماشاء الله عليه مش سايبها، كل يوم ياخدها يخرجها يفسحها، ومستحيل يدخل الشقة هنا طول ما هي لوحدها مع انه اخوها فـ الرضاعة، بس بيقولك الناس ما تعرفش، عشان كدا اليوم اللي مش بيخرجوا فيه، إما بيقضوه فوق السطوح او هنا ويبعتولي اقعد معاهم وبعد كدا يدخل الشقة التانية يبات فيها.
أم كريم رفعت حاجبها باستغراب: أخوها فـ الرضاعة؟! وانتي عرفتي ازاي يا ام عمر.
صفية سرحت لحظة، ملامحها هديت وهي بترجع بذكرياتها وعينيها ع تقى وهمست بنبرة دافية وهي بتحكي.
"فلاش باك"
طلعت صفية تسلم ع جليلة لما وصلت من القاهرة هي ومنصور وتقى، وتدفع لهم فلوس الإيجار اللي لمته من السكان، خدهم الوقت وقعدوا يتكلموا سوا، لحد ما جات سيرة تقى وهي صغيرة.
جليلة اتنهدت براحة، وابتسمت وهي بتبص لها:
عارفة يا ام عمر؟! ع قد خوفي ع تقى طول الوقت، ع قد ما انا مطمنة انها مش وحيدة فـ الدنيا رغم انها مالهاش اخوات.
صفية بصت لها باستغراب:
فزورة دي ياختي ولا ايه؟!
جليلة ضحكت بخفة:
لا فزورة ولا حاجة يا ام عمر يا ختي، بس تقى بنتي رضعت مع عبدالرحمن ابن عمها وشريف ابن عمتها، أصل يوم ما ربنا رزقني بيها كانت سلفتي واخت منصور، هما كمان ربنا رازقهم بولادهم، ومن فرحتهم انها جات لنا ع اشتياق بقت كل واحدة فيهم تاخدها ترضعها شوية مع ابنها، والولدين ماشاء الله من صغرهم محاوطين عليها ومش مخلينها تحس انها لوحدها خالص.
صفية هزت راسها بابتسامة:
ربنا يبارك فيهم ويجعلهم لها ضهر وسند مع ابوها ويخليكي ليها يارب يا ست جليلة.
"عودة للوقت الحالي"
صفية خرجت من شرودها واتنهدت: واليوم اللي جه فيه عبدالرحمن هنا، بعد ما نزلنا كلنا وسيبناهم، خدها ونزل بيها للدكتور يطمن عليها وهما نازلين عدوا عليا وقالولي برضو انه أخوها فـ الرضاعة عشان يطّمنوا ان مافيش حد هيفهمهم غلط، ما كانوش يعرفوا ان الست جليلة الله يرحمها كانت حكيالي، وانا كمان عرفته اول ما قال انه ابن عمها.
أم كريم بصت ع عبدالرحمن، شافت خوفه فـ عينيه وهو واقف جنب تقى وملامحه متوترة، ابتسمت بحنية ونقلت نظرها ع كريم، وهمست لـ صفية بنبرة أم:
يا ضنايا، شوفي خايف عليها ازاي، عامل زي كريم لما حد من اخواته بيتعب، صحيح يا ولاد الأخ أخ حتى لو مش من نفس الرحم، ربنا يطمنه عليها.
ابتسمت صفية وهي بتلف عينيها عليه، وهمست بنبرة حنونة:
مش قولتلك زي ولادنا، تحسيه شبهم فـ كل حاجة كدا.
برد الرحيل بقلمي
&:بسسسسس كفاية انتوا الاتنين، ارحمووني بقى.
يتبــــــــــع