رواية اقدار مؤجلة الفصل السادس 6 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟔 : ذرة عاطفة
by Volny_morya
8
ليست شروط كثيرة ، مجرد ضغطة زر غير مكهربة و تعليق قصير دّون فيه حتى كيف كان يومك اليوم...
3
❀•°❀°•❀
لا أستطيع الإتكاء على مشاعرك
التي تذهب وتجيء تبعًا للموقف
أنا أحتاج الثبات وأنت لا تملِكه ⊰ .
5
. . . . .
وقفت سيارة جليندون السوداء اللامعة بمحاذاة الجدار الجانبي لاستوديو ملعب "دينامو أرينا" في قلب موسكو، حيث الأضواء المعلقة تهتز تحت وطأة الشتاء، وصوت الحشود المكتومة يتسرب من بين البوابات الحديدية..
5
نزعت حزام الأمان ببطء، ومدّت يدها لتلتقط الصندوق الورقي البني الذي وضعته بعناية على المقعد المجاور..
كانت تحمله كأنه قطعة زجاج ثمين، تخشى عليه من اهتزازات المدينة وزحام الجماهير..
كانت ترتدي قميص نادي توربيدو موسكو، نسخة خاصة مطرّزة باسم أرتيوم، أرسلته لها عائلة كوزوسوف مرفقًا بدعوة رسمية لحضور المباراة..
7
فوقه، لبست معطفها البني الداكن المصنوع من الصوف السميك، وسروال جينز داكن يلامس حذاء برقبة طويلة بجلد أسود…
3
أما شعرها الأشقر الطويل، فقد سرّحته بنعومة، تاركته منسدلاً على كتفيها كما هو، بلا تكلف…
خرجت من السيارة بحذر، تحدّق في بحر البشر المتدفّق نحو بوابات الملعب، والهواء يعصف حولها بأنفاس باردة منبعثة من قلب موسكو..
كانت تعلم أن هذا اليوم مختلف... الخميس... يوم المباراة التأهيلية الأهم لهذا الموسم.. في روسيا، دوري الهوكي الوطني ليس مجرّد رياضة؛ بل هو شرف، عرض، تاريخ ممتد منذ العقود، وخاصة في المباريات التي تسبق مرحلة التصفيات النهائية…
يُلعب الدوري في ثلاثة أطوار: أولها مرحلة المجموعات التي تتواجه فيها الأندية ضمن منطقتها الجغرافية، تليها جولة النقاط المؤهلة، ومن ثمّ البلاي أوف — حيث البقاء للأقوى..
اليوم كانت مباراة فاصلة بين توربيدو موسكو وخصمه العتيد من الشمال، دينامو ياروسلافل..
الفريق الذي يتأهل اليوم سيضمن مقعدًا في المراحل الحاسمة، ما يجعل المدرجات تغلي بالجماهير، والإعلام يراقب كل تفصيلة..
جليندون، وسط هذا الزحام، لم تكن هنا كقاضية أو محامية مرموقة، بل كامرأة أوفت بوعدها... وعد قطعته على نفسها لإليانور، ابن شقيقة زوجها، أنها ستأتي وتُشجّع خاله من المدرجات، وتحضر معها كعكات التوت التي يحبها…
كان هناك شيء في عينيها... ربما دفء العائلة، أو بقايا حياة تحاول أن تعود دون إعلان…
2
كانت هذه أول مرة تطأ فيها قدماها مدرجًا رياضيًا..
جليندون، التي لم يكن للرياضة في حياتها مكانٌ يتجاوز جلسات البيلاتيس الصباحية أو العدو المنتظم في صالة الجيم الزجاجية في منزلها، شعرت بنوعٍ من الانفصال عن كل ما يحيط بها…
الصراخ المرتفع، الهتافات المتداخلة، الأعلام الملوّحة بحماس فوق الرؤوس... بدا كل شيء غريبًا، كما لو أنها انتقلت إلى بُعدٍ آخر لا يشبه عالمها المتقن والمصقول..
تفادت الازدحام بخطوات محسوبة، ممسكة بالصندوق الورقي بيد، وبالأخرى التذكرة التي باتت أكثر تعقيدًا من أي ورقة قضائية تعاملت معها…
نظرت إليها مرات، قرأت رقم الصف والمقعد، ثم رفعت عينيها إلى الصفوف المتراكبة أمامها..
“الصف 5... الجهة الشرقية... المقعد 28.”
نطقتها همسًا وهي تسير بين الحشود.. بعد أن ساعدها أحد رجال الأمن بابتسامة رسمية وإشارة نحو الأعلى، بدأت تتسلل بين الصفوف، ملتفة حول ظهور المتفرجين، متجنبة الأرجل الممتدة والأكواب المتناثرة على الأرض..
ثم رأتهم.. لمحة من الوجوه المألوفة تسللت إلى مرمى بصرها… جلستهم كانت كما توقعت—منظمة، متماسكة، تحيط بها رائحة من الانضباط العائلي الروسي الصارم..
ليودميلا، شقيقة زوجها، كانت ترتدي معطفًا رماديًا سميكًا وقبعة من الفرو الأبيض، جالسة بانتباه وعلى حجرها ابنها الصغير إليانور، الذي كان يُطل من فوق السور المعدني بحماس طفل لا يتسع جسده الصغير لطاقة الانتظار..
3
بجانبها جلس الشقيق الأصغر، ديميتري، الذي بالكاد تجاوز العشرين، يرتدي سترة النادي وقبعة متدلية إلى الخلف، وقد بدا عليه الحماس المكبوت..
ثم الشقيقة العزباء، ناديجدا، التي كانت تمسك بكوب من الشاي الساخن وتراقب الملعب بنظرات حيادية، امرأة في منتصف العشرينيات قريبة ً من عمرها، وجهها صارم لكنه لا يخلو من سحر غامض…
رفعت جليندون يدها قليلاً، محاولة لفت الانتباه، ثم تقدمت بخطوات ثابتة، الصندوق في حضنها، وعيناها تتفقدان المقاعد حتى وصلت إليهم..
"أخيرًا..."
قالت ليودميلا وهي تبتسم بخفة، تنهض قليلًا لتفسح لها الطريق..
ركبتا جليندون لامستا المقعد وهي تجلس أخيرًا، وضعت الصندوق على قدميها، وألقت نظرة سريعة على إليانور، الذي التفت نحوها بسرعة كمن انتبه لأحد الوعود المنسية..
3
"أين كنتِ؟ لقد تأخرتِ! و... أين الكعكات؟!"
قالها الطفل بنبرة لطيفة و جدية بينما أعينه تلمع وكأنه يطالب بالعدالة..
ضحكت جليندون بخفة، وفتحت الصندوق أمامه لتظهر كعكات التوت المغطاة بالسكر الناعم..
"أوفت جليندون بوعدها يا صغيري.."
همست له، بينما امتدت يده بسرعة خاطفة..
كان في عينيها شيء مختلف، شيء لم يكن موجودًا صباحًا حين غادرت منزلها..
ربما دفء المقعد بين عائلة لم تكن يومًا لها، لكنها بدأت تشعر أنها لا تحتاج لإثبات ذلك..
ابتسمت جليندون وهي تلقي التحية بصوت منخفض، توزعه برفق على كل من التفت إليها..
"مساء الخير.."
قالتها بلغة روسية فصيحة، لكنها لم تكن تخلو من نبرة مدروسة تشبه تلك التي تستخدمها في قاعات المحاكم: واثقة، متأنية، ومحسوبة..
أما ليودميلا فأظهرت ترحيبًا دافئًا، رغم أنها لم تنهض هذه المرة..
ديميتري اكتفى برفع حاجبيه ومضغ علكته دون تعليق، بينما نظرت إليها ناديجدا بتلك النظرة المألوفة التي تجمع بين الفضول والتحفظ، كأنها تزنها في كل مرة من جديد..
3
جليندون جلست بهدوء، ثم تنهدت داخليًا…كانت تلتقي بهم من حين إلى آخر، في حفلات عائلية، أو عند ولادة أحد أبناء العمومة، وربما في مناسبات رأس السنة أو عزائم نهاية الصيف في الريف..
لكنها لم تكن تزورهم كثيرًا، وغالبًا ما كانت تعتذر متذرعة بجداول أعمال مزدحمة، وقضايا مستعجلة، وسفر مفاجئ…
الحقيقة؟ لم تكن مشغولة دائمًا... لكنها كانت تخشى اللقاء به..
أورلوف..
7
حتى اسمه في ذاكرتها كان كافيًا ليقلب سكون يومها إلى تيارات متشابكة…لم تكن تريد تصادف حضوره، لا نظرة، لا مصافحة، ولا حتى السلام البارد الذي يُفرض كنوع من المجاملة أمام العائلة…
لذا كانت تتجنبهم أحيانًا، وتكذب بحذر...
"آسفة، استُدعيت لاجتماع طارئ في بروكسل"
أو
"للأسف، الجلسة النهائية للقضية تأجلت للغد، ولا يمكنني المغادرة."
كذبات صغيرة، دقيقة، متقنة الصياغة، كأنها تُقدَّم مع شهادة موقعة من المحكمة...
3
علاقتها بالشقيقات كانت دائمًا مضبوطة، قائمة على الاحترام المتبادل... لا عداء، ولا حميمية زائدة... لم يبحثن عن تفاصيلها، ولم تسعَ لتكوين صداقات..
لكنها كانت تتقن فنّ التوازن، تقدم ما يكفي لتبقى مقبولة، وتصمت حين يلوح خطر التورط العاطفي..
"وصلتِ في الوقت المناسب.."
قالت ليودميلا وهي تشير للساعة، ثم تابعت بنبرة مشاكسة...
"لا عذر هذه المرة، إليانور كاد يفقد الأمل.."
ضحكت جليندون بلطف..
"لن أخذل مشجعًا صغيرًا .."
وقبل أن يتسع الحديث أكثر، انطفأت الأضواء فجأة، واشتعلت الكشافات الضوئية.. تصاعد الصفير والهتاف من المدرجات، واهتز الاستوديو تحت وقع التصفيق المتسارع..
ثم بدأوا يخرجون.. اللاعبون، بزيهم الكامل، أقنعة الحماية تلمع تحت الأضواء، وخطواتهم تدوي على أرض الجليد..
بينهم، في الصف الأول، كان أرتيوم، يتحرك بثقة واضحة، مضربه على كتفه، ووجهه جامد كالحديد..
"ها هو البطل.."
تمتمت ناديجدا وهي تميل إلى جليندون، التي نظرت مع تحريك عضلات وجهها بزيف، تجاري تعليقها..
ارتفعت حرارة الأجواء في الاستوديو الضخم، كأن أنفاس الجماهير تملأ الهواء بدفعات متسارعة من الحماس..
على الجليد الأبيض، الذي بدا وكأنه ساحة معركة صقيلة، استقرت فرق اللاعبين في مراكزهم..
المباراة، وفق قوانين دوري الهوكي الروسي الوطني، تتألف من ثلاث أشواط، كل منها يمتد لعشرين دقيقة صافية، يفصل بينها فترتان للاستراحة..
الفريق الذي يواجه موسكو هذه الليلة كان دينامو ياروسلافل، المعروف بسرعته وتكتيكاته الحادة..
صفّر الحكم بحدة، وانطلقت المواجهة..
أرتيوم، الذي ارتدى قميص نادي سبارتاك موسكو، كان مركز الهجوم الأبرز للفريق، يتحرك فوق الجليد بخفة لا تتناسب مع بنيته القوية، كذئب يتقن رسم دوائره حول فريسته..
انطلق مع صافرة البداية، يراقب تحركات الخصم بنظرة حادة، ينتظر شرخًا صغيرًا في دفاعهم ليخترقه..
لم يكن لاعبًا يعتمد على القوة العمياء، بل كان ذكاؤه هو سلاحه الحقيقي.. بدلاً من الاندفاع الأعمى، كان يلتف، يناور، يخدع المدافعين بحركات جسده المفاجئة، ثم ينطلق كالرمح حين تحين اللحظة..
4
مرت الدقائق الأولى محتدمة، لكن دون أهداف…
الحارس من الجهة الأخرى أظهر صلابة صخرية، يتصدى للكرات ببراعة لافتة..
في منتصف الشوط الأول، وبعد تمريرة سريعة من لاعب الوسط، التقط أرتيوم القرص بمهارة مذهلة..
دفع جسده للأمام، متفادياً مدافعًا اندفع نحوه بقوة، ثم بخدعة بسيطة بكتفه الأيسر، مر من الحارس كأنه لم يكن سوى ظل عابر، وأودع القرص في الشباك..
الاستوديو اهتز، هدير الجماهير ملأ المكان، بينما قفز الصغير إليانور وهو يصرخ بفرح مجنون، يلوح بقميصه فوق رأسه..
اهتز هاتف جليندون في جيب معطفها الجانبي للمرة العشرين منذ بداية المباراة، لكنها هذه المرة شعرت به أقرب، أثقل، وكأن اهتزازه ليس كهربائيًا بل رجّة داخل صدرها…
كانت تتابع حركة القرص الصلب على الجليد بعين نصف مركّزة، لا تفهم الكثير من القواعد، لكن ما شدّها هو حماسة الجمهور، إيماءة أرتيوم السريعة، والضربات المتلاحقة على الحواجز الزجاجية..
مدّت يدها بهدوء إلى جيبها، أخرجت الهاتف وحاولت تغطيته من أعين الأطفال حولها، خصوصًا ابن شقيقة زوجها الذي كان لا يكفّ عن مراقبتها بتلك النظرات اللطيفة و كأنه ينظر إلى حلوى التوت أمامه..
2
فعلت كما تفعل دومًا في المحكمة حين تريد أن تُخفي ردّة فعل:
وجه جامد، يد ثابتة، وقلب مشدود خلف أضلع لا تسمح بشيء..
سحبت الشاشة برفق، لم تكن تنوي قراءته، لكنها رأته:
من: ops.center@modrussia.gov
1
إلى: kozglendon@millegal.org
مجرد رؤية العنوان كانت كفيلة بأن تتسع حدقتاها على نحو لا تقدر على إخفائه..
شعرت بألم خاطف في معدتها، كأن أحدهم سكب شيئًا باردًا فوق أحشائها، بينما تجمّد الهواء في رئتيها..
3
لم تضغط على الرسالة مباشرة، تركت إصبعها يرفّ قليلاً فوق الشاشة…تتردّد..
في تلك اللحظة، لم تكن تُشاهد المباراة، لم تكن تجلس في مدرجات مكتظة.. كانت في مكان آخر.. في مكان داخلي، صامت تمامًا..
أغلقت عينيها لدقيقة، اثنتين، ربما ثلاث.. صراخ الجمهور أصبح كأنه آتٍ من تحت الماء، وصوت الحذاء الحديدي على الجليد صار رتيبًا..
كل شيء انضغط في مساحة الرسالة..
و حين فتحت أعينها مع فتح البريد، كانت قد قرّرت شيئًا ما… حتى قبل أن ترى التفاصيل..
---
الهيئة الفيدرالية للأنظمة الدفاعية المتقدمة.
شعبة الامتثال والشرعية العملياتية.
> "سيدة كوزوسوف..
3
بناء على المراجعة القانونية الأخيرة، تم دفع الطلب لتعيينك محامية رئيسية في ملف الثكنة العسكرية رقم 716..
4
التفعيل يبدأ فور تلقيك هذه الرسالة.. يُرجى مراجعة القسم القانوني العسكري خلال 72 ساعة، أو استخدام القناة الآمنة للاتصال الداخلي..
هذا التعيين خاضع للسرية العليا وتحت بند 'حصر المعلومات – المستوى الأحمر'..
— شعبة OLCD"
جليندون كوزوسوف.
3
"المستشارة القانونية العليا، خبيرة القانون الدولي الإنساني والأمن السيبراني العسكري"
5
شعبة الامتثال والشرعية العملياتية (OLCD).
الهيئة الفيدرالية للأنظمة الدفاعية المتقدمة (FDADS).
الهاتف المشفر الداخلي: 775-449-9987x302.
“امتثال القانون ليس خياراً، بل أداة سلاح.”
[ختم رقمي مشفر: OLCD-RF/044-XR19].
---
فقدت الإحساس بأصابعها لثوانٍ..
2
الثكنة 716؟..
الاسم وحده كان كفيلًا بأن يوقظ كل الملفات المنسية، القصص التي دفنتها في أدراج مغلقة داخل رأسها..
لم تكن ثكنة، كانت "كابوسًا قانونيًا".. لم يكن ملفًا، بل مستنقعًا عسكريًا نادراً ما يخرج منه أحد وهو على حاله..
نظرت حولها، تنفست ببطء، وعادت إلى جسدها ببطء شديد..
كأنها تذكّرت فجأة أنها في مباراة هوكي، أن الصندوق الورقي بين قدميها يحتوي كعكات وعدت بها طفلًا ينتظر منذ أسبوع..
لكن الهاتف في يدها كان قد أنهى كل شيء..
نهضت..
خطوتها كانت ثابتة لكنها متشنجة بخفة..
التفتت إلى شقيقة زوجها، ابتسمت ابتسامة لا تحمل سوى الذوق وقالت:
"عذرًا، تلقيت بريداً مهماً... سأخرج لأجري مكالمة."
ثم أمسكت صندوق الكعك، ودسته في حجر الصغير..وأغلقت معطفها جيدًا، كأنها تستعد لمغادرة كوكب لا مجرد ملعب هوكي..
ولم تكن تعلم... أنها فعلاً تغادر عالمها السابق، بدقة لحظة فتحها تلك الرسالة مجدداً و قرأتها عدة مرات مجدداً..
خرجت جليندون من بين أروقة الملعب كما يهرب الظل من ضوء الساحة، تتبعت لوحات الإرشاد التي تقود للحمامات، لكنها ما إن ابتعدت عن صخب الجمهور والهدير المتكرر حتى شعرت أن الهواء أصبح أثقل مما يحتمل صدرها…
انعطفت نحو المخرج الخلفي في لمح البصر، وقبل أن تفكر بالأمر، وجدت نفسها تقف أمام سيارتها..
لم يكن هناك تردّد..
فتحت الباب، جلست، أغلقته بحركة ميكانيكية، أدارت المحرك، وانطلقت..
الصوت الوحيد الذي كان يرافقها هو اهتزاز أنفاسها خلف الأزرار المغلقة لمعطفها البني الداكن..
على المقعد المجاور، كان الهاتف يضيء ويرن، الاسم يظهر ويختفي على الشاشة، حتى لم يعد بإمكانها تجاهله…مدت يدها ببطء، وكأنها تلتقط شيئاً محرّضاً على الانفجار، وضغطت على زر الرد…
جاءها الصوت خشناً، هادئاً، عميقاً كالنهر تحت الجليد:
"مرحباً، جليندون.."
أجابت دون تفكير، ودون قدرة على إخفاء نبرة التوتر في صوتها:
"مرحباً، فاليري.."
كان فاليري أورلوفيتش أحد الشركاء المؤسسين للمكتب، قاضٍ متقاعد، وصاحب اللسان الأذكى في جدالات القانون العسكري.. لم تكن تناديه بلقبه أبداً..
في حياتها، كان بمثابة حجر الأساس في بنائها المهني..
قال بهدوء يُخفي ذكاءً متقدًا خلف كل كلمة:
"هل وصلك أي بريد غريب اليوم؟ "
قهقهت بمرارة، نصف ابتسامة على شفتيها ونصف غضب في قلبها، ثم قالت:
"بريد؟ كان صاروخًا موجّهًا نحوي.."
رد بنبرة مسترخية:
"الطلب أمامي الآن، على مكتبي..يا له من حظ.."
رفعت حاجبها بحدة، وزفرت:
1
"تسميه حظ؟! فاليري، أنا غارقة حتى رقبتي في قضية جلوبال... الطرف الآخر في نفس الملف العسكري! وإذا استجبت للطلب، فأنا سأكون على طرفي نقيض من نفسي!"
جاء صوته عميقًا، محمّلًا بثقل السنوات:
"أنتِ لا تفهمين بعد.. الطلب ليس اختيارًا.. الأمر أبعد من مسألة شركة مدنية..أنتِ المستشارة القانونية الآن، جليندون..أي أن موقعك الطبيعي ليس على طاولة القضايا التجارية فقط.. بل داخل منظومة الأمن الوطني.. هذا عملك الأصلي... منذ البداية.."
1
صمتٌ قصير، ثم قالت بتنهيدة تكشف كمّ الصراع داخلها:
"أعلم... ولهذا السبب وافقت أن أكون في طرف جلوبال ،أعني، سأُجري التقييم..لكن فاليري، الوحدة 716 ليست اسمًا عابرًا..أنت تعلم تاريخها.."
"أعلم"
قالها بنبرة أثقل من صمته، ثم أضاف:
"وأعلم من يقودها.."
عضّت على شفتها السفلى دون وعي..لم تردّ..
كانا يعرفان جيدًا من هو القائد..
"أورلوف كوزوسوف "
قال فاليري أخيرًا..
"زوجك... أو، طليقك؟"
4
"زوجي، رسميًا.."
قالتها ببرود شديد..
ثم أضافت:
"لكن في الواقع، لم أعد أعرف من يكون منذ أن وُضعت الملفات السرّية بيننا.."
هتف بهدوء حذر:
"جليندون، أنتِ لا تدخلين فقط ملفًا قانونيًا، بل خلية عمليات ذات حساسية قصوى..
1
هل يمكنك فصل العاطفة عن القضية؟"
"لم تعد هناك عاطفة، فاليري،
ما تبقّى... هو القانون فقط..."
ساد صمت بينهما، فقط صوت إطارات السيارة فوق الأسفلت البلل يملأ الفراغ..
أخيرًا قال:
"إذن استعدي... لأن الوحدة 716 ليست على وشك السقوط فحسب، بل على وشك أن تفتح ملفاً لا أحد يريده أن يُفتح..وأنت ستكونين المفتاح.."
قبل أن يكمل فاليري جملته التالية، قطعت جليندون الصمت فجأة، بصوت حاد، كأنها تطرده من أفكارها قبل أن يتسلل:
"لا."
ساد فراغ قصير على الخط، ثم جاءه صوتها مجددًا، قاطعًا:
"لن أستلم القضية، فاليري."
1
بدت الجملة معلقة في الفراغ، حتى تساءل ببطء، وكأنه لا يصدق ما سمع:
"ماذا تقصدين بلا؟"
زمّت شفتيها وأخفضت سرعتها على الطريق الزلق، وكأنها تحاول السيطرة على أكثر من عجلة واحدة في حياتها، ثم ردّت:
"أقصد أنني لا أستطيع أن أكون محامية ثكنة يقودها رجل... كنت أشاركه رابطة الزواج طوال الأربع سنوات بدون أي تواصل .."
زفر فاليري من الطرف الآخر ببطء، نبرته خافتة لكنها ليست ضعيفة:
"جليندون، توقفي... لا تخلطي الأمور... هذه القضية... لا تتعلق بزواجك.. ولا بذكرياتك، هذا الملف ليس عن أورلوف، إنه عن الأمن الفيدرالي، عن الثغرة التي تسللت منها الشحنة، عن انهيار المنظومة إذا لم نتدخل الآن.."
قاطعته بنبرة فيها مرارة خافتة:
"فاليري... لا يمكنك أن تطلب مني أن أدافع عن رجل اعتاد أن يغلق أبواب الحقائق في وجهي، أن يضع عمله قبل أي شيء، حتى قبل زواجه بي.. لا أحد يعرف أورلوف مثلي... لا أحد.. هو لا يُخالف الوعود فقط، بل يُخفي.."
10
هدأ صوته قليلاً، محاولًا تهدئتها دون أن ينكر حدة كلامها:
"أنا لا أطلب منك أن تدافعي عن رجل.. بل أن تفتحي الملف كقانونية.. هل تعتقدين أن القيادة سترسل ملفًا بهذا المستوى لأي محامٍ؟ لقد تم اختيارك، جليندون، لأنك الأكثر تأهيلاً... لأنهم يعرفون أنكِ الوحيدة القادرة على فصل العاطفة عن الحرفية..و خير مثال والدك!! "
1
أجابت، دون أن تغير من نبرتها:
"من السهل قول ذلك، لكن الأصعب أن تقف في ميدان مليء بالألغام وتتصرف كأن الأرض تحتك من حجر.."
قال بنبرة منخفضة:
"أعرف أن هذا صعب... لكن فكري بشكل أكبر.. هذه فرصتك لتكوني حيث يصنع القرار، حيث تُفكك القضايا من الداخل، حيث تُشكلين القانون ذاته.."
2
صمتت للحظة، وكان بداخلها صراع عميق، وكأنها بين أبواب تُفتح على الماضي وأخرى تُقفل على ما كانت قد دفنته..
ثم ردّت، بخفوت:
"سأقرأ الملف من طرفين، لا أعدك بشيء... لكن سأقرأه.."
قال فاليري بهدوء العارف:
"وهذا كل ما كنت أطلبه منك، جليندون.."
ثم أغلق الخط، وتركها وحدها على الطريق، وسط ضباب عاصائف روسيا، حيث لا شيء يبدو واضحًا... سوى وجه الحقيقة الذي لا يرحم..
. . . . .
1
في الزاوية الشرقية من حي "مالايا أوختا"، كانت شقة بالطابق الثالث تعود إلى الحياة بعد غفوة طويلة، كما لو أن الجدران المتآكلة تتثاءب تحت أنفاس جديدة…
الهواء كان ساكنًا كأن المكان قد توقف فيه الزمن، لكنه لم يكن مهجورًا تمامًا—بل فقط غارق في الصمت..
اليوم، نهضت أولغا.. لا بسبب منبه، بل بسبب قرار.. فتحت النوافذ واحدة تلو الأخرى، والمفصلات تصدر صوت أنين خافت كما لو تشتكي من النسيان الطويل...
3
البرد تسلل برفق، لكنها لم تهتم.. وقفت لحظة تراقب الشارع الصامت تحتها، ثم أدارت جسدها لتواجه الداخل..
البداية كانت بالمطبخ…ألقت نظرة على الأكواب التي تراكم فيها الغبار، ثم مدت يدها نحو الحوض، سكبت ماءً ساخنًا، أضافت الصابون، وأغمضت عينيها لوهلة…
الغسيل لم يكن فقط للأواني—كان طقسًا شخصيًا، كأنها تزيل بقايا أيام لم تشأ تذكرها..
من المطبخ إلى الصالة.. رفعت الستائر الداكنة، وأشعة الشمس العشية دخلت لأول مرة منذ شهور…الحائط الرمادي بدا أقل وحشة…
أمسكت بالمكنسة وبدأت تحرّكها بقوة، كأن كل ضربة تطرد بقايا ذكرى... ألقت كومة من المجلات القديمة في كيس، خيطت تمزقات بطانية، ونفضت وسادة كأنها توقظ الأحلام المنسية التي اختنقت تحتها…
ثم دخلت غرفتها... فتحت الخزانة ونظرت إلى معاطف الشتاء التي لم تلمسها منذ رحيله لأنها لم تكن تخرج...
مرّ إصبعها على الأزرار ببطء، ثم أغلقتها دون تردد…جمعت الملابس المبعثرة، رتبت الكتب، ومسحت صورًا لم تجرؤ على لمسها سابقًا... كل ركن كانت تنظفه بدا وكأنه يخبرها شيئًا عن نفسها…
عندما وصلت إلى المرآة، توقفت…نظرت طويلاً، لم ترّ فقط ملامحها، بل كل الأعباء التي حملتها دون أن تشتكي…
ابتسمت ببطء، ابتسامة هشّة ولكنها حقيقية…لم يكن التنظيف من أجل الضيوف، بل لإعادة السيطرة على حياة نسيت كيف تعيشها…
الشقة كانت ما تزال ضيقة عليها، الجدران مشققة، والأثاث متقشف.…لكنها الآن تتنفس…ولأول مرة، شعرت أولغا أنها أيضاً بدأت تتنفس من جديد..
الضوء المنساب من النوافذ كان دافئًا رغم برودة المساء، يتخلل الستائر الشفافة التي لم تُحرك منذ شهور، وكأن المكان نفسه يعيد تعريف وجوده..
وقفت أولغا وسط الشقة التي أصبحت الأن مرتبة، نظيفة، لها رائحة جديدة.. رائحة صابون اللافندر امتزجت بالهواء القادم من الخارج، تحمل في طياتها شيئًا شبيهًا بالبدايات.
لطالما ألحت عليها إيكاترينا، أن تغيّر هذه الشقة؛ أن تبدأ من جديد، في حيّ مختلف، حيث لا تذكّرها الجدران بمن رحل..
لكنها كانت تردّ دائمًا بأنها تنتظر فقط أن تكتمل ميزانيتها، أن تجهز الظروف.. لكنها كانت تكذب، وتعلم ذلك..المال اجتمع، وأكثر، لكنها بقيت…
بقيت لأنها لم تستطع أن تنفصل عن ذاكرة، عن ضحكة في الزاوية، أو كوبين من الشاي تُركا في المطبخ ذات صباح متأخر.
والآن، بعد أن قررت مواجهة نفسها، لم تعد تخاف من الظلال التي كانت تملأ المكان..هذه الشقة لن تكون شاهدًا على انكسارها، بل على تعافيها أيضا... عليها أن تواجه كل ما تهرب منه، هنا، بين هذه الجدران..
ساحت بعينيها عبر المكان—الأرضيات اللامعة، الأرائك المرتبة، المزهريات التي أفرغتها من زهور يابسة واستبدلتها بأغصان طازجة.. تنفّست بعمق.. الهواء نظيف، ورئتاها امتلأتا بشيء أشبه بالطمأنينة…
وقفت مجددًا، بثبات هذه المرة، واتجهت نحو خزانتها..
عيناها صعدتا للأعلى، نحو الرف العلوي الذي كان مغلقًا منذ زمن بعيد... رف لم تمسه يدها منذ آخر مرة غادر فيها، ومنذ أن بقيت وحدها..
استعارت الكرسي الخشبي من المطبخ، وضعته بثبات، ووقفت عليه.. ببطء، فتحت الرف، ومدّت يديها نحو صندوق كرتوني أبيض كان مغطى بطبقة رقيقة من الغبار، كأن الزمان حاول أن يخفيه عنها..
وضعته على سريرها، وجلست بجانبه.. أزاحت الغطاء، فظهر ما يشبه قلبها القديم.. بذلتها البيضاء، المكوية بعناية، حذاؤها المريح الذي لطالما رافقها في أروقة المستشفيات، سماعتها، قفازان لم يُستخدما..
1
لامست البذلة بأطراف أصابعها، كأنها تتأكد أنها لا تزال كما كانت، أنها لم تتغير رغم كل شيء.. بقيت تمسكها لبضعة دقائق، ثم نهضت وحملتها إلى الغسالة، وضعتها برفق، وكأنها تطهر ذاكرتها مع خيوط القماش..
بعد نصف ساعة، أخرجتها، نشّفتها بعناية، ثم كوتها كما اعتادت أن تفعل في بداياتها.. وضعتها في حقيبتها الطبية الصغيرة، نظّمت المعدات الأخرى، أغلقت السحاب..
ثم اتجهت نحو الخزانة، اختارت كنزة رمادية، سروالًا داكنًا، معطفًا بسيطًا، وانتعلت حذاءها الأسود.. نظرت لآخر مرة إلى الشقة... كل شيء كان مختلفًا، وأكثر من ذلك، كانت هي مختلفة..
أغلقت الباب خلفها، وهبطت السلالم بصمت.. كان الليل قد بدأ يلف المدينة بردائه الأزرق الداكن…الشوارع خفيفة الحركة، السماء خالية من النجوم، فقط أعمدة الإنارة ترسم مسارها نحو المستشفى..
الخميس... مناوبتها الليلة تبدأ عند العاشرة.. الليالي في المستشفى لها وقع خاص، كأن الزمن فيها يتباطأ، وكأن القلوب تنبض بإيقاع أبطأ…
خطواتها ثابتة، لكن داخلها كان يعيد صوتًا قديمًا، نداءًا دافئًا..لأن الخميس، كان الليلة التي كانت تراه فيها دائمًا..
وإن لم تعد تنتظره، إلا أن القلب، بطريقة ما، لم ينسَ...
ركبت أولغا سيارة الأجرة وهي تشد معطفها الداكن حول جسدها النحيل.. قطرات المطر الخفيفة على النافذة تعكس أنوار الشوارع، تمد الخطوط الضوئية عبر الزجاج كأنها تذكرها بأن الزمن لا يتوقف، حتى لو توقف كل شيء بداخلها…
السائق لم يكن كثير الكلام، وهذا ما أحبّته. في هذا المساء، لم تكن بحاجة إلى أحد يسألها من أين أتت أو إلى أين تذهب..
كانت شاردة، لكن ليست بلا وجهة.. أفكارها تشبّثت بذكرى تلك الليالي، ليالي الخميس تحديدًا.. حين كانت تستلم مناوبتها في المستشفى، تعلم أن اللقاء بعد منتصف الليل سيكون في تلك الاستراحة الخلفية، المخبأة خلف المبنى الإداري..
لم يكن هناك الكثير من الوقت، ساعة بالكاد، لكنها كانت تكفي..
هو، بحضوره الهادئ، وابتسامته المرهقة من عناء نوبات العمل، كان يأتي بحقيبة قماشية صغيرة... يخرج منها وعاءً زجاجيًا، تفوح منه رائحة مرق ساخن أو حساءٍ بالكريمة والدجاج، أحيانًا كرات البطاطس المحشوة بالجبن التي يعلم جيدًا كم كانت تحبها..
كانا يجلسان على المقعد الخشبي المغطى بنقاط الطلاء الأبيض القديم، يأكلان، يتبادلان التعليقات الساخرة... هو يمدح عينيها المتعبة التي لا تزال "أجمل من كل ما رآه تحت ضوء المصابيح الفلورية في غرف الطوارئ"، وهي تتظاهر بالتذمّر من الملح الزائد في طعامه، رغم أنها تعرف جيدًا أنها ستشتاق لطعمه بعد رحيله..
لكن ذلك صار مجرد ظلّ.. ذكرى تتكاثر حين يخفت صوت المدينة في رأسها.. وكانت هذه الذكرى، الليلة، تقضم أطراف عقلها مثل ماءٍ بارد يتسلّل تحت باب مغلق.. لا يمكنها أن تنساه، ولا يمكنها أن تغفر لنفسها..
أخرجت هاتفها حين أوقفت السيارة أمام بوابة المستشفى المركزي في موسكو.. دفعت الأجرة، شكرت السائق، وترجلت... الحرس عند البوابة تعرفوا عليها، وأحدهم ابتسم وقال:
"دكتورة أولغا… مساء النور.. اشتقنا لك.."
أجابت بابتسامة صغيرة لا تصل إلى عينيها…عبرت الممر المؤدي إلى القسم الإداري بخطوات هادئة.. البهو كان مضاءً بنور أبيض ساطع، نظيفًا وباردًا كأنفاس شتاء..
ذهبت مباشرة إلى شباك التسجيل، ملأت استمارة المناوبة، وقّعت إلكترونيًا، ثم استلمت بطاقة الهوية المؤقتة لمناوبتها الليلية..
بعدها، وقبل أن ترتدي المعطف الأبيض، اتجهت إلى الطابق الأرضي، إلى الغرفة التي كتب عليها بلوحة صغيرة:
"قسم الدعم النفسي ؛ الموظفين فقط"
طرقت الباب بخفة. جاءها الصوت من الداخل:
"تفضلي، الباب غير مغلق.."
دخلت.. الغرفة كانت بسيطة، كراسي مريحة، جدار واحد مغطى بألوان هادئة، ولا شيء يوحي بالطب أو البيروقراطية.. جلس هناك، في منتصف المساحة، الطبيب النفسي المناوب، الدكتور بافيل ميخائيلوفيتش..رجل في منتصف العمر، ذو نظرات ثاقبة ونبرة صوت منخفضة لكنها دقيقة..
5
ألقى نظرة عليها، ثم أشار إلى المقعد أمامه قائلاً:
"أهلاً بعودتك، أولغا.. تأخرتِ كثيرًا..هل ترغبين في خمس دقائق سريعة قبل النزول إلى القسم؟"
8
هزّت رأسها بالإيجاب، وجلست.. أخرجت زفيرًا طويلًا، كما لو أنها تزيل طبقة من الغبار العالق داخلها... تحدثت معه عن ضغط العودة، عن الصوت الذي لم يعد يغادرها، عن المسؤولية، وعن الخوف من أن ترى في وجه مريض ما، ملامح الشخص الذي لن يعود..
لم يُقاطعها..كان يصغي فقط، بقلم لا يُحرّك سطرًا، وكأن كل ما تريده هو أن تُخرج ما بداخلها، لا أن تُحلّل..
عندما انتهت، قال بهدوء:
"كل شيء يمر.. وبعضه يبقى، لكنه لا يجرّنا للخلف إن تعلمنا كيف نعيش معه.."
ابتسمت برقة، وقفت، شكرته، ثم خرجت..
في الممر، استقبلها زملاؤها.. بعضهم صفق بخفة، وبعضهم مدّ ذراعيه للعناق. عبارات قصيرة من نوع:
"أخيرًا رجعتِ.."
"اشتقنا لكِ في القسم.."
"الليلة عندنا حالة حرجة، كأن المستشفى كان يعلم أنكِ ستعودين.."
أولغا ارتدت معطفها الطبي، شدت شعرها للخلف، ثم قالت بابتسامة هادئة:
"أنا هنا الآن، لنبدأ.."
وبينما كانت تنزل إلى قسم الطوارئ، عرفت أن الليلة ستكون طويلة، وربما ثقيلة..
لكنها، لأول مرة منذ شهور، لم تخشها..
. . . . .
4
في حي "أربات العليا"، حيث تصطف الشوارع النظيفة بصفوف من الأشجار الباسقة والإنارة الخافتة تشبه خيوط الضوء الذهبية، يقف منزل فولكوف بكل فخامته المعمارية..
4
ثلاث طوابق تطل واجهتها الرخامية على حديقة صغيرة مرتبة بعناية مبالغة... الزجاج النقي للنوافذ يعكس ضوء الثريات من الداخل كما لو أن كل طابق يعرض كبرياء العائلة في صمت صلب..
1
في غرفة الطعام، حيث تمتد طاولة طويلة من خشب الماهوغاني المصقول، تجلس العائلة متفرقة في أماكن محددة يعرفها الجميع منذ الطفولة.. لا عناق دافئ، ولا كلمات تتخللها لهجة الألفة، لكن الانضباط ظاهر..
على رأس الطاولة، يجلس سيرجي فولكوف، الأب، رجل تجاوز السبعين بعنفوان لا يتلاشى.. وجهه مفرغ من اللين، عظامه تبرز أسفل الجلد المشدود، وعيناه الرماديتان لا تخطئان شيئاً..
إلى يساره، تجلس زوجته، ميرا ،امرأة تحافظ على بريق مظهرها كما تحافظ على برودة حديثها... شعرها الأشقر المقصوص بدقة يحيط بوجه نحيل، شفتاها مرسومتان بلون خافت بالكاد يليق بصرامتها، وملامحها تذكر بمنظّمة عروض لا بربة منزل…
2
حديث العشاء دار بين الزوجين كعرض غير منقطع عن أنشطة الطبقة العليا في المدينة..
ميرا كانت تتحدث عن حفل قادم في دار الأوبرا، وعن ضرورة الظهور "بشكل مناسب" كعائلة فولكوف لا تقل شأنًا عن أي من عائلات النخبة..
6
"علينا أن نحجز الطاولة الأقرب إلى الممر الرئيسي، لا أريد أن أبدو كأحد ضيوف الصف الثاني.."
أجابها سيرجي بنبرة مقتضبة:
6
"رتّبي الأمر مع أندريو... تأكدي أن الصور تظهر الجانب الصحيح من الطاولة، لست بحاجة لخطأ آخر مثل ما حدث في حفلة السفارة الألمانية.."
2
لم يكن هذا حواراً بقدر ما هو تبادل ملاحظات بين جنرالات في قاعة تخطيط..
2
على الجهة اليمنى، جلست إيكاترينا، ترتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، وجهها مطفأ من أي محاولة للتجمّل... بجانبها، طفلتها الصغيرة، ليوبا، في بيجامتها ذات طباعة "ماشا والدب"، تلعب بهدوء بقطعة خبز على طبقها..
نظرات إيكاترينا كانت تراقب الحوار بنصف اهتمام... منذ سنين، عرفت أنها ليست جزءًا من سباق والدتها الاجتماعي، ولم تحاول أن تكون كذلك..
2
أيام الدراسة كانت محطة المنافسة الكبرى، بعدها أصبحوا يقيسون الحياة بأطوال فساتين السهرة وسِعة القاعات المحجوزة…
الآن، طبيبة جراحة ناجحة، لا أحد يسألها عن آخر عملية، بل عن فستان ابنتها في مسابقة الباليه المقبلة..
1
تبادلت ضحكة صغيرة مع ليوبا التي همست لها شيئًا عن الكلب الذي رأته في الحديقة، فمالت إيكاترينا وهمست بدورها، نظرة حنان دافئة سرقت لحظة من الجو المتجمد في الغرفة..
لم ترغب أن ترث ابنتها هذا الجليد، ولا هذا الطقس الثقيل الذي يطغى على مائدة يفترض أنها عائلية... أرادت أن تكون أمًا تنتمي للمكان، لا تمثّل دورًا فيه..
1
لم تتدخل كثيرًا في الحوار الدائر، واكتفت بتعليق مقتضب حين سُئلت عن أحد الأصدقاء القدامى، ثم عادت لتناول قطع الجزر المسلوق مع طفلتها، كأنما الطاولة بأكملها لا تضم أحدًا سواهما..
كانت وجبة مساءٍ راقية باردة، لكن قلبها وجد دفئه في الضحك الخافت لطفلتها، وفي قرار داخلي صامت:
لن تُجبر ليوبا على الجلوس في مقعد لم تُصنع أرجله من الراحة..
حمحمت ميرا كما تفعل دائمًا حين تستعد لإلقاء شيء تعتبره "مفصليًا"، جذب الصوت البسيط انتباه إيكاترينا التي كانت لا تزال تمسح ف crumbs الخبز عن خد صغيرتها، رفعت نظرها ببطء، وبحذر استعدت للعبور في حقل ألغام غير مرئي..
قالت ميرا بنبرة هادئة ظاهرًا، لكنها محملة بنوايا مصقولة:
"عائلة بولياكوف ستحضر بعد غد دار الأوبرا.. تعرفينهم، أظن؟ أصدقاء قدامى لنا من بطرسبرغ.. الوالد كان زميلاً لوالدك في مجلس الاستثمار الدفاعي.. أما الإبن... فسيكون موجودًا.. والديه عبّروا عن رغبتهم بلقائنا، وحدّثوني صراحة عن اهتمامه بالتعرّف عليك، بالطبع ضمن إطار واضح ومحترم.."
ثم تابعت، وهي تمسك كوب الشاي الخاص بها برقة متكلفة:
"لن أقبل الرفض هذه المرة يا كاتيا... لا تنسي... أنت في السن المثالي، ولا معنى لتأجيل أمر كهذا أكثر من ذلك.. آن الأوان لتفكّري في عائلة حقيقية، مستقرة، بزوج يحمل لقباً واضحاً، ونسباً محترماً، وأطفال..."
توقفت، ثم رمقت ليوبا بنظرة لا تحمل الكراهية الصريحة، لكن تفيض بالمعاني..
لم تكن النظرة طويلة، كانت كافية لتزرع إبرة باردة في أعماق كاتيا،فهمت الرسالة جيدًا..
يد إيكاترينا تحركت بخفة، أسفل الطاولة، لتضغط على أصابع ليوبا الصغيرة بلطف حازم، وكأنها تقول: أنا هنا، ولن يلمسكِ سوء..
بقيت ملامحها هادئة، وكأنها تستمع كما تُدرّب نفسها دائمًا على فعل، لكنها من الداخل شعرت بدمها يغلي..
كانت ناراً تُصاغ خلف عينيها، تتقد كلما فكّرت بتلميح والدتها... هل تشير لترك ليوبا؟ أم لتجاهلها؟ أم لأن طفلتها لا تحمل اسم أب يعرفونه هم؟..
كان ذلك الاعتداء مغلفًا بالمجاملات، مغلفًا بالحرص المزيف..
لو لم تكن تلك المرأة أمامها والدتها، لصرخت الآن..
صرخت بشجاعة الأمومة التي لم تهتز يومًا، ولو للحظة، منذ أن احتضنت صغيرتها لأول مرة في غرفة الولادة..
لكنها تمالكت نفسها..لم يكن هذا المكان، ولا هذا الوقت..
أومأت برأسها وكأنها تستمع، كي لا تثير الشك أو الاستفزاز، ثم رسمت على وجهها ابتسامة صغيرة، جفافة، لا حياة فيها..فقط ديكور للتماسك..
ميرا استأنفت، بشغف واضح هذه المرة، كأنها بدأت تتخيل المناسبة في ذهنها:
"الشاب اسمه ريكارد بولياكوف، عمره ثلاث وثلاثون عامًا..مهندس في الأمن السيبراني، يدير قسمًا في شركة عالمية بموسكو... أطروحته حول الذكاء الصناعي حصلت على ميدالية في مؤتمر جنيف.. عائلته تمتلك أراضٍ في نيجني نوفغورود، ولديهم حصة في مؤسسة الاتصالات الدفاعية.. طويل، وسيم، لم يسبق له الزواج، ولا أي علاقات جدية.. والديه مهذبان، تقليديان نوعًا ما، لكن محترمون.."
إيكاترينا لم ترد..كانت تسمع، لكنها لا تنصت..
داخلها كانت تمشي في متاهة أفكار مؤلمة:
منذ متى أصبحت مجرد ملف تعارف؟
منذ متى صار حبها لابنتها عيبًا بين هذه الجدران؟
وهل حقًا يُقاس مستقبلها وفق نسب وموائد رسمية؟
وضعت يدها على رأس ليوبا التي بدأت تميل قليلاً إلى النوم، ومررت أصابعها في خصل شعرها كأنها تتشبث بالشيء الوحيد الذي يملك الدفء في هذا المكان..
أجابت أخيرًا بصوت هادئ، فيه من الحديد أكثر مما فيه من الحنان:
"سأفكّر في الأمر.."
كذبت، لكن كذبتها كانت درعًا، درع أمّ لا تفاوض على ما تحبه..
ميرا لم تتوقف عند الرد.. تابعت الحديث عن فستان يمكن أن ترتديه، ومكان الجلوس، ووجبة العشاء، وتاريخ المناسبة، كأن القرار قد اتُخذ وانتهى الأمر..
أما إيكاترينا، فكانت عيناها معلّقتين على ضوء الثريا، فيما عقلها يحصي الطرق التي ستعلّم بها ليوبا أن لا تُقارن أبدًا..
ولا تُنتَقد، ولا تُقاس..
أن تحب نفسها كما هي، دون نسب ولا موائد ولا رقصات موسمية..
وفي قلبها، وعد صامت:
لن تمشي ليوبا في الظلّ الذي مشت فيه والدتها..
نهضت من مكانها بهدوء متعمد، تفادياً لأي شرر لفظي آخر قد ينفلت من والدها أو والدتها، وقد بدأت ليوبا بالفعل تترنح فوق الكرسي، رأسها يتمايل من النعاس، وجفونها تهبط بثقل، كأنها تقاوم الغرق في نوم بلا استئذان..
وقبل أن تتحرك خطوة، جاء صوت والدها العميق من رأس الطاولة، متذمراً كعادته، لكن هذه المرة مصحوباً بهمهمة لا تخلو من الضيق:
"يا إلهي... لتنتهِ هذه الليلة، أو سيُغمى عليّ ..."
جمدت في مكانها، تدرك أن العاصفة قد بدأت..
ثم قال بنبرة ملؤها الاحتقار، دون أن ينظر إليها:
"سمعت بشأن القضية التي استلمتها تلك العاقة، جليندون... هل فقدت عقلها؟ قضية حساسة، خطيرة، شبه خاسرة منذ بدايتها، وشرفنا مهدد بالتحول إلى نكتة بين الصحف..."
12
كان يتكلم وكأن ابنتيه عار تلاحقه، لا حبّاً ولا رأفة فيهما..
"ألا تفهم أن طموحها هو لعنتها؟ متى ستكفّ عن إدخال اسمنا في مستنقعاتها؟ تلهث خلف الشهرة، خلف مجدٍ ليس لها.. تلك الشركة... جلوبال ترايدينغ، الجميع يعلم أنها واجهة لأعمال قذرة، شبكة تمويه أكثر منها مؤسسة.. والآن، ها هي تضع اسمي على الطاولة، وكأننا شريك في جرائمها.."
التفتت إليه ميرا، كانت تمسك الشوكة كما لو أنها خنجر عاجز..
جاء صوتها محملاً بالذهول، وكأن الخبر يثير فيها الرعب الاجتماعي أكثر من القلق الحقيقي:
"جليندون؟! هل جنت؟! هل تعمل مع... المافيا؟! أهذه هي النهاية؟ أبهذا تنحدر بنات فولكوف؟! كيف وصلنا لهذا؟!"
3
كان وجهها قد شحب قليلاً، وتقلصت شفتاها بتقزز لم تخفه...
1
أما إيكاترينا، فوقفت مستقيمة، تحمل ليوبا النائمة بين ذراعيها، وشدّتها إلى صدرها كدرع حيّ، تتنفس فوقها رائحة صغيرة تحميها من طعنات الكلام..
نظرت إليهم، نظرة ثبات لا استفزاز فيها، وقالت بنبرة هادئة، لكنها كالسيف في حدّها:
1
"لا تقلقوا... إن كان هناك اسم سيتلطخ، فهو اسم زوجها، لا اسمكم..."
3
سكن المكان لثوانٍ..
أبوها رفع حاجبه، ووالدتها اتسعت عيناها، كأنهما سمعا للمرة الأولى نغمة فيها ذرة تعاطف مع شقيقتها التي كانت دائمًا خارج أسوار القبول..
لكن تلك النغزة —الخفيفة جداً— في كلامها، لم تكن شفقة..
كانت شيئاً آخر... شيء لا يمكن تسميته، ربما بقايا أخت كادت تُنسى..
الحقيقة أن العلاقة بين إيكاترينا وجليندون لم تكن يومًا كما يُفترض أن تكون بين شقيقتين..
الدفء لم يمر بينهما طويلاً، والمودة كانت ضيفة عابرة على فترات متباعدة، أشبه بهدنة غير مُعلنة..
المقارنات المسمومة بدأت منذ الطفولة:
إيكاترينا المتفوقة، المتزنة، الطالبة المثالية ثم الجراحة المحترفة..
و جليندون... المتمردة، الذكية، لكن كثيرة الجدل، التي اختارت طريق القانون لا الطب، الاستقلال لا الخضوع، والجرأة لا الهدوء..
كبرتا في منزلٍ لا يسامح التميز المختلف..
وحين تزوجت جليندون —باندفاعٍ مفاجئ— من الرجل الذي وصفه والدهم بأنه "عدوّ العائلة"، شعر الجميع وكأنها طعنت الإرث نفسه..
لم يكن الطرد علنيًا، لكن الوصم كان واضحًا..
قالوا إنها لم تُنبذ، فقط لم يُذكر اسمها مجددًا..
لا أحد نطق به، لا أحد سأل عنها..
ظلّت "الغائبة" في محاضر العائلة، موجودة فقط في الهامش..
تمنّى والدها لو يستطيع أن يمزق نسبها، لكنه يعلم أن الصحافة ستشم رائحة الفضائح كما تشمّ الضباع الدم..
اكتفوا بالبرود، بالتجاهل، بالانفصال الهادئ..
ولم تكن جليندون تحاول العودة..
ظلت بعيدة، حتى قررت العودة إلى المشهد – لا كأخت، بل كمحامية لقضية ستقلب الطاولة على الجميع..
إيكاترينا لم تعترض. لم تؤيد..
لكنها، هذه الليلة، وسط حفلة الذم والتشكيك، كانت الوحيدة التي لم تهاجمها..
3
ربما بدافع الحنين..
ربما للذكرى..
أو ربما... لأن أمومة ليوبا علمتها شيئًا لم يكن يومًا حاضرًا في مائدة عائلة فولكوف: الرحمة..
1
خرجت من غرفة الطعام دون أن تنبس بكلمة أخرى، خطواتها ثابتة، و إبنتها تنام مطمئنة بين ذراعيها...
. . . . .
2
في ملعب "دينامو أرينا"، كانت موسكو تلك الليلة تشهد عاصفة من الفرح، لا عاصفة ثلجية..الأضواء تسطع فوق العشب الأخضر كأنها نجوم احتشدت خصيصاً لهذا الحدث..
الجمهور في المدرجات كاد يخلع المقاعد من شدة القفز والتصفيق.. الأهازيج تتعالى، الطبول تُقرَع، الأعلام تُرفرف، والهتافات تتصاعد من كل صوب تهتف باسم الفريق الذي صنع المستحيل..
أرتيوم ، نجم الفريق وقلبه النابض، كان في وسط الاحتفال، محاطًا بزملائه الذين انهمكوا في الرقص والقفز وفتح زجاجات الشمبانيا.. الكاميرات كانت تتناوب عليه، والعدسات تلاحقه كأنه بطل رواية تُكتب الآن على الهواء مباشرة…
الجماهير بدأت تهتف باسمه كجوقة تُعيد صدى المجد:
"أر-تيوووووم!"
رغم كل هذا، كانت عيناه تبحث عن المخرج.. لم يكن الاحتفال يعني له شيئاً الآن، ليس أكثر من حضن صغير ينتظره في جناحٍ هادئ بعيداً عن ضجيج الملعب..
لمح باب الممر الخلفي، فانسحب من دائرة الضوء بخفة، مغطياً رأسه بقبعة سوداء.. لاحظ بعض المشجعين انسحابه، وارتفعت صيحات تُناديه، لكن خطواته لم تتوقف..
لم يُقنعه المدرب بالبقاء، ولم تثنه محاولات زملائه لتأجيل رحيله... كل ما في داخله كان يصرخ باسم فلاد، ابنه..
خلف الملعب، حيث الطريق المؤدي إلى مواقف اللاعبين الخاصة، كان السائق ينتظره بهدوء.. تأكد أرتيوم أن عائلته غادرت المدرجات – فقد تعمّد ألا يراهم بعد المباراة، فهو يعرف جيدًا أن لقاءهم سيكون مجرد طقوس مجاملات لم يعد يتحمّلها..
ركب السيارة دون أن ينطق، وأشار بيده فقط إلى العنوان..الفندق الذي يُقيم فيه اللاعبون، لا يبعد كثيرًا، عشر دقائق على الأكثر، لكنه شعر أنها دهر..
حين وصل، كانت البهو شبه خالٍ، وهذا جيد.. لا معجبون، لا صحفيون.. ساعده الظرف أن حافلة الفريق لم تنقله، مما جعله يتسلل دون أن يلاحظه أحد... صعد إلى المصعد، ضغط على الزر المؤدي إلى الطابق التاسع، حيث جناحه وغرفة فلاد..
كان قلبه يدق بسرعة... في ذهنه، رسم مشهداً بسيطاً: فلاد يجلس أمام التلفاز، يلوّح له بيديه، ثم يقفز إليه ويملأه حضناً وضحكاً، وربما قطعة شوكولا يخبّئها له، كمكافأة على الفوز..
حين وصل، لم يطرق الباب، استعمل بطاقته الإلكترونية وفتح..الهواء داخل الجناح كان دافئًا، يعبق برائحة الفانيليا الخفيفة، ربما من شمعة مشتعلة أو عطر ما…
وضع زجاجة الشمبانيا على الطاولة دون أن يخلع معطفه، ثم مشى بخطوات ناعمة باتجاه غرفة المعيشة، حيث سمع صوت ضحك عالي، واضح، نابض بالحياة... صوت فلاد..
لكنه لم يكن وحده..
1
توقف أرتيوم، جسده تجمد فجأة، كأن كل فوز الليلة تلاشى..
أمام عينيه، كان ابنه مستلقياً على الأريكة، ضاحكاً كمن يُسقط العالم من على كتفيه، بينما فوقه – لا، بجانبه – كانت امرأة..
امرأة لم يرها من قبل، ترتدي شورت جينز قصير يفضح أكثر مما يغطي، حمالة صدر سوداء تلتف حول بشرتها البيضاء، شعرها الكستنائي يتدلى بعشوائية على عينيها، أظافرها مطلية بلون أحمر فاقع، وسرتها مزينة بحلقة ذهبية تلمع، كما حلق صغير في أنفها..
2
تمسك بزجاجة بيرة وتشرب منها بلا اكتراث، قبل أن تميل برأسها على فلاد وتقول بنبرة دافئة:
"يالك من جميل أيها الصغير... ستكسر قلوب النساء يوماً ما.."
كانت تضحك، بينما يضحك معها، كأنها تعرفه من قبل..
كأنها تنتمي هنا..
لكن شيئًا داخله – شيء يشبه الغضب – انفجر..
تقدم بخطوات ثقيلة، كل خطوة كانت صفعة على جبين ذهوله، حتى صرخ بصوت أجش، حاد:
"لا تلمسيه!"
6
قفزت المرأة في مكانها، وكأن النار اندلعت تحت قدميها..
أرتيوم عبر الغرفة بخطوات سريعة، ورفع ابنه من بين ذراعيها بحركة غريزية، كما لو أن الأرض من تحته قد تهددت بالانهيار..
"من أنت؟! كيف دخلت إلى هنا؟! وأين إيغور؟!"
1
نظرت إليه، عيناها متسعتان، لم تتكلم فورًا..
نظراته كانت سيوفًا، تمزق ملامحها دون رحمة.. مرّ بعينيه على ملابسها، ثم على البيرة، ثم على حلق السرة، كل شيء فيها كان بالنسبة له رمزًا للاستهتار..
حكم عليها، في ثوانٍ..
امرأة لا مسؤولة. غير ناضجة. لا تصلح حتى للجلوس في نفس الغرفة مع طفل، فكيف يتركه معها؟!
حين لاحظت نظراته، ضيقت عينيها، وقالت ببرود:
"ماذا؟ تظنني سأسقط ميتة تحت نظراتك؟ خفف من تدينك أيها ثور."
5
"ماذا؟!" ارتبك للحظة من الوصف..
ثم رفع حاجبه، وسأله بدهشة مشوبة بالغضب:
"هل نعتتني بالثور؟"
"نعم، ثور. من النوع الذي يركض في كل اتجاه إذا رأى وشماً أو بيرة.. تتكلم معي وكأنني دخلت غرفة عمليات وليس غرفة فندق!"
أخذ نفساً عميقًا، وقال بحدة:
"كنتِ وحدك مع طفل و تشربين البيرة... أي نوع من الجنون هذا؟"
رفعت حاجبها، وقالت بسخرية:
"لم أشرب نصف الزجاجة حتى، وكنت ألعب معه، فقط ألعب... واضح أنك لا تعرف كيف تضحك معه.."
في داخله، شيء أراد أن يرد، أن يهاجم، لكنه حين نظر إلى فلاد، الذي عاد يغمض عينيه على كتفه، لم يعد قادراً على الصراخ..
طرقٌ خفيف على الباب قطع اللحظة المشحونة بين أرتيوم وصدى ما سمعه من المرأة الغريبة.. تملّكته غريزة الحذر، وعقله كان في حالة استعداد قصوى..
حمل فلاد جيدًا على ذراعه، ذراعه التي تحولت إلى درع، بينما الصغير يفتح عينيه بتثاقل، كأن وقع الطرق أيقظه من غفوته العابرة..
حدّق في الباب، وخفق قلبه بسرعة مفاجئة..ها قد أتى، إيغور..
شدّ على ذراعه الأخرى، وكتم أنفاسه، يجهز ما سيقوله..
لا، يجهز ما سيفعله... إيغور يعرفه، ويعرف طباعه، ويعلم تمامًا أنه لا يثق بأحد مع ابنه، لا مربية، ولا صديقة، ولا حتى امرأة عابرة، فكيف تجرأ؟ كيف يترك فلاد بين يدي غريبة، نصف عارية، تتسكع مع البيرة في غرفة مغلقة؟..
سيفتح الباب ويـ— يكسر رجله الأخرى إن لزم الأمر..
دفع الباب بنزق..
لكن ما رآه جعله يتجمد...
لم يكن إيغور..
الدهشة مرت على وجه أرتيوم كالبرق، ولم تمكث طويلًا، لكنها تركت أثرها..
"بحق السموات..."
تمتم بصوت منخفض..
من يقف أمامه لم يكن أحداً سوى أورلوف..
الجنرال أورلوف.. أخوه الأكبر.. شموخ متجسد..
23
يقف هناك بكامل بزته العسكرية، أزرار الذهب تعكس ضوء الممر، كتفاه المنتصبتان تعلنان عن الهيبة قبل الكلمات، ويداه خلف ظهره بانضباط صارم..
صدره مرفوع، وعيناه لا ترمش.. لم تكن النظرة دافئة، لكنها لم تكن غاضبة أيضاً... كانت مراقِبة... فاحصة..
أمال رأسه قليلاً، بصوته العميق الخشن سأل:
"هل... قاطعت شيئًا؟"
10
❀•°❀°•❀
يتبع.