📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل الخامس 5 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل الخامس 5 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

(الجزء الخامس )

"أدهم"

جلستُ أمام غرفة الإسعاف وظهري مسنود إلى الجدار البارد كأنّني أحاول أن أستمدّ منه بعض الثبات .. ثيابي كانت مضرّجة بالدماء .. بدمها.
لم أعد أذكر متى توقّفتُ عن محاولة مسحه أو متى قرّرتُ أن أتركه شاهدًا صامتًا على ما حدث .. كانت يداي ترتجفان ولكن ليس خوفاً إنما من فراغٍ ثقيلٍ حلّ فجأة بعد أن انتهى كل شيء .. الصراخ .. الركض .. الطريق و جسدها المتهاوي بين ذراعيّ
اقترب منّي شرطي وتوقّف لحظة وهو يتفحّص مظهري ثم قال بنبرةٍ رسمية:
- أنت الذي أحضرتها إلى هنا؟
أومأتُ برأسي :
- نعم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- نحتاج منك الحضور معنا لإعطاء إفادتك عمّا حصل.
رفعتُ بصري إلى باب غرفة الإسعاف المغلق بإحكام وكأنّه آخر خيط يربطني بها ثم نظرت حولي فلم أجد أحداً غيري ينتظرها .. رددت بهدوء :
- لا أستطيع تركها.
نظر إليّ باستغراب :
- هل أنت من أهلها؟
تردّدتُ لثانية ثم أومأت:
- كما ترى .. لا يوجد أحد غيري هنا
سكتَ قليلًا ثم قال:
- يمكننا أخذ الإفادة هنا إن أردت.
لم أُجبه فقط تحرّكتُ قليلًا لأفسح له مكانًا إلى جانبي .. جلس وأخرج دفتره وبدأ يسأل .. حكيتُ كل شيء منذ اللحظة الأولى .. حتى تلك الأخيرة التي توقّف فيها الزمن في صدري .. لم أُبالغ أو أخفِ .. قلت ما رأيته وما فعلته وما عجزتُ عن فعله .. كان يدوّن بصمت يرفع رأسه أحيانًا ثم يعود إلى أوراقه .. وحين انتهى أغلق الدفتر وقال:
- سنبقى على تواصل إن احتجنا لأي تفاصيل إضافية.
نهض وربّت على كتفي بخفّة ثم ابتعد وبقيتُ وحدي .. الهدوء من حولي كان أقسى من أي ضجيج والأفكار تصادمت في رأسي بلا ترتيب .. ماذا لو تأخّروا؟ ماذا لو لم تنجُ؟
وماذا سأفعل إن فتحت عينيها ولم تجد أحداً من أقربائها جاء ليطمئنّ عليها؟ .. لا أعلم كيف سيكون شعورها آنذاك .. يا لها من خيبةٍ حقاً
نظرتُ إلى يديّ التي ما زالتا ملطّختين بالدم وفكّرت للمرّة الأولى .. بعض الإنقاذات لا تترك المنقذ سليمًا بعدها أبدًا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم أقم من مكاني خوفاً من أن يأتي أحدٌ يسأل عنها ولا يجد من يجيبه .. أو يخرج الطبيب ولا يجد من يطمئنه .. مرت ساعة وتلتها ساعةٌ أخرى وأنا جالس مكاني بلا حراك .. فقط أنتظر .. أخيراً فُتح ذلك الباب وخرج من خلاله عدّة أطباء .. هببت من مكاني وسألته بلهفة مصحوبة بخوف :
- كيف حالها ؟
رد الطبيب وهو يخلع كمامته وغطاء رأسه:
- كان لديها جرحٌ بليغ في منطقة الرأس بالإضافة لجروحٍ وكدمات في مختلف أنحاء جسدها .. واضطررنا إلى خياطة عدة جروح عميقة في جسدها
- وهل ستنجو من هذا ؟
- سنقول بإذن الله .. جيد أن الضربة على الرأس لم تكن قاتلة ولكنها كانت على وشك أن تُنهي حياتها .. جيد أنك لم تنتظر الشرطة حتى يحضروا الإسعاف ؛فلو أنهم تأخروا خمس دقائق فقط لكانت في عداد الأموات الآن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

سحبت نفساً عميقاً وأخرجته بصعوبة .. الذي فهمته أنها مازالت فاقدةً للوعي ولن تستيقظ في الوقت الحالي .. لقد وضعوها في غرفة العناية الفائقة تحت المراقبة ولم يعد لي عملٌ هنا .. ولكنني كنت قلق .. لم يأتي أحدٌ للاطمئنان عليها .. بالعادة في هذه المواقف أرى الأهل يتوافدون من كل مكان ليطمئنوا على أولادهم .. أكاد أجزم أنّه لو أصابني مكروه وجلستُ مكانها لامتلأت هذه المستشفى بأقربائي .. وقفت عند المصعد أنتظره .. كنت أحتاج للاغتسال من الدماء وتغيير ملابسي للعودة لاحقاً والاطمئنان عليها .. فُتح باب المصعد وخرج كل من كان يركبه في ما عدا شخصٍ واحد .. كانت خالتي ليلى تقف داخله شاردة بالعدم والحزن يعتلي ملامحها الجميلة ..
- خالتي ليلى ..
ناديتها ولكنها بقيت سارحة من دون إدراك .. دخلت المصعد ووضعت يدي على كتفها لتنتبه أخيراً على وجودي وتستبدل ملامحها الحزينة للصدمة وتسألني بذعر :
- أدهم .. ماذا أصابك؟

لقد لاحظت الدم الموجود على ثيابي بسرعة .. ربّتّ على كتفها وأجبتها بهدوء :
- هذا الدم ليس مني اطمئني
- ولكن لمن يعود ؟
- لقد حصل مشكلة في البناء الذي استأجرت فيه شقة .. وأسعفت جارتي بنفسي إلى هنا .. هذا كل شيء
- هل وقع لها حادث ؟
- تقريباً .. لقد ضربها زوجها بعنف حتى هشّم رأسها لتصل لحد الموت

وضعت يدها على صدرها وقالت :
- يا له من متوحش .. لا أفهم كيف لنساء أن يتحملن العيش مع وحوشٍ كهذه .. وأين ذلك المتوحش الآن؟
- كنت قد اتصلت بالشرطة عندما بدأت أسمع صوتها تصرخ وتستنجد ووصلوا ولكن متأخرين .. فقد كانت شبه ميتة .. لقد ألقوا القبض عليه وهو الآن متواجدٌ في السجن
- أرجو أن يعدموه .. لا أصدق هذا
- ما بكِ أنتِ ؟ .. لا تبدين بخير
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أطلقت تنهيدة عميقة وخرجنا من المصعد سوياً وأخذنا نمشي في كراج المستشفى ببطء وهي تتكلم :

- إن رهف مريضة
تفاجأت وسألتها:
- ماذا أصابها؟
- فقدت وعيها في المدرسة وأحضروها إلى هنا
- لماذا ؟
صمتت قليلاً ثم هزت رأسها نافية وردت بغصةٍ واضحة :
- لا شيء يذكر .. فقط تعاني بعض الإرهاق بسبب الدراسة .. أنا مضطرةٌ للذهاب . اعتني بنفسك

ركبت سيارتها وانطلقت فيها .. شعرت أنها تتهرب من الإجابة .. ركبت سيارتي بدوري نظرتُ إلى المقعد الخلفي ورأيت الدماء ما زالت هناك .. متجلّطة على القماش داكنة أكثر ممّا كانت قبل ساعة لم أرَ المقعد .. لقد رأيتُها .. رأيت جسدها الملقى ورأسها مائل على جانبه وشعرها المبلّل بالدم يلتصق بوجنتها .. تذكّرتُ كيف حاولتُ أن أرفعها بحذر .. كيف همستُ لها أن تصمد أن تفتح عينيها وكأنّها كانت تسمعني أو كنتُ أنا من يحتاج أن يُصدّق ذلك .. تذكّرتُ ارتجاف يديّ وأنا أضغط على الجرح والصوت المختنق الذي خرج منها والثواني التي شعرتُ فيها أنّ الطريق أطول من قدرتي على الاحتمال .. أغمضتُ عينيّ للحظة وحين فتحتهما كان المقعد ما يزال هناك .. صامتاً وملوّثاً يشهد على شيءٍ لن يغسله الماء بسهولة .. أدرتُ محرّك السيارة وأنا أدرك أنّ بعض الصور مهما ابتعدتَ عنها تبقى جالسةً خلفك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وصلتُ إلى البناء وما إن ترجلتُ من سيارتي حتى شعرتُ بنظرات الجيران تلاحقني نظراتٍ ثقيلة ومُريبة .. وكأنّني الخارج لتوّه من جريمة لا من مستشفى .. لم أفهم معناها إلى أن اقتربتُ من باب شقّتي .. كانت جارتنا تقف عند بابها على غير عادتها وبجانبها امرأةٌ أخرى .. توقّفتا عن الكلام ما إن رأتاني ثم عاد الهمس منخفضاً و متعمّدًا.
- وكأنّه لم يفعل شيئاً
- من المؤكّد أنّه عشيقها .. وإلّا لما خاطر بنفسه لأجلها.
تجمّدتُ في مكاني .. وشعرتُ ببرودةٍ تسري في أطرافي وبشيءٍ ينكسر داخلي ببطء .. عشيقها؟ .. لم ألتفت ولم أُدافع عن نفسي .. لم أجد حتى ما أستغربه ؛ففي هذا المكان يبدو أنّ إنقاذ امرأةٍ من الموت جريمة .. وأنّ الوقوف إلى جانبها وصمة وأنّ أبسط أشكال الإنسانية تهمة

أغلقتُ الباب خلفي بعنف وكأنّني أريد أن أعزل نفسي عن كلّ ما في الخارج .. عن عيونهم وهمسهم وأحكامهم السريعة.
استندتُ إليه للحظة أتنفّس بعمق ثم بدأت أفتح أزرار قميصي بعصبية وكأنّ القماش نفسه صار خانقًا
ضحكتُ بسخريةٍ قصيرة خرجت من صدري من دون قصد .. هل كان عليّ أن أتركه يقتلها فعلًا؟ هل كان الموت أهون من أن تتلطّخ سمعتي وسمعة امرأةٍ لا ذنب لها سوى أنّها كانت تصرخ طلباً للنجدة؟
مررتُ يدي على وجهي بتعب وشعرتُ بثقلٍ غريب يجثم على صدري .. في هذا المكان لا يُحاسَب الجلّاد ولا يُسأل عن الدم بل يُدان من مدّ يده لينقذ .. يا له من مجتمعٍ بارعٍ في اختراع الفضيلة ومتقنٍ حدّ القسوة في دفن الإنسانية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

في المساء عدتّ للمستشفى حتى أطمئن عليها .. وصلت إلى الاستقبال وسألت الممرضة المناوبة وأخبرتني أن الحالة مازالت فاقدة للوعي ولم يحضر غيري للسؤال عنها .. بقيت واقفاً مستغرباً وأنا أنظر بالممرضة .. أولم يعرف أحدٌ بعد أنها أصيبت؟ مشيت وجلست على مقاعد الانتظار وأنا أفكر .. هل هي يتيمة ؟ لا شك قد يكون هذا ما جعل مؤيد يستقوي عليها .. ربما لو كان لها أهل لن يجرؤ على إهانتها وضربها بتلك الوحشية من دون خوف .. هذا منطقي إذاً .. تذكرت أن رهف ابنة خالتي ليلى موجودةٌ هنا أيضاً وسألت الاستقبال عنها .. بعد أن أخذت منها رقم الغرفة توجهت إليها وقبل أن أصل وجدت سبتاً من الورود موجوداً على باب غرفة أحد المرضى .. تنحنحت وأخذت أنظر حولي بحذر .. وعندما لم أرى أحداً سحبت وردة بيضاء واحدة وأكملت طريقي لغرفتها

وصلت عند الباب وطرقت مرتين قبل أن ترد رهف من الداخل :
- تفضل
فتحت الباب ومددت برأسي وقلت بطريقة صبيانية :
- هل الجميلة التي هنا مشغولة أم متفرغة

ضحكت و ردت :
- أنا متفرغة أدخل
رسمت ضحكتي المعتادة ودخلت ومددت لها الوردة باحترام مبالغ وقلت :
- الحمدلله على سلامة أميرة العائلة رهف الجميلة
عادت لتطلق ضحكة أعلا و ردت وهي تأخذ الوردة :
- شكراً لك أدهم .. من اللطف أن تأتي لتطمئن عليّ
قلت وأنا أجلس:
- ولما لا آتي .. كم رهف مدللة لدينا في العائلة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت للورود المنتشرة في الغرفة وقلت :
- لا بد أنه أتى الكثيرون قبلي !
- مم جاءت خالتي واخوتك البنات وأعمامي وعماتي ليطمئنوا عليّ أيضاً
- اوووه كم أنت محبوبة
- أجل يبدو ذلك
قالتها بنبرة حزينة وكأنها تريد قول العكس .. سحبت نفساً عميقاً وسألتها:
- إذاً كيف وصلتِ إلى هنا ؟
- فقط فقدت وعيي فجأة وأنا في المدرسة .. قال لي الطبيب أنه ربما يكون مجرد إرهاقٍ بسبب الدراسة
- وهل أنت مقتنعة بهذا ؟

صمتت ولم تجب .. شعرت أنها تخفي شيئاً هي الأخرى .. ولكن ماذا عساه أن يكون ؟ فجأة طرق الباب وردت رهف :
- تفضل
فُتح ودخل من خلاله شابٌ غريب لم أره من قبل .. يرتدي ملابس رسميةً أنيقة ويحمل في يديه باقة ورود تبدو باهظة الثمن .. فجأة نطقت رهف بارتباكٍ واضح :
- أهلاً سيد وائل
نظرت بها وتفاجأت بملامحها كيف تغيرت وبدت أكثر حيوية ورأيت لمعةً غريبةً بعينيها وهي تنظر إليه .. فهمت حينها أنها ربما تكون معجبةً به .. وقفت ومددت يدي له وقلت :
- أهلاً وسهلاً .. أنا أدهم ابن خالة رهف
رد عليّ بصوتٍ عميق :
- تشرفت بمعرفتك سيد أدهم .. وأنا أدعى وائل طبيب الآنسة رهف

هل قال طبيب ؟ ولكن لم لا يرتدي مريوله وسماعاته .. أي طبيب هذا .. نظرت إلى رهف ورأيتها تنظر إليه بارتباكٍ واضح .. حلّ صمتٌ طويلٌ بالمكان شعرت أن وجودي أصبح ثقيلاً ويجب عليّ الرحيل .. استأذنت منهم وخرجت من الغرفة .. يبدو أن رهف لديها الكثير من الأسرار .. لم أعر الأمر اهتمام وعدت أدراجي للاستقبال حيث أخبرتني الممرضة أن الفتاة لم تستيقظ بعد
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

مر يومان كاملان على تلك الحادثة .. الفتاة بقيت فاقدةً للوعي بينما زوجها مازال محجوزاً في السجن إلى إشعارٍ آخر .. في هذه المدة لم أنم سوى ساعات متقطعة .. أستيقظ مع كل صوت وكأن الحادثة لم تنتهِ بعد .. حتى قهوتي في الصباح فقدت طعمها .. صرت أشربها ببرود وأنا أحدّق في الفراغ .. ضقت ذرعاً من نظرات الجيران وسكان المنطقة .. ينظرون إليّ وكأنني أنا المجرم الذي خرّب علاقة زوجين وأبعدهما عن بعضهما .. لم أتمكن من الاحتمال .. ذهبت لمكتبٍ عقاري وطلبت أن يبحث لي عن شقةٍ أخرى في منطقةٍ بعيدةٍ عن هذه .. وفي أثناء ذلك كنت منهمكاً بالدراسة .. لقد قُلبت حياتي رأساً على عقب ولم أعد ألحق لشيء .. لم أكن هكذا يوماً .. ولكن هذا ليس غريباً ؛فعقلي مازال يفكر بمصير تلك المسكينة .. كنت جالساً في مقهى الجامعة أراجع بعض المواد عندما رن هاتفي النقال .. تغير مزاجي بعد أن رددت فقد كانت تلك ممرضة الاستقبال تخبرني أن الفتاة أظهرت مؤشراً أنها ستستيقظ في أيّة لحظة .. لم أستطع إخفاء سعادتي وقمت من مكاني وذهبت إليها فوراً .. في المستشفى كانوا قد نقلوها من غرفة العناية إلى غرفةٍ خاصة وهناك دخلت الغرفة بتردد واضح وأنا أحمل باقة من ورد النرجس الأبيض .. كانت مستيقظة تجلس على السرير وتنظر إليّ باستغرابٍ واضح .. اقتربت بخطى مترددة من السرير ونظرت إلى الملف المعلق على السرير ولفت نظري اسم الحالة " حلا " والعمر سبعة عشر عاماً فقط !! وقفت مصدوماً عندما علمت أن من تجلس أمامي هي مجرد فتاةٍ قاصر عمرها سبعة عشر عاماً .. الرقم وحده كان كافياً ليشدّ معدتي بعقدةٍ مؤلمة ..كيف يمكن لعالمٍ كامل أن يترك طفلةً تصل إلى هذا الحد؟ لم أعد أراها كما دخلتُ الغرفة أول مرة .. شيء ما تغيّر داخلي رغماً عني .. واسمها كان حلا ولكن هذا لم ينعكس على وجهها الذي كان مضمداً بالشاش والقطن كله تقريباً لهذا لم أستطع تحديد شكلها .. جلست على الكرسي قبالتها ومددت لها الباقة وأنا مبتسم لتمد يداها الممتلئة بالكدمات والضروب وتأخذها بهدوء .. من الواضح أنها مازالت تحت تأثير الصدمة كانت أصابعها تتحرك ببطء وكأنها تختبر وجودها من جديد .. أنفاسها كانت قصيرة .. مترددة و كأن الهواء نفسه كان ثقيلاً عليها .. عيناها كانتا مفتوحتين لكنهما لا تلتقطان شيئًا محددًا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بحثت عن جملة مناسبة تكسر صمت المكان لكن الكلمات بدت فجأة أفقر من الموقف .. مع ذلك ابتسمت وبادرت الحديث :
- الحمدلله على سلامتك
نظرت إلي مطولاً ولم تجب .. أملت برأسي وقلت بتوتر :
- أقدّر ما تشعرين به الآن
فجأة سألت من دون سابق إنذار:
- أين أنا؟
- في المستشفى

ترددتُ لحظاتٍ قبل أن أتابع الحديث ثم قلت محاولًا طمأنتها:
- لا تقلقي لن أسمح لـ مؤيد بالاقتراب منكِ بعد الآن.
قطّبت حاجبيها ببطء وكأن الاسم لم يوقظ فيها شيئًا ثم سألت بصوتٍ خافت:
- من هو مؤيد؟
تجمّدتُ في مكاني .. لم تكن نبرتها نبرة إنكار بل نبرة فراغٍ كامل .. أدركت حينها أن الأمر أخطر مما توقعت .. لم أجبها .. اكتفيتُ فقط بالوقوف فجأة واندفعت خارج الغرفة بخطى متسارعة حتى لمحتُ الطبيب حامد يمشي في الممر فتوجهت إليه فوراً وقلت بصوتٍ منخفض :
- دكتور .. أظن أن الفتاة لا تتذكر شيئًا.
دخل معي إلى الغرفة و اقترب من السرير وابتسم لها بلطفٍ مدروس:
- مرحبًا أنا الطبيب حامد .. هل تسمحين لي أن أسألكِ بعض الأسئلة؟
أومأت برأسها ببطء ليهمّ بسؤالها :
- ما اسمكِ؟
سكتت و نظرت إلى السقف ثم إليّ ثم هزّت رأسها نفياً ليسألها مجدداً :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- كم عمركِ؟
ترددت طويلاً قبل أن تجيب:
- لا أعرف.
تبادل الطبيب نظرة سريعة معي ثم تابع بهدوء:
- هل تتذكرين ما الذي حدث لكِ؟
انخفضت عيناها وبقي الصمت سيد المكان .. توقف لحظة ثم سألها فجأة:
- أربعة زائد أربعة .. كم يساوي؟
رفعت نظرها إليه بسرعة وكأن السؤال أعادها للحظة:
- ثمانية.
لم يتغير شيء في ملامحه لكنه اكتفى بهزّ رأسه ثم استدار نحوي وقال :
- نحتاج للتكلم خارجاً
في الممر قال بصوتٍ مهني صارم:
- على الأرجح أنها تعاني من فقدان ذاكرة جزئي .. ذاكرتها الإجرائية سليمة .. و لكن الذاكرة الشخصية متأثرة
توقف قليلًا قبل أن يضيف:
- يجب إجراء فحوصات فورية ومراجعة الصور الشعاعية لرأسها .. نحتاج التأكد إن كان هناك أي تلف أو نزيف في دماغها
اكتفيتُ بالإيماء بينما كان قلبي يهبط بثقله إلى قاع صدري.
عدتُ إلى الغرفة حيث كانت جالسة بصمت تضم الغطاء حول جسدها وكأنها تحتمي به .. جلستُ على الكرسي المقابل لها ومرّت لحظات ثقيلة من الصمت .. ثم رفعت رأسها فجأة ونظرت إليّ مباشرة وقالت :
- من أنت؟
ابتلعتُ ريقي وقلت :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- أنا أدهم.
سكتت قليلاً وكأنها تزن الاسم ثم سألت بنبرة بريئة أربكتني:
- هل أنت أخي؟
وثب قلبي وتسارعت أنفاسي .. لم أفهم ما الذي حدث لي في تلك اللحظة .. كيف ضاق العالم فجأة بهذا الشكل؟ كنت أعرف أن كلمة واحدة قادرة على تغيير كل شيء .. ومع ذلك خرجت مني قبل أن أتمكن من إيقافها :
- نـ نعم .. أنا أخوكِ.
شعرت أن الحياة قالتها بدلاً عني وعلقت الكذبة في الهواء بيننا ثقيلةً لا تشبه أي كذبةٍ أخرى.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات