📁 آخر الروايات

رواية سكن مشترك الفصل الخامس 5 بقلم نورهان علام

رواية سكن مشترك الفصل الخامس 5 بقلم نورهان علام


|5|

كنت سامعة كل حرف قاله. كلامه كان نابع من مبدأ هو ماشي بيه، مفهوم هو معتقده. فكرة إنه حتى شايف إن أمهاتنا لازم تستأذن قبل ما تدخل لأوضتنا دي حاجة نوعًا ما غريبة عني.

سمعت حبيبة وهي بتزنقه وعاوزاه يدخل يصحيني، وعشان محطوش في موضع حرج معها إنه ميعرفش يفتح الباب، وكمان أكتر عشان اتفقنا إن الحياة بينا لازم قدام غيرنا، أي حد، تكون طبيعية، خرجت وأنا بمثل النعاس، وأنا شاطرة جدًا في الموضوع دا.

"إيه يا بت يا رخمة... مش لاقية مكان غير جنب الباب وتصيحي لأخوكي؟"

"ناموسيتك كلي يا عروسة، كل دا نوم؟"

فارس برق من طريقتنا سوا، وهو بيشخط في حبيبة وبيقول:

"إيه الكلام دا يا حبيبة!"

"أنا وهي على طول بنتكلم كدة، من وهي عيلة، رحمة عندها ١٢ سنة."

"عيلة!
وإنتِ تعرفي تيجي جنبي حاجة يا..."

كنت بضحك، حتى هي كانت بتضحك. إحنا مش بنكره بعض، بس الاستلطاف بينا والصحوبية عبارة عن ردح. لكن فارس حط إيده على بوقها قبل ما تتكلم وهو بيقول:

"إياكي أسمعك بتتكلمي بالطريقة دي... انزلي وإحنا جايين وراكي."

ضحكت عليه بيني وبين نفسي. فارس بجد بيثبت لي إن كريمة عرفت تربي. كنت دايمًا أسمع منال وحبيبة وهما بيقولوا إن في كلام ميعرفوش ينطقوه قدام فارس، واديني صدقت.

حبيبة نزلت وهي بتتوعد ليا، وهو قفل الباب وراها وفضل مكانه بعيد وهو بيقول:

"لو مش عاوزة تنزلي، هنزل لوحدي وأقولهم تعبانة أو أي حاجة."

هزيت راسي وقلت:

"لا، مينفعش، لازم أنزل. وبعدين أنا عارفاك، كريمة بتجر رجلي عشان أنظف معها."

بص لي باستغراب، عاوز يقولي: إنتِ عرفتي إزاي؟
لكني كنت أحيانًا باجي أساعدها، خصوصًا بعد جوازة منال، لكن مش كتير يعني، لأني بعدها سافرت إسكندرية.

كنت لابسة بيجامة بكم وعلى راسي طرحة، ورايحة ناحية الباب، فقال:

"إنتِ تنزلي كدة؟"

"أيوة، وفيها إيه؟ الدور اللي تحتينا مش ساكن، ومافيش حد بيطلع على السلم، يعني من هنا لعند أمك مافيش حد غيرك تقريبًا."

"لا، أحمد أخويا موجود تحت. البسي عباية ولا جلابية بيت واسعة شوية لغاية ما نفطر بس، وأنا هترقع."

"ماشي يا فارس، دا أخوك، وبعدين أنا لابسة طرحة أهو."

"إيه يعني أخويا!
محرم ليكي يعني تقعدي قصاده بالبيجامة عادي؟
لا، مش محرم، يبقى تلبسي عباية وتلفي الطرحة كويس... هستناكي."

مش بحب أعاند في الصح، وهو عنده حق، أنا مدركة. لكن دا أخوه يعني مش حوار. بس مدركة إن فعلًا فارس شخص نوعًا ما ملتزم بكل حاجة يقدر يعملها من الدين، يعني شخصية بتبر أهلها، بيدقن عمله، كلامه صدق، مبيحبش الكذب، مش بيفوت فرض في المسجد، ودي أصلًا عادات تستوجب التزام نفسي وشدة على النفس عشان تكون العادات دي.

في أي حالة كنت، حتى لو منهارة وبعيط، اتعلمت منه إني أقوم أصلي مع "الله أكبر"، فمدركة إنه حتى لو مش بيغير عليا شخصيًا، لكنه بيقف عند حدود ربنا ومش بيتخطاها.

نزلنا بعد ما لبست عباية، والكل رحب بينا، وخصوصًا أبوه.

الغدا اتحط قبل العصر بساعة مثلًا، كان بطاطس وبيض وجبنة قديمة، حاجات بسيطة عشان الشقة مقلوبة. والفطار خلص، والرجالة نزلت، وكيمي بدأت توزع المهام علينا.

وقبل ما فارس يفتح الباب وينزل:

"تعالى يا واد... إنت رايح فين كدة؟"

"العصر على أذان يا حجة، وبعدين عشان تاخدوا راحتكم وتنظفوا."

"ناخد راحتنا ولا عشان تخلع؟ أكمنك يعني معملتش حاجة الشهر اللي فات عشان كنت عريس... صلي العصر يا حبيبي واطلع، عشان ورانا حاجات كتير."

ضحكت من سيطرة كيمي، وإنه معترضش، وفعلاً نزل عشان الصلاة.

وبعتنا له يجيب طلبات منظفات، وللأسف نسينا حاجة مهمة، فعشان كدة فتحت الموبايل تاني بعد مدة وبعتها له.

"إيه دا... إنتِ مسجلة فارس: فارس؟ سادة كدة؟"

كان تعليق حبيبة وهي بتستعجب.

صراحة مجتش على بالي حاجة زي كدة، لكن منال دخلت من الباب لحظتها ومعاها عيالها وهي بتقول:

"يعني تسجله فارس بالسكر ولا إيه؟ أبو الرجالة على اللي جابوها..."

"إيه إيه إيه! ليه الغلط طيب؟"

قالها فارس اللي دخل وفي إيده الطلبات.

راحت منال دخلت قعدت من غير حتى ما تسلم عليه، وبتقولي لي:

"بت يا غالية... أوعي تحملي أول الجواز، استني سنة ولا سنتين كدة استمتعي فيهم، اخرجي واتبسطي... بدل الهم اللي الواحد فيه."

الجملة الأولى خضتني، خلتني تلقائي أبص لفارس... بشيء من الخوف.

لكن صوت الصغير لفتني وهو بيقول:

"أنا هم يا ماما؟"

كان زياد ابنها الكبير، يا دوبك ست سنين.

وفي لحظة نبرتها اتبدلت، وتبعها رغم إنه موجود، لكنه اتدارى ورا نبرة حنينة مسمعتهاش غير في العيلة دي، وقالت له:

"لا يا روحي... دا إنت ومحمد اللي بتهونوا الهموم كلها... بس لو نبطل شقاوة عشان ماما هتموت وترتاح."

"المهم برضه مسجلة الراجل العسل دا لفارس بس. دا أنا مسجلاه حبيب عيني، وكنت مسجلاه قبل كدة الواد بتاعي."

"يا حشرية، وإنتِ مالك؟ ما تسجلني زي ما تحب، أنا راضي."

"شوفي يا ماما ابنك بيدافع عن مراته إزاي."

قالتها حبيبة بطفولية وهي بتضرب الأرض، فضحكوا عليها.

فقالت كريمة:

"ما يدافع، هو له غيرها دلوقتي؟ وبعدين متخرميش على البت، مش مهم مسجلاه بإيه، المهم بتناديه بإيه."

كان رد كريمة عشان حبيبة تسكت، وأنا حبيت أخرجنا أنا وهو من موضع الإحراج دا وقلت:

"عادي، أنا بالنسبة لي اسمه أحسن من أي حاجة تانية، بحب أناديه وأسمعه له ولنفسي كل شوية..."

جمال ردي والكل معجب بيه، إلا فارس اللي زمانه بيقولي: يا بنت الكدابة دلوقتي.
أصل مبقولش "يا فارس" غير في خناقة أو شادين سوا، أو حتى وأنا بقول كلام لا منطقي زي ما بيقول.

لكني ضحكت وقلت:

"أنا عليا المطبخ يا كيمي... صح؟"

"لا، إنتِ وجوزك عليكم أوضته القديمة، عشان مليانة حاجته وكتبه، ويعيني أحمد عاوز يستغل الأوضة كاملة."

بلعت ريقي بتوتر. كنت باختار المطبخ عشان أهرب من فخ أنا عارفاه كويس، لكن حاليًا مش هعرف أعترض.

دخلت الأوضة لما شاور لي عليها. كانت إضاءتها خافتة، لكنها عشوائية، وهدوم مترمية، ودولاب شبه واقع في الأرض.

وهو اتذهل.

حسيت نفسه وقف للحظة، وكأن جفنه هيترعش. دا انصدم من المنظر وهو بيعلي صوته وبيقول:

"هو فين أحمد باشا اللي قلب أوضتي زريبة؟ دا مكنش يستجرأ يعلق تيشيرت بسيبه على السرير! إيه المنظر دا؟!"

ضحكت أمه عليه ومردتش.

وهو دخل الأوضة، وأهم حاجة بص على رفوف الكتب اللي متغطية كويس.

لحظة واحدة وكان بيزعق تاني، وكأنه هيعيط:

"يا حبيبة الكلبة... في كتاب ناقص!"

جات حبيبة بسرعة متوترة وهي بتقول:

"الأخ له عند أخوه إيه؟"

"أي حاجة غير كتبه."

عضت شفايفها وهي بتقول له:

"طب لو بوظت رواية واحدة بس من غير قصد؟"

"انطقي... رواية إيه اللي قتلتيها يا اللي ربنا يسامحك؟"

"وداعًا طليلة."

"لا... أكيد لا، دا أنا حفيت عشان آخد توقيع الرواية دي، أشوفك بس بتقربي من الرف، أحزنك على تليفونك اللي فرحانالنا بيه دا."

"حقك عليا والله، أنا عملت كوباية قهوة وجيت أصورها مع الرواية بقى على أساس عمق وثقافة وكدة... لقيتها ادلقت... دلق القهوة خير بقى."

"ولما أدلقك إنتِ شخصيًا؟"

قالها وراح شايلها مرة واحدة، ضحكتها عليت وهو كمان بيضحك، ومرة واحدة حدفها على السرير وهو بيقول:

"كتُبي وحاجاتي تاني لا!"

خرجت بعدها وهما بينكفوا في بعض، وأنا كنت واقفة بتفرج عليهم. عفويته وحنيته واحتواؤه لأخته جميل بشكل...

كنت دايمًا بتمنى يكون عندي أخ ولد أكبر مني، يكون صاحبي ونسهر سوا ونلعب سوا، ويكون حبيبي وميسمحش لحد يكسر قلبي ولا يستغل براءتي. مبسوطة لحبيبة إن عندها حد يقوم بالدور دا، يشبع قلبها حب، عشان جوع الحب وحش. جوع الحب ممكن يخليك تاكل من مقلب زبالة على أساس إنه طعام الجنة.

مكنتش بكلمه، وهو لما جيت عند كومة الهدوم قال:

"ضهرك هيوجعك منهم، وبعدين ريحتهم وحشة أصلًا. خليكي إنتِ مع الكتب، نزليهم في الكراتين دي بس، كل واحد امسحي التراب بالريشة كويس، ولما تخلصي كرتونة قوليلي عشان أقفلها كويس."

هزيت راسي، وهو فعلًا كان بيتجنب الصعب وخاليلي السهل.

كتبه كتير، ومش في مجال واحد. التسويق والاقتصاد تلاقي بما إن دا مجال شغلته، وكمان لقيت كتب علم نفس وتاريخ، وكتب تطوير الذات والمهارات، وروايات حلوة أوي، وكتابات للحب جميلة زي كتاب "عن شيء اسمه الحب" لأدهم شرقاوي، كنت شوفت منه حاجات كتير حلوة.

ولقيت عنده ديوانين شعر كبار. كنت بفتح كتب كتير وألاقيه كاتب جوه ملاحظات بخط إيده وحاطط هايلايت كمان. مستغربة الإنسان دا كان بيجيب وقت لكل دا إزاي، وإزاي عنده الطاقة والشغف للتعلم في كل المجالات دي.

علامات استفهام كتير كانت عندي في شخصيته، لقيت لها إجابة وأنا بروق رفوف كتبه. حسيت لوهلة إني دخلت مكان مستخبي جواه، المكان دا هو اللي صنعه، هو اللي طلع النسخة اللي عمرها ما شوفت زيها ولا أعتقد إني هشوف.

خلصت رفوف الكتب، ولقيت كرتونة مكتوب عليها "شرعي" مقفولة كويس، فسألته وأنا بنحني أشيلها وأطلعها على السرير:

"الكرتونة اللي مكتوب عليها شرعي دي كتب... صح؟"

"متشليهاش، دي تقيلة أوي."

جي بسرعة ناحيتي وقرب بزيادة، لأني كنت شبه حاضنة الكرتونة، لكنه رفعها بسهولة وحطها على السرير. ولحظة واحدة خليته يستوعب إنه قرب وبزيادة، فقال:

"مكنش قصدي أقرب أوي كدة والله... الكرتونة بس تقيلة، مش هيتعب ضهرك لو رفعتيها."

"فارس... تعالى شيل جردل الميه لأختك يا حبيبي."

قبل ما أرد حتى، كان دا صوت كريمة بتنادي عليه.

فخرج بسرعة، وأنا ابتسمت بعدها وأنا فعلًا بشوفه شايل جرادل الميه وحاططها في المكان اللي هي عاوزاه، وراح لمنال عشان يشيل السجادة من الحمام ويطلعها السطح ينشرها، وبعدين رجع يكمل معايا.

كان خلص الجزء اللي عليه اللي في الأوضة، وأنا كنت سرحت مع كتبه ولسه مخلصتش.

جي وقف معايا وقال:

"أي مساعدة؟"

معرفش إزاي ابتسمت وهزيت راسي. حركة خرجت مني من غير ما أفكر.

عمري ما حبيت الكتب، لكن شكلها كان مبهج، كأن كتبه بتقولي هو بقى كدة إزاي.

ابتسامته اتسعت، وهو أخد أول كتاب وهو بيقول:

"دا أول كتاب عقيدة درسته، وأول كتاب شرعي أصلًا... أصول الإيمان. كتاب خفيف كقراءة، يعتبر ثقافة عامة وتفاصيل بسيطة عن العقيدة، لكن دراسته كانت ممتعة. خلصت سلسلة الشرح بتاعته في ٣ أيام، مع إن دا غلط. الأفضل العلم يتاخد على فترات وبنسب عشان تبدأ تطبق وتستشعر وتشوف كل اللي بتتعلمه، لكن الاجتهاد برضو حلو... ممكن تبقي تقريه وتسمعي الشرح بتاعه، هينفعك جدًا."

قاعد يخرج كتاب ورا كتاب، وأنا أمسحه وأحطه في مكانه الجديد عشان الكرتونة القديمة هتترمي.

هو يقعد يشرح لي من الكتاب.

عدى وقت مش بطال، وهو عمري ما شوفته مندمج كدة ومش داري بالدنيا حواليه. وكل ما يتكلم على كتاب ياخده بين إيده ويفتح لي صفحة معينة ويقرا جملة معقدة ويشرحها بسلاسة.

كانت كتب مش كتير، لكنها تقيلة جدًا.

خلصنا كرتونة الشرعي وقفلناها، وهو قاعد على كرسي مكتبه وهو بيقول:

"من ساعة الخطوبة وأنا مقعدتش على الكرسي دا كام ساعة. كنت مزنوق في الشغل وبعدين الشقة، بس كنت براجع طبعًا وأقرا حاجات من الكاندل."

"إيه الكاندل دا؟"

سألته بفضول، فقال بابتسامة سعيدة:

"دا جهاز كدة في حكم التابلت مثلًا، لكن للقراءة بس. بتشتري عليه كتب، وفيه كل الأوبشنز اللي تخليك مركزة مع الكتاب وبس، مش مشتتة. دا كان بينفعني كتير بره البيت لأني كنت بسافر كتير في فروع الشركة القديمة، عشان أنا شخص موسوس ومقدرش أخرج كتاب برا البيت يتبهدل ولا يحصل له أي حاجة."

كان مبسوط، وأنا كنت مندمجة.

ومرة واحدة قطعنا صوت خبط على الباب.

وكانت لحظة الإدراك لينا إحنا الاتنين لما اكتشفنا إن الباب اتقفل وإحنا مش حاسين!

من الصدمة محدش فينا رد، وثواني ومنال فتحت الباب.

في نفس اللحظة اللي فارس استوعب فيها إني ممكن أخاف أو أضايق، فبعد بالكرسي عني مسافة، في ردة فعل تدل إن كان بيحصل حاجة بينا ومنال قطعتها.

عشان كدة حطت وشها في الأرض وهي بتقول:

"ولا أي حاجة حصلت... أنا مشوفتش حاجة."

وقفلت الباب وراها بسرعة.

ضربت جبهتي بإحراج وأنا بقول:

"صلح سوء التفاهم دا حالًا عشان مش عارفة هبص في وشها إزاي."

ضحك بخفة وقال:

"لا خالص، حلو سوء التفاهم دا، عشان هيخلي منال تمنع حبيبة تبات معانا النهاردة، لأنها لو باتت هتحصل مصيبة."

يقصد بالمصيبة إننا هنضطر نقعد في أوضة واحدة طول الليل عشان هي تنام في الأوضة التانية، ودي حقيقة جات من عند ربنا، حاجة تمنعهم. حتى لو الحاجة دي موقف مش ألطف حاجة خالص... بس رضا.
==================================

خلصنا ونزل هو يصلي المغرب غاب لبعد العشا، كنت انا طلعت اخذت دش وروقت على نفسي وبصيت للحاجة بتاعت فارس اللي طلعها هنا عشان مش مامن عليها تحت، كان في حاجات لسه مستكشفتهاش، وفضولي كان قالتي لان دي الحاجات اللي هو كاتبها بخط يده، كشاكيل كاملة عمري ما شقوت ولد كدة... قصدي يعني رجل، كلمة ولد دي مش لاقيه على فارس خالص، بصيت على الورق بتاعه، معاد الطيارة بعد يومين بالضبط فجر اليوم التالت لازم يكون في المطار، مكنش في بالي فكرك واحدة أو جملة واضحة بخصوص الموضوع دا، انا هرحتاح، هعيش لوحدي، كل اللي حلمت بيه وخططت له وحسبته هيتحقق كمان ايام، اهلي مبسوطين بيا مش مشكلين ضغط، عايشه في مكان لوحدي مع عزلتي وحزني المستخبي، هعيط براحتي يا جدعان

خبطت الباب نبهتني انه اكيد جي، معرفش رجلي راحت فتحت له مع اني بقول له ادخل على طول
كان داخل ومعه شنطة لاب وشنطة اكل وهو مبتسم، قلع الكوتش بتاعه وقال

" بتحبي الشاورما صح؟"

هزيت راسي وهو ابتسم بفرحة وقال

" كنت محتار اجيب اي، بس لاحظت انك ديما بتلفي السندوتشات صاروخ زي السوري، توقعت يعني أنك بتحبيه... زمانك جعتي"

متكلمتش انا بس قاعدت قصاد الشنطة وفتحتها وانا بقول

" انت مش عامل حسابك ليه؟"

" مليش نفس... دماغي مشغولة فمش حاسس اني جعان"

" لا اقعد كُل عشان عاوزه اكلمك في موضوع "

قاعد على الكنب اللي قصادي وانا نديت يدي بساندويتش فاخذه وقولت

" انا فكرت في موضوع الشغل"

قطعني وهو بيقول

" كنت هكلمك في نفس الموضوع، موافق على الشغل بس على شروطي يا غالية َشروطي مش تضيق عليكي بس مش عاوزه تتعبي وتبقى في بيئة مش منسباكي "

حساه رخم، برضو مش متنازل عن كلمة شروطي ورأيي وفكرت، كلمات تعصبني هو ماله بيا، مش معنى يعني اننا متجوزين انه مثلا يناقشني في حاجة تخصيني انا، كلامي غريب حاسه بمهلبية في دماغي مر اللي اسمه فارس دا، عنده حق ومعندوش وانا معرفش هعمل اي

" ماشي... الشغل في حضانة أطفال، ٣ ايام في الأسبوع، شغل بسيط اصلا و تعاملي طول اليوم مع الأطفال و اهاليهم، والمسافة حوالي ساعة موصلات مثلا... مطنش ان دا مجال حد يعترض على الشغل فيه"

سكت شوية ومكنش بياكل لكني زهقت وقولت

" فارس متخليناش نوصل لحيطة سد"

" موافق بس بعد ما اروح اشوف بكرة المكان واتعامل مع الوشوش اللي هتشوفيها كل يوم "

" تمام "

قولتها وبدأت أكل، وهو بدأ ياكل هو كمان، فتحت علب التومية والشطة اللي جايبها، واكلنا في صمت لغاية ما موبيلي رن برقم منال فرديت

" قولي لفارس يطلب ساندويتشين لأحمد عشان لسه داخل البيت وجعان... قوليله هم موقفين الدليفري بسبب الضغط وهو هيكلم صاحبه يعملهم ويبعتهم"

قولت لفارس اللي فعلا قام شحن موبايل عشان يكلم صاحبه، وكنت مبسوطة انه زي ما افتكريني افتكر اهله، او العكس هو افتكر اهله الاول وبعدين افتكرني، لكن حاجة لذيذة منه اوي انه فكر يجيب اكل لا اخواته كلهم تعبانين وكذلك امه

================================

صحيت تاني يوم ولقيته في الصلة غرقان وسط الورق وبيتكلم في الفون، مكنش بيتكلم عربي!
كان انجليزي وبتيناقش وباين عليه انه مضايق منه حاجة، كنت مبهورة بصراحة، مقابلتش حد بيتكلم بالطلاقة دي في لغة مش لغته قبل كدة، خلص مكلمته وهو بيقول

"صباح الخير... نفطر وننزل على الحضانه على طول تمام؟"

هزيت راسي ودخلت الحمام وبعدها على المطبخ، فتحت الثلاجة كانت فاضيه شوية، لكني اتعامل يعني وعملت فطار لنا سريع وخرجت به، حطيته قدامه على الترابيزه في الأرض وقاعد النتيجة التانية وبدأت اشرب الشاي، كان هيقول حاجة بس اتردد وسكت، وانا كملت فطاري بصمت، قومت لبست وخرجت له كان لسه في مكانه

" اسف... سرحت مع الورق ونسيت اقوم البس، اسبقيني على امي عشان كانت عوزاكي وانا هنزل اخذك"

فعلا نزلت لكريمة اللي فتحت الباب وهي بتقولي

" عوزاكي بسرعة تعالي"

دخلت وقاعدت جنبها زي ما سحبتني وهي بتدخل في صلب الموضوع على طول

" الليلتين دول اخر فرصة يا غالية"

" اخر فرصة في اي؟ "

" والله يا بنتي عندك بدل الطريق اتنين، يا تنسي الواد دا اسمه وتنسيه موضوع السفر دا، يا أمت تحملي في الليلتين دول. وتخليه لما يجي بعد ٣ شهور ميسافرش تاني، وهو استحالك يسيبك وانتي حامل ويسافر انا عارف ابني.... الغربة وحشة بلاش يتمرمط فيها عشان حابة فلوس ملهمش عازه، هو بنفسه قالي انه الفترة الاخير بقي بيعيد تفكير في موضوع السفر، وقال هيسافر بس عشان مضطر لكنه بقي عاوز يقعد... واظن واضحة يا غالية هيقعد ليه "

كلامها خلاني اتتجمد مكاني، كل لحظة بقضيها بعيد عن فارس بتخوفني، الكل بيثبت لي ان الحواز دا حقيقي، بيطلبوا مني طلبات ترعبني، كريمة بتكلمي بجد، شيفاني مرات ابنها بجد، واني فعلا قادر أثر على قراره، مكنتش عارف اقولها اي، كلامي اختفى وردودي اتلاشت وفضلت ساكته...

==================================

لبست بسرعة ونزلت وراها على طول، فتحت بمفتاحي ولقيتهم قاعدين هما الاتنين. ملامح غالية مخطوفة، فقلقت وأنا بقرب على أمي وبوست إيدها وسألت غالية:

"مالك يا بنتي؟
حاسة بتعب ولا إيه؟"

هزت راسها بـ"لا"، وعيونها بتهرب.

اتنهدت بانزعاج من شكلها، وقبل ما أتكلم، ذراع حبيبة اتلف حوالين وسطي وحضنتني من ضهري وهي بتقول:

"أخويا الجدع اللي هيوصلني للكلية بسرعة عشان ، متأخرة."

لكن غصب عنها وهي بتحضني، ضغطت على الحرق اللي مهتمتش بيه كويس، وعمل فقاقيع ولسه موجعني.

غصب عني طلع مني تأوه بسيط جدًا، لكن أمي رادار.

"إنت في حاجة وجعاك؟"

هزيت راسي بـ"لا" زي العسل الصغير، لكنها بصت لي بشك، وراحت شادة التيشيرت بتاعي ورفعته عن بطني، فمكنش في حاجة.

"إيه يا حجة كريمة... ما قولت مافيش حاجة."

سكتت لثواني وهي بتقول:

"وريني ضهرك."

برقت لها من طريقتها، أكني لسه عندي ٦ سنين، فكررت كلمتها:

"وريني ضهرك."

"أوف."

قولتها وأنا برفع التيشيرت لها من عند ضهري.

فطبعًا مبالغة أمي وهي بتشهق أكنها حروق من الدرجة الثالثة مثلًا، ربنا يعافينا.

"إنت ماشي كدة إزاي يا فارس؟
وإنتِ يا غالية، إزاي اتحرق كدة أصلًا؟
اجري يا حبيبة هاتي نشا وطبق فيه شوية مية وعسل نحل بسرعة."

كانت عيونها في عيوني مستغربة، أكنها بتسأل: أتصرف إزاي؟ وهي أصلًا متعرفش حاجة عن الحرق دا.

فبصيت على إيدها، أخدت ثواني وافتكرت لما زقتني ناحية البوتاجاز لما اتخانقنا.

عضت على شفايفها، وفجأة وقفت وهي بتقول:

"إنت كويس؟"

الكل انتبه لسؤالها اللي كان باين عليها إنها لسه عارفة حالًا، لكن أمي اتلهت معايا، وحبيبة جريت تجيب اللي أمي قالت عليه.

"إنت عارف إن حرقك وحش...
اتحرقت من إمتى؟
دي شكلها بقالها يومين."

"خلاص يا أمي، كنت في المطبخ مع غالية واتلسعنا غصب عننا."

سابتني فورًا وهي بتبص لغالية وبتقول لها:

"اتلسعتي فين؟
جبتي علاج؟"

غالية ابتسمت لها بحب وهي بتمسك إيدها تطمنها وبتقول:

"يا ستي أنا كويسة... وهو كان إصابته أهدى شوية بس."

جات حبيبة ومعاها طبق المية بالنشا وقطن، وكمان العسل.

وأنا مدرك أمي هتعمل إيه فيا، خلاص متعود، وأوقات كتير فعلًا كنت بتحسن من وصفاتها.

"اقلع تيشيرتك عشان ميتوسخش."

كانت بتشده، وأنا شديت عليه أكتر. أنزله؟ وعاوزة أقول لها: بتعملي إيه يا حجة؟ البت قاعدة!

عضيت على شفايفي وأنا بستوعب إن البنت دي مراتي.

وهي برقت من الصدمة وهي بتبص لي: متعملش كدة... حد ينجدني يا ناس.

"إنت متبت في التيشيرت كدة ليه يا واد؟
اقلعه وخلصني عشان ضهرك ينشف بسرعة وتروح مشوارك."

"يا أمي، الطب اتطور، دا أنا مراتي دكتورة حتى. غالية هتحط لي مرهم، متقلقيش."

"مافيش حاجة أحسن من الوصفات الطبيعية بدل الكيماويات والقرف دا...
وخليها هي تدهن لك العسل."

غالية شرقت وقعدت تكح، وأمي تخبط على ضهرها برفق وهي بتقول لها:

"عين يا حبيبتي وصابتكم... على مهلك."

أمي بدأت تشرح لها تعمل إيه بالضبط، وحبيبة خلعت عشان الكلية.

للأسف الشديد قلعت التيشيرت، أصل مافيش مبرر قوي يخليني مقلعوش.

وهي يا عيني عيونها في الأرض.

ربنا سترها إن أمي قامت تشوف الغسيل.

"حقك عليا بجد على الإحراج دا."

قولتها بصوت واطي وهي عيونها في الأرض، فقالت:

"دا حصل بسببي... صح؟"

صوتها كان محمل بالذنب.

مدرك إن شكل ضهري صعب. أي حرق أو لسعة مهما كانت صغيرة، على طول بتقعد فترة عبال ما تشفى.

عادي، في ناس طبيعة جسمها بتلتئم ببطء.

وقفت قصادها عشان أمي لو طلعت على غفلة يبقى وضعنا طبيعي وقتها.

"بسببي أنا... أنا الغلطان وقتها.
الحمد لله إن إيديكِ خفت بسرعة."

"طب خليني أحط لك العسل على ضهرك عشان كريمة لو طلعت هتعلقني."

اديتها ضهري وقعدت قدامها.

وهي ثواني وحسيت بملمس العسل البارد على جلدي، وأصابعها الرقيقة جدًا بتفرده على ضهري.

مرتعشة... متوترة...

لمسات خاطفة لحدي وتبعد في لحظة.

كانت ساكتة خالص، لغاية ما قطعت السكون وهي بتقول بنبرة فيها ترجي، وكأنها بتطلب مني أنفذ طلبها الأخير... الوحيد:

"فارس... أوعى متسافرش."



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات