رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الخامس 5 بقلم دفنا عمر
توقفت السيارة أخيرًا أمام إحدى البنايات الحديثة، رفع وليد رأسه يتأمل المبنى للحظات، ثم تنهد بارتياح وهو يلتفت إلى عائلته.
_ وصلنا.
كانت ياسمين أول من فتح باب السيارة، قافزة إلى الخارج بفضول طفولي هاتفة:
_ هو ده البيت الجديد يا بابا؟
ابتسم أبيها مجيبا:
ـ أيوة يا حبيبتي، ده بيتنا الجديد.
أما طارق فنزل بهدوء أكبر، واضعًا سماعة واحدة في أذنه، لكنه لم يستطع إخفاء فضوله وهو يرفع بصره نحو المبنى المرتفع، ثم تبعته غزل وتوقفت للحظة تتأمل المكان، كل شيء بدا جديد وبعيد جدًا عن كل ما اعتادته طوال سنوات عمرها، شعرت برهبة في قلبها، هي الأن تبدأ حياة مختلفة تماما لا تفقه بها شيء، تتمنى تعتادها سريعًا وتتاقلم معها.
_ وصلنا.
كانت ياسمين أول من فتح باب السيارة، قافزة إلى الخارج بفضول طفولي هاتفة:
_ هو ده البيت الجديد يا بابا؟
ابتسم أبيها مجيبا:
ـ أيوة يا حبيبتي، ده بيتنا الجديد.
أما طارق فنزل بهدوء أكبر، واضعًا سماعة واحدة في أذنه، لكنه لم يستطع إخفاء فضوله وهو يرفع بصره نحو المبنى المرتفع، ثم تبعته غزل وتوقفت للحظة تتأمل المكان، كل شيء بدا جديد وبعيد جدًا عن كل ما اعتادته طوال سنوات عمرها، شعرت برهبة في قلبها، هي الأن تبدأ حياة مختلفة تماما لا تفقه بها شيء، تتمنى تعتادها سريعًا وتتاقلم معها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
انتبهت إلى يد وليد التي امتدت نحوها يقول:
_ يلا يا غزل.
بعد دقائق كانوا داخل الشقة، فتح موظف الشركة الباب وغادر بعد أن سلّم وليد المفاتيح وبعض الأوراق، ثم انطلقت ياسمين تركض بين الغرف قبل ان تصيح:
_ دي أوضتي!
صاح طارق من خلفها:
_لا دي أوضتي أنا، المفروض اخد الكبيرة لاني اكبر منك.
عاندته الصغيرة:
_ماليش دعوة، أنا شوفتها الأول.
ابتسمت غزل وهي تراقب شجارهما قبل ان يرتفع صوت أبيه أمرًا:
_ طارق، سيب اختك الصغيرة تاخد الاوضة اللي عجبتها، خليك انت اعقل يا حبيبي.
بدا على الصغير الضيق لكنه أطاع والده دون اعتراض، ودلف لغرفته يرتب أشياءه بها كما يريد.
اتجه وليد إلى الشرفة وفتح الباب الزجاجي، فاندفع الهواء إلى الداخل، تبعته غزل بصمت تتفحص بعيناها المكان من الطابق المرتفع، وقد بدت المدينة ممتدة أمامهم بأبراجها وشوارعها الواسعة وأضوائها، شاركها زوجها الصمت الشارد يتأمل المدينة التي سيكون مسؤولًا فيها عن بعض المشاريع خلال السنوات القادمة، داعيا الله ان يوفقه في رحلته ويزيد من رزقه.
بعد ان تناولوا وجبة عشاء خفيفة نام الصغار بغرفهما، وأعدت غزل فنجانين من القهوة لها ولزوجها، فالنوم لن يكون سهلًا في ليلتهما الأولى، أسند وليد ظهره إلى المقعد وأخذ رشفة هادئة من قهوته، بينما كانت أضواء المدينة تتلألأ أمامهما كأنها بحر من النجوم، ساد الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن تتحدث غزل:
_على فكرة يا وليد، أنا مش مرتاحة لموضوع المفتاح اللي اديته لخالتك، انا اتفاجات بتصرفك.
واكملت توضح له:
_انت عارف اني سايبة فيه حاجات كتير تخصني، والمفروض البيت له خصوصية ومكنتش أحب أسيب مفتاحه مع حد غريب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
التفت وليد وهو يجيبها بهدوء:
_ يا غزل انا سبت المفتاح لخالتي مش حد غريب.
_عارفة بس…
قاطعها:
_وبعدين احنا هنغيب سنين في البداية، والشقة لو فضلت مقفولة فترة طويلة هتبقى مهجورة، على الأقل هتفتحها كل فترة وتطمن عليها.
نظرت له بصمت ولم تستطع التخلص من ذاك الشعور الخفي بالانزعاج، فاكتفت بهزة رأس صغيرة قائلة:
_ربنا يقدم اللي فيه الخير ويخلف ظني.
بعد برهة هدوء وهما منشغلان بارتشاف القهوة وتأمل المكان، خطر لها سؤال لم تسأله من قبل، فالتفتت إليه قائلة:
_ وليد؟
_نعم؟
_انت ليه عمرك ما كلمتني عن أهل والدك؟
رفع حاجبه بدهشة:
_ أهل والدي؟
_أيوة، دايما تكلمني عن مامتك وخالتك وذكرياتكم سوا، لكن عمري ما سمعتك جبت سيرة أعمام أو ولاد أعمام أو أي حد من ناحية والدك.
ظل صامتًا لثوانٍ ثم قال بعد تنهيدة:
_ لأن ببساطة معرفش اخوات لوالدي، او مش فاكر حد فيهم.
بدت الدهشة على ملامح غزل بينما استرسل وليد:
_ والدي كان أكبر من والدتي بسنين كتير، اتجوزها وهو راجل كبير أصلًا.
أنصتت باهتمام ليكمل:
_ ولما توفى كنت أنا عندي عشر سنين بس، بعد وفاته مفيش حد من ناحيته كان موجود في حياتنا، ولا أقارب، ولا زيارات، ولا أي حاجة فاكرها.
عقدت حاجبيها دون ان تقول شيء فأكمل وليد:
_الشخص الوحيد اللي أعرفه من ناحية أبويا وفي بنارصلة دم، هو أخويا الكبير.
تضاعفت دهشتها صائحة:
_ بتتكلم جد؟! عندك أخ يا وليد؟ أول مرة أعرف!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسم مواصلا:
_عشان عمره ما كان جزء من حياتي.
_ وأكبر منك قد إيه؟
_حوالي عشرين سنة.
شهقت غزل:
_يا نهار ابيض! عشرين سنة بحالهم؟
اومأ لها واستطرد:
_أيوة، من جواز أبويا الأول.
ظلت تحدق فيه غير مصدقة، وكأنها تكتشف فصلًا كاملًا من حياة زوجها لم تسمع عنه من قبل.
_طيب شوفت اخوك ده قبل كده؟
هز كتفيه ببساطة:
_شفته صورته وأنا صغير لما كانت مع بابا وكنت محتفظ بيها.
_ يعني صورته معاك؟ طب عايزة اشوفها.
_ للاسف ضاعت، فجأة ملقيتهاش، يجوز امي رمتها لأنها حست احتفاظي بيها مالوش فايدة بما ان مفيش بنا صلة حقيقية.
_وبعدين؟
استند اكثر الى ظهر مقعده كأنه ينقب في ذاكرته عن ما تبقا بها من ماضيه:
_ اتفاجأت بيه بيتصل عليا في مرة وعرفني بنفسه، بس بعدها كأن حد منعه يتواصل معايا، يجوز والدته.
غزل ولازالت شمعة فضولها مشتعلة:
_ محاولتش انت تتصل عليه؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_رقمه كان اتغير، بس بعد كام سنة رجع كلمني وانا فرحت باتصاله، لكن مع الأسف اختفى تاني من حياتي، تقدري تقولي من وقتها مفيش صلة بنا، مع اني كنت اتمنى يكون قريب مني.ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:
_كل معلوماتي عنه انه دكتور وعايش في كندا من سنين طويلة، اتجوز واحدة كندية واستقر هناك.
بفضول تسائلت غزل:
_وعنده أولاد؟
_ على حد علمي، لأ، بس مش متأكد بردو، يجوز عنده، للأسف معرفش تفاصيل عنه اكتر من كده.
هزت رأسها غير مستوعبة:
_يعني ولا مكالمات ولا حتى رسائل بينكم؟ غريبة أوي يا وليد.
ابتسم ابتسامة باهتة:
_ عادي يا غزل، ياما اخوات واهل مايعرفوش بعض، وانا معتبر نفسي ماليش قرايب غير خالتي شادية.
أشاحت بنظرها نحو الغرفة حيث ينام طفلاهما، ثم أضافت:
_ ياريت كان في ود بينكم، عشان طارق وياسمين يكون عندهم عم و ولاد عم يسألوا عنهم.
ظل وليد صامتًا للحظة، ثم قال بهدوء خالٍ من اي مشاعر:
_ ولادي مش محتاجين حد يا غزل، هما سند لبعض وانا وانتي طبعا معاهم، مش محتاجين حد تاني معانا.
نظرت إليه طويلًا، لم تكن الجملة تحمل غضبًا أو مرارة، بل يقينًا قديمًا استقر داخله منذ سنوات، يقين رجل تصالح مع فكرة جذوره المقطوعة، وتعود أن يعتمد على نفسه، حتى توقف عن انتظار أحد، تفهمت شعوره بشدة، ربما داخله تمنى ألا تكون علاقته بأخيه باردة هكذا، لكن هذا قدره، فليس كل من جمعهم الدم صاروا أهلًا بحق، وليست كل القرابة تُورث المودة والألفة.
-----------
انحنت الخالة شادية فوق الرضيع الممدد داخل مهده الصغير في ركن الغرفة، نقلته للفراش وأخذت تبدل حفاضه بخبرة اعتادت عليها منذ سنوات طويلة، كان الطفل يتململ ويطلق أصوات ناعمة مثل القطة، بينما وقفت عبير أمام المرآة تشد طرف بلوزة بيجامتها حول خصرها ثم أطلقت زفرة ضيق:
_ يا نهار أبيض! أنا تخنت أوي بعد الولادة، بقيت زي الدبدوب يا امه.
لم ترفع شادية رأسها وهي تقول:
_ عادي يا بنتي مش لسه والدة؟ مع الوقت جسمك هيرجع تاني.
_ دي تبقا نصيبة لو جسمي منزلش، كده كل هدومي مش هتنفعني.
ثم توجهت لخزانة ملابسها وأخرجت فستانًا من بينهم ووضعته أمامها ثم أعادته مكانه.
_الفستان ده كان واسع عليا، دلوقتي مش هيدخل فيا، خسارة كان ممكن ينفع احضر به السبوع بدال ما اشتري جديد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فرغت شادية من تغيير الحفاض وحملت الطفل بين ذراعيها تربت على ظهره برفق:
_شوفي فستان ولا عباية غيره.
أضافت عبير وهي تغلق الخزانة بتنهيد بائسة:
_ مش محتاجة اشوف حاجة، كل اللي عندي يا قديم يا ضيق، ومش هينفع أجيب حاجة جديدة دلوقتي، فهمي جوزي صرف كتير اوي في المستشفى ولسه يوم السبوع.. لو طلبت منه فلوس مش هيديني.
_ متطلبيش منه حاجة الراجل اكيد فضى جيوبه كلها، ثم اقترحت عليها بحنان:
_ خلاص يا بت ولا يهمك، انا لسه معايا قرشين من فلوس وليد هروح اشتري بيهم عباية واسعة على قد الفلوس تحضري بيها.
تجهم وجه عبير ثم قالت:
_ مش ممكن طبعا يا امه.. خلي الفلوس معاكي تنفعك في علاج ولا اي حاجة تعوزيها، خلاص مش مهم هستلف من جارتي عباية ولا فستان واسع نلم الدنيا.
ثم ابتسمت محاولة التخفيف من الموقف:
_ وبعدين يا امه الناس جاية تشوف البيبي مش جاية تتفرج عليا.
صمتت شادية و التقطت نظرات ابنتها الطويلة نحو الملابس المعلقة داخل الخزانة بحزن قبل ان تغلق الخزانة، ثم عادت لفراشها ترتاح و والدتها تهز مهد الصغير برفق كي ينام بينما راحت عبير بصوت عالي تعد قائمة المشتريات المتبقية للسبوع، وهنا لمعت فكرة ما في رأس شادية فجأة، جعلتها تشرد حتى توقفت عن هز الصغير.
بعد برهة شرود طويلة كأنها تخطط لشيء ما رفعت بصرها نحو ابنتها من جديد، كانت عبير منهمكة في حساب المصاريف تمحو رقمًا وتكتب آخر، فشعرت بوخزة مؤلمة في صدرها، ابنتها لا تستحق أن تشعر بالنقص في يوم فرحتها، يجب ان تساعدها وتعرف كيف سوف تفعلها.
_بت يا عبير، انا نازلة ساعة زمن وجاية.
_ على فين يا امه؟ مش قولتي انك قاعدة معايا لحد السبوع؟
حدثتها بضجر:
_ منا مرزوعة معاكي اهو هروح فين؟ هجيب حاجة بس عة وهرجع.
وغادرت بيت عبير دون ان تعطيها اجابة واضحة عما خرجت لأجله، كانت الفكرة قد استقرت في رأسها تمامًا، تتحول شيئًا فشيئًا من خاطر عابر إلى قرار وخطة محكمة.
عادت الخالة شادية إلى بنايتها مع اقتراب المغرب، كانت تصعد درجات السلم هذه المرة ببطء وكأن ترددها يُثقل خطواتها، كأنها تحمل فوق كتفيها همًا تحاول تجاهله وهي تبرر لنفسها انها لن تؤذي أحدًا، بل على العكس سوف ترقع ثوب ابنتها الفقير وتسد حاجتها وتسترها امام من يحبون المظاهر.
دخلت شقتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وضعت حقيبتها فوق الطاولة الصغيرة المجاورة للأريكة، ثم عبرت غ فة نومها و فتحت درج خزانتها، وما إن فتحته حتى وقع بصرها على مفتاح شقة وليد يلمع امام عينيها الشاخصة بتفكير عميق للحظات.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مدت يدها فوقه للحظة ثم توقفت، فعادت صورة عبير إلى ذهنها، وقفتها أمام الخزانة، ومحاولتها إخفاء خيبة أملها وهي تقول إنها لا تملك ما ترتديه في سبوع صغيرها، تنهدت شادية، ثم عادت فأمسكت المفتاح بين اصابعها بقوة تحدث نفسها ان غزل لديها من الملابس ما يكفيها ويفيض، ومعنى تركها لعض ملابسها انها لا تحتاجها الأن، ما الضير من استعارة ثوب انيق لتفتخر بيه ابنتها وسط الجميع؟ وعبير لن ترتديه سوى لساعات قليلة، بعدها سيعود إلى مكانه كما كان، لا أحد سيخسر شيئًا.
حاولت إقناع نفسها بذلك مرارًا، حتى بدا الأمر أقل خطأ مما هو عليه وأخف حملا على ضميرها، وبعد دقائق من التردد، نهضت من مكانها مغادرة غرفتها ثم أغلقت باب شقتها واتجهت نحو السلم تصعده، لم تكن المسافة طويلة، لكن قلبها ظل ينبض بقوة حتى وقفت أمام باب الشقة، وبعد تردد أخرجت المفتاح من جيب عباءتها و أدخلته في القفل بحسم.
وقفت أمام خزانة غزل المفتوحة تتأمل الملابس المعلقة بعناية، مدت يدها إلى أحد الأطقم وأخرجته، ثم ابتسمت قائلة:
_أيوه، ده هيبقى حلو على عبير بنتي.
وضعت الطقم فوق السرير، ثم عادت تنقب بين الملابس، كانت تنوي الاكتفاء بقطعة واحدة، لكنها وجدت فستانًا آخر بدا أجمل.
ثم عباءة أنيقة بلون كحلي مطرزة بخيوط فضية رقيقة، توقفت أمامها طويلًا ثم رفعتها أمام جسدها تتأملها، كم بدت جميلة و مختلفة عن عباءاتها القديمة الباهتة.
ثم همست لنفسها:
_ خسارة، حلوة اوي العباية دي بس طويلة عليا.
لتعود وتهمس كأن شيطانها يحاورها:
_ طب وايه يعني طويلة؟ البت عبير تقصرها بغرزتين على ايدها، وبعدها سهل تتفك ونرجعها زي ما كانت.
لكن سرعان ما هزت رأسها برفض، هي جاءت من أجل عبير فقط، أعادت العباءة مكانها ثم التفتت لتغادر، لكن خطواتها تباطأت وعادت عيناها تنظر نحو العباءة من جديد، وبعد لحظات من التردد، سحبت العباءة من مكانها سريعًا ووضعتها فوق الملابس الأخرى.
شعرت براحة غريبة، كأنها انتصرت على شعور قديم بالحرمان، وأثناء جمعها للملابس، وقعت عيناها على زجاجة عطر موضوعة فوق التسريحة، اقتربت منها والتقطتها بين يديها، رائحته بدت فاخرة رغم انها لا تفقه في مثل هذه الأشياء، نزعت الغطاء ورشت القليل عليها، أغمضت عينيها للحظة ثم لمعت فكرة جديدة في رأسها، عبير ستقابل أهل زوجها، فلتكتمل طلتها امامهم، ملابس أنيقة وعطر فاخر يثير حسدهنّ، أعادت الغطاء إلى الزجاجة، ثم نظرت إليها لثوانٍ وهمست:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_لو نقص رشتين منه محدش هيلاحظ حاجة.
وبدون تفكير أطول، وضعت زجاجة العطر داخل حقيبتها وأغلقت الخزانة ورحلت بغنيمتها من غرفة غزل.
--------
وصلت إلى بيت ابنتها تحمل حقيبة كبيرة ضمتها إلى صدرها طوال الطريق وكأنها تخشى أن يراها أحد، ما إن فتحت عبير الباب حتى عقدت حاجبيها بعجب وهي تنظر لحقيبة لم تكن معها حين غادرت:
_ إيه دي يا أمي؟
أغلقت شادية الباب خلفها سريعًا وتسائلت:
_ جوزك جه؟
_ فهمي جه من شوية اتغدا وخرج يقابل اصحابه على القهوة ومش راجع دلوقت.
ثم عادت تنظر للحقيبة:
_ مش هتقوليلي الشنطة دي فيها ايه؟
_طب ادخلي جوه الأول.
ازداد فضول عبير وهي تتبعها إلى غرفة النوم، وضعت شادية الحقيبة فوق السرير وفتحتها ثم فردت أمامها الفستان، فاتسعت عينا عبير بسعادة وهي تصيح:
_ ايه الفستان الحلو ده يا امه؟
ثم لامتها رغم فرحتها وهي تفسر ما بدا منطقيا:
_ انتي بردو عملتي اللي في مزاجك واشترتيه من فلوسك؟ ده شكله غالي اوي يا امه.
مطت شادية شفتيها بحسرة:
_اشتريت ايه يا بنتي انا اقدر على تمنه؟ ده بتاع المخفية غزل؟
هتفت بدهشة:
_ هي غزل مش واخدة كل هدومها معاها؟
_ لأ، هدومها كاير هتاخد ايه ولا أيه.
ظلت ترمقها عبير بذهول لتكمل شادية ببساطة:
_وطلع من حظنا انها سابت حبة هدوم في دولابها، هتلبسيه يوم السبوع وترجعيه مكانه.
مررت عبير يدها فوق القماش الناعم بإعجاب واضح.
_ معقولة؟ ده انا لو حضرت بيه السبوع العيون كلها هتكون عليا من جمالي.
ربتت على ظهرها:
_ عشان كده اخدته، اهو تتفشخري بيه قصاد اهل جوزك وبالذات سلفتك العقربة.
_ اه والله يا امه عندك حق، دي هتموت مني لما تشوفني كده.
ثم لمحت طرف ثوب آخر فقالت:
_ انتي جايبة حاجة تاني؟
قالتها وهي تخرج العباءة فشهقت من جديد:
_وكمان عباية؟!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه شادية:
ــ دي ليا أنا، ولا ماليش نفس اتفشخر زيك.
ضحكت عبير وقالت:
_ جدعة يا امه انك فكرتي كده، اهو نتستر قدام الناس بالهدمتين بتوع غزل، وبعدين نرجعهم ولا من شاف ولا من دري.
كانت عيناها تلمعان بطريقة لم تخفَ عن والدتها لتكشف لها باقي ما في جعبتها:
_ استني يا بت لسه في حاجة كمان.
ضيقت عبير عينيها تترقب المزيد.
ــ جبت الريحة دي كمان، اهو تحطي منها رشة يوم السبوع عشان ريحتك تتول الكل.
شهقت عبير وهي تختطف منها العطر وتتشممه قبل ان تهتف:
_ يا بنت الايه يا امه! ده انتي روقتيني.
ثم مالت عبير للأمام وقالت بنبرة شبه مازحة:
ــ يا ريتك كنتي بصيتي في درج التسريحة كمان، دي بنت اللذينا عندها حبة إكسسوارات يجننوا.
نهرتها شادية:
_ اتهدي بقا وكفاية اللي جبته، ده انا دمي هرب وكنت ماشية حاسة الناس بتبص عليا.
ثم حذرتها:
_ اسمعي يا بت، الفستان تحافظي عليه زي عنيكي، عشان بعدها ارجع كل حاجة لمكانها. فاهمة ولا لأ؟
عبير باعتراض:
_ متخليه البسه شوية ما هي غزل مش هنا.
_ لأ..دول هم على قلبي و مش هرتاح غير لما ارجعهم.
نهضت عبير تقول بحماس:
_ اللي تشوفيه يا امه، خليني بقا اقيسه واشوفه عليا.
لأول مرة منذ فترة طويلة ترى ابنتها سعيدة بهذا الشكل وهي تستعرض الثوب أمام المرآة، كأنها تصالحت مع جسدها السمين و وزنها الزائد رغم نقمتها عليه منذ ساعات قليلة.
شعرت بوخزة ضمير لكنها تجاهلتها وهي تعيد على نفسها دون ملل انها لم تؤدي أحدًا كما لم تسرق، هي استعارتهم وتنوي إعادتهم.
_ الواد صحي تاني، شكله جعان.
ثم قالت وهي تنزع الثوب عنها:
_سكتيه يا امه على ما اغير الفستان واجي ارضعه.
------------
غادرت فيروز الحمام بخطوات بطيئة، وملامح خيبة الأمل مرتسمة بوضوح على وجهها، كانت تقبض بين أصابعها اختبار الحمل، تنظر إليه وكأنها ما زالت تأمل أن تتغير النتيجة إذا أطالت النظر.
كان طلال مستلقيًا فوق الفراش وقد استيقظ لتوه، تابعها بعينيه ثم قطب حاجبيه ما إن لمح شحوب وجهها وقال:
_ مالك يا روزي؟ شكلك مضايقة ليه ده احنا لسه الصبح؟
توقفت أمامه للحظة، ثم اقتربت ورفعت الاختبار أمام عينيه، نظر إليه بعدم فهم وتسائل:
_ إيه ده؟
ابتسمت ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت:
_ كنت نفسي أعملك مفاجأة وأفرحك الشهر ده.. بس مفيش نصيب.
انعقدت الدهشة على وجهه للحظة، ثم اعتدل في جلسته سريعًا، انتقل بصره من الاختبار إليها، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ هو إنتي..!
توقفت الكلمات على لسانه، ثم جذبها من يدها لتجلس جواره على الفراش، و تسائل بدهشة:
_ انتي امتى وقفتي الوسيلة؟
خفضت بصرها قليلًا قبل أن تجيب:
_ الشهر اللي فات.
ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة، لم يكن يتوقع ذلك أبدًا، طوال الفترة الماضية كانت ترفض فكرة الإنجاب ثانيًا وتخافها، وتؤكد أن أبناءها الثلاثة يكفونها وأكثر، لذلك بدا الأمر له مفاجأة.
التفتت إليه فيروز، ولمعت عيناها بعاطفة دافئة وهي تتحدث بخفوت:
_ عارفة إن ده أكتر خبر هيفرحك.
ومدت يدها تمسك يده بين كفيها، ثم انحنت تقبلها برقة:
_ وأنا نفسي أسعدك يا طلال قد ما اقدر، زي ما انت مخلي حياتي كلها جنة.
لانت ملامحه أكثر وهو يرى ألق عاطفتها يضوي بعيناها، رفع يده وربت على خدها بحنان ثم جذبها إلى صدره وقال مبتسمًا:
_ سعادتي كلها متحققة فعلا بوجودك في حياتي يا روزي انتي و ولادنا.
ثم تسائل:
_بس بجد إيه غير رأيك؟ كنتي بتقولي كفاية علينا التلات ولاد؟
ابتسمت فيروز بخجل وهي تستند إلى كتفه:
_ بصراحة كنت غلطانة في حقك ومزوداها.
ورفعت رأسها تنظر إليه مباشرة:
_ إنت موفرلي كل سبل الراحة يا حبيبي، مُربية ودادا بيساعدوني في كل حاجة، لدرجة اني بجد محستش بتربية الولاد بعد ما كنت مرعوبة من مسؤوليتهم.
ثم أطلقت ضحكة خافتة وهي تتذكر مخاوفها:
_انا لما بفتكر خوفي بحس اني كنت عبيطة اوي.
ثم هدأت ضحكتها و تشبثت بكفه بين يديها واغرورقت عيناها بمشاعر امتنان حقيقية:
_ كفاية إكرامك ليا ولأهلي يا طلال، لو أطول أحط الدنيا كلها تحت رجليك أعملها.
اتسعت ابتسامته، ثم هز رأسه معترضًا برفق:
_أنا مش محتاج مقابل منك يا فيروز لاي حاجة بعملها عشانك، معاملتي لاهلك واجب عليا، انا بعتبرهم اهلي انا كمان.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ارتعشت شفتاها بابتسامة متأثرة، أما هو فضمها إلى صدره من جديد، وأحاط كتفيها بذراعيه، قبل أن تعود روحه المرحة تسيطر من جديد:
_ بس لو قولتيلي انك وقفتي الوسيلة كنت عملتلك احلى عصير، وكان زمان الاختبار دلوقت الخطين منورين فيه ولا زينة رمضان.
رفعت وجهها إليه دون فهم:
_ مش فاهمة يا طلال، ايه علاقة العصير بالموضوع؟!
فرك مؤخرة رأسه بارتباك قبل ان يقول مازحًا:
_ تقدري تقولي بتفائل بيه.
انفجرت فيروز ضحكا وعادت تستكين بين ذراعيه براحة، اما طلال فكان ينظر إلى الأفق من خلف النافذة بابتسامة هادئة.
وقد سمح لنفسه أخيرًا أن يتخيل طفلة صغيرة رقيقة مثل الفراشة، تضيف للبيت بهجة ومذاق مختلف، وربما تحمل شيئًا من ملامح أمها التي يعشقها.
------------
تسللت رائحة البصل المحمّر في أرجاء البيت، وجيلان تقف أمام الموقد تقلب الطعام، في الخلفية انساب صوت القرآن الكريم من المذياع الموضوع فوق الثلاجة، يملأ المطبخ بسكينة وهدوء، ابتسمت وهي تسمع ضحكات الأطفال تتصاعد من أمام شقتها حيث ردهة واسعة نوعًا ما، ابنتها غفران تقضي معظم وقتها بعد العصر في اللعب مع أطفال الجيران، رغم أنها طفلة وحيدة لكنها اجتماعية وتحب الاختلاط بمن حولها، لا تبالغ لو قالت إن كل البناية تحب ابنتها وتدللها.
رفعت الغطاء عن القدر لتتفقد الطعام، حين دوى طرق سريع ومتلاحق على باب الشقة،
ثم جاءها صوت طفلة صغيرة من الخارج:
_طنط جيلان! طنط جيلان!
أسرعت نحو الباب وفتحته، فوجدت "ملك" ابنة الجيران تقف أمامها تقول:
_ الحقّي غفران يا طنط.
تجمد قلب جيلان.
_ مالها بنتي؟!
أشارت الطفلة نحو السلم وقالت:
_كانت بتجري معانا على السلم للدور اللي تحت وفجأة قعدت على الأرض و…
لم تنتظر جيلان ثانية أخرى، وضعت حجابًا فوق رأسها وانطلقت خارج الشقة تهبط درجات السلم شبه راكضة، حتى وصلت حيث تجلس صغيرتها، كانت غفران جالسة على الدرج، الصغار ملتفون حولها بقلق، ركعت جيلان أمامها وصاحت بفزع:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_غفران!
رفعت الصغيرة رأسها نحو أمها، لم تكن تبكي،
لكن وجهها كان شاحبًا على غير عادته، وحبات عرق تُندّي جبينها، مدت جيلان يدها تزيح خصلات شعرها عن وجهها وقالت:
_مالك يا حبيبتي؟
أجابت غفران بصوت متقطع قليلًا:
_ معرفش يا ماما.
عقدت جيلان حاجبيها:
_ وقعتي؟
هزت رأسها بالنفي:
_ لا.
_ طب حد زقك؟
_لا.
ثم وضعت يدها الصغيرة فوق صدرها وقالت بتلقائية:
ـ قلبي كان بيخبط في بعضه.
جذبتها جيلان إلى حضنها، كانت أنفاس الصغيرة أسرع من المعتاد، لكنها لم تبدُ مريضة بشكل مخيف، فقط مرهقة بصورة غريبة مقارنة بباقي الأطفال الذين كانوا ما زالوا يقفزون حولها.
ربتت جيلان على ظهرها بحنان:
_خلاص يا روح ماما، أكيد لعبتي كتير.
التفتت للأطفال مبتسمة محاولة طمأنتهم.
_مفيش حاجة يا ولاد متخافوش، هي تعبت من الجري وطلوع السلالم.
ثم حدثت ابنتها:
_كفاية كده لعب، أبوكي على وصول وعايزة أحميكي عشان يجي يلاقيكي نضيفة وعسولة.
ثم حملتها وصعدت بها إلى الشقة،
وبينما كانت غفران تضع رأسها على كتف والدتها مستسلمة للتعب، مر خاطر سريع في ذهن جيلان، غفران ليست المرة الأولى التي تتعب فيها من الجري، تشتكي أحيانًا من الإرهاق بعد اللعب، لكنها كانت دائمًا تفسر الأمر بأنها طفلة لا تزال ضعيفة البنية لا أكثر.
ما إن دخلتا البيت حتى أجلستها على الأريكة وأحضرت لها كوبًا من الماء، شربت الصغيرة عدة رشفات، ثم أسندت رأسها للخلف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
جلست جيلان جوارها وربتت على شعرها.
_أحسن دلوقتي؟
هزت غفران رأسها بإيجاب، ابتسمت جيلان محاولة طمأنتها.
_ لعبتي زيادة عن اللزوم، بعد كده بلاش جري وسباق على السلالم، العبي بالعرايس وباقي اللعب بتاعتك.
_طيب ممكن أنزل ألعب تاني؟ ومش هجري على السلم خالص يا ماما.
ضحكت جيلان لبراءتها وقالت:
_ لأ يا ست هانم، كفاية لعب النهارده.
عبست غفران اعتراضًا، لكن جيلان سحبتها إلى المرحاض لتحممها قبل مجيء مؤمن.
حين عاد مؤمن من العمل مساءً، وتناولوا الغداء، قصت له ما حدث ليكون رده:
_ يا جيلان متكبريش الموضوع البنت صغيرة ولسه ضعيفة، ومش شرط تكون زي ولاد الجيران اللي هما أصلًا أكبر منها، بكرة تكبر وتقوى وتشيل عنك شغل البيت ده كله.
تنهدت بحنان:
_ هي بس تكبر وأنا أخليها أميرة متعملش حاجة أبدًا.
مازحها ليشتتها عن قلقها الدائم نحو الصغيرة:
_ يبقى كده مش هنعرف نلاقي عريس ياخدها، لو خليتيها دلوعة ومالهاش في شغل البيت.
قالت بغرور:
_ طب بكرة تشوف العرسان اللي هيجوا لبنتنا يتمنوا رضاها.
ابتسم ثم ربت على ظهرها بحنان وقال:
_ جيلان، بلاش خوفك الزيادة ده على غفران يعملك أزمة جواكي، البنت زي الفل مفيهاش حاجة وبتلعب أهو حوالينا، انتي كل يوم استودعيها عند ربنا وهو الحافظ.
مدت يدها بالدعاء:
_ ربنا يحفظك لينا يا بنتي ومشوفش فيكي شر أبدًا.
_روحي اعمليلنا شاي بقى على ما أشوف ماما. أطمن عليها.
_ حاضر يا حبيبي.
--------
الساعة تقترب من السادسة مساءً، الموعد الذي وعدت به صفحة الوزارة لإظهار نتائج الثانوية العامة، جلس عمرو وتعبيرات وجهه يسكنها التوتر، هاتفه في يده يحاول تحميل الصفحة، لكنها تعانده بدائرة التحميل البطيئة اللّعينة، جواره يجلس أصيل على حافة الأريكة، يضم هاتفه بين كفيه هو الأخر يحاول دون جدوى، بينما غنى تتحرك في الصالة ذهابًا وإيابًا دون هدف حقيقي، تلقي نظرة على شاشة هاتفها كل بضع ثوانٍ ثم تزفر بضيق..والتؤمان الصغار يراقبونهم بصمت، ينتظرون انفراجة ملامحهم العابسة..الجميع يعيش على أعصابه منذ بداية اليوم، أما شهد فكانت ماكثة أمام اللاب توب، تضغط زر التحديث للمرة العاشرة خلال دقائق معدودة وهي تصيح بملل مشحون بالقلق:
_ يا ربي بقا، الموقع واقع وكل ما أدوس يقولي error.
غني برجاء:
_ حاولي تاني يا شهد، اكيد هيفتح.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حاولت، لكن من جديد ظهرت دائرة التحميل تدور ببطء مستفز، ثم تجمدت الشاشة للحظات قبل أن تظهر رسالة الخطأ المعتادة، ضربت شهد كفًا بكف وقالت بانفعال:
_ أوف بقا، قلت خلاص هيفتح بس بردو وقع تاني!
رفع أصيل رأسه إليها وقال:
_ الصبر يا بنتي، طبيعي الموقع يكون تقيل، ألاف غيرنا بيحاول يفتح الموقع في نفس الوقت، جربي تاني وإن شاء الله يشتغل.
_بجرب اهو يا عمو، أنا ورايا غيره انهاردة؟ يا أنا يا هو، وإن شاء الله أنا اللي هبشركم بنتيجة أخويا.
_ لو طلعت من الأوائل هتعزمنا على ايه يا عمرو؟
قالتها فاطمة وصوتها مليء بالتفاؤل ليبتسم لها ابتسامة ناقصة مجيبا:
_ اللي تطلبيه يا طمطم بس انجح.
_ هتنجح، وتجيب مجموع كبير، انت مفيش اشطر منك.
ابتسم لدعمها ثم رمى نظراته نحو والدته ليجدها تعض شفتها بتوتر و وجهها شاحب من فرط قلقها كأنها لم تغفوا بليلتها الماضية دقيقة واحدة، اشفق عليها وتمنى لو بدل شحوب وجهها الحبيب هذا لفرحة تملأ عيناها.
_ لما عمرو ينجح هو وبابا وماما غنى كل واحد هيخرجنا يوم ويفسحنا على حسابه.
ابتسم أصيل يرد على ابنته عائشة:
_ هو ينجح وكل طلباتكم عليا انا يا شوشو.. ده وعد.
صفقت بحماس:
_ يبقا هحضر طلباتي من دلوقت.
_ يعني ضامنة أني ناجح أصلا يا شوشو؟
ردت بثقة:
_ طبعا يا عموري، أنت طول عمرك تجيب درجات حلوة، وكمان تعبت اوي في المذاكرة، لازم هتنجح.
_ المهم المجموع، ادعوا يا بنات مجموع اخوكم يطلع عالي.
قالتها غنى لينهض أصيل متجها نحوها مع قوله:
_ استبشري خير يا غنى، ربنا أكيد هيجبر بخاطرنا ويراضينا في عمرو، أنا متأكد.
هزت رأسها وراحت تدعوا في ضميرها ان تطمئن على صغيرها.
ظهرت الصفحة الرئيسية ما جعل شهد تصيح:
_ الصفحة حملت اخيرا.
شهقت غنى:
_ بجد؟ حطي رقم الجلوس بسرعة.
_حاضر.
ثوانٍ قليلة ثم عادت الشاشة للتحميل بلا نهاية.
أطلقت شهد أنينًا مستاء:
ـ يووه بقا، الصفحة رجعت علقت تاني، بجد حاجة تخنق!
راقب أصيل عمرو بطرف عينه لتغيم نظراته بشفقة عليه قائلا وهو يقترب جالسا جواره محتضنا كفه:
_اهدى يا عمرو، انت تعبت السنة دي تعب كبير، أنا وأمك شاهدين عليه، و أيًا كان الرقم اللي هيطلع، انا فخور بيك من دلوقت لانك مقصرتش.
اهتزت شفتي عمرو بابتسامة ممتنة لدعم والده الروحي له.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
انطلقت الرؤوس كلها نحو شاشة اللاب توب امام شهد، وقف أصيل خلفها وتقدمت غنى بخطوات سريعة جواره، حتى عمرو نهض من مكانه دون أن يشعر..أخذت شهد تكتب رقم الجلوس سريعا، بينما الصمت يخيّم على الردهة بالكامل، لم يعد يُسمع سوى صوت نقرات لوحة المفاتيح.
وفجأة، انطفأ صوت الأزيز، وتوقفت الدائرة وظهرت الصفحة بيضاء، ثم اسم عمرو في الأعلى، ظهر اسمه كاملا وتحته مربع أزرق صغير بداخله الدرجة التي حصل عليها، حدقت الاعين في النسبة كأنهم لا يصدقونها، لثواني قصيرة تجمدت اجسادهم دون ان يتحرك أحد، لتكسر شهد هذا الصمت بصراخها وهي تشير لشاشة اللاب توب:
_ثمانية وتسعين واتنين من عشرة يا ماما، عمرو هيدخل هندسة يا ماما..اخويا نجح وداخل هندسة، اخويا نجح.
ثم نهضت ترقص وفاطمة وعائشة يشاركانها المرح والفرحة والتصفيق والصياح لنجاح عمرو بتلك النسبة.
لم تنظر غنى إلى الشاشة بل نظرت إلى وجه ابنها فقط، ثم مدت ذراعيها واحتضنته بقوة وهي تبكي وتضحك في نفس الوقت، وصوتها يرتجف.
_ الحمد لله.. انت نجحت يا نور عيني، تعبك مرحش هدر، جبت المجموع اللي حلمت بيه ياحبيبي، أخيرا حلمنا هيتحقق يا عمرو وهتدخل هندسة واشوفك مهندس قد الدنيا زي ما كنت بتمنى من وانت في ابتدائي.
ليحين دور اصيل وهو ينزع منها عمرو ويعانقه رابتا على ظهره بقوة هامسا بفخر وعيناه تلمع بدموع الفرحة:
_ مبروك يا حبيبي ألف مبروك، الدنيا كلها متساويش فرحتي بيك يا باشمهندس.
قفزت عائشة وفاطمة وهما يصيحوا حولهما بسعادة من جديد:
_ عمرو نجح.. عمرو نجح.
لتصيح فاطمة:
_ مش قولتلك هتنجح يا عموري.
بينما قالت عائشة:
_ حضر نفسك لحفلة جامدة هنعزم فيها كل الناس يا عموري.
رد اصيل على قول ابنته:
_ والله لاعمل احلى عزومة على شرف نجاح عمرو، هعزم فيها كل اهلنا وحبايبنا.
لتهتف غنى هي الأخرى وهي تشمر اكمامها:
_ والليلة العمارة كلها هتحلي بقها باطباق رز بلبن عشان يشاركوني حلاوة نجاح ابني.
وتوجهت للمطبخ فتبعتها فاطمة وعائشة بصياحهما:
_ واحنا هنساعدك يا ماما.
اما شهد كانت تصور الشاشة بالموبايل قائلة:
_ هنزل النتيجة ستوري حالا عشان كل العيلة تعرف.
ليفعل مثلها أصيل ويضعها استوري لديه، ولم تمضي الدقائق إلا وانفجرت الاتصالات عليه من كل صوب تبارك له تلك الفرحة الغالية.
في وسط كل هذه الضجة، كانت عينا عمرو تنظر للشاشة على نحوٍ غامض حيث اسمه ونسبته بقي صامتا بينما في عقله صخب لم يسمعه أحدًا او يلاحظه وسط فرحتهم الكبيرة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
------
في مساء اليوم التالي، جلس عمرو وتميم على السور الحجري لكورنيش النيل، يتنسمون الهواء البارد ويشاهدون مراكب النزهة تمر تحتهما بأنوارها الصفراء..كان يفرك غطاء زجاجة المياه الفارغة بين أصابعه حتى انبعج، وعينه معلقة على النيل لا على صديقه.
نقر تميم على كتفه بكوعه يحدثه:
_ما تفك بقى يا عم، من ساعة النتيجة وانت وشك قالب، اللي يشوفك ميصدقش انك جايب 98 يا عمور وهيفتكر انك ساقط، أفرح يا فقري.
نظر نحوه وابتسم بهدوء قائلا:
_مين قالك اني مش فرحان يا تميم؟ بالعكس فرحان جدا، ده غير فرحة اخواتي ونظرة الفخر من عمو أصيل دي بالدنيا وما فيها.
_ و مامتك؟!
تنهد عمرو وهو يجيبه:
_ امي دي هي الازمة.
عقد حاجبيه متسائل:
_ ازاي مش فاهم؟
_ لأني بين نارين يا تميم وكنت فاكر اني خلاص واخد قراري ومش هخاف.
_ تخاف من ايه بس؟!
_من إني اخذل أمي اللي شايفاني من وأنا عيل صغير مهندس.. وحلمي المختلف عن حلمها، حلم عمري ما كشفته لحد.
واستطرد يغيض لصديقه:
_ مع اني كنت خلاص مقرر امشي في الطريق اللي اختارته، بس رد فعلها وبكاها ونظرتها ليه امبارح خلتني اخاف ازعلها.
اعتدل تميم في جلسته ونظر له مباشرة وغمغم:
_بص يا صاحبي، انا شايف مخاوفك دي فيها مبالغة شوية، طنط غنى عمرها ما هتقف في طريق أحلامك يا عمرو، ممكن تزعل في الأول وتحس بإحباط وخذلان زي ما بتقول، بس في الآخر لما تشوفك ناجح ومبسوط في الكارير اللي اختارته صدقني هتدعمك.
غامت نظرات عمرو وهو ينظر للافق هاتفا:
_خايف فرحتها تتكسر، اصلك متعرفش يا تميم انا بمثل لها ايه، وانا كمان بحبها لدرجة إني نفسي أحقق لها اللي هي عايزاه واسعدها حتى لو على حسابي، عشان كده محتار.
ظل تميم ينصت له صامتا، ثم حدثه بهدوء:
_مين قال انك لو اتخليت عن حلمك ده هيسعدها؟
رمقه عمرو بحيرة ليواصل صديقه:
_ اللي هيسعد طنط بجد انك تمشي طريق انت عايزه، كل واحد في الدنيا له احلامه الخاصة يا عمرو، من حقك تحلم وتسعى لحلمك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
واكمل يبثه العزم والقوة:
_ احنا هنعمل اللي علينا وربنا عليه الباقي، وهنمسك كل الخيوط من غير ما نخسر حاجة.
_ قصدك ايه يا تميم؟
ابتسم مع قوله:
_ قصدي اننا هنقدم ورقنا فعلا في كلية الهندسة.
رفع عمرو حاجبيه بدهشة ملتفتا بجسده:
_ هنقدم في هندسة؟ ازاي؟ امال انت بتشجعني على ايه من الصبح؟
_افهمني بس، هنقدم في هندسة كخطوة احتياطية مش أكتر، بحيث كل الفرص تبقى في إيدينا، ورقنا هيروح التنسيق عادي، واسمنا هينزل هناك.
مر بينهما صمت قصير وصوت موجة صغيرة ضربت في الحجارة اسفلهما، ليقطع تميم الصمت وعينه تلمع بانعكاس النيل:
_وفي نفس الوقت هنقدم نسخة تانية من ورقنا.. في كلية الشرطة.
ارتجف قلب عمرو برهبة من اقتراب حلمه حين ذكر اسم الكلية التي يتمنى الالتحاق بها، خطوة واحدة تفصله عن نيل ما يريد، ليصله صوت تميم مليء بالحماس:
_ زي ما خططنا يا صاحبي..كل خطوة في طريق مستقبلنا هنمشيها سوا..والتوفيق من عند ربنا.
ثم مازحه:
_ يعني انا معاك مكان ما تكون زي ضلك يا صاحبي، يا ندخل هندسة؟
ثم لمعت نظراته مواصلا:
_ يا نحقق حلمنا وندخل شرطة.
لم يعلق عمرو بكلمة، ظل ينظر إلى صديقه، ثم إلى النيل، ثم أضواء القاهرة البعيدة، للمرة الأولى لم يكن وجهه غامضا من الخوف، بل من قرار أخيرا وجد طريقه للنور، لن يترك التردد يسرق منه حلمه، سوف يمضي في طريقه مهما كانت العقبات.
______
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بعد ان نامت ياسمين وكذلك طارق، تركت غزل وليد يتصفح بتركيز بعض ملفات عمله على اللاب توب الخاص به، لكنها شعرت ببعض الملل، لم تعتاد بعد على غربتها في بلد بعيد، لكن ربما قريبا تتعود و تنشيء صداقات بالجيران وتقترب منهم حتى تقل وحدتها قليلا.
_ وليد لو عايز تشرب شاي قولي انا مش هنام دلوقت.
رفع عينه عن الشاشة مبتسما وقال:
_ شكرا يا حبيبتي، معتقدش هحتاج اكل حاجة، انتي نامي لو عايزة وشوية واحصلك.
أومأت له ثم أراحت ظهرها إلى الأريكة، بينما تتحرك أصابعها فوق شاشة الهاتف في شرود، كانت تتنقل بين المنشورات بلا اهتمام حقيقي، حتى استوقفها منشور لسالم، ابتسمت تلقائيًا وهي ترى صورة عمرو تتصدر الشاشة، وإلى جوارها كلمات التهنئة بنجاحه في الثانوية العامة.
شعرت بسعادة حقيقية لنجاح ابن شقيقتها، تذكرت مكالمة الأمس التي جمعتها مع غنى وهي تتحدث معها وتهنئها بنجاح عمرو، كم بدا صوتها يسبح في الفرح وهي تخبرها بنجاح ابنها، كانت تضحك وتبكي في الوقت نفسه، وتعيد عليها التفاصيل للمرة العاشرة وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن كل ما حدث كان حلمًا.
تنهدت غزل وعادت تواصل التصفح، منشور تلو الآخر حتى ظهر أمامها مقطع فيديو نشرته عبير وفوقه دعاء ان يبارك في مولودها الجديد ويجعله ذرية صالحة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم .
انقبض قلب غزل بشعور ثقيل، كل يوم ترى شخصًا يحتفل بمولود جديد له، او بعيد ميلاد لصغاره، او رحلة صيفية في مكان ما معهم، عشرات المناسبات التي تستدعي الفخر والبهجة والفرحة، الجميع يتسابق لإعلان فرحته والتباهي بصغاره، الجميع يملك الحق في أن يصرخ للعالم بسعادته.
أما هي..ليس لها حق في شيء، شعرت بغصة ثقيلة تستقر في صدرها، هي من أضاعت حقها بيديها وفرطت فيهما، هي من ارتكبت ما جعلها تُنفى بعيدًا عن بناتها، لهذا كان الألم أقسى، لأنها كلما اشتاقت إليهن، تذكرت أنها تستحق هذا الاشتياق.. وهذا العقاب.
تنهدت ثانيا ثم واصلت التمرير بين المنشورات بفتور، تحاول الهروب من ذلك الثقل الذي استقر في نفسها ثم ظهر أمامها نفس مقطع الفيديو الخاص بعبير، واحدهم من معارف عبير قد ارسل لها إشارة في بوست تهنئة أخر، ضغطت عليه تراه فقط بدافع الملل، بدأ الفيديو كتجميعة للصور والمقاطع القصيرة.، عبير على سرير المستشفى تحتضن مولودها الجديد، صورة أخرى وهي تنظر إليه بعينين تلمعان بالسعادة، ثم لقطة للخالة شادية وهي تحمل حفيدها بين ذراعيه، واخرى لفهمي زوجها وهو يحمل الصغير، وأخرى تجمع العائلة حوله، كانت الصور تتبدل تلقائيًا أمام عيني غزل، بينما بقيت هي غارقة في أفكارها..كم بدا المشهد دافئًا، أغمضت عينيها للحظة قصيرة قبل ان تفتحها بتنهيدة وأعادت بنظرها إلى الشاشة.
انتقلت اللقطات إلى يوم السبوع، زينة معلقة في المكان، أضواء، ضحكات، وأفراد العائلة يلتفون حول المولود، كانت عبير تقف في منتصف المشهد وهي تحمل صغيرها بفخر واضح، لم تنظر غزل إليها باهتمام في البداية، لكن شيئًا ما جعل عينيها تتوقفان، ثم تجمدت إصبعها فوق الشاشة، عادت باللقطة للخلف، ثم أعادتها مرة أخرى، فاتسعت عيناها تدريجيًا.
أوقفت الفيديو عند إحدى اللقطات الواضحة، الثوب الذي ترتديه عبير..ثوبها هي! ذلك الذي اشتراه وليد لها في مناسبة خاصة بينهما، وتركته داخل خزانتها قبل سفرها، عادت تدقق النظر، لا مجال للشك او سوء الظن، الامر بدا جليًا اكثر مما يجب، عبير تجرأت و اقتحمت منزلها وعبثت في خزانتها دون علمها! توهج غضب غزل لاقصى درجة وخصوصيتها قد انتُهكت دون حتى أن تُستأذن.
وهذا ما لن تسمح به أو تمرره أبدًا
_وليد.
نادته صارخة وهي تقترب گالإعصار تمد له هاتفها:
_ اتفضل شوف الفيديو ده، وركز كويس في فستان بنت خالتك.
------------