رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل السادس 6 بقلم دفنا عمر
انعقد حاجباه وهو يعيد النظر إلى الشاشة، وكأن عقله يرفض تصديق الصورة الواضحة أمامه، ثوانٍ مرت عليه ثقيلة ولا يزال يشاهد الفيديو بعين مذهولة كأنه لا يستوعب ما يراه.
قبل أن يرفع رأسه إليها يتساءل بعينيه، وإن كانت الإجابة جلية، عبير والخالة؟! كيف يرتدون ملابس زوجته؟ ليجد أن كل شيء واضح بشكل لا يقبل التأويل، من يعتبرها أمه الثانية وضعته في هذا الموقف المهين له ولها، شعر بحرارة الخجل تصعد إلى وجهه أمام غزل.
ليهتف بعد لحظات من الصمت:
_ مش مصدق إن خالتي تعمل كده! أنا أمنتها على شقتنا.
قبل أن يرفع رأسه إليها يتساءل بعينيه، وإن كانت الإجابة جلية، عبير والخالة؟! كيف يرتدون ملابس زوجته؟ ليجد أن كل شيء واضح بشكل لا يقبل التأويل، من يعتبرها أمه الثانية وضعته في هذا الموقف المهين له ولها، شعر بحرارة الخجل تصعد إلى وجهه أمام غزل.
ليهتف بعد لحظات من الصمت:
_ مش مصدق إن خالتي تعمل كده! أنا أمنتها على شقتنا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رمقته غزل بعينين مشتعلة غاضبة:
_ بس أنا مصدقة، توقعتها ونبهتك يا وليد بلاش تثق فيها كده، هي مش بتحبنا، خصوصًا أنا.
لتزداد انفعالًا وهي تصيح:
_ خالتك مش بس مستخسرة هدومي فيا؟ دي مستكتراك إنت نفسك عليا، شايفة إني مستحقش لأني…
أشار لها بكفه لتصمت ثم أطرق رأسه بصمت حزين ولا يزال لا يستوعب تصرف خالته، لتكمل غزل بنفس الاشتعال الغاضب:
_ يا عالم هتعمل إيه تاني، مش بعيد تبيع عفش بيتنا ولا تطمع في باقي حاجتي هي وبنتها.
لم تنتبه كم حديثها جارح بالنسبة له، ليرفع رأسه من جديد بصوت مثقل بالضيق:
_ كفاية يا غزل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم مرر كفه فوق وجهه بضيق وعيناه تحملان غضبًا لا يقل عن غضبها، لكنه غضب موجّه لنفسه أكثر من أي شخص آخر وقال: _ هتكلم مع خالتي حالًا.
ثم أردف بحزم:
_ واللي حصل ده مش هيتكرر تاني.
نظرت له وقد خفتت حدة غضبها قليلًا، ليس لأنها تغاضت عن الأمر، بل لأنها رأت الخزي في عينيه، وليد تلقى الصفعة نفسها التي تلقتها، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليهدئ تلك العاصفة التي تقتلع داخلها كل محاولة للتسامح.
انزوى في الشرفة وضغط على رقم خالته، وانتظر حتى جاءه صوتها النائم عبر الهاتف:
_ وليد! إزيك يا حبيبي، عامل إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرد بهدوء غامض:
_ بخير يا خالتي، عاملة إيه إنتِ وعبير؟
بدأت تفيق قليلًا وقالت:
_ إحنا زي الفل يا ضنايا، بنت خالتك جابت واد زي القمر.
لتسترسل بالدعوات:
_ ربنا يرزقك يا وليد بعيل تاني عن قريب، إنت لما تشوفه هتشتهي تجيب زيه.
صمت لحظات يلجم سوط غضبه كي لا ينفلت من يده وقال:
_ أنا ما شوفته يا خالتي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ وشوفتك إنتِ وعبير.
ليكمل بما كان قنبلة أطاحت بكل نعاسها:
_ وشوفت كمان فستانها وعبايتك يا خالتي.
ارتجف كفها الممسك بالهاتف وكاد يسقط قبل أن تتماسك وهي تبتلع ريقها بخوف هاتفة:
_ عبايتي!.. الفستان! إزاي؟!
_ فيديو يا خالتي كان منشور في صفحة عبير في الفيس، غزل كمان شافته.
قفز قلبها بين ضلوعها هلعًا، لقد انفضح أمرها بأسرع مما تخيلت، كيف تبرر الآن لوليد؟! ماذا تقول له؟!
_ ليه يا خالتي؟
أتاها صوته بوجع وجد صداه بقلبها فصاحت تدافع عن نفسها:
_ والله يا ابني ما قصدت حاجة وحشة، أنا أخدتهم نستر نفسنا بيهم في سبوع ابن بنتي.
وأكملت وقد بدأ البكاء يخنق صوتها:
_ ما إنت عارف الفقر اللي عبير فيه وعيشتها الصعبة، ما كانش في حاجة مناسبة تلبسها وتحضر سبوع ابنها، فكرت أستلف حاجة من هدوم مراتك وكنت ناوية أرجعها تاني، والله يا وليد كنت هرجعها.
_ لو عرفتيني كنت خليتك تاخدي اللي محتاجاه بس بعِلم غزل، لكن دلوقت مش قادر أقولك شكلي إيه قصادها.
انسابت دموعها بعد أن استشعرت حجم جرمها في حقه:
_ حقك عليا يا وليد، بالله عليك ما تزعل مني يا ابني، غلطة ومش هتتكرر والله، حد الله بيني وبين أي حاجة تخص مراتك ولا شقتك، مش هدخلها غير لو هنضفها وبس، ولو عايزني كمان مدخلهاش خالص أنا…..
_ خلاص يا خالتي.
لم يتحمل وليد بكاءها، رغم خطأها لم يستطع أن يقسو عليها، هي في مقام والدته وكبيرة بالقدر الذي يخجله أن يتجاهل تذللها ورجاءها.
_ حصل خير.. بس من فضلك مش عايز ده يتكرر تاني، ولو احتاجتي أي حاجة إنتِ وعبير قوليلي وأنا مش هتأخر عنكم.
جففت دموعها الغزيرة وقالت:
_ مش محتاجة غير تسامحني من قلبك يا وليد.
ابتسم رغم مرارة الموقف:
_ مسامحك يا أم عبير.
_ لو عايزني أعتذر لمراتك كمان أنا…
قاطعها بحزم:
_ لا يا خالتي، متحمليش هم غزل، أنا هراضيها وأفهمها.
ازداد خجلها أمامه، رغم ما فعلت حافظ على كرامتها ولم يسلمها ذليلة معتذرة لزوجته.. أغلقت معه وظلت شاردة بحزن على ما تسببت به.
……
عاد وليد من الشرفة وقد بدا مرهقًا كأن المكالمة استنزفت جزءًا من روحه، رفع عينيه نحو غزل التي كانت تقف قرب النافذة، تضم ذراعيها إلى صدرها بصمت قبل أن يقول:
_ خالتي اعتذرت يا غزل، واللي حصل مستحيل يتكرر تاني.
_ مش مهم اعتذارها، المهم المفتاح هيفضل معاها؟
_ أيوة هيفضل معاها.
اشتعلت أحداق غزل وصاحت:
_ هتأمن لها تاني يا وليد؟ حتى بعد ما…
قاطعها ببعض ثورته:
_ مكانتش تقصد، خالتي مش حرامية يا غزل، هي اتعشمت زيادة وكانت عايزة تساعد بنتها.
رفعت غزل حاجبيها بدهشة ليواصل:
_ أكيد مش ببرر لها اللي عملته، هي غلطت غلط كبير في حقك ومعاكي إنك تزعلي منها وتاخدي موقف أو حتى ما تكلميهاش تاني.
وصمت قبل أن يشير لصدره:
_ لكن أنا غيرك، مقدرش أكرهها ولا أكسرها قدامي، أزعل منها آه.. لكن مقدرش أقاطعها، دي زي أمي.
_ بس هي مش أمك يا وليد.
_ لكن شاركت امي في تربيتي لما أبويا مات وكنا لوحدنا في الدنيا، ياما نمت في حضنها، ياما أكلت من إيدها، مقدرش أنسى كل ده.
ثم قال بيقين لا هروب منه:
_ غزل، حتى لو هي مش حبتك أنا متأثرتش بمشاعرها ولا هتأثر، كل واحدة فيكم ليها مكانة عندي، ولا هجبرك تحبيها ولا هعمل معاها كده.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وقبل أن تضيف غزل كلمة أخرى، رفع يده يحذرها وقد أنهكه هذا النقاش:
_ الموضوع ده خلاص انتهى ومش عايز كلام فيه تاني يا غزل، أنا وعدتك الغلط مش هيتكرر، وحاجتك هتكون في أمان بعد كده.
ثم أضاف بنفاد صبر:
_ أنا جاي من آخر الدنيا أشوف أكل عيشي ومش فاضي للمشاكل دي يا بنت الناس، من فضلك نقفل الموضوع على كده.
ثم قال أخيرًا وهو يتحرك لغرفته:
_ ويلا عشان ننام.
ظل الصمت سيد الموقف قبل أن تستدير خلفه واتجهت نحو غرفة النوم، وفي عقلها قصة أخرى تُحاك.
راقبها بطرف عينه وهي تندس جواره أسفل الغطاء بهدوء غريب، لكن لم يهتم كي لا يعطيها مجالًا للمزيد من التذمر والنقاش، أغمض عينيه باغيًا هدنة، يريد أن ينام لعله حين يفيق ينسى كل هذا ويتخطاه.
________
ما إن أغلقت شادية الهاتف حتى بقيت جالسة في مكانها لثوانٍ، تحدق في الفراغ كأنها تحاول استيعاب فضيحتها أمام وليد، نعم سامحها، لكن الموقف لن يسقط من ذاكرته بسهولة، تفاقم بغتة شعور الغضب من ابنتها الغبية، لولا فعلتها ما انكشف أمرها.
تحركت شادية بحذر حتى لا تُحدث أي صوت يوقظ أحدًا لغرفة ابنتها، دفعت الباب برفق شديد، ودخلت على أطراف أصابعها، اقتربت منها وانحنت قليلًا وهي تهمس بصوت منخفض:
_ عبير.. بت يا عبير اصحي.
لم تستجب في البداية، أعادت شادية النداء الهامس مرة أخرى وهي تدفع كتفها ببعض العنف:
_ انتي يا مخفية اصحي.
تململت عبير وفتحت عينيها بصعوبة:
_ أمه؟! في إيه؟ هي الساعة كام؟
_ حصليني حالًا على أوضتي وهفهمك.
تابعتها عبير بضجر، والنعاس لا يزال يسيطر عليها، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وفي اللحظة التي استدارت فيها لتسأل والدتها عما تريد، رفعت شادية يدها وصفعتها بقوة.
تجمدت عبير في مكانها، ووضعت يدها على خدها بذهول قبل أن تنطق بعتاب:
_ ليه كده يا أمه؟! أنا عملتلك إيه؟
ارتجف صوت شادية وهي تشتعل غضبًا:
_ لأنك غبية.. إزاي يا بهيمة تنزلي صورك بفستان غزل على النت؟! يعني ربنا ستر علينا ورجعنا الهدوم من غير ما ننكشف، تقومي تفضحيني قصاد وليد ابن خالتك وتصغريني؟
صدمة عبير بانكشاف أمرهما أنستها صفعة والدتها وهي تستفسر بدهشة:
_ وليد عرف؟ يا نهار مش فايت؟
_ نهار اطران على دماغ اللي خلفوكي، ما هو عرف بسببك يا بقرة، مراته شافت صورك بالفستان وطبعا سخنته علينا لما شبعت.
تذمرت عبير تدافع عن نفسها:
_ يا أمه أنا معملتش حاجة، إلهي أعدم ابني ما عملت حاجة.
لطمتها شادية بعنف أكثر وهي توّبخها:
_ بتدعي على ابنك ليه يا بنت الصرمة، الواد ذنبه إيه في غبائك.
بكت عبير وهي توضح لها:
_ والله ما أنا، ده أخو جوزي من فرحته بابن أخوه جمع الصور وعمل الفيديو ونشره وشيره في صفحتي أنا وفهمي، أنا أعرف منين إن غزل هتشوفه؟ هي من إمتى بتدخل صفحتي أصلًا؟
_ اهي دخلت يا ختي عشان حظنا الهباب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم جلست وتشكل الألم في ملامحها وهي تغمغم:
_ وليد زعل مني أوي يا عبير، وأنا مكنتش عارفة أقوله إيه من كسوفي منه.
بدأت ملامح عبير تهتز مدركة الأزمة التي صارت والدتها بها بسببها، وسقطت على طرف السرير تتمتم:
_ يا أمه انتي كان غرضك تساعديني، والهدوم رجعناها مكانها.
ثم حدثتها بأمل:
_ أنا مستعدة أكلم وليد وأقوله إننا ما قصدناش حاجة وحشة، واعتذرله و…
قاطعتها وقالت بحسم:
_ لأ.. اللي حصل خلاص حصل، أنا اعتذرت وفهمته نيتنا ووعدته مش هكرر ده تاني.
ساد صمت طويل بينهما قبل أن تقطعه عبير:
_ يعني مش هتطلعي شقته تاني؟
_ هطلع عشان أنضفها واهويها وبس، مش هاخد منها أي حاجة تاني.
ثم تنهدت قائلة:
_ كتر خيره سامحني ومرضيش يحرجني.
اقتربت عبير منها وربتت على ظهرها بحنان:
_ متزعليش نفسك يا أمه، وليد طيب وهينسى، هو بيعتبرك زي أمه، انتي عملتيها عشم.
أطرقت برأسها دون رد، قبل أن ترفع عيناها نحو ابنتها لتلحظ أثر كفها على وجنة عبير، رق قلبها وضمتها وهي تراضيها:
_ متزعليش مني يا بت، اتعصبت وافتكرتك قاصدة تنشري الصور.
ثم أبعدتها عنها لتعود لغرفتها:
_ روحي لجوزك وابنك كملي نومك.
رمقتها عبير بحزن وتمسكت بها:
_ لأ، هنام معاكي.
دفعتها شادية ببعض الحدة:
_ بلاش دلع ماسخ، ابنك كل شوية بيصحى يرضع.
ولم تكد تكمل كلمتها حتى صدح بكاء الصغير من الغرفة المجاورة.
أسرعت عبير تتفقده، أما شادية فقد خاصمها النوم كلما تذكرت عتاب وليد لها، وخجلها أمامه، والأكثر خجلها من عفوه عنها رغم ما فعلت.
_______
في اليوم التالي بينما وليد في عمله والصغار بغرفهما، أخذت قرارها، لن تترك حدودها التي استُبيحت مشاعًا لأحد، لو تغاضى هو، هي لن تفعل.
أمسكت هاتفها وضغطت على اسم سالم، جاءها صوته سريعًا:
_ أهلًا يا حبيبة أخوكي، عاملة إيه؟ اتعودتي على الغربة ولا لسه؟
ابتسمت لتدافع أسئلته التي نمت عن اهتمامه بها وقالت:
_ كله تمام يا سالم وابتديت أتعود.
_ طب الحمد لله، ربنا يصلح حالك يا غزل، حظك إني برة البيت، بس لما أرجع هتصل عليكي فيديو عشان تكلمي ماما والعيال.
_ هستناك، ماما وولادك وحشوني جدًا.
ابتسم بحنان:
_ انتي أكتر والله، احنا ليل نهار بندعيلك يسترها معاكي انتي وجوزك وولاده، ويفضل سركم هادي.
هزت رأسها بعد تنهيدة:
_ الحمد لله اطمن إنت وماما يا سالم، وليد كويس وعلاقتي بالولاد مستقرة.
وأكملت لتصل لغرض اتصالها:
_ بقولك إيه يا سالم كنت عايزة منك خدمة.
_ تحت أمرك، عايزة إيه؟
_ عايزاك تغير كالون شقتي.
عقد حاجبيه بعجب:
_ ليه يا غزل؟
_ كان مفتاحي ضاع من فترة ونسيته في محل قريب من البيت، ونسيت خالص الموضوع بس رجعت افتكرته، قلت الأضمن أغير الكالون.
هز رأسه بتفهم:
_ وماله، الاحتياط واجب، عيني هغيره.
_ ينفع النهاردة؟ معلش بستعجلك بس محدش عارف الظروف.
رد ببساطة:
_ عادي، أخلص شغلي وأشتريلك كالون متين وآخد معايا نجار ونركبه، بس وليد عارف؟
ردت سريعًا:
_ طبعًا عارف، هو فوضني للقصة دي وسابني أتصرف لوحدي وقال الموضوع عندي.
_ خلاص ولا يهمك، اعتبري كالون شقتك اتغير.
تنهدت براحة:
_ شكرًا يا سالم، وهبعتلك تمن الكالون على محفظة...
قاطعها:
_ بس بلاش عبط، متبعتيش حاجة، قوليلي بس بعد ما أغيره، أدي نسخة مفتاح لخالته اللي ساكنة تحتكم؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أسرعت بالرفض:_ أوعى يا سالم.
ثم هدأت اندفاعها كي لا يشعر بالريبة:
_ أصل بنتها لسه والدة وهتكون عندها كتير وتسيب العمارة، خلي المفاتيح معاك ولو في تغيير هعرفك.
_ اللي يريحك يا غزل.
اغلقت معه شاعرة ببعض الراحة، فبعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح فقط، بل بالحدود التي يضعها الإنسان مع الأخرين.
ظلت ملتزمة الصمت بغين شاخصة مأخودة برغبتها دون انتباه العواقب.
وبالجوار لمع برواز فضي معلق على الحائط.. عكس جانب مشوش من نصف وجهها.. الوجه المستتر الذي تخشاه، وتعافر كي تقتله داخله، لكن على ما يبدو لا يموت، ربما يرقد تحت ثرى بارد، كجمرٍ كساه الرماد وكاد يخبو، لكنه ينتظر أول هبة ريح ليشتعل من جديد.
_________
تركت صغيريها كريم وشقيقه راكان يلعبون مع أبناء الجارة، وصعدت هي لشقة الحاجة خديجة، تلك السيدة السبعينية التي تعيش مع ابنها وزوجته، وتستثمر وقتها بدروس تفسير القرآن وتجويده بسعر رمزي.
عبرت ضحى للغرفة الواسعة التي يطل بابها على الدرج وقد امتلأت ببعض النساء، يجلسن في دائرة صغيرة، معهن مصاحف مفتوحة ودفاتر لتدوين الملاحظات.
جلست ضحى في مكانها المعتاد بعد أن تبادلت مع الجميع التحية.
بدأت الحاجة خديجة بصوت هادئ:
_ النهارده يا بنات هنتدبر في سورة سيدنا يوسف.
قلبت الصفحة ثم تلت أول الآيات بصوت خاشع، قبل أن ترفع نظرها قليلًا:
_ سورة سيدنا يوسف مش مجرد قصة نبي، دي رحلة كاملة من الصبر والمعاناة والتأمل في تدابير الله لعباده.
سكتت لحظة، وكأنها ترتب المعاني داخلها قبل أن تواصل حديثها الهادئ وشرحها الممتع حتى مرت الساعة المخصصة لحلقة التفسير، وقالت وهي تنهي درسها:
_ الجميل في القصة إن ربنا ما تركوش، من الجُب إلى بيت العزيز، للسجن، كل محطة في حياة سيدنا يوسف كانت شكلًا من أشكال الابتلاء، بس كل مكان دخله كان فيه ستر من ربنا قبل ما يكون فيه ألم ومعاناة.
وسكتت قليلًا ثم أضافت:
_ من أهم دروس السورة كلها إن التأخير مش حرمان، واللي بيتوجع منه الإنسان دلوقتي، ممكن يكون هو نفسه طريق نصرته بعدين.
كان النساء ينصتن لها بصمت واهتمام حتى انتهت وأغلقت المصحف برفق وقالت:
_ يارب تكونوا استفدتوا يا حبايبي من درس التفسير النهارده.
بادرت ضحى بقولها:
_ الله يفتح عليكي ويزيدك يا حاجة خديجة وتفضلي تفيدينا بعلمك.
ثم أشارت لطبق كبير تركته فوق الطاولة الجانبية:
_ دلوقت جه معادنا مع التحلية، عملت بسكوت تمر إن شاء الله يعجبكم.
لتتدخل سيدة أخرى بمرح:
_ تسلم إيدك يا ضحى، بسكوتك مع الشاي بالحبهان اللي بتعمله أم عماد هيكون جامد.
ضحكت الحاجة خديجة وقالت:
_ طب يلا يا أم عماد صبي الشاي والحقيني بكوباية مع بسكوته.
_ من عيني يا حاجة.
نهضت الأخيرة تصب في أكواب ورقية الشاي وبدأت ضحى بتوزيع بسكوت التمر وصارت الأحاديث أكثر مرحًا وألفة.
انتهت الجلسة وغادرت جميع النساء لبيوتهنّ، شاعرات برضا لقضاء وقتهنّ بعيدًا عن النميمة والثرثرة الفارغة، بل جلسة الحاجة خديجة قد ساهمت في بناء صداقات وطيدة بين السيدات، لتشعر ضحى أن لديها عائلة أخرى وصديقات ومعارف، ما خفف من غربتها.
…………
عاد ريان إلى البيت في المساء، وقد بدا عليه إرهاق يوم طويل، فوجد ضحى جالسة في الردهة تنتظره.
_ حمد الله على السلامة.
ابتسم وهو يخلع نعليه ويضعه في موضعه:
_ الله يسلمك يا ضيحا، أمال الولاد فين؟
_ كارما في أوضتها بتكلم شهد وباقي البنات، وراكان وكريم بيلعبوا في أوضة اللعب بتاعتهم.
جلس بجانبها، ووضع هاتفه على الطاولة، ثم سأل بهدوء:
_ حضرتي حلقة النهارده مع الحاجة خديجة؟
ابتسمت براحة:
_ طبعًا، مقدرش أفوت الحلقة أبدًا، وبعد ما خلصنا قعدنا نشرب شاي وأخدت لهم بسكوت وعجبهم جدًا.
_ كويس إنك مبسوطة مع الجماعة وعملتي صداقات.
_ الحمد لله، فرقوا معايا بعد سفر فيروز.
أومأ برضا ثم تساءل:
_ باركتي لغنى عشان عمرو؟
_ لسه قافلة معاها قبل ما كارما تكلم شهد، ياه يا ريان، متتصورش سعادتها إزاي بنجاح ابنها، والحمد لله مجموعه جايب هندسة مرتاح زي ما غنى اتمنت.
أشاد ريان بقوله:
_ بصراحة أصيل ومراته ومربين ولادهم تربية تشرف، من الصغير للكبير.
فربتت على كتفه بحب:
_ عقبال ما نفرح بولادنا في حياتك يا حبيبي.
ثم نهضت مع قولها:
_ يلا قوم غير هدومك وخد حمام على ما أغرف الغدا وأنادي على العيال.
_______
_ ريان كنت عايزة أخد رأيك في حاجة.
رد دون أن يرفع عينيه عن حاسوبه:
_ خير يا ضحى؟
سكتت لحظة ترتّب الفكرة داخلها ثم قالت:
_ أنا عندي فكرة ومحتاجة إنك توافقني عليها.
نظر إليها مباشرة هذه المرة:
_ فكرة إيه؟
تنفست بعمق وصاحت:
_ إنت عارف إني مش بشتغل دلوقتي، وكريم لسه صغير، وقبله كان أخوه واخد اهتمامي.
هز رأسه دون تعليق منصتًا لها لتكمل:
_ بس أنا مش حابة أفضل كده.
ورفعت عينيها بثبات:
_ أنا مدرسة رياض أطفال أصلًا يا ريان… وده شغلي وحابة أمارسه تاني.
_ طب إزاي يا ضحى؟ ما إنتِ لسه مرضعة كريم، ولسه صغير ومحتاجلك، وبعدين أنا مرتبي كويس ومش محتاج تشتغلي.
_ يا حبيبي أنا عايزة أشتغل مش بس عشان الفلوس ولو إنه سبب برضو، المثل بيقول إيد على إيد تساعد.
واستطردت:
_ أنا عندي فراغ عايزة أستثمره أكتر من كده.
تنهد دون فهم:
_ يعني عايزة تقدمي على شغل في مدرسة مثلًا ولا إيه؟ مش فاهم.
هنا تحمست وهي تجيبه:
_ بالعكس أنا هفضل في البيت.
زوى بين حاجبيه بعجب لتعاجله موضحة:
_ هشتغل من البيت.
اتسعت عيناه قليلًا وغمغم:
_ البيت؟
_ أيوه شقتنا اللي طلال نقلنا فيها بعد ولادة كريم ما شاء الله كبيرة، وفيها أوضة تعتبر فاضية، بتاعة الأولاد اللي بيلعبوا فيها.
وواصلت عرض فكرتها:
_ أنا ببساطة هستقبل عدد صغير من أطفال صديقاتي اللي بيشتغلوا، من الساعة ٨ الصبح لحد ٢ الظهر بالكتير، يعني قبل رجوعك البيت بأكتر من ساعتين، ده وقت كافي أجهز الغدا واليوم يمشي طبيعي.
بدا على ريان التفكير لتكمل وهي تشرح له مشروعها الافتراضي:
_ كل اللي محتاجاه كام ترابيزة صغيرة مع الكراسي بتاعتها عشان الولاد تقعد عليها،
وكمان ناوية أجيب ألعاب ذكية بسيطة تنمّي تفكيرهم، وتساعدهم على تعلم الحروف والأرقام، ده زي تمهيد ليهم قبل ما يدخلوا أول مرحلة في المدرسة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم يبدُ على ريان الاعتراض وهو يغمغم:
_ كل ده سهل أجيبهولك، بس هتقدري على المسؤولية دي مع عنايتك للبيت وولادنا؟
_ طبعًا يا ريان هقدر، بالعكس كريم هيلاقي حد يلعب معاه، وقبل رجوعك إنت وكارما هكون خلصت يوم شغلي، وعندي وقت للبيت، صدقني مش هقصر.
صمتت تنظر إليه بترقب، مضى وقتًا يقيم فكرتها من جميع الجوانب، لم يجد ما يمنع تنفيذها، بل على العكس سوف تساعد في استقرارها النفسي أكثر، إن كانت حقًا تشعر بفراغ، فالأفضل لها أن تملأه.
_ موافق.
للوهلة رمقته ببلاهة قبل أن تَشهق وهي تنقض تقبل وجهه من كل صوب، ليقهقه وهو يضمها إليه مستغلًا قربها هامسًا:
_ أستحق تكافئيني بإيه بقى؟
ضحكت بدلال ثم مالت عليه ترمقه بحب وهي تمرر إصبعها فوق وجهه هاتفة بخفوت:
_ اللي تأمر بيه يا روح قلب ضيحا، اطلب وأنا أنفذ.
ابتسم وشدد ضمته لخصرها وتنهد قبل أن يخبرها بمشاعر صادقة:
_ كفاية عندي تكوني مبسوطة وعيونك بتلمع اللمعة دي يا ضحى عشان أكون راضي.
طوقته بذراعها ومالت تمنحه قطفة من عناقيد عشقها، ثم قالت:
_ أنا بحبك أوي يا ريان، ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
ابتسم وهو يربت على شعرها بحنان، بينما استقرت رأسها فوق كتفه في راحة تامة، شاعرة أن بابًا جديدًا انفتح أمامها أخيرًا، بابًا يمنحها شيئًا من ذاتها التي افتقدتها طويلًا، دون أن تنتقص من دفء بيتها أو مكانتها داخله.
___________
اليوم موعد تسجيل رغباته في موقع التنسيق، ما بين التوتر والتردد جلس عمرو امامه جهاز اللاب توب مفتوح على صفحة الموقع، وقبل أن يبدأ اوقفته غنى بربتة على كتفه:
_ ثواني يا عمرو.
ثم ذهبت حيث غرفة الصغيرات وقالت لثلاثتهنّ:
_ بنات.. الواي فاي يفضل مفصول عن تليفوناتكم لحد ما اخوكم يسجل الرغبات بتاعته، ضعف النت هيوقع السيستم ويعطلنا.
ردت شهد:
_ يا ماما فاصلينه من ساعة، انا داخلة من باقة تليفوني
لتتبعها فاطمة:
_ وانا كمان يا ماما غنى فاصلة الواي فاي انا وعائشة وبنلعب لعبة بدون نت.
منحت ثلاثتهنّ ابتسامة دافئة، ووعدتهم بتحلية جامدة على شرف تسجيل عمرو لرغباته وقالت قبل خروجها:
_ ربنا يكملكم بعقلكم يا حبايبي، ادعوا لاخوكم بالتوفيق يابنات.
سمعت دعواتهم وهي تغادر لتعود لابنها قائلة:
_ يلا يا عمرو أبدأ بسم الله يا حبيبي وسجل رغباتك بالترتيب.
وصمتت تراقب شاشة الحاسوب جواره، وقلبها يرقص فرحا بتلك اللحظة التي طالما تمنتها وتخيلتها سنوات عمرها الماضي، اما أصيل لم يشأ ان يضغط على عمرو، فجلس بالقرب منه دون توجيهه بأي شيء، فقط نصحه ان يسجل ما يتماشى مع رغباته.
مرر عمرو المؤشر على صفحة التنسيق، ثم بدأ بإدخال الرغبات واحدة تلو الأخرى، ظل يكتب حتى انتهى من ترتيب رغباته، ثم انتقل إلى الصفحة التالية، ظهرت أمامه عبارة واضحة:
«تأكيد الرغبات».
ساد الصمت للحظة ورفع عمرو عينيه نحو والدته التي تشكعه بعيناها، ثم أعاد النظر إلى الشاشة، وأخيرا ضغط على زر التأكيد، ثم ظهرت عبارة.
«تم تسجيل الرغبات بنجاح»
ارتسمت على وجه غنى ابتسامة واسعة، امتزج فيها الفرح بالراحة، ومدّت يدها تضعها برفق على كتفه:
_ ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يسدد خطاك ويفتح قصادك المستقبل من اوسع أبوابه.
بينما اقترب أصيل منه وربت على ظهره بفخر:
_ مبروك يا هندسة.
ابتسم عمرو ابتسامة قصيرة، وهو يرد بهدوء:
_ الله يبارك فيك يا عمو.
لكن عينيه لم تفارقا الشاشة، كان سعيدًا لأنه رأى الفرحة تملأ وجه والدته أخيرًا، وانه استطاع أن يطمئن قلبها باختيار الهندسة التي تمنتها له.
أما هو، فلم يكن قد تخلى عن حلمه الآخر،
حلم ارتداء البدلة السوداء بكل هيبتها وما تمثله من حماية وقوة و واجب وشرف، ابتسم وهو يغلق صفحة التنسيق، ثم ولج للشرفه وتعلقت عيناه بالسماء، ينتظر ما سيقدره له ربه بثقة المؤمن، فاختيار الله دائمًا هو الخير.
_________
وضعت جيلان كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش، ثم ناولت حماتها الدواء قائلة بلطف:
_ يلا يا طنط خدي العلاج وقولي بسم الله.
تناولت علا الأقراص بعد همسها بالذكر، ثم ابتسمت قائلة:
_ ربنا يخليكي ليا يا بنتي، تعباكي معايا.
هزت جيلان رأسها بابتسامة ود:
_ تعبك راحة يا حبيبتي.
عدلت الوسادة خلف ظهرها ونهضت قائلة:
_ هروح أنادي غفران تطلع عشان أغير لها هدومها اللي أكيد بقت مش نضيفة من اللعب، مؤمن زمانه على وصول.
تجاوزت غرفة علا في طريقها لباب الشقة، ثم ارتدت النقاب المعلق بالقرب من الباب، لكن بغتة اهتز هاتفها فوق الطاولة القريبة، التقطته دون اهتمام في البداية، ثم عقدت حاجبيها حين وجدت رقمًا غريبًا.
_ ألو؟
جاءها صوت رجل لا تعرفه:
_ حضرتك مدام جيلان؟
_ أيوة أنا.
ساد صمت قصير أربكها قبل أن يقول:
_ زوجك الأستاذ مؤمن موجود في المستشفى.
في لحظة واحدة شحب وجهها وتجمدت أصابعها حول الهاتف وهي تصيح:
_ مؤمن؟! جوزي جراله إيه؟! وفي أي مستشفى؟!
_ مستشفى "…"، تقدري حضرتك تيجي تشوفيه.
وانتهت المكالمة، وبقي الهاتف معلقًا بين يدها وأذنها، كأن عقلها توقف عن العمل..مؤمن! ماذا أصابه؟!
_ جيلان؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
انتفضت على صوت علا تناديها، استدارت عائدة إليها محاولة إخفاء الرعب الذي اجتاح ملامحها.
_ مالك يا بنتي؟ مين كان بيكلمك؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر لها، لا يمكن أن تخبرها، والدة زوجها مريضة ومجرد أن تعرف أن مؤمن مصاب في المستشفى ربما يصيبها مكروه، فهي بالكاد تجاوزت أزمتها الصحية الأخيرة، وأي صدمة قد تؤذيها.
أجبرت نفسها على الابتسام وقالت:
_ ده مؤمن يا طنط بيقول إنه هيتأخر شوية.
رمقتها علا بعجب:
_ غريب! مش عوايده يتأخر.
_ قال رايح مشوار مهم مع زميل له هيزور حد مريض في المستشفى.
ثم قالت ولا تزال ترسم ابتسامة مهزوزة فوق شفتيها:
_ حضرتك ممكن تنامي شوية لحد ما يرجع، وأنا هنزل أشتري طلب للبيت وراجعة على طول.
لم تمنحها فرصة للسؤال أكثر، التقطت حجابها، ووضعت هاتفها داخل حقيبة يدها وخرجت مسرعة، كانت خطواتها متعثرة فوق درجات السلم، وقلبها يدق بعنف يكاد يمزق صدرها.
وصلت إلى شقة جارتها وطرقت الباب، فتحت الجارة وهي تبتسم:
_ أهلاً يا جيلان، اتفضلي.
_ معلش يا أم محمد مش هقدر أدخل، هي غفران عندك؟
_ أيوة، بتلعب مع بنتي في الصالة.
_ طيب ممكن غفران تقعد عندك شوية لحد ما أرجع؟ عندي مشوار مهم هخلصه وآجي، أرجوكي بنتي متخرجش من بيتك لحد ما آخدها منك.
أطلقت الجارة وعدها دون تردد:
_ ولا يهمك، غفران في أمانتي، مش هسلمها غير ليكي.
ثم انتبهت الجارة لاضطراب وجهها:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ خير يا جيلان؟ وشك مخطوف كده ليه؟ في حاجة؟
دمعت عيناها ولم تستطع الصمود أكثر وهي تنهار باكية:
_ حد اتصل بيا وقالي مؤمن في المستشفى.
شهقت المرأة وضربت على صدرها:
_ يا ساتر يا رب! مستشفى؟! حصل إيه كفا الله الشر؟
_ مش عارفة حاجة، قالولي بس إنه في المستشفى.
أمسكت أم محمد بذراعها:
_ طب اجري روحي يا بنتي ومتشيليش بالك بغفران، دي في عيني، وإن شاء الله تكون بسيطة، بس أمانة عليكي تتصلي تطمنيني لما توصلي وتعرفي الدنيا فيها إيه.
أومأت جيلان بصمت، ثم غادرت العمارة بخطوات شبه راكضة، خيالها يرسم أسوأ الاحتمالات، ويزيد قلبها خوفًا أن تكون إصابة زوجها خطيرة، راحت تدعو وتتضرع لله أن يكون الأمر هيّنًا عليهما.
_________
وصلت جيلان إلى المستشفى وقد بدا لها الطريق أطول مما يجب، رغم أنه لم يستغرق سوى دقائق معدودة، ما إن توقفت سيارة الأجرة أمام المدخل حتى اندفعت للداخل وعيناها تبحثان في الوجوه والممرات بلا هدى، ثم اقتربت من مكتب الاستقبال وهي تلهث:
_ لو سمحت، الأستاذ مؤمن عبد الرحمن، جابوه هنا من شوية، ممكن أعرف أوضته فين؟
راجعت الموظفة أمامها البيانات سريعًا ثم أشارت نحو أحد الممرات:
_ الدور التاني، أوضة "…".
صعدت الدرج مسرعة وقلبها يسبقها إليه بخوف، كلما اقتربت من الغرفة كانت الأفكار السوداء تزداد داخل رأسها.
ماذا لو كانت إصابته خطيرة؟ ماذا لو احتاج عملية؟ ماذا لو...
أوقفت نفسها عن التفكير حين وصلت أخيرًا أمام الباب، توقفت لثوانٍ تستجمع أنفاسها، ثم دفعت الباب، وما إن وقعت عيناها عليه حتى شعرت بقدميها ترتجفان، كان مؤمن مستلقيًا فوق السرير، شاحب الوجه قليلًا، وكتفه الأيسر ملفوف بضمادة كبيرة، يتصل بجهاز محاليل معلق بجواره.
شهقت جيلان وهي تسرع نحوه:
_ مؤمن!
التفت إليها وحاول الاعتدال ليجلس قليلًا وهو يقول سريعًا:
_ جيلان.. اهدي أنا كويس.
لكنها لم تستمع، وصلت إليه وأمسكت وجهه بين كفيها تتفقده بعينين غارقتين بالدموع من خلف نقابها.
_ كويس إزاي؟! إيه اللي حصل يا مؤمن؟! مين عمل فيك كده يا حبيبي؟
أمسك يدها محاولًا تهدئتها:
_ والله أنا بخير، حادث بسيط وعدى على خير.
تسربت دموع من عينها رغمًا عنها وقالت:
_ خوفت عليك أوي يا مؤمن.. عقلي كان هيطير من وقت ما اتصلوا بيا لحد ما جيت هنا.
ربت على كفها وغمغم بصوته الهادئ:
_ قدر ربنا إني أتعرض للحادث البسيط ده.
سحبت مقعدًا وجلست بجواره، وما زالت ممسكة بكفه كأنها تخشى أن يختفي من أمامها، ثم همست:
_ طيب فهمني.. إيه اللي حصل؟
زفر مؤمن وأراح رأسه فوق الوسادة وقال:
_ وأنا راجع من الشغل شفت خناقة في الشارع، واحد كان ماسك مطواة وبيتهجم على راجل كبير معاه ولد صغير شكله حفيده.
فقالت متوقعة ما صار:
_ وانت طبعًا دخلت تفصل بينهم؟
هز رأسه بتأكيد وقال:
_ طبعًا يا جيلان، كان فيه طفل في النص وخوفت يتأذى فحاولت أهدّي الشاب المتهور وأخليه يسيب السلاح من إيده.
واستطرد بخيبة أمل:
_ اللي يحزن يا جيلان إن الناس كلها كانت واقفة بتتفرج، محدش دافع ولا حاول يفض الموضوع، بالعكس لقيت ناس بتصور الخناقة بمنتهى البرود.
ثم احتدت نظراته على غير طبيعته:
_ ده استفزني من غير ما أحس ولقيتني ببعد تليفون واحد فيهم بعنف لدرجة إن التليفون وقع منه واتكسر.
وضعت يدها فوق فمها بصدمة، أما هو فأكمل:
_ ده خلى الشاب يفتكر إني هتعامل بعنف قصاده، قام رافع عليا المطواة يهددني بيها عشان أبعد وأخليني في حالي، طبعًا مبعدتش ووقفت أحمي الرجل العجوز والطفل اللي كان ماسك فيا ومرعوب يا عيني، ولسه بفكر أكلمه الشاب المجنون ده بالعقل، قام طعني في كتفي وجري.
ثم مزح ليخفف ألم الموقف عليها:
_ في ناس صوروني وأنا باخد الطعنة، احتمال الفيديو ينزل على النت وجوزك يلقى ترند، جهزي نفسك للشهرة والقنوات.
رغمًا عنها ضحكت ضحكة قصيرة غارقة بدموعها، ثم هبطت عيناها نحو الضمادة الملفوفة حول كتفه بحزن، ومدت يدها المرتجفة ولمست الضماد برفق شديد.
_ سلامتك يا حبيبي، موجوع أوي؟
ابتسم ابتسامة باهتة:
_ بسيط.. الدكتور قال إنه جرح سطحي والحمد لله، أخذ غرزة وهخرج بعد ما المحلول يخلص لأني نزفت دم كتير.
أغمضت عينيها بهلع وهي تتخيل الدماء التي نزفت منه وهمست بصوت لا يزال خائفًا رغم أنه أمامها:
_ الحمد لله يا مؤمن إن ربنا حفظك لينا، لو جرالك حاجة كنت...
وضع كفه على فمها وابتسم كعادته:
_ بعد الشر عنك، أنا زي الحصان أهو ومفيش حاجة.
__________
طرق أحدهم الباب طرقات خفيفة، فالتفت مؤمن وجيلان نحوه في الوقت نفسه والأول يدعوه للدخول:
_ اتفضل.
انفتح الباب ليظهر رجل مسن تجاوز الستين، وإلى جواره طفل صغير ممسك بيده، تهللت ملامح الرجل حين أبصر مؤمن، واتجه نحوه بخطوات متثاقلة:
_ حمد لله على سلامتك يا ابني.
اعتدل قليلًا فوق الفراش و ردّ بود:
_ الله يسلمك يا حاج!
اقترب الرجل أكثر وربت على ساقه بحنان أبوي:
_ سامحني يا ابني أنا السبب في اللي حصلك.
هز مؤمن رأسه سريعًا:
_ لا يا حاج، متقولش كده، ده نصيب.
لكن الرجل لم يقتنع، والتفت نحو جيلان التي كانت تراقب المشهد من خلف حجابها المنسدل:
_ والله يا بنتي جوزك ده راجل ابن أصول ومفيش منه دلوقت، ربنا يباركلك فيه.
شكرته ودعته للجلوس، فلما جلس قال:
_ أنا اسمي الحاج رمضان، وده حفيدي يوسف.
نظر الطفل لهما بخجل دون قول شيء.
فابتسمت جيلان رغم قلقها:
_ عامل إيه يا يوسف؟
رد الصغير:
_ الحمد لله.
_ قرب يا يوسف.
جذبه مؤمن إليه وربت على ظهره وتسائل:
_ أنت في سنة كام يا حبيبي؟
_ رايح خامسة ابتدائي يا عمي.
_ ما شاء الله، ده أنت كبير خالص.
مسح الحاج رمضان على رأس حفيده وقال بحنان:
_ ده حفيدي اللي ماليش غيره في الدنيا.
التفت مؤمن إليه وقال:
_ ربنا يخليك ليه يا حاج.
ثم تساءل بفضول:
_ بس هو مين الشاب المجنون ده؟ وليه كان عايز يأذيكم؟
رد العجوز موضحًا له الأمر:
_ أنا بسترزق من توكتوك قديم، باكل منه عيش أنا ويوسف بعد ما أبوه وأمه ماتوا.
شحب وجه جيلان قليلًا تأثرًا، بينما أنصت مؤمن باهتمام.
_ النهارده كنت تعبان شوية من السواقة والمناهدة مع الزباين من صباح ربنا، يوسف قالي هسوق بدالك يا جدي.
ثم أكمل بفخر:
_ أنا علمته يسوق وبقى أشطر مني، عشان ساعات بتعب وهو بيساعد شوية، المهم وإحنا بنوصل زبون دخلنا عند ملف ضيق، لقينا ميكروباص داخل بسرعة كبيرة، ولما حاول يوسف يفاديه خبطته و المراية بتاعته اتخبطت واتكسرت.
هنا تدخل الطفل وقال:
_ وجدي وقف على طول وقاله حقك عليا.
ليكمل العجوز:
_ والله يا ابني ما هربت ولا أنكرت، بالعكس نزلت أعتذر له وقلتله أصلحهاله أو أدفع تمنها.
صمت لحظة قبل أن يهز رأسه بحزن:
_ بس الراجل كان متعصب كأنه كان متعاطي حاجة، وفضل يشتم ويزعق قدام الناس كلها، وفجأة طلع المطوة من جيبه، والباقي أنت شاهد عليه.
عبس مؤمن وهو يستمع كما تأثر وهو ينظر للطفل الصغير، فأكمل الحاج رمضان بأسف وهو ينظر لضمادة كتف مؤمن:
_ الضربة دي كانت المفروض تيجي فيا أنا، بس أنت راجل شهم واخدتها بدالي أنا وحفيدي، جميلك ده دين في رقبتي ليوم القيامة.
رد مؤمن على الفور:
_ متقولش كده يا حاج، مفيش دين ولا حاجة، ده واجب عليا وتصرف طبيعي.
_ ما هو قليل اللي بيعمل الواجب دلوقت يا ابني، أديك شوفت الناس محدش حاول يدافع عن راجل عجوز وحفيده.
ثم نهض ببطء من مكانه ممسكًا يد الصغير:
_ أنا جيت أشكرك يا ابني ولو تسمح لي هسدد فاتورة المستشفى، على الأقل أكون…
قاطعه مؤمن بحزم رقيق:
_ ده كلام برضه يا حاج؟ كفاية زيارتك الكريمة، أنا مش عايز حاجة غير تدعيلي.
ابتسم الرجل بامتنان وتسائل:
_ عندك ولاد؟
_ عندي بنت وحيدة عندها خمس سنين.
رفع العجوز يده بالدعاء وراح يردد من قلبه دعوات صادقة خالصة لله بحفظها لهما.
وفجأة قبل مغادرة الرجل اندفع يوسف نحو مؤمن واحتضنه بصمت، كانت تلك طريقته ليشكر الرجل الذي أنقذهما اليوم من بطش شاب متهور.
ربت مؤمن على ظهره بحنان وقال:
_ لو احتجت أي حاجة يا يوسف كلمني، أوعى تتكسف.
ثم أخرج من محفظته مبلغًا من المال، لكن العجوز رفض بقوة:
_ والله ما يحصل، كتر خيرك لحد كده، ومستورة الحمد لله.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ ممكن رقم تليفونك؟
نظر له الرجل بدهشة ثم أكمل:
_ محتاجك في مشاوير كتير، هبقى أتصل عليك لو قريب تيجي.
لم يعترض العجوز، الأمر لا يبدو إحسانًا بل عمل، نظر لحفيده ليملي عليه الرقم ثم انصرف.
ابتسمت جيلان والرجل يغادر ثم نظرت لزوجها بإعجاب، وشعرت أن قلبها يمتلئ فخرًا بزوج كهذا اختاره الله لها.
وصل مؤمن إلى العمارة يسير إلى جوار جيلان بخطوات هادئة، بينما تحمل هي حقيبة الأدوية، استقلا المصعد لشقة الجارة أولًا وما إن فتح الباب حتى انطلقت غفران نحوهما كالسهم.
_ بابا!
ارتمت الصغيرة عليه قبل أن تتوقف فجأة حين وقعت عيناها على الضمادة الظاهرة أسفل قميصه.
اتسعت عيناها بقلق:
_ إيه ده يا بابا؟ أنت متعور؟
انحنى مؤمن بصعوبة وقبّل رأسها:
_ مفيش حاجة يا قلب بابا، خربوشة صغيرة وهتخف بسرعة.
_ ألف سلامة عليك يا أبو غفران.
قالها زوج الجارة بعد أن علم ببعض ما صار من زوجته دون تفاصيل، فشكره مؤمن ثم توجه بالمصعد مع زوجته ثانيًا لشقته.
_ مؤمن؟!
كان صوت علا المرتجف التي تفاجأت ما إن أبصرته، وهي تستند إلى باب غرفتها، وعيناها ممتلئتان بالذعر، أسرعت نحوه قبل أن تتمالك نفسها:
_ جرالك إيه يا ضنايا؟
واحتضنت وجهه بين كفيها وهي تتفحصه كأنها تبحث عن إصابات أخرى لم ترها.
ثم التفتت نحو جيلان بعتاب:
_ عشان كده نزلتي فجأة من غير ما تعرفيني حاجة؟
بررت جيلان لها:
_ خوفت عليكي يا طنط.
وطمأنها مؤمن بقوله:
_ والله يا أمي زي الفل، كام غرزة في كتفي والدكتور خرجني.
ثم جلس مؤمن وأخذها جواره وأمسك يدها:
_ أهو قاعد قدامك، لا عملية ولا حاجة خطيرة ولا حتى هبات ليلة في المستشفى.
رمقته والدته بعينين دامعتين:
_ ربنا سترها عليك يا ابني.
_ الحمد لله يا ست الكل.
دعته جيلان قائلة:
_ مؤمن تعالى ارتاح في أوضتك وأغرفلك حاجة تاكلها، أنت نزفت دم كتير.
طبطبت علا على كفه وأيدتها:
_ مراتك عندها حق، قوم يا حبيبي ارتاح وكل لقمة.
لم يجادلهما ونهض لغرفته، يحتاج غفوة تعيد له بعض نشاطه، تناول القليل من صحن الحساء ثم تركته جيلان لينام.
في المساء جلست غفران إلى جوار والدها فوق الأريكة، بينما كان مؤمن مستندًا إلى ظهرها بتعب طفيف، قطبت حاجبيها الصغيرين وهي تنظر لجرحه:
_ التعويرة لسه بتوجعك يا بابا؟
ابتسم مؤمن وربت فوق شعرها:
_ شوية صغيرة يا حبيبتي.
اقتربت أكثر ومدت يدها تلمس الضمادة بحذر شديد، ثم مالت وطبعَت قبلة صغيرة فوقها وقالت ببراءة:
_ سلامتك يا حبيبي.
ابتسم وضمها لكتفه السليم وغمغم:
_ أهو بعد البوسة الحلوة بتاعتك للتعويرة أكيد هخف بسرعة.
ثم راح يربت على شعرها القصير، سكنت الصغيرة لحظات، ثم رفعت عينيها نحوه وأضافت ببراءة:
_ قول لتيتة لولو متعيطش تاني يا بابا.
اغرورقت عين علا بالدموع، لينظر مؤمن نحوها قائلًا:
_ خلاص بقى متعيطيش يا تيتة لولو، أنا كويس أهو والجرح سطحي مش محتاج القلق ده كله.
ارتسمت على وجهها ابتسامة وهي تجفف دموعها:
_ ده لطف ربنا بيك وبينا يا ابني.
اقتربت غفران منها ومدت يدها الصغيرة تمسح على يدها:
_ خلاص يا تيتة متزعليش بابا كويس.
ضحكت علا رغم دموعها واحتضنت الصغيرة بحنان: _ حاضر يا قلب تيتة.
وفي الزاوية كانت جيلان تقف بصمت، تتابع المشهد بعينين دافئتين، تنظر إلى علا وهي مطمئنة، وإلى مؤمن وهو يضحك رغم الألم، وإلى غفران وبراءتها وهي تحنو على أبيها وتلثم كتفه كل حين ظنًا منها أنها تخفف ألمه بطريقتها اللطيفة، ثم أطلقت نفسًا عميقًا محملًا بامتنانها لله ولطفه بهم، زوجها بخير، وهذا وحده كافٍ ليعيد الهدوء إلى روحها.
_________
بعد مرور بضعة أيام على تسجيل عمرو الرغبات، جلس في غرفته وهو في حالة انتظار لخطوته التالية، فجاءته البشرى حين اهتز هاتفه معلنًا عن اتصال من صديقه، التقطه سريعًا وأجاب:
_ ازيك يا تميم، عندك أخبار؟
جاءه صوت صديقه متحمسًا:
_ أمال اتصلت عليك ليه؟ فتحوا باب التقديم للشرطة أخيرًا.
اعتدل عمرو في جلسته دفعة واحدة، وكأن تيارًا كهربائيًا سرى في جسده هاتفًا:
_ بتتكلم بجد؟
_ والله زي ما بقولك، أنا لسه شايف الإعلان حالًا.
نهض من مقعده دون شعور واتجه نحو النافذة.
_ إمتى هنقدم؟
_ من بكرة الصبح، ملفنا كامل، هنستنى إيه؟
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يتحدث تميم:
_ إيه يا صاحبي؟ اتوترت؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
زفر عمرو وهو يمرر يده في شعره:
_ أيوة، يعني شوية.
_ وأنا كمان، بس الحمد لله إننا جاهزين.
ابتسم عمرو وهو ينظر إلى الفراغ أمامه:
_ فعلًا.
ثم أردف تميم بنبرة أكثر جدية:
_ بص يا عمرو، عايزك تهدى وتستعد وحتى هدومك تجهزها، كمان تنام بدري عشان تكون فايق الصبح.
_ حاضر يا سيدي متقلقش.
_ تمام، أشوفك الصبح بإذن الله.
_ إن شاء الله.
أغلق المكالمة وبقي واقفًا مكانه لثوانٍ طويلة.
ثم ابتسم دون أن يشعر، غدًا لن يكون مجرد يوم عادي، غدًا سيخطو أول خطوة حقيقية نحو حلمه هو.. اتجه نحو مكتبه وأخرج الملف الذي أعده مسبقًا، راجع أوراقه للمرة الأخيرة، ثم أغلقه بعناية.
وفي الخارج كان صوت ضحكات شقيقاته يتردد في أرجاء المنزل وهُنّ يشاهدن فيلمًا ما، بينما جلست غنى تمشط شعر زينة بعد أن حممتها هي وأخيها، دون أن تدري أن قلب ابنها بدأ يخفق لحلم لا تعلم عنه شيئًا خلف باب غرفته، لكنها سوف تعلم حين تتهيأ الظروف.
بعد أن جهز ملابسه أغلق الستائر واستعد للنوم، وقلبه يخفق ويتعجل بلوغ الصباح.
___________
في الصباح التقى عمرو بصديقه حيث اتفقا، ليرى سيارة تقترب منه قبل أن تتوقف ويشير له من داخلها تميم:
_ يلا اركب.
استقل جواره وتسائل:
_ بتاعة مين العربية دي يالا؟ سرقتها؟
رد تميم على مزحته:
_ يعني أنا رايح أقدم في كلية الشرطة، أروح لهم بعربية مسروقة؟
قهقه عمرو ليكمل تميم:
_ بتاعة أبويا يا سيدي، استجدع معايا وقالي خدها النهارده.
زفر عمرو بقوة ثم أشار له:
_ ربنا يخليه ليك، يلا انطلق.
_ آمين يا صاحبي.
ثم ردد دعاء قصير وغمغم وهو يدير السيارة:
_ على بركة الله.
انطلقت السيارة تشقّ الطريق بين زحام الصباح، بينما ظلّ عمرو ممسكًا بملفه، توقفت السيارة بعد دقائق أمام بوابة كبيرة، يقف عندها أفراد بزيّ رسمي، وعدد ليس قليل من شباب يحملون ملفات شبيهة بملفه، يتوافدون من كل اتجاه، نزل عمرو ببطء هذه المرة.. توقفت قدماه وعيناه ارتفعتا نحو اللافتة المعلّقة أعلى البوابة حيث كُتب بوضوح: «أكاديمية الشرطة المصرية».
تجمّد الزمن للحظات.. ثم تحرّك مبتسمًا نحو حلمه.
تدفق عمرو وتميم مع الداخلين عبر البوابة، خطوات سريعة، ووجوه تحمل نفس الخليط الغريب من حماس وخوف وأمل مشدود على خيط رفيع، راح يتلفت حوله يلتقط تفاصيل المكان بعينين متيقظتين، لم يكن يريد أن يفوّت شيئًا، كل خطوة هنا لها معنى.
توقّفا أمام شباك التقديم، حيث جلس موظف بملامح جامدة، يتسلّم الملفات واحدًا تلو الآخر، حين جاء دور عمرو، تقدّم خطوة، ومدّ الملف، أخذ الموظف الملف، ثم رفع عينيه إليه نظرة قصيرة، سريعة وسأله بنبرة روتينية:
_ الاسم؟
_ عمرو.. عمرو هاشم فؤاد.
بعد برهة أعاد الموظف الملف إليه بعد أن دوّن بعض الملاحظات، وقال:
_ تابع الإجراءات.. الدور اللي بعده.
هزّ عمرو رأسه:
_ حاضر.
سجّل تميم اسمه هو الآخر ثم تقدّما إلى ساحة أوسع حيث اصطفّ المتقدّمون في مجموعات، ينتظرون النداء.
امتدّ الانتظار أكثر مما توقّع، بينما الأسماء تُنادى تباعًا، وقف عمرو في صفّه مستقيم الظهر، محاولًا أن يُخفي رجفة خفيفة في أطراف أصابعه من فرط توتره.
صوت قوي انطلق من أحد الضباط:
_ عمرو هاشم فؤاد!
رفع رأسه وردّ بثبات:
_ موجود يا فندم.
_ اتفضل.
دخل إلى غرفة صغيرة نسبيًا، يجلس بداخلها أكثر من شخص، أوراق أمامهم، ونظرات فاحصة لا تُخطئ.
أشار أحدهم إلى الكرسي:
_ اقعد.
جلس عمرو مستقيمًا رافعًا رأسه، محاولًا أن يبدو كما ينبغي، بدأت الأسئلة:
_ عايز تدخل كلية شرطة ليه؟
ردّ دون تردد:
_ عشان أخدم بلدي وأنصر المستضعفين وأردع اللي بيهدد أمان الشعب من المجرمين.
تبادل الجالسون نظرات سريعة، ثم انتقلوا لسؤال آخر:
_ والدك شغال إيه؟
قال عمرو هذه المرة بنبرة أهدأ، وبها قدر بسيط من التردد:
_ كان موظف في مصنع، بس بصراحة مش فاكر اسم المصنع إيه.
دوّن أحدهم شيئًا، ثم رفع الآخر عينيه إليه، وسأله بنبرة هادئة، لكنها اخترقت سكونه:
_ إنت تعرف إيه عن والدك؟
رغم بساطة السؤال، لكنه كان عسيرًا عليه، تساؤل جعل وعيه في تلك اللحظة يغيب عن رؤية الوجوه أمامه، انسحب بذاكرته فجأة إلى مساحة أبعد بكثير، حيث طفولة باهتة التفاصيل، وبيت غير مستقر، أم تحاول أن تحتوي، وأب لا يُحتوى، أب معدوم الوجود في عقله وحتى قلبه، يتذكّر عمرو نفسه واقفًا عند باب غرفة مغلقة، يسمع مشاجرة لا يفهم أسبابها، لكنه يشعر بعنفها من صراخ والدته، تذكّر دموعها وآثار الضرب فوق جسدها حين يُفتح باب تلك الغرفة، لم ينسَ نظرة الخوف بعينيها، والقسوة بعين أبيه، ثم في يوم قيل له فيه ببساطة: «بابا وماما اتطلقوا».
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
«أبوك مات يا عمرو»
بدون تفاصيل أو حكايات يمكن أن يتذكرها.
عاد عمرو إلى الحاضر بغتة، وكأن أحدهم انتشله من بحر شروده ليقذفه لواقعه، تلاقت عيناه مع السائل، وأجاب بصوت خافت:
_ معنديش تفاصيل كتير عن بابا، هو وماما اتطلقوا وأنا صغير، وبعدها بفترة قالولي إنه مات، ومن ساعتها معرفش عنه حاجة تانية.
سادت لحظة صمت وتبادل الجالسون نظرات قصيرة، ثم أُغلقت الملفات وقال أحدهم بلهجة رسمية:
_ تمام، اتفضل.
وقف عمرو لكنه لم يكن بنفس الثبات الذي دخل به، شعور غريب ينتابه، خرج من الغرفة والباب أُغلق خلفه، وفي الخارج كان تميم ينتظره، اقترب منه سريعًا:
_ ها؟ عملت إيه؟ طمني.
لم يردّ، كان ما يزال عالقًا هناك عند السؤال الأخير: «إنت تعرف إيه عن والدك؟»
ثم التفت إلى صديقه وقال بنبرة غريبة عليه:
_ مش عارف يا تميم.
قطّب الآخر حاجبيه:
_ إزاي يعني مش عارف؟ سألوك عن إيه وجاوبت ولا لأ؟
هز رأسه بشحوب:
_ جاوبت، بس معرفش إجاباتي بالنسبة ليهم كانت كافية ولا لأ.
ربت تميم على ظهره حين استشعر رهبته:
_ خير إن شاء الله يا صاحبي.
أومأ له عمرو وداخله يتمنى حقًا أن تسير الأمور على خير.
سمع النداء باسم رفيقه، فرد تميم مثبتًا وجوده ثم حدّثه سريعًا:
_ هخلص أنا كمان وأجيلك نمشي سوا.
سريعًا ما انتهى تميم وعاد إليه:
_ الحمد لله اليوم النهارده مشي على خير.
ابتسم له عمرو ابتسامة متقوصة وقال:
_ الحمد لله.
ثم بدأت نفسه تستعيد هدوءها تدريجيًا.
_ ناوي ترجع البيت ولا نروح نقعد في مكان نفطر حاجة خفيفة ونشرب شاي؟
_ هروح الجيم.
رفع تميم حاجبيه:
_ دلوقتي؟
_ أيوة.
ابتسم تميم وقال:
_ خلاص نفطر عشان أنا جعان أوي، بعدها نروح سوا.
بعد ساعة تقريبًا، كان عمرو داخل الجيم، يبدأ التمرين كأنه يفرغ كل ما تراكم بعقله طوال اليوم، كل رفعة أثقال كانت تُسقط جزءًا من التوتر، وتدفن سؤالًا لم يستطع الإجابة عنه هناك كما يجب داخل الغرفة، وجحيم انتظاره يعربد داخله، هل سوف يصل لحلمه؟ ام ينتظره شيء أخر؟.
السابع من هنا