رواية ريشة والصقر الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل الخامس
كانت ريشة واقفة أمام باب القسم.
عباءة سوداء بسيطة تلتف حول جسدها، ضيقة عند الوسط وواسعة عند الأطراف، وطرحة خفيفة تخفي شعرها دون مبالغة.
مظهرها كان هادئًا على غير عادتها، لكن حضورها لم يكن كذلك أبدًا.
شيء فيها كان سابقًا لها دائمًا... بخطوة، بنظرة، وبمشاكل تعرف طريقها قبل أن تصل.
جاءت لإنهاء إجراءات إخلاء سبيلها.
إفراج مؤقت... بأمر من الرائد زين المنصوري.
مجرد الاسم مكتوبًا في الورق كان كافيًا ليضغط على صدرها دون لمس.
دخلت.
صالة القسم كانت مزدحمة إلى حد الفوضى؛ أصوات متداخلة، أوراق تُقلب بعجلة، شكاوى، صراخ، وأقدام لا تتوقف عن الحركة.
رائحة المكان مزيج خانق من القهوة الرديئة، والعرق، والحبر القديم.
توقفت لحظة عند المدخل.
لم يكن التردد خوفًا من القسم...
بل خوفًا من ما ستراه.
منذ ليلة المقبرة، والفراغ بينهما لا يُفهم.
اختفى فجأة. لا اتصال، لا مواجهة، لا حتى نظرة.
وتركها وحدها مع أسئلة لا تنتهي.
خطت خطوة...
ثم توقفت.
الباب الموارب أمامها كشف ما لم تكن مستعدة له.
زين.
كان داخل مكتبه.
الرائد زين المنصوري.
قميصه العسكري مفتوح عند أول زر، وأكمامه مشمرّة حتى المرفق.
عروق يديه بارزة وهو يمسك القلم، وملامحه مرهقة إلى حد القسوة، كأن النوم لم يزره منذ أيام.
لكن لم يكن وحده.
كانت هناك فتاة.
جلست على طرف المكتب بثقة مبالغ فيها، شعرها مصبوغ بلون فاتح، وملابسها أنيقة ومرتبة، وعطرها يسبقها قبل أن تُرى.
ليلى — ابنة اللواء.
كانت تميل نحوه، تقدّم له الطعام بيدها.
"يلا يا زين بقى... هفضل اتحايل عليك كتير؟ كل يلا."
صوتها كان ناعمًا، متدللًا، لكنه محمل بسيطرة لا تُخفى.
"إنت مش بتاكل خالص وكده هتزعلني."
زين كان مستندًا بظهره إلى الكرسي، متحفظًا، مشغول الذهن رغم ثبات ملامحه.
"شكراً يا ليلى. قولت لك هاكل بعدين. عندي شغل وياريت تسكتي عشان أعرف أركز."
لكن عينيه لم تكن ترى الورق حقًا.
كانت شاردة.
ليلى دفعت السندوتش أقرب إليه.
"شغل إيه بس؟ بابا قالي آخد بالي منك، وإنت عارف بابا لما يقول حاجة لازم تتنفذ بالحرف."
عند ذكر اللواء عاصم، ساد صمت خفيف في ملامحه.
اسم لا يُرفض.
اسم صنعه، وربّاه، وفتح له الطريق.
وخارج المكتب...
كانت ريشة تقف.
تراقب.
وصدرها يشتعل بصمت لا يهدأ.
رأت يد ليلى تقترب أكثر مما يجب.
ورأت زين لا يتحرك.
وفي داخلها، شيء انكسر دون صوت.
ثم دخلت.
خطوة واحدة كانت كفيلة أن تغيّر الهواء كله.
ارتطم كعبها بالأرض.
الصوت انتشر في المكان كصفعة.
"صباح السهوكة."
توقفت الحركة في الصالة لحظة.
التفتت الأنظار كلها نحوها.
ليلى استدارت ببطء، ونظرتها مسحتها من الأعلى للأسفل بازدراء واضح.
"مين دي يا زين؟ وازاي تتجرأ وتدخل كده؟"
زين نهض فجأة.
الكرسي تحرك بعنف خلفه.
ملامحه تبدلت في لحظة؛ غضب، مفاجأة، وارتباك.
"ريشة... إنتي بتعملي إيه هنا؟"
لكنها لم تجبه.
تقدمت إلى المكتب بثبات، وأسقطت الملف أمامه بقوة.
"جاية أمضي على إخلاء سبيل يا باشا؟"
ثم التفتت نحو ليلى، بابتسامة باردة مشتعلة.
"لا حلوة وعودها فاير... عرفت تختار يا صقر."
همس خافت مرّ في المكان.
ليلى انفجرت:
"إنتي مجنونة؟ إنتي بتكلميني أنا كده؟"
ريشة التفتت إليها بهدوء شديد، كهدوء ما قبل العاصفة.
"مجنونة؟ لا يا حبيبتي... أنا رقاصة بتعرفي ترقصي ولا اعلمك؟."
اقتربت خطوة واحدة فقط.
"والرقاصة اللي قدامك. شاطرة اوي بتعرف تصطاد الصقور أحسن من بنات البندر اللي متربية في قصور عمرها كله."
ثم رمقت زين بنظرة جانبية:
"مش كده ولا إيه؟"
انفجر التوتر.
ليلى صرخت:
"زين! إنت سامع الكلام؟ إنت هتسكت لها؟ هاتلي حقي منها!"
لكن زين لم يكن معهما بالكامل.
كان يغلي.
اقترب فجأة وأمسك ذراع ريشة.
قبضته كانت قوية، مشدودة، لكنها محسوبة.
"ريشة... لسانك الزفر ده يتلم بدل م هو طايح في خلق الله. وياريت تنسي إنك غجرية، وتتعاملي بأدب معاها لأنها قادرة تذلك عمرك كله بإشارة منها."
صوته كان منخفضًا، لكنه قاطع.
ريشة نظرت إلى يده على ذراعها.
لم ترتجف.
ثم رفعت عينيها إليه.
"حاضر."
همستها كانت أخف من الهواء.
"تؤمرني يا تاج راسي."
وفي لحظة غير محسوبة...
لم تخرج.
بل اقتربت أكثر.
رفعت يدها الحرة، وعدّلت ياقة قميصه العسكري ببطء.
أصابعها لامست رقبته لحظة خاطفة.
ثم انحنت عند أذنه، وهمست بصوت لا يسمعه أحد سواهما:
"بس ابقى خلي بالك من القطة... عشان ممكن تاكلك."
ثم ابتعدت.
وتركت خلفها فراغًا مشحونًا لا يُحتمل.
وغادرت.
سارت بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا.
لكن الهواء خلفها كان مختلفًا.
ثقيلًا.
ملتهبًا.
ليلى كانت تكاد تنفجر.
"شوفت؟ شوفت بتكلم إزاي؟ دي بيئة خالص! أنا هكلم بابي!"
لكن زين لم يكن يسمعها.
كان ينظر إلى الباب الذي خرجت منه ريشة.
ملامحه متصلبة، وعروقه في رقبته واضحة، ويده التي أمسكتها قبل قليل ما زالت مشدودة كأنها لم تتركها بعد.
ثم قال دون أن يلتفت:
"عن إذنك يا ليلى."
وغادر.
لحق بها إلى الخارج.
كانت على وشك ركوب توكتوك.
أمسك ذراعها فجأة، وأدارها نحوه.
"إنتي عايزة إيه يا ريشة؟ عايزة تولعي فيا؟ عايزة توديني في داهية؟ عايزاني أخضعلك؟ بتمارسي عليا فتنتك وفاكراني مش هتأثر؟ أنا لحم ودم ومش قادر!"
صوته كان عاليًا، مكبوتًا، متفجرًا.
والناس بدأت تلتفت.
دفعت صدره بيديها.
"امشي وروحلها."
صوتها كان حادًا، مكسورًا من الداخل.
"ريشة مش بتجري ورا راجل... حتى لو كان صقر."
"هي ريشة حرة... ملهاش مكان ولا حاكم."
ساد صمت لحظة.
ثم رفعت عينيها إليه:
"أنا بكرهك يا زين... بكرهك قد ما حبيتك."
لفّت لتغادر.
لكن يده أمسكتها.
"لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك... اتفضلي امشي."
نظرت إليه نظرة طويلة، مليانة جرح وغضب، ثم سحبت يدها ومشت.
هذه المرة لم يلحق بها فورًا.
ظل واقفًا مكانه، يراقب أثرها وهو يختفي.
وعيناه لم تهدأ.
كانت ريشة واقفة أمام باب القسم.
عباءة سوداء بسيطة تلتف حول جسدها، ضيقة عند الوسط وواسعة عند الأطراف، وطرحة خفيفة تخفي شعرها دون مبالغة.
مظهرها كان هادئًا على غير عادتها، لكن حضورها لم يكن كذلك أبدًا.
شيء فيها كان سابقًا لها دائمًا... بخطوة، بنظرة، وبمشاكل تعرف طريقها قبل أن تصل.
جاءت لإنهاء إجراءات إخلاء سبيلها.
إفراج مؤقت... بأمر من الرائد زين المنصوري.
مجرد الاسم مكتوبًا في الورق كان كافيًا ليضغط على صدرها دون لمس.
دخلت.
صالة القسم كانت مزدحمة إلى حد الفوضى؛ أصوات متداخلة، أوراق تُقلب بعجلة، شكاوى، صراخ، وأقدام لا تتوقف عن الحركة.
رائحة المكان مزيج خانق من القهوة الرديئة، والعرق، والحبر القديم.
توقفت لحظة عند المدخل.
لم يكن التردد خوفًا من القسم...
بل خوفًا من ما ستراه.
منذ ليلة المقبرة، والفراغ بينهما لا يُفهم.
اختفى فجأة. لا اتصال، لا مواجهة، لا حتى نظرة.
وتركها وحدها مع أسئلة لا تنتهي.
خطت خطوة...
ثم توقفت.
الباب الموارب أمامها كشف ما لم تكن مستعدة له.
زين.
كان داخل مكتبه.
الرائد زين المنصوري.
قميصه العسكري مفتوح عند أول زر، وأكمامه مشمرّة حتى المرفق.
عروق يديه بارزة وهو يمسك القلم، وملامحه مرهقة إلى حد القسوة، كأن النوم لم يزره منذ أيام.
لكن لم يكن وحده.
كانت هناك فتاة.
جلست على طرف المكتب بثقة مبالغ فيها، شعرها مصبوغ بلون فاتح، وملابسها أنيقة ومرتبة، وعطرها يسبقها قبل أن تُرى.
ليلى — ابنة اللواء.
كانت تميل نحوه، تقدّم له الطعام بيدها.
"يلا يا زين بقى... هفضل اتحايل عليك كتير؟ كل يلا."
صوتها كان ناعمًا، متدللًا، لكنه محمل بسيطرة لا تُخفى.
"إنت مش بتاكل خالص وكده هتزعلني."
زين كان مستندًا بظهره إلى الكرسي، متحفظًا، مشغول الذهن رغم ثبات ملامحه.
"شكراً يا ليلى. قولت لك هاكل بعدين. عندي شغل وياريت تسكتي عشان أعرف أركز."
لكن عينيه لم تكن ترى الورق حقًا.
كانت شاردة.
ليلى دفعت السندوتش أقرب إليه.
"شغل إيه بس؟ بابا قالي آخد بالي منك، وإنت عارف بابا لما يقول حاجة لازم تتنفذ بالحرف."
عند ذكر اللواء عاصم، ساد صمت خفيف في ملامحه.
اسم لا يُرفض.
اسم صنعه، وربّاه، وفتح له الطريق.
وخارج المكتب...
كانت ريشة تقف.
تراقب.
وصدرها يشتعل بصمت لا يهدأ.
رأت يد ليلى تقترب أكثر مما يجب.
ورأت زين لا يتحرك.
وفي داخلها، شيء انكسر دون صوت.
ثم دخلت.
خطوة واحدة كانت كفيلة أن تغيّر الهواء كله.
ارتطم كعبها بالأرض.
الصوت انتشر في المكان كصفعة.
"صباح السهوكة."
توقفت الحركة في الصالة لحظة.
التفتت الأنظار كلها نحوها.
ليلى استدارت ببطء، ونظرتها مسحتها من الأعلى للأسفل بازدراء واضح.
"مين دي يا زين؟ وازاي تتجرأ وتدخل كده؟"
زين نهض فجأة.
الكرسي تحرك بعنف خلفه.
ملامحه تبدلت في لحظة؛ غضب، مفاجأة، وارتباك.
"ريشة... إنتي بتعملي إيه هنا؟"
لكنها لم تجبه.
تقدمت إلى المكتب بثبات، وأسقطت الملف أمامه بقوة.
"جاية أمضي على إخلاء سبيل يا باشا؟"
ثم التفتت نحو ليلى، بابتسامة باردة مشتعلة.
"لا حلوة وعودها فاير... عرفت تختار يا صقر."
همس خافت مرّ في المكان.
ليلى انفجرت:
"إنتي مجنونة؟ إنتي بتكلميني أنا كده؟"
ريشة التفتت إليها بهدوء شديد، كهدوء ما قبل العاصفة.
"مجنونة؟ لا يا حبيبتي... أنا رقاصة بتعرفي ترقصي ولا اعلمك؟."
اقتربت خطوة واحدة فقط.
"والرقاصة اللي قدامك. شاطرة اوي بتعرف تصطاد الصقور أحسن من بنات البندر اللي متربية في قصور عمرها كله."
ثم رمقت زين بنظرة جانبية:
"مش كده ولا إيه؟"
انفجر التوتر.
ليلى صرخت:
"زين! إنت سامع الكلام؟ إنت هتسكت لها؟ هاتلي حقي منها!"
لكن زين لم يكن معهما بالكامل.
كان يغلي.
اقترب فجأة وأمسك ذراع ريشة.
قبضته كانت قوية، مشدودة، لكنها محسوبة.
"ريشة... لسانك الزفر ده يتلم بدل م هو طايح في خلق الله. وياريت تنسي إنك غجرية، وتتعاملي بأدب معاها لأنها قادرة تذلك عمرك كله بإشارة منها."
صوته كان منخفضًا، لكنه قاطع.
ريشة نظرت إلى يده على ذراعها.
لم ترتجف.
ثم رفعت عينيها إليه.
"حاضر."
همستها كانت أخف من الهواء.
"تؤمرني يا تاج راسي."
وفي لحظة غير محسوبة...
لم تخرج.
بل اقتربت أكثر.
رفعت يدها الحرة، وعدّلت ياقة قميصه العسكري ببطء.
أصابعها لامست رقبته لحظة خاطفة.
ثم انحنت عند أذنه، وهمست بصوت لا يسمعه أحد سواهما:
"بس ابقى خلي بالك من القطة... عشان ممكن تاكلك."
ثم ابتعدت.
وتركت خلفها فراغًا مشحونًا لا يُحتمل.
وغادرت.
سارت بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا.
لكن الهواء خلفها كان مختلفًا.
ثقيلًا.
ملتهبًا.
ليلى كانت تكاد تنفجر.
"شوفت؟ شوفت بتكلم إزاي؟ دي بيئة خالص! أنا هكلم بابي!"
لكن زين لم يكن يسمعها.
كان ينظر إلى الباب الذي خرجت منه ريشة.
ملامحه متصلبة، وعروقه في رقبته واضحة، ويده التي أمسكتها قبل قليل ما زالت مشدودة كأنها لم تتركها بعد.
ثم قال دون أن يلتفت:
"عن إذنك يا ليلى."
وغادر.
لحق بها إلى الخارج.
كانت على وشك ركوب توكتوك.
أمسك ذراعها فجأة، وأدارها نحوه.
"إنتي عايزة إيه يا ريشة؟ عايزة تولعي فيا؟ عايزة توديني في داهية؟ عايزاني أخضعلك؟ بتمارسي عليا فتنتك وفاكراني مش هتأثر؟ أنا لحم ودم ومش قادر!"
صوته كان عاليًا، مكبوتًا، متفجرًا.
والناس بدأت تلتفت.
دفعت صدره بيديها.
"امشي وروحلها."
صوتها كان حادًا، مكسورًا من الداخل.
"ريشة مش بتجري ورا راجل... حتى لو كان صقر."
"هي ريشة حرة... ملهاش مكان ولا حاكم."
ساد صمت لحظة.
ثم رفعت عينيها إليه:
"أنا بكرهك يا زين... بكرهك قد ما حبيتك."
لفّت لتغادر.
لكن يده أمسكتها.
"لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك... اتفضلي امشي."
نظرت إليه نظرة طويلة، مليانة جرح وغضب، ثم سحبت يدها ومشت.
هذه المرة لم يلحق بها فورًا.
ظل واقفًا مكانه، يراقب أثرها وهو يختفي.
وعيناه لم تهدأ.