📁 آخر الروايات

رواية ريشة والصقر الفصل السادس 6 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية ريشة والصقر الفصل السادس 6 بقلم هاجر عبدالحليم 


الفصل السادس
كانت ريشة تمشي وحدها في الطريق.
العباءة السوداء ترفرف خلفها مع الريح كظلٍ ثقيل، والطرحة ملفوفة بإحكام حول رقبتها. في يدها كيس فيه عيش وجبنة، عائدة من الفرن إلى بيتها فوق السطوح.
منذ الصباح وهي تحاول أن تُقنع نفسها بالنسيان.
أن تنسى زين وهو يمسك ذراعها أمام ليلى.
أن تنسى صوته وهو يقول: "لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك"
أن تنسى أنه اختار صورته أمام بنت اللواء وتركها هي تتكسر وحدها.
"غجرية."
الكلمة ما زالت تتردد في أذنها، كأنها نار لا تنطفئ.
لا تجرحها فقط… بل تمحوها ببطء.
مرت بجوار القهوة، فصمت الرجال فور رؤيتها.
همسات خافتة تسللت: اهي كل شوية ع الحال بقت بتروح القسم اكتر من م بتروح السوق.
رفعت رأسها.
في عينيها شيء يشبه الاشتعال.
لن تبكي. ريشة لا تبكي أمام أحد.
ريشة تحترق بصمت.
دخلت الحارة الضيقة المؤدية إلى بيتها.
كانت ساكنة بشكل غير مطمئن، مصباح وحيد في نهايتها يرتجف كأنه يحتضر.
رائحة الرطوبة والنفايات تملأ المكان.
توقفت لحظة.
انقبض قلبها.
هناك نفس خلفها.
قبل أن تلتفت، غطت يدٌ ثقيلة فمها.
وهبط كيس خيش على رأسها دفعة واحدة.
ظلام تام.
سقط كيس الخبز من يدها.
حاولت أن تصرخ.
"زز..."
لكن يدًا أخرى ضربتها في بطنها، فقطعت أنفاسها.
صوت خشن قال: "خلصو بسرعة قبل ما حد يشوفنا."
رُفعت جسدها كما يُرفع كيس ثقيل، وأُلقيت على كتف أحدهم.
دخلت رائحة عرق وسجائر فاسدة إلى أنفها من تحت الخيش.
فُتح باب سيارة.
أُلقيت داخل المقعد الخلفي، ثم أُغلق الباب بسرعة.
وانطلقت السيارة.
كانت ترتجف. لأول مرة في حياتها… خافت.
"يااااااه طلعتي ملبن يابت ؟
دا احنا هنتوصي بيكي ع الأخر"
عضت على شفتها حتى شعرت بطعم الدم.
"زين."
في تلك الأثناء، كان زين في مكتبه.
لم يكن يحتمل نفسه.
الكلبش في يده يُفتح ويُغلق بعصبية: تك… تك… تك…
الصوت كان ينهشه من الداخل.
فُتح الباب بعنف.
دخل عسكري يركض، أنفاسه متقطعة.
"يا فندم! يا فندم مصيبة! يافندم"
رفع زين رأسه، عيناه محمرتان من السهر والغضب.
"إيه افندم افندم في اي انطق قول"
"ريشة... بنت الحاوي اتخطفت يا باشا
شهود من الحارة شافوا عربية سودا من غير نمر. اتنين ملثمين حطوا شوال على راسها وخدوها. الكيس بتاعها واقع في نص الشارع ومحدش عارفلها طريق جرة"
ساد الصمت لحظة.
ثم انكسر العالم في عيني زين.
قام بعنف، فسقط الكرسي خلفه.
"يانهار ازرق ...من امتي الكلام دا؟"
"زي ما بقولك يا فندم. من ربع ساعة كدا"
قبض على المكتب بقوة حتى برزت عروقه.
رآها… رآها وهي تخرج من أمامه.
رآها وهي تكتم دمعتها.
رآها وهو يتركها تمشي وحدها.
غبي. غبي. غبي.
"مين اللي خطفها؟"
صرخة خرجت منه فاهتز المكان.
"مين اللي ليه عين يمد إيده عليها؟"
تراجع العسكري خطوة.
"منعرفش يا فندم. الناس خافت تتكلم بس اكيد هندور عليهم"
ارتدى زين سترته العسكرية بسرعة، ثم التقط سلاحه.
"طلع قوة حالاً. دورية في كل مخارج المنطقة بسرعة لو عيني لمحت ضفر منها ناقص هحرق البلد باللي فيها فاهم"
"فاهم يا فندم!"
اندفع خارجًا كالعاصفة.
ركب سيارة الشرطة، وانطلق كالمجنون.
كان عقله يشتعل: من؟ ولماذا؟
رجال الآثار؟
أم أبوها؟
لا… اللواء عاصم لا يفعلها.
إذن… رزق الحاوي.
أُلقيت ريشة على الأرض.
أُزيل الكيس من رأسها، لكن يديها ظلت مقيدتين خلف ظهرها بحبل خشن، وفمها مغلق بشريط لاصق.
الغرفة مظلمة إلا من ضوء مصباح جاز.
رائحة العفن تملأ المكان.
أمامها ثلاثة رجال ملثمين.
أحدهم ضخم، وعلى وجهه ندبة طويلة ظاهرة من تحت القناع.
اقترب منها، جثا أمامها، وأمسك ذقنها.
"إزيك يا بنت الحاوي؟
وحشتينا. من يوم المقبرة وإحنا بندور عليكي ."
نظرت إليه باحتقار.
لا خوف في عينيها.
وبصقت على الأرض بجواره.
ضحك.
"لسانك طويل زي أبوكي"
ثم ركلها في بطنها بقوة.
انكمشت من الألم، لكنها لم تصدر صوتًا.
"أبوكي خبا تمثال دهب. يسوى ملايين عايزينه."
تحرك في الغرفة.
"وإنتي الوحيدة اللي عارفة مكانه. حياتك قصاده"
هزت رأسها بالنفي.
عينها كانت تقول: موتوا.
أمسك أحدهم شعرها بعنف.
"هتقولي يا حلوة. هتقولي بالذوق، بالعافية هتقولي."
أخرج مطواة، وفتحها.
انعكس ضوء المصباح على نصلها.
مررها على خدها ببطء.
"ولا تحبي نرسم على الوش الحلو ده البخت والريشة هتتقطع وهيتداس عليها؟ وزين حبيب القلب هترجعيله ف كيس ممكن من غير ودن صباع انتي وحظك بقا عشان يتعلم ميحطش مناخيره ف شغلنا"
اقترب النصل من أذنها.
وفجأة…
انفجر الباب الحديدي.
ظهر زين عند المدخل.
وجهه بلا حياة. عيناه سوداوان.
سترته العسكرية مغطاة بالغبار. وفي يده سلاحه.
خلفه أربعة جنود بأسلحة آلية.
لا تحذير. لا كلام.
رفع زين سلاحه.
طلقتان.
سقط اثنان يمسكان ريشة، أحدهما في كتفه والآخر في ساقه.
التفت الضخم ورفع سلاحه.
لكن زين سبقه.
رصاصة في يده. سقط السلاح. وتناثر الدم.
دخل زين بخطوات باردة قاتلة.
أمسك الجنود بالباقين.
أما الضخم، فكان يزحف أرضًا ممسكًا بيده المصابة.
لكن زين لم ينظر إليه.
كان ينظر إليها فقط.
مقيدة. متسخة. مجروحة.
جثا أمامها.
"ريشة!"
صوته انكسر.
نزع الشريط من على فمها.
تنفست بقوة.
ثم رفعَت عينيها إليه.
لم تبكِ.
لكن في نظرتها كل شيء: وجع، غضب، وخذلان.
"انت غبي وحمار
كان ريشة هتضيع وزهوتها هتروح الحقني"
قالتها بصوت مبحوح.
كان يفك الحبل من يديها والارتعاش يفضحه.
"حقك عليا. حقك عليا يا ريشة."
سقط الحبل.
نظرت إلى معصمها المتورم.
ثم إليه.
ورفعت يدها فجأة، وصفعته.
صفعة واحدة… مشحونة بكل ما فيها.
تجمد المكان.
حتى الجنود.
رفع زين رأسه ببطء، الصدمة تشتعل في عينيه.
قبض على يدها فجأة.
قبضة قوية… غاضبة.
ارتجفت ريشة.
ولأول مرة… شعرت أن زين خرج عن صمته تمامًا



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات