رواية عشق يزلزل الحصون الفصل الخامس 5 بقلم بسنت محمد
رواية: عِشْقٌ يَزْلْزِلُ الحُصُونْ 
وصل الأتوبيس السياحي وأخيراً إلى مقر المستشفى الميداني على الحدود مع خيوط شروق الشمس الأولى. المكان كان عبارة عن منظومة متكاملة من الخيام الطبية الضخمة والمجهزة بأحدث الأجهزة، تحيط بها رمال الصحراء الذهبية الشاسعة من كل جانب، وتتولى قوات العمليات الخاصة بقيادة أدهم تأمين المحيط بالكامل بشكل صارم ومدروس.
هبطت حور من الأتوبيس وهي تمط جسدها بتعب شديد من أثر الطريق الطويل والمعركة السابقة، وأخذت تتنفس الهواء النقي، وشعرها الكيرلي الغجري يلتف حول وجهها بعفوية ورقة. نظرت حولها إلى الرمال الممتدة وقالت لزميلتها الدكتورة مروة وهي تلوح بيديها:
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! هي دي بقا الصحراء اللي بيحكوا عنها في الروايات؟ الجو هنا حر وقاسي قوي يا بنتي، أنا حاسة إني هتحول لفرخة مشوية على الفحم قبل ما المأمورية الإنسانية دي تخلص ونرجع لبيوتنا بالسلامة!"
وفي تلك اللحظة بالذات، جاء صوت أدهم الرخامي الصارم والعميق من خلفها مباشرة ليقطع شكواها:
"لو مش قد الشغل والمسؤولية في الظروف الصعبة والقاسية دي يا دكتورة، كان ممكن بكل بساطة تقعدي في تكييف قصر العيني وتسيبي المهمة الوطنية دي للرجالة اللي بيتحملوا."
التفتت حور بسرعة الصاروخ لتجده يقف بكامل هيبته وجاذبيته، وقد خلع كابه العسكري وبدت عيونه السوداء حادة ومصممة تحت أشعة الشمس التي أضفت على ملامحه الرجولية جاذبية خاصة. رفعت حور حاجبها الصغير وقالت بتحدٍ وعناد طفولي ومرح:
"مين دي اللي مش قد الشغل يا سيادة المقدم؟ ده أنا حور الشافعي! يعني أدخل أوضة العمليات تحت أي ظرف وأنا واقفة على رجلي من غير ما اتهز، وبكرة تشوف شغلي بنفسك وتقف تضربلي تعظيم سلام احترماً لمهارتي!" 

أدهم ابتسم بداخل قلبه غصباً عنه على عنادها الأسطوري وشجاعتها التي لا تنتهي، لكن ملامحه الخارجية ظلت جافة وصارمة وقال وهو يشير بيده نحو الخيام الكبيرة:
"هنصفي الحسابات والكلام ده بعدين.. اتفضلي وجهي طاقمك الطبي فوراً، الحالات المصابة هتبدأ توصل خلال ساعة من الآن، ورجالتي مأمنين المكان بالكامل.. مش عايز أي غلطة أو إهمال."
على الجانب الآخر من المعسكر، كان الرائد إياد يجلس في خيمة القيادة المصغرة يراجع خريطة الحراسة وتوزيع الجنود، لكن عقله وقلبه كانا في مكان آخر تماماً بالقاهرة. أخرج هاتفه المحمول ونظر إلى الشاشة بتردد لثوانٍ، قبل أن يحسم أمره ويضغط على زر الاتصال بالرقم الذي حفظه. 
في القاهرة.. كانت "سلمى" تجلس في حديقة المستشفى بجانب شقيقها أحمد الذي بدأ يستعيد عافيته ببطء. رن هاتفها برقم غير مسجل، فأجابت بنبرتها الرقيقة المعتادة:
"ألو؟ السلام عليكم."
إياد شعر بنبضات قلبه تتسارع بشكل غير مفهوم لمجرد سماع صوتها الناعم، وتنحنح ليضبط نبرته العسكرية وقال بصوته الدافئ:
"وعليكم السلام يا آنسة سلمى.. أنا الرائد إياد سليم. حبيت أطمنك بنفسي إننا وصلنا بالسلامة للمستشفى الميداني على الحدود، وأحمد أخوكي هنا كل التقارير الطبية بتأكد إن حالته مستقرة جداً ومتخافيش عليه." 
سلمى اتسعت عيناها بوجل وفرحة عارمة لم تتوقعها، واحمرت وجنتاها بشدة وهي تجلس بمفردها وقالت بصوت خفيض يحمل كل الامتنان:
"سيادة الرائد إياد! أهلاً بحضرتك.. أنا.. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي على اهتمامك ومكالمتك دي. بجد فرحتني وطمنت قلبي اللي كان واقف من القلق.. ربنا يرجعكم لينا بالسلامة يا رب ويحميكوا من كل شر." 

إياد ابتسم وعيونه تلمع بالدفء الحقيقي وقال بصوت هادئ:
"الله يسلمك يا سلمى.. خلي بالك من نفسك ومن والدتك، وأول ما نرجع من المأمورية دي هنيجي أنا وأدهم نطمن عليكم بنفسنا في البيت.. مع السلامة."
أغلق إياد الهاتف وهو يشعر أن الصحراء القاسية والجافة تحولت في عينه فجأة إلى جنة خضراء مليئة بالتفاؤل، بينما كانت سلمى في القاهرة تضم الهاتف إلى صدرها بابتسامة خجولة وعريضة، ولدت معها قصة حب صامتة ونقية ستحملها الأيام القادمة. 

مرت الساعات الطويلة، وتحولت المستشفى الميداني بأكملها إلى خلية نحل لا تهدأ. كانت حور تتحرك بسرعة مذهلة وخفة بين الخيام الطبية، تسعف هذا الجندي وتخيط جرح ذاك المصاب بذكاء حاد وسرعة فائقة أذهلت الطاقم الطبي كله. في هذه اللحظات، لم تكن حور الدكتورة المرحة المشاغبة المستهترة، بل كانت جراحة عبقرية وصارمة بامتياز تضع حياة المرضى في المقام الأول.
كان أدهم يقف على مسافة بعيدة، يتابع حركاتها بعيون صقرية مبهورة ومعجبة بشدة. كيف لجسدها الصغير الرقيق هذا أن يحمل كل هذه القوة والطاقة والصبر؟ وكيف تتحول من الفتاة المشاغبة إلى القائدة الحازمة في ثوانٍ معدودة؟ شعر بداخله أن حصونه تتداعى حجراً تلو الآخر أمام هذا الإعصار الفاتن.
في المساء، بعد يوم شاق وطويل جداً، جلست حور على صندوق خشبي قديم خارج خيمة الطوارئ وهي تلهث من شدة التعب، وتمسك بقطعة خبز صغيرة وجبن تأكلها بجوع شديد. اقترب أدهم منها بخطوات هادئة وغير مسموعة، ووقف فوق رأسها وظله الضخم يغطيها من ضوء القمر، ثم مد يده إليها فجأة بـ "علبة عصير قصب مغلفة ومبردة" كان قد طلب من أحد الجنود إحضارها خصيصاً لها من آخر نقطة تفتيش وقرية قريبة! 
حور رفعت رأسها ببطء ونظرت للعلبة ثم لوجهه بصدمة وزهول حقيقي، وقالت وعيونها العسلية متسعة بذهول مضحك:
"مش ممكن!! عصير قصب ساقع ومغلف في وسط رملة الصحراء دي؟ أنت ساحر يا سيادة المقدم ولا مخاوي وبتقرأ أفكاري ومطالبي الغذائية؟!" 
أدهم جلس بجانبها على الصندوق الخشبي بوقاره وهيبته، وشبك أصابع يديه ونظر إلى الأفق وقال بنبرة هادئة ورقيقة لأول مرة منذ لقائهما:
"دي مجرد مكافأة بسيطة على شغل الساعات اللي فاتت والتعب اللي تعبتيه يا حور. الصراحة.. أنتِ أبهرتيني النهاردة، مكنتش فاكر إن الإعصار المشاغب شاطر وعبقري في الجراحة والتحمل للدرجة دي."
حور شعرت بخجل شديد وسخونة تلونت بها وجنتاها الخمريتان لأول مرة في حياتها، وأخذت علبة العصير ورشفت منها بابتسامة رقيقة وصوت ناعم هادئ:
"شكراً يا أدهم.. المكافأة دي عندي أحسن من كباب الدنيا والنعمة وجت في وقتها. وبعدين أنا دايماً ببهر كل اللي يشوف شغلي، بس شهادتك أنت بالذات كقائد للعمليات الخاصة ليها طعم تاني ومختلف تماماً." 
تلاقت أعينهما في عتمة ليل الصحراء الهادئ وتحت ضوء النجوم المتلألئة، وشعر "الحصن" أدهم أن أسواره الحديدية تلاشت تماماً وأصبحت ركاماً أمام رقة وعفوية هذا الإعصار الطفولي الذي احتل قلبه رغماً عنه.
وفجأة وبدون أي مقدمات أو إنذار سابق.. دوت صافرات الإنذار الحمراء في المعسكر بالكامل لتهز السكون! 

وانطلق صوت أحد الجنود عبر جهاز اللاسلكي وهو يصرخ بفزع وهلع شديد:
"يا فندم!! في هجوم مسلح ومباغت من جهة الخيمة الخلفية للمستودع الطبي.. الدكاترة والمعدات في خطر كبير والمهاجمين بيقربوا!!" 

انقضت لحظة الرومانسية والهدوء في ثانية واحدة! وقف أدهم بسرعة البرق وعمر سلاحه الآلي بقوة وجاذبية، وجذب حور خلف ظهره العريض بحماية كاملة وقبضة حديدية، وقال بصوت جهوري زلزل الأرض من تحتهما:
"حور.. اطلعي على خيمة القيادة المحصنة فوراً ورجلك متتحركش منها خطوة واحدة!! إياد.. السلاح والكتيبة ورايا دافعوا عن المكان حالاً!!" 