رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل الخامس
مرّ أسبوع على ليلة الحمى.
أسبوع كامل لم تخرج فيه ورد من البيت إلا مع أم عبده إلى السوق.
أما حبيبة فقد خفت، لكنها أصبحت هادئة أكثر من اللازم؛ تنظر إلى ورد وتصمت، وتنظر إلى أبيها وتصمت، كأنها تخشى أن ينكسر البيت من جديد لو تكلمت.
سيد… تغيّر.
لم يعد يصرخ، ولم يعد يهرب إلى الحلقة ويتركهم. صار يعود مبكرًا، يجلس في الصالة، وعينه تتابع ورد وهي تعمل، وحبيبة وهي تلون.
لكن الحاجز ما زال قائمًا… حاجز زجاجي. يرون بعضهم، لكن لا يلمسون بعضهم.
استيقظ سيد فجرًا كعادته. ارتدى جلبابه، ونظر إلى المرآة، ولأول مرة منذ سنوات قام بتسوية لحيته.
خرج، فوجد ورد مستيقظة، تقف في المطبخ، تعد له ساندويتش جبنة ليأخذه إلى الحلقة.
"اي اللي مصحيكي بدري كدا؟" سألها، وصوته ناشف، لكنه غير قاسٍ.
"هتنزل الحلقة." قالتها وهي تلف الساندوتش في ورقة. "قلت أعمل لك لقمة. عشان..." سكتت. "...عشان يعني متقعدش مدة طويلة من غير اكل يمري عليك."
أخذ منها الكيس، ولمست أصابعه أصابعها. كانت أول لمسة مقصودة منذ يوم كتب الكتاب. سحب يده سريعًا.
"متشكر. تسلم إيدك"
تقدم للمغادرة، ثم توقف عند الباب والتفت إليها.
"إلبسي... وإنزلي ورايا كمان ساعة. عم عبده هيستناكي على باب الحلقة."
"أنزل ليه؟"
قالها وهو ينزل السلم:
"الحلقة. مش مرات المعلم سيد اللي تفضل منزلة رأسها زي النعام انزلي واشتغلي؟ لازم تتعلمي الشغلانة. عشان لو مت... تعرفي تربي البت وتمسكي المهنة من بعدي."
وتركها واقفة، وقلبها يخفق.
بعد ساعة، كانت ورد قد نزلت إلى الحلقة.
ترتدي عباية سوداء واسعة وطرحة بيضاء، وإلى جوارها أم عبده تمسك يدها.
"متخافيش يا بنتي. الراجل نوى خير. عايزك تبقي سنده، مش حمل عليه وعبء، وهتكوني زي ما هو عايز وتشرفيه وسط الحي كله."
دخلت الحلقة.
الروائح، والضجيج، والزحام، والرجال… كلهم نظروا إليها.
لكن هذه المرة لم يهمس أحد، ولم يسخر أحد، لأن المعلم سيد كان واقفًا في المنتصف ينتظرها.
"تعالي ياورد."
اقتربت.
أمسك يدها ورفعها أمام التجار جميعًا.
"دي... دي أم حبيبة. مراتي. وشريكتي كمان. من النهارده، كلمتها من كلمتي. تسمعوا كلامها وتحترموها، وعينكم ما تترفعش فيها."
ساد الصمت أرجاء الحلقة.
أما سلطان فكان واقفًا بعيدًا، تبدلت ملامحه، ثم انسحب وسط الزحام دون كلمة.
ضحك المعلم دسوقي وضرب عصاه بالأرض:
"أيوه كده يا سيد! هو ده الكلام!"
سحب سيد ورد إلى الطاولة.
"أول درس." قال وهو يمسك سمكة بوري كبيرة.
"السمك ده بيتعرف من عينه… لو العين بتلمع يبقى طازة، لو مطفية يبقى بايت فاهماني."
بدأ يعلّمها كيف تمسك السكين، وتنظف، وتوزن.
يده فوق يدها، يوجهها بصبر.
وقلبها كان يخفق، لا من السمك، بل من قربه، ومن كلمته أمام الناس: "مراتي".
عادت ورد إلى البيت ظهرًا، ورائحة السمك عالقة بها، ويديها تحملان آثار العمل، لكنها كانت تبتسم. لأول مرة تبتسم من قلبها.
كانت حبيبة تجلس وترسم. وما إن رآتها حتى ركضت نحوها.
"كل دا كنتي فين فضلت قاعدت برسم لوحدي البيت فضي عليا"
فتحت ورد ذراعيها، فاندفعت الطفلة نحوها.
"كنت في الشغل... مع بابا."
"الشغل؟ مع بابا وهتبقي زيه ؟"
"أيوه. بقيت معلمة سمك كبيرة اد الدنيا بحالها." ضحكت ورد. "المعلمة ورد بذمتك مش لايق عليا؟."
ضحكت حبيبة لأول مرة منذ دخول ورد البيت.
"طب يلا... أنا جعانة مش ناوي تأكليني"
دخلتا المطبخ.
"تحبي أعمل لك إيه؟"
"عايزة صينية بطاطس بالسمك! زي اللي ماما فاطمة كانت بتعملها!"
توقف الاسم لحظة في حلق ورد، لكنها ابتسمت بصمت.
"حاضر. هعمل لك أحلى صينية بطاطس بالسمك. بس... بس أنا مش شاطرة زي ماما فاطمة. هحاول اعملك زيها ويارب اكلي يعجبك."
كانت تقطع البطاطس، وحبيبة تجلس وتتكلم عن يومها، والمدرسة، وصديقتها.
ورد تستمع، وقلبها يذوب تدريجيًا.
دخل سيد.
توقف عند الباب حين رأى المشهد: ورد في المطبخ، وحبيبة تتحدث وتضحك.
لم يدخل، فقط راقب.
"بابا! تعالي! طنط ورد بتعمل لنا صينية بطاطس بالسمك! زي بتاعة ماما وانا حاسة انها هتنجح مش هتعملها زيها طبعا عشان مفيش زي ماما بس هتبقي شبها جدا"
دخل، وغسل يديه.
"ريحة الأكل واصلة للشارع ومستحملتش ف جريت ع طول بصراحة نفسي فيها."
جلسوا يتناولون الطعام.
وفجأة قالت حبيبة وهي تمضغ:
"ماما... ممكن معلقة تانية الأكل تحفة؟"
سقطت الكلمة على الطاولة كالصاعقة.
"ماما."
شرقت ورد.
ونظر سيد إلى ابنته بصدمة، ثم نقل نظره إلى ورد وأخفاه سريعًا.
وضعت حبيبة يدها على فمها بخوف:
"أنا... أنا آسفة. ماقصدش. والله ماقصدش يا طنط ورد."
تجمدت ورد، وسقطت الملعقة من يدها.
"ماما قولتي ماما بجد؟"
نظرت إلى سيد بخوف.
لكن سيد ظل صامتًا، ثم قال بهدوء:
"كلي. الأكل هيبرد."
ثم التفت إلى ابنته ومسح على رأسها:
"وإنتي... كلي يا قلب بابا. ولو عايزة تقولي لها يا ماما... قولي. فاطمة في الجنة، ومبسوطة إنك لقيتي حد يحبك ويهتم بيكي انا هبقي مبسوط بدا انه ورد تكون امك التانية بعد فاطمة الله يرحمها."
لم تتحمل ورد، فنهضت ودخلت الغرفة وأغلقت الباب، وانفجرت في البكاء.
لكن هذه المرة كان البكاء مختلفًا… يحمل راحة لا وجع.
ليلًا، بعد أن نامت حبيبة، كان سيد يجلس في الصالة يحتسي الشاي.
خرجت ورد بخجل وعيناها متورمتان.
"أنا آسفة على اللي حصل. والله ما..."
قاطعها: "اقعدي ياورد متأفوريش ياماما انا مش هجلدك يعني حبيية اللي ف قلبها ع لسانها ولو حسيتك امها يبقي لازم اسيبها."
ثم أضاف بهدوء، بعد أن طبع قبلة احترام على رأسها:
"حقك عليا ياست البنات. إنتي بنت ناس وبنت أصول. واللي عملتيه مع بنتي اشيله فوق راسي."
نزلت دموعها.
"وبلاش شيطانك يسوح وتفتكري انه هفكر انك هتاخدي مكان فاطمة ف حياه بنتي بالعكس والله انا مش اناني عشان احكم ع بنتي باالفقد عمرها كله."
سكت لحظة، ثم قال:
"أنا مش هعرف أحب تاني. قلبي مات مع فاطمة. بس أعرف أكون راجل… وأصون وأحتوي وأراعي ربنا، ويكون في مودة ورحمة زي ما ربنا قال، واظن دا اقوي من الحب ولا اي؟."
وقف أمامها:
"من النهارده... إنتي مش مراتي بالاسم. إنتي سترى وغطايا وأم بنتي. والأوضة المقفولة هنفتحها سوا ونعيش فيها."
نظرت إليه، ثم قالت بخجل:
"وأنا... وأنا مش عايزة حب يا معلم سيد. أنا عايزة اعيش تحت ضل راجل يحميني وانت سيد الناس كلها"
ابتسم… لأول مرة منذ سنوات.
ومن غرفة حبيبة جاء صوتها وهي نائمة:
"ماما... ماما ورد..."
فابتسم البيت كله.
بعد أن سمعا صوت حبيبة وهي نائمة تقول:
"ماما... ماما ورد..."
نظر سيد إلى ورد، ونظرت ورد إلى الأرض.
ابتسم البيت كله، إلا قلبيهما… فقد كانا يخفقان كطبولٍ خفية في الصدر.
نهض سيد، فأطفأ نور الصالة، ولم يترك إلا ضوء الأباجورة الصفراء.
ثم قال:
"قربي مني ياورد."
لم تكن نبرة صوته كعادته؛ كانت فيها بحة مختلفة، امتزج فيها الرجولة بالخوف، والشوق المكبوت منذ ست سنوات.
نهضت ورد، وكانت خطواتها متثاقلة، كأن الأرض لا تسعها.
دخلت الغرفة… غرفتهما.
كانت الملاية البيضاء مفروشة بعناية، وعلى الكومودينو كأسان من الماء، ومصحف صغير، وعلبة قطيفة حمراء.
التفتت، فوجدته واقفًا عند الباب، مستندًا إلى إطاره، وعيناه معلقتان بها.
ولأول مرة… كان ينظر إليها كـ"امرأة".
أشار لها إلى طرف السرير، وبإيماءة من يده دعاها للاقتراب، وهو يربت على الفراش.
جلست، وقد ضمت ركبتيها، ولفّت طرف طرحتها حول يديها.
وجلس بجانبها، فمال السرير قليلاً تحت ثقلهما.
وكان بينهما شبر… شبر مشحون بصمتٍ ثقيل.
مدّ يده وفتح علبة القطيفة، فأخرج سلسلة ذهبية تتدلى منها دلاية على شكل سمكة.
وقال وهو ينظر إليها:
"دي... دي كانت بتاعة فاطمة الله يرحمها."
ثم أضاف: "انا حابب تلبسيها"
شهقت ورد قائلة:
"لا... دي حاجة المرحومة. ماقدرش ابدا."
أمسك يدها بلطف، وفتح كفها، ثم وضع السلسلة فيه، وأغلق أصابعها عليها.
وقال:
"فاطمة لو عايشة... كانت هي اللي هتلبسهالك. بلاش تهاندي معايا."
سقطت دموعها، وقالت بصوت مرتجف:
"انا عايزة ابني معاك ذكريات لينا بعيد عنها ياسيد."
وهنا فعل سيد ما لم يفعله منذ ست سنوات.
اقترب منها، وأمسك وجهها بكفّيه الكبيرين الخشنتين، ثم رفعه إليه.
وقال:
"هيحصل."
رفعت عينيها، وكانت غارقة بالدموع.
ثم قال بنفسٍ واحد:
"هي كانت مراتي زمان... وإنتِي ستري ومراتي دلوقت . هي كانت أم بنتي... وإنتِي اللي هتربي عيالي الجايين . هي كانت الماضي... وإنتِي الحاضر واللي جاي كله. ياورد هي كانت ليها ذكريات معايا شايلها ف قلبي وقافل عليها وعارف انك هتحترمي دا صح"
قبل أن تستوعب كلماته، كان قد اقترب.
كان أنفاسه ثقيلة، مضطربة، تصطدم بوجهها.
وقال بصوت خافت:
"أنا... أنا من ست سنين ملمستش ست. من ست سنين وأنا ناسي إن جسمي فيه مشاعر زي دي فـ... فـ لو إيدي اترعشت، سامحيني"
قالت بخفوت:
"سيد..."
فقال:
"شش."
ووضع إصبعه على شفتيها.
لمسة قصيرة… لكنها أشعلت ارتجافة في داخلهما معًا.
سحب يده سريعًا وكأنه لُسع.
ضحك ضحكة متوترة وقال:
"شايفة؟ قولت لك. أنا راجل خايب.اوي ف المشاعر دي عامل زي العيل المراهق اللي اول مرة يلمس ست"
وبدون تفكير، أمسكت إصبعه وأعادته إلى شفتيها، وقبّلته قبلة خفيفة سريعة.
اتسعت عيناه دهشة.
ثم همست:
"يبقى نتعلم سوا. انا عود كبريت ياسيد وانت هتاخد مني كل الحلو اللي فيا الأول والأخير"
كانت تلك الشرارة.
نهض سيد واقفًا، وقد عادت إليه هيبته، لكن عينيه كانتا تحملان ارتباك رجلٍ يكتشف نفسه من جديد.
أمسك يدها، فنهضت أمامه.
سقطت طرحتها، وانسدل شعرها الأسود على ظهرها.
اقترب منها، وأمسك خصلة منه، وقال بإعجاب:
"حرير."
ثم أضاف: "شعرك حرير يا ورد. تبارك الله فيما خلق."
ثم اقترب أكثر، ودفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحته بعمق، وكأنه يستعيد أنفاس الحياة.
وقال بصوت منخفض:
"ريحتك ريحة ييتي ياورد انتي بيتي."
ثم وضع يديه على كتفيها، وشعر برجفتها بين كفّيه.
وقال:
"اششش بطلي رعش واهدي"
ثم حملها.
فارتفعت بين ذراعيه، وتمسكت برقبته، ودفنت وجهها في صدره، تستمع إلى دقات قلبه التي عادت للحياة.
ساد الصمت… صمتٌ ثقيل، ممتلئ بما لا يُقال.
وفي لحظةٍ لم تُروَ بالكلمات، انطفأت المسافة بينهما، وتحول الاضطراب إلى سكون دافئ، جمع بينهما كأن السنوات كلها ذابت في لحظة واحدة.
ثم سكن كل شيء.
الفجرية.
استيقظ سيد، فوجدها بجواره تنظر إليه بخجل، وقد غطّت نفسها بالملاية.
ضمّها إليه وقال:
"صباحية مباركة يا ست البنات."
دفنت وجهها في صدره وقالت:
"الله يبارك فيك... يا سيد الناس."
رفع ذقنها برفق وقال:
"يخربيت حلاوة امك
يالهوي ع اللي عيشته معاكي
انتي ازاي كدا؟"
ثم قبّل رأسها وقال:
"عوضي من ربنا ياورد"
خبط الباب فجأة.
"بابا! ماما ورد! مش هنفطر ولا اي خلصوني يلا؟"
تبادلا النظرات، ثم ضحكا بخجل ودفء.
نهض سيد، وارتدى جلابيته، وعدّل طرحتها على شعرها، وقال:
"قومي يا أم حبيبة. البت مستنيانا."
مرّ أسبوع على ليلة الحمى.
أسبوع كامل لم تخرج فيه ورد من البيت إلا مع أم عبده إلى السوق.
أما حبيبة فقد خفت، لكنها أصبحت هادئة أكثر من اللازم؛ تنظر إلى ورد وتصمت، وتنظر إلى أبيها وتصمت، كأنها تخشى أن ينكسر البيت من جديد لو تكلمت.
سيد… تغيّر.
لم يعد يصرخ، ولم يعد يهرب إلى الحلقة ويتركهم. صار يعود مبكرًا، يجلس في الصالة، وعينه تتابع ورد وهي تعمل، وحبيبة وهي تلون.
لكن الحاجز ما زال قائمًا… حاجز زجاجي. يرون بعضهم، لكن لا يلمسون بعضهم.
استيقظ سيد فجرًا كعادته. ارتدى جلبابه، ونظر إلى المرآة، ولأول مرة منذ سنوات قام بتسوية لحيته.
خرج، فوجد ورد مستيقظة، تقف في المطبخ، تعد له ساندويتش جبنة ليأخذه إلى الحلقة.
"اي اللي مصحيكي بدري كدا؟" سألها، وصوته ناشف، لكنه غير قاسٍ.
"هتنزل الحلقة." قالتها وهي تلف الساندوتش في ورقة. "قلت أعمل لك لقمة. عشان..." سكتت. "...عشان يعني متقعدش مدة طويلة من غير اكل يمري عليك."
أخذ منها الكيس، ولمست أصابعه أصابعها. كانت أول لمسة مقصودة منذ يوم كتب الكتاب. سحب يده سريعًا.
"متشكر. تسلم إيدك"
تقدم للمغادرة، ثم توقف عند الباب والتفت إليها.
"إلبسي... وإنزلي ورايا كمان ساعة. عم عبده هيستناكي على باب الحلقة."
"أنزل ليه؟"
قالها وهو ينزل السلم:
"الحلقة. مش مرات المعلم سيد اللي تفضل منزلة رأسها زي النعام انزلي واشتغلي؟ لازم تتعلمي الشغلانة. عشان لو مت... تعرفي تربي البت وتمسكي المهنة من بعدي."
وتركها واقفة، وقلبها يخفق.
بعد ساعة، كانت ورد قد نزلت إلى الحلقة.
ترتدي عباية سوداء واسعة وطرحة بيضاء، وإلى جوارها أم عبده تمسك يدها.
"متخافيش يا بنتي. الراجل نوى خير. عايزك تبقي سنده، مش حمل عليه وعبء، وهتكوني زي ما هو عايز وتشرفيه وسط الحي كله."
دخلت الحلقة.
الروائح، والضجيج، والزحام، والرجال… كلهم نظروا إليها.
لكن هذه المرة لم يهمس أحد، ولم يسخر أحد، لأن المعلم سيد كان واقفًا في المنتصف ينتظرها.
"تعالي ياورد."
اقتربت.
أمسك يدها ورفعها أمام التجار جميعًا.
"دي... دي أم حبيبة. مراتي. وشريكتي كمان. من النهارده، كلمتها من كلمتي. تسمعوا كلامها وتحترموها، وعينكم ما تترفعش فيها."
ساد الصمت أرجاء الحلقة.
أما سلطان فكان واقفًا بعيدًا، تبدلت ملامحه، ثم انسحب وسط الزحام دون كلمة.
ضحك المعلم دسوقي وضرب عصاه بالأرض:
"أيوه كده يا سيد! هو ده الكلام!"
سحب سيد ورد إلى الطاولة.
"أول درس." قال وهو يمسك سمكة بوري كبيرة.
"السمك ده بيتعرف من عينه… لو العين بتلمع يبقى طازة، لو مطفية يبقى بايت فاهماني."
بدأ يعلّمها كيف تمسك السكين، وتنظف، وتوزن.
يده فوق يدها، يوجهها بصبر.
وقلبها كان يخفق، لا من السمك، بل من قربه، ومن كلمته أمام الناس: "مراتي".
عادت ورد إلى البيت ظهرًا، ورائحة السمك عالقة بها، ويديها تحملان آثار العمل، لكنها كانت تبتسم. لأول مرة تبتسم من قلبها.
كانت حبيبة تجلس وترسم. وما إن رآتها حتى ركضت نحوها.
"كل دا كنتي فين فضلت قاعدت برسم لوحدي البيت فضي عليا"
فتحت ورد ذراعيها، فاندفعت الطفلة نحوها.
"كنت في الشغل... مع بابا."
"الشغل؟ مع بابا وهتبقي زيه ؟"
"أيوه. بقيت معلمة سمك كبيرة اد الدنيا بحالها." ضحكت ورد. "المعلمة ورد بذمتك مش لايق عليا؟."
ضحكت حبيبة لأول مرة منذ دخول ورد البيت.
"طب يلا... أنا جعانة مش ناوي تأكليني"
دخلتا المطبخ.
"تحبي أعمل لك إيه؟"
"عايزة صينية بطاطس بالسمك! زي اللي ماما فاطمة كانت بتعملها!"
توقف الاسم لحظة في حلق ورد، لكنها ابتسمت بصمت.
"حاضر. هعمل لك أحلى صينية بطاطس بالسمك. بس... بس أنا مش شاطرة زي ماما فاطمة. هحاول اعملك زيها ويارب اكلي يعجبك."
كانت تقطع البطاطس، وحبيبة تجلس وتتكلم عن يومها، والمدرسة، وصديقتها.
ورد تستمع، وقلبها يذوب تدريجيًا.
دخل سيد.
توقف عند الباب حين رأى المشهد: ورد في المطبخ، وحبيبة تتحدث وتضحك.
لم يدخل، فقط راقب.
"بابا! تعالي! طنط ورد بتعمل لنا صينية بطاطس بالسمك! زي بتاعة ماما وانا حاسة انها هتنجح مش هتعملها زيها طبعا عشان مفيش زي ماما بس هتبقي شبها جدا"
دخل، وغسل يديه.
"ريحة الأكل واصلة للشارع ومستحملتش ف جريت ع طول بصراحة نفسي فيها."
جلسوا يتناولون الطعام.
وفجأة قالت حبيبة وهي تمضغ:
"ماما... ممكن معلقة تانية الأكل تحفة؟"
سقطت الكلمة على الطاولة كالصاعقة.
"ماما."
شرقت ورد.
ونظر سيد إلى ابنته بصدمة، ثم نقل نظره إلى ورد وأخفاه سريعًا.
وضعت حبيبة يدها على فمها بخوف:
"أنا... أنا آسفة. ماقصدش. والله ماقصدش يا طنط ورد."
تجمدت ورد، وسقطت الملعقة من يدها.
"ماما قولتي ماما بجد؟"
نظرت إلى سيد بخوف.
لكن سيد ظل صامتًا، ثم قال بهدوء:
"كلي. الأكل هيبرد."
ثم التفت إلى ابنته ومسح على رأسها:
"وإنتي... كلي يا قلب بابا. ولو عايزة تقولي لها يا ماما... قولي. فاطمة في الجنة، ومبسوطة إنك لقيتي حد يحبك ويهتم بيكي انا هبقي مبسوط بدا انه ورد تكون امك التانية بعد فاطمة الله يرحمها."
لم تتحمل ورد، فنهضت ودخلت الغرفة وأغلقت الباب، وانفجرت في البكاء.
لكن هذه المرة كان البكاء مختلفًا… يحمل راحة لا وجع.
ليلًا، بعد أن نامت حبيبة، كان سيد يجلس في الصالة يحتسي الشاي.
خرجت ورد بخجل وعيناها متورمتان.
"أنا آسفة على اللي حصل. والله ما..."
قاطعها: "اقعدي ياورد متأفوريش ياماما انا مش هجلدك يعني حبيية اللي ف قلبها ع لسانها ولو حسيتك امها يبقي لازم اسيبها."
ثم أضاف بهدوء، بعد أن طبع قبلة احترام على رأسها:
"حقك عليا ياست البنات. إنتي بنت ناس وبنت أصول. واللي عملتيه مع بنتي اشيله فوق راسي."
نزلت دموعها.
"وبلاش شيطانك يسوح وتفتكري انه هفكر انك هتاخدي مكان فاطمة ف حياه بنتي بالعكس والله انا مش اناني عشان احكم ع بنتي باالفقد عمرها كله."
سكت لحظة، ثم قال:
"أنا مش هعرف أحب تاني. قلبي مات مع فاطمة. بس أعرف أكون راجل… وأصون وأحتوي وأراعي ربنا، ويكون في مودة ورحمة زي ما ربنا قال، واظن دا اقوي من الحب ولا اي؟."
وقف أمامها:
"من النهارده... إنتي مش مراتي بالاسم. إنتي سترى وغطايا وأم بنتي. والأوضة المقفولة هنفتحها سوا ونعيش فيها."
نظرت إليه، ثم قالت بخجل:
"وأنا... وأنا مش عايزة حب يا معلم سيد. أنا عايزة اعيش تحت ضل راجل يحميني وانت سيد الناس كلها"
ابتسم… لأول مرة منذ سنوات.
ومن غرفة حبيبة جاء صوتها وهي نائمة:
"ماما... ماما ورد..."
فابتسم البيت كله.
بعد أن سمعا صوت حبيبة وهي نائمة تقول:
"ماما... ماما ورد..."
نظر سيد إلى ورد، ونظرت ورد إلى الأرض.
ابتسم البيت كله، إلا قلبيهما… فقد كانا يخفقان كطبولٍ خفية في الصدر.
نهض سيد، فأطفأ نور الصالة، ولم يترك إلا ضوء الأباجورة الصفراء.
ثم قال:
"قربي مني ياورد."
لم تكن نبرة صوته كعادته؛ كانت فيها بحة مختلفة، امتزج فيها الرجولة بالخوف، والشوق المكبوت منذ ست سنوات.
نهضت ورد، وكانت خطواتها متثاقلة، كأن الأرض لا تسعها.
دخلت الغرفة… غرفتهما.
كانت الملاية البيضاء مفروشة بعناية، وعلى الكومودينو كأسان من الماء، ومصحف صغير، وعلبة قطيفة حمراء.
التفتت، فوجدته واقفًا عند الباب، مستندًا إلى إطاره، وعيناه معلقتان بها.
ولأول مرة… كان ينظر إليها كـ"امرأة".
أشار لها إلى طرف السرير، وبإيماءة من يده دعاها للاقتراب، وهو يربت على الفراش.
جلست، وقد ضمت ركبتيها، ولفّت طرف طرحتها حول يديها.
وجلس بجانبها، فمال السرير قليلاً تحت ثقلهما.
وكان بينهما شبر… شبر مشحون بصمتٍ ثقيل.
مدّ يده وفتح علبة القطيفة، فأخرج سلسلة ذهبية تتدلى منها دلاية على شكل سمكة.
وقال وهو ينظر إليها:
"دي... دي كانت بتاعة فاطمة الله يرحمها."
ثم أضاف: "انا حابب تلبسيها"
شهقت ورد قائلة:
"لا... دي حاجة المرحومة. ماقدرش ابدا."
أمسك يدها بلطف، وفتح كفها، ثم وضع السلسلة فيه، وأغلق أصابعها عليها.
وقال:
"فاطمة لو عايشة... كانت هي اللي هتلبسهالك. بلاش تهاندي معايا."
سقطت دموعها، وقالت بصوت مرتجف:
"انا عايزة ابني معاك ذكريات لينا بعيد عنها ياسيد."
وهنا فعل سيد ما لم يفعله منذ ست سنوات.
اقترب منها، وأمسك وجهها بكفّيه الكبيرين الخشنتين، ثم رفعه إليه.
وقال:
"هيحصل."
رفعت عينيها، وكانت غارقة بالدموع.
ثم قال بنفسٍ واحد:
"هي كانت مراتي زمان... وإنتِي ستري ومراتي دلوقت . هي كانت أم بنتي... وإنتِي اللي هتربي عيالي الجايين . هي كانت الماضي... وإنتِي الحاضر واللي جاي كله. ياورد هي كانت ليها ذكريات معايا شايلها ف قلبي وقافل عليها وعارف انك هتحترمي دا صح"
قبل أن تستوعب كلماته، كان قد اقترب.
كان أنفاسه ثقيلة، مضطربة، تصطدم بوجهها.
وقال بصوت خافت:
"أنا... أنا من ست سنين ملمستش ست. من ست سنين وأنا ناسي إن جسمي فيه مشاعر زي دي فـ... فـ لو إيدي اترعشت، سامحيني"
قالت بخفوت:
"سيد..."
فقال:
"شش."
ووضع إصبعه على شفتيها.
لمسة قصيرة… لكنها أشعلت ارتجافة في داخلهما معًا.
سحب يده سريعًا وكأنه لُسع.
ضحك ضحكة متوترة وقال:
"شايفة؟ قولت لك. أنا راجل خايب.اوي ف المشاعر دي عامل زي العيل المراهق اللي اول مرة يلمس ست"
وبدون تفكير، أمسكت إصبعه وأعادته إلى شفتيها، وقبّلته قبلة خفيفة سريعة.
اتسعت عيناه دهشة.
ثم همست:
"يبقى نتعلم سوا. انا عود كبريت ياسيد وانت هتاخد مني كل الحلو اللي فيا الأول والأخير"
كانت تلك الشرارة.
نهض سيد واقفًا، وقد عادت إليه هيبته، لكن عينيه كانتا تحملان ارتباك رجلٍ يكتشف نفسه من جديد.
أمسك يدها، فنهضت أمامه.
سقطت طرحتها، وانسدل شعرها الأسود على ظهرها.
اقترب منها، وأمسك خصلة منه، وقال بإعجاب:
"حرير."
ثم أضاف: "شعرك حرير يا ورد. تبارك الله فيما خلق."
ثم اقترب أكثر، ودفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحته بعمق، وكأنه يستعيد أنفاس الحياة.
وقال بصوت منخفض:
"ريحتك ريحة ييتي ياورد انتي بيتي."
ثم وضع يديه على كتفيها، وشعر برجفتها بين كفّيه.
وقال:
"اششش بطلي رعش واهدي"
ثم حملها.
فارتفعت بين ذراعيه، وتمسكت برقبته، ودفنت وجهها في صدره، تستمع إلى دقات قلبه التي عادت للحياة.
ساد الصمت… صمتٌ ثقيل، ممتلئ بما لا يُقال.
وفي لحظةٍ لم تُروَ بالكلمات، انطفأت المسافة بينهما، وتحول الاضطراب إلى سكون دافئ، جمع بينهما كأن السنوات كلها ذابت في لحظة واحدة.
ثم سكن كل شيء.
الفجرية.
استيقظ سيد، فوجدها بجواره تنظر إليه بخجل، وقد غطّت نفسها بالملاية.
ضمّها إليه وقال:
"صباحية مباركة يا ست البنات."
دفنت وجهها في صدره وقالت:
"الله يبارك فيك... يا سيد الناس."
رفع ذقنها برفق وقال:
"يخربيت حلاوة امك
يالهوي ع اللي عيشته معاكي
انتي ازاي كدا؟"
ثم قبّل رأسها وقال:
"عوضي من ربنا ياورد"
خبط الباب فجأة.
"بابا! ماما ورد! مش هنفطر ولا اي خلصوني يلا؟"
تبادلا النظرات، ثم ضحكا بخجل ودفء.
نهض سيد، وارتدى جلابيته، وعدّل طرحتها على شعرها، وقال:
"قومي يا أم حبيبة. البت مستنيانا."