رواية دروب قرية جابر الفصل الخامس 5 بقلم الماس ال حمد
بوسط السوالف والضحك في الدكان، كان فيه سيارة غريبة توقف عند مدخل الحي، ونزل منها ثلاث حريم؛ شريفة وحفيداتها أفنان ومشاعل.
شريفة هذي امرأة مهي مثل أي امرأة، هي من طينة "خزنة"، امرأةٍ عن ألف رجال، كانت أشهر خياطة في المدن اللي حولهم، تبارك الرحمن يدها تنلف بحرير، لكن الدنيا دارت بها وحكم عليها الفقر والظروف إنها تترك ديرتها وتنقل لحي جابر، تدور الستر والأمان لحفيداتها الخوات.
اتجهت بخطواتها الواثقة وقوة بأسها يم بيت الجد جابر، كبير الحي وعميدها، وطقت الباب طقةٍ واثقة.
انفتح الباب، ووقف الجد جابر، وبمجرد ما شاف "شريفة"، عرف قدرها وهيبتها من عيونها. رحّب بها ترحيبٍ حار وقال:
"يا هلا والله ومسهلا.. ارحبي يا أم القوم، ارحبوا يا بنات.. حي الله من لفت علينا، الدار داركم والحظ الليلة حظنا بمجيتكم."
دخلوا للمجلس، وبدت شريفة تمشي بهيبة وحفيداتها وراها بوقار، وسط نظرات الترحيب من أهل البيت اللي استشعروا إن هالمرأة وراها قصة ومرجلة.
بوسط المجلس، انفتح الباب ودخلوا حريم العيال، كأنهم سيلٍ من التراحيب، والتفتوا على الضيوف الجدد بكل حفاوة.
قالت أم فايز (فوزية) بوجها البشوش: "يا هلا والله ومسهلا، ضيوف عمي هم ضيوفنا، والبيت يوسعكم قبل العين."
التفت الجد جابر على شريفة يعرفها: "يا شريفة، هذي فوزية زوجة ولدي عيسى، وعز الله إن عندها بنتين (نوير وشيخة) كبر حفيداتك، وبيكونون لهن نعم الخوات."
تقدمت وضحى (أم غازي) ومدت يدها بكل ذوق وقالت: "يحييكم الله في ديرتنا وبين أهلكم، نورتوا المكان."
قال الجد: "وهذي وضحى، زوجة ولدي طلال، راعية بيت وكرم."
أما ذهب (زوجة مفلح)، فسلمت بابتسامة عريضة وقالت: "أبشروا بالسعد، أي شي تحتاجونه ولا ينقصكم، أنا موجودة وقريبة منكم، اعتبروني أخت."
عقبها قال الجد: "وهذي ذهب زوجة ولدي مفلح."
وجت فضة (أم عايض) بوقارها، وسلمت وقالت: "أنا فضة، زوجة ولده الكبير وراعية هالمكان، ياهلا بكم."
التفتت شريفة عليهم بوقار وهيبة، وردت بصوتها القوي: "ما عليكم زود يا حريم الأجاويد، والله إن الرفقة معكم تشري بالذهب، وحنّا ما جينا إلا لدار كرم وجود."
بدت الحميمية تذيب ثلج الغربة عن أفنان ومشاعل، وهن يشوفن ترحيب حريم حي جابر اللي ما خلوهن يحسون إنهن غريبات أبداً.
مدّ الجد جابر مفتاح البيت الجديد لـ شريفة بوقار، وقال: "تفضلوا، هذا بيتكم ومحلكم، وتراكم بين أهلكم وجماعتكم. الحين تروح معكم أم فايز وتدلكم الطريق وتشوفون وش قاصركم."
ردت شريفة بامتنان وهي تاخذ المفتاح: "الله يسعدك ويبيض وجهك يا شيخ جابر، ما تقصر، وخيرك دايمٍ سابق."
قامت شريفة ومعها حفيداتها، ومشوا وراء أم فايز اللي كانت تسولف معهم وهي تدلهم على سكك الحي، لين وقفوا أمام باب خشبي قديم بس له هيبة. فتحت أم فايز الباب وقالت بترحيب: "حياكم الله في بيتكم، ادخلوا بسلام."
أول ما دخلوا، سمّت شريفة بالله وفتحت الأنوار، وانبهروا البنات بالمكان. فزت أفنان وهي تضحك وركضت تستكشف: "يا جدة! شوفي فيه سطح كبير!"
أما مشاعل، فكانت تتلفت في الغرف وقالت بوناسة: "يا زين المكان، الغرف كثيرة ووسيعة، أحسن من بيتنا القديم بمليون مرة."
ابتسمت الجدة شريفة برضا وقالت: "أهم شي إن المكان جاز لكم وارتحتوا فيه. وأنا يا بناتي، ناوية أرجع لشغلتي، بفتح باب الخياطة هنا في الحي وأرزق الله، والستر من عنده."
من سمعوا كلامها، ركضوا أفنان ومشاعل وارتموا في حضن جدتهم، يدرون إنها تكد وتتعب عشانهم وتخاف عليهم من نسمة الهواء.
ضمتهم الجدة لصدرها وقالت بصوت مليان حنان: "ربي لا يحرمني منكم ولا يوريني فيكم مكروه. استعدوا يا بناتي، ترى من بكرة بتبدون دوامكم في جامعة اليمن، ونبيكم ترفعون الراس من أول يوم."
بوسط الساحة في وقت الفسحة، كانت غادة مجتمعة مع زميلاتها، وبكل براءة وعفوية كانت تسولف لهن وتقول: "أنا أصلاً أبوي يحب عمتي نوير، وهي اللي بتصير أمي!"
في هالحظة، انفتح الباب ودخلت نوير اللي كانت قريبة وسمعت طرف السالفة، تصنمت مكانها لثواني من الصدمة، ثم تقدمت وسحبت غادة على جنب وطلعتها برا الغرفة.
قالت نوير وهي تحاول تهدي نفسها وتكلمها بحزم: "يا غادة، عيب هالكلام يا بنيتي، لا عاد تعيدينه قدام أحد. أنا عمتك وبنت عم أبوك، وما فيه بيني وبين أبوك أي شي، تفهمين؟"
ردت غادة وهي مدنقة برأسها: "تمام."
رجعت غادة لفصلها، وبقيت نوير واقفة في السيب، تكتفت ورفعت حاجبها وهي تتحلف في غازي بينها وبين نفسها وقالت: "والله يا غازي إن ما خليتك تشكي من القهر ما أكون نوير.. لأخليك تشوف شي ما يتمناه حتى إبليس، وبخليك تدور الفرقا والهروب مني ولا تلقاه!"
أمام بوابة المدرسة، كانت الزحمة على أشدها. طلعت نوير وهي ماسكة يد غادة، وفجأة لمحت سيارة غازي واقفةٍ عند الرصيف ينتظر.
قالت غادة بفرحة: "عمة نوير، بابا برا!"
انحنت نوير ولبستها الشنطة وعدلت لها مريولها وقالت: "يالله يا بطلة، روحي لأبوك."
نزل غازي نظارته الشمسية بحركة فيها غرور، وبانت ملامحه الجامدة وقال بصوت مسموع: "غادة.. يالله مشينا."
ركضت له غادة وارتمت في حضنه، أخذ الشنطة منها وركبها في المرتبة اللي وراء، وقبل لا يحرك، لف وجهه صوب نوير ببرود يذبح، وقال بكلمةٍ تقطر سم: "مشكورة يا.. (مساعدة بنتي)!"
قالها ولف وجهه وداس بنزين، تاركاً وراه غبار سيارته ونوير اللي كانت بتنفجر من القهر. غازي بكلامه هذا كأنه يبي يحسسها إنها مجرد "عاملة" أو "خادمة" سوت شغلها، مهيب بنت عمه اللي فزعت لبنته.
نوير من شدة غضبها، ما تمالكت نفسها، نزلت الأرض وسحبت حجرٍ ورمته بكل قوتها على شباك سيارته وهو يبتعد، وصاحت في نفسها: "أنا مساعده يا غازي؟ والله لتدفع ثمن هالكلمة!"
شوي ووصل فايز بالموتر، ركبت نوير وهي "قافلة" معها، ولقت شيخة ورتيل في المرتبة اللي وراء ميتات ضحك على موقف الحجر.
قالت شيخة وهي تضحك: "عز الله إنك قوية يا نوير! الحجر صك في الموتر صكةٍ سمعتها من هنا."
وقف فايز أول شي أمام بيت عمه طلال، نزلت رتيل وودعتهم، ثم تحرك ووقف أمام بيتهم. نزلت نوير بخطواتٍ واثقة، وبالصدفة طاحت عيونها في عيون غازي اللي كان توه نازل من موتره وقريب من الباب.
عطته نوير نظرة حقدٍ وكراهية تزلزل الجبال، نظرةٍ قالت فيها كل اللي عجز لسانها يقوله، ودخلت البيت وصكت الباب وراها بقوة، تاركة غازي يحس إن الحرب الحقيقية توها بدت.