رواية هوية منسية الفصل الثالث والخمسون 53 بقلم بسملة محمد
هويَّة_منسيَّة|
"الحلقة الثالثة والخمسين_النهاية"
_قبلة وداع.
5
"______"
_هساعدها، هاخدها المستشفى.
هدر بها بعصبية وهو يدفع عامر وطارق عنه، يريدون شل حركته وأخذها من بين أحضانه، دفعهم باستحقار وهو يردد بكرهٍ"أنتم شياطين، البنت بتموت!"
"خلاص ياعمير مفيش نبض، البنت ماتت فعلًا، اهدى كدا عشان متحصلهاش."
هددته سيلا بوقاحة، وهو حدثها بملامح تائهة"طب دي لازم تدفن، هتـ.."
_ملكش في، وخد بالك يابيبي المقص عليه بصماتك، أنت أول واحد هتتاخد، ويومها أنا هقول إن الحلوة كنت بتحاول تلاغيها في الشركة ولما مجتش سكة قتلتها.
تتحدث بمنتهى القذارة! وهو تركها من بين يديه، ونهض يسحب سيلا من شعرها وفقد آخر ذرات من عقله! جن بسببهم، صاح بعصبية"إنتِ مفيش قلب! شيطانة؟ أنا مستحيل أشارك في القذارة دي، وهروح أبلغ عني وعنكم وهودينا في ألف داهية".
1
نهى جملته وكان سقط على رأسه شيء ثقيل على أثره سالت دماؤه! تأوه بنبرة عالية وقبل أن يستدار كان تلقَّى ضربة أقوى، ولم يتحمل وأغمض عيونه ساقط على الأرضية بجانب القتيلة! صارع وعيه لكنه انتصر عليه وراح في نومة طويلة!
نومة طويلة، سواد من حوله، أربعة وعشرين ساعة متواصلين نامهم، استيقظ بتعبٍ، صوت تأوهاته تعالى، وعيونه متعبة، رأسه ثقيلة تؤلمه، وأوصاله مثلجة! فتح عيونه ليقابلها هي بوجهها الكريه، تحدثه ببسمة متحمسة بسيطة كعادتها_:
_صحِّي النوم ياعمور! كل دا؟ وحشتني يا أخي.
ضحكت في النهاية، بعد الضربة استيقظ بعدها بعشر ساعات وهي حقنته منوم، ومن ثم استيقظ بعد يوم كامل مستعيد وعيه كاملًا.
_عملتي إيه في البنت؟
سألها بملامح عادت منفعلة عندما تذكر، وهي اخبرته بمللٍ"عشان أنا طيبة روحت رميتها قدام مستشفى حكومي، بس المجنونة كانت ناوية تقتل نفسها فالله يرحمها."
أغمض عيونه بقوة، وهبطت دمعة حارة، حدثها بنبرة جامدة بعدما فتح عيونه يوجهها لها"عارفة ليه في نار؟ ليه ربنا متوعد أصحاب النار بأشد عذاب؟ ليه في درجات؟ عشان دنيتنا إللي عايش فيها ناس ****زينا، عشان أي حاجة زبالة عملناها نرجع نندم عليها في النار، عارفة هي؟ ربنا عالم إنها مكنتش في وعيها واتصرفت من غير تفكير، هيجي قصاص."
_شكلك بقيت مش حابب تبقا معانا؟ ناوي تخلع من القذارة؟
سألته بجدية شديدة، وهو ضحك يخبرها بنبرة محتدة"لاء يا سيلا، هكمل، هكمل عشان أنا وصلت لحاجة عمر ما حد وصلها في الوقت دا، بس مش هبقا تحت طوعك ولا رحمتك، فهماني؟"
6
كان هذا قاسيًا عليها! تأوهت بنبرة ساخرة وهي تسأله باستهانة ونظراتها تدور عليه"طب والنار والحساب يا شيخ عمير! مش حرام؟"
تجاهل عباراتها، ونهض يغير ملابسه، وهي حدثته بسخرية"طب جي تقعد مع ناتالتا ولا القذارة مش على مقاسك؟"
_جي يا سيلا، أصل أنا مش هسيبها ليكم، ومش هنولكم إنكم تلعبوها من غيري.
قالها بثقة، وهي نهضت تطوق عنقه وهي تسأله بدلال"طب ما أنت حلو أهو! في إيه بقا؟"
_في إني دخلت طريقكم ال***** دا ومش هخرج غير كسبان منه.
رمى جملته بنبرة حادة جامدة، واثق، حتى نظراته كانت مخيفة، دفعها عنه ورحل، وهي خافت من نظرات شره! تلك النظرات التي قرأتها في انتقامه من عائلته! وبالفعل نجح ودمر العائلة! هل سيتجبر على أسياده؟؟ ألن يخنع لسطوتها؟
وهو رحل من ذلك المنزل المدنس، وكان رأسه يؤلمه، شعر إن جرحه فُتِح، تألم منه بنبرة عالية لكن تماسك، وكانت الرؤية بالنسبة له مشوشة، لا يتحكم بالمقود، أوقف السيارة وهبط يستقل سيارة أجرة، وبنبرة مجهدة قال_:
_عايز أروح القلعة.
منطقته ومنطقة زينب، وصل بعد وقتٍ، وتعافى على حاله وهو يشعر بنزيف الجرح يغرقه، صعد الأدراج، ودق على الباب ليُفتح له بعد لحظات منها هي، حمد ربه، وقبل أن تفتح فمها كان سقط بين أحضانها نازفة دماؤه!!
صرخت بهلعٍ وهي لا تتحمل جسده القوي على جسدها الهزيل، لكنها ضمته تسأله بصراخ عالي"عمير! عمير إيه إللي حصلك!"
صرخت والدتها بعلو صوتها، وركضت تمسكه مع ابنتها، وضعوه على الأريكة، وركضت على الأدراج تحضر الممرضة جارتهن بالبناية، هبطت معها وبدأت تعالج له جرحه الذي فُتِح، وزينب تحت صدمتها! كان نام، فتحت له الأريكة لتكون سرير لينام مرتاح، وقاست حرارته لتجدها ملتهبة!
قلبها عديم كرامة، صعب حاله عليها، وشحوب لونه قلقها، جلست تعد له الكمادات الدافئة حتى عادت حرارته طبيعية بعد وقت طويل، سقطت على الأرض بجانبه نائمة بعد تعب طويل!
ووالدتها لم يعجبها الأمر، يرميها شهور طويلة، طويلة للغاية وفي أول موقف له تجلس تداويه ككل مرة! يرميها ويأتي لها لتداوية، حرام عليه وجع قلبها، أمرتها أن تدخل غرفتها تنام مستريحة بها وبعد عصبية والدتها استسلمت ودخلت.
"_______"
ضمتها في أحضانها بحنان شديد، حنان أموي لم تشعر به من قبل لكنها الآن سعيدة رغم آلامها، وسمعت كلماتها الدافئة"سلامتك من التعب يا ضنايا، خدتي لطشة برد ولا حاجة."
1
_تعبانة أوي يا مامي.
قالتها وهي تشعر إن تعب العالم كله أتفق عليها ليؤلمها، والثانية بدورها تربت على شعرها وتخبرها ببساطة"سلامتك ياقلب ماما."
لحظات وشهقت وعيونها متسعة"بت ياسما إنتِ الأعراض دي أعراض حمل!"
_مش عارفة، بس هحمل إزاي؟
حمقاء؟ أشد حمقاء، ضربتها على شعرها وهي تسألها بسخط"هو إيه إللي هتحملي إزاي! ابني دا كيس جوافة؟ قومي يابت أنا هنزل أجيبلك اختبار الحمل."
_يعني هو إنتِ إللي هتنزلي؟ اصبري إياد يجي.
قالتها باعتراض والثانية نهرتها بسخرية"مش هقعد أنا على فضولي كدا، اسكتي شوية."
هبطت تحضره لها، وأعطته لها تمليها ماذا تفعل، بعد دقائق خرجت تخبرها ببسمة متعجبة"مامي هو منور علامتين أحمر!"
لم تكمل كلماتها وكانت حماتها أطلقت زغرودة عالية ترج أرجاء المنزل وهي تأخذها في أحضانها هاتفة بسعادة"يا ألف نهار أبيض! يعني هينورنا ضيف جديد! ياروح قلب ستو!"
هي لا تستوعب ما يحدث، هل بداخل معدتها الصغيرة تلك يوجد"بيبي"؟ غير معقول! سما الصغيرة ستكون أم؟ وسمعت كلمات حماتها"إنتِ اوعي تعملي حاجة تتعبك، ولازم على بالليل تروحي لدكتورة نسا كدا تأكدلنا، وتتابعي معاها، وكمان..."
قطعت جملتها سما وهي تنفجر بالبكاء تسألها بتعجب_:
_أنا إزاي هكون مامي! أنا معرفش حاجة خالص، وكمان أنا خايفة عليه.
ضحكت وهي تمسد على ظهرها بسخرية"ياهبلة، ومين كان يعرف! دا كرم من عند ربنا، نقول لاء؟ أنا هساعدك وإياد وأحمد ورودينا وكلنا، إنتِ بنتنا ياهبلة."
هدأت من روعها بحنانها ولطافتها، وارتاحت قليلًا من خوفها، سألتها بعد وقتٍ"إنتِ زعلانة إني حملت قبل رودينا؟"
شهقت باستنكار تسألها بعتابٍ"أخس عليكي ياسما! هو إنتِ ورودينا إيه؟ ما أنتم الاتنين ولادي، ولا إياد يعني دا مش هيكون ابنه وحفيدي!"
_أنا أقصد إن رودينا يعني بقالها فترة متجوزة وكدا.
قالتها بتوتر والثانية ابتسمت بحزنٍ حاولت مداراته"رودينا ربنا يكرمها، أنا ابني إياد البكري، ومن وهو لسة في أول العشرينات وأنا نفسي أمسكله عيل، ادعيلها إنتِ بس، وملكيش دعوة أنا هشيلك."
حنونة بشكل لا يصدق، وقبل أن يأتي إياد هبطت منزلها، جاء وسألها بانتباه"لسة تعبانة بردو؟ أخدك للدكتور؟"
_آه تعبانة جدًا، مامي قالتلي هفضل تعبانة كدا لحد ٩شهور.
قالتها بدلالٍ وخبثٍ تختبر ذكاءه به، استنكر بنزق"٩شهور إيه يا سما! قومي بلاش دلع اعملي لينا صلصة نغمسها بالعيش ولا اعملي لينا حتى بطاطس مهروسة بقشرها، جعان والله ما فاضي لدلع بنات دلوقتي."
قالها وهو متجه تجاه غرفته متسطح على الفراش بتعب ظاهر، وهي وقفت تحدق به بصدمة!
4
ماذا يقول؟ تقول تعبانة ويقول طعام؟ الوغد ستعد له في الطعام سم هاري! دخلت الغرفة كالإعصار تستفهم منه بعصبية"ممكن أفهم إيه إللي عملته دا؟"
_وربنا تعبان، في مريضة النهاردة مسكت ودني وهاتك يارغي! وفي الآخر تقولي إنها عندها كلام أكتر من كدا بس شخصيتها خجولة! سبيني في حالي بقا أنا هقدم استقالتي.
قالها بامتعاض ممتزج بتذمره، وهي رمته بنظرات مستشيطة، واخبرته بتهكم منه"ياريت بتهتم بمشاكلي زي مشاكل المرضى بتوعك."
"ياشيخة اتنيلي، دا أنا مش عارف هلاقيها منين ولا منين، متعرفيش أمي عامل أكل إيه انهاردة صحيح؟"
سألها بانتباه، أمام سلطان الجوع هو عبد مطيع، وهي هزت رأسها تخبره بنبرة رقيقة بالحقيقة التي زهقت من قولها على شكل ألغاز"إياد أنا في بطني نونو."
_وأنا بطني مفيهاش غير سندوتش طعمية اتهضم من عشر ساعات، أقسم بالله حرام عليكم إللي بتعملوه فيا دا!
يندب حظه للمرة التي لا تعلم عددها، لحظات وشعر بالمياه تغرق ملابسه وإليه صياحها"أنا حامل أنت مش بتفهم! واللهِ أنت بني آدم غريب!"
تعالت ضحكاته، وتحدث في الحال ببساطة"طب ما أنا عارف! قولتلك إمبارح دي أعراض حمل قولتيلي نو موستحيل، كإنك مش متجوزة!"
اذبهلت ملامحها، وهو لم يعطي لها فرصة التفكير وكان أخذها في أحضانه مردد بسعادة كبيرة"كبرتيني وخلتيني أب يا صغيرة إنتِ."
تعالت ضحكتها وهي بين ذراعيه، وهو قبل رأسها محدثها بمشاعر جياشة"أنا مش مصدق بجد، ربنا يكمله على خير، خدي بالك على نفسك، مش هقولك اوعي تتحركي ولا تعملي أي حاجة تتعبك لإن فعلًا دا إللي بتعمليه، إلا حتى ما شوفتك داخلة عليا بواحدة موز متقشرة! بس مش مهم هلتمس ليكي العذر يعني في النهاية إنتِ بت دلوعة."
3
_أنت كل ما تشوف خلقتي تفكرني إني مجوعاك؟
استهجنت بمضض، وهو لحق جملتها بمشاكسته"بس على قلبي زي العسل، قطعيني حتة حتة، ارميني لأي قطة، أنا كنت بحب ستة دلوقتي بحبك إنتِ."
4
ضحكت على حديثه، وهزت رأسها بيأسٍ وهي تهتف بسخرية"التلفزيون أكل عقلك، ربنا يهدي."
ضمها بحبٍ وهو يدفن رأسه بين شعرها، مردد بنبرة هادئة لينة"مبروك علينا يانور عيني، هتبقي أجمل أم إن شاء الله، ربنا يجعله ذرية صالحة، وبار بينا، وتقي يخاف من ربه، ويجعلنا ونعمة الأهل ليه."
أمنت على دعائه، وبنبرة مرتبكة سألته بخجلٍ"ينفع اتصل أقول لبابي؟ هو هيفرح أوي."
ضم شفتيه، واخبرها بجدية"علاقتك بوالدك مش مفروضة يموافقتي وإذني، دا والدك."
كانت موافقة صريحة منه، وهي ركضت تلتقط هاتفها بسعادة، تجري اتصال مع والدها، وهو أجاب في الحال بلهفته المعتادة"سما حبيبتي، عاملة إيه ياحبيبتي؟"
_أنا بخير يابابي، بابي أنا حامل.
قالتها بسعادة فائقة، تشاركه سعادتها بضحكة تملأ وجهها الجميل، تضحك ببشاشة وهي تخبره بالخبر السعيد، تقولها وهي تطير!
ووالدها رسم بسمة حنونة، واخبرها بوجهٍ متهلل"يعني إنتِ هتجبيلي حفيد يعوضني عن كل دا؟"
صمتت للحظات، وهو تحدث بنبرة حنونة كعادته الحنونة معها"مبروك ياسما، أنا مبسوط إنك تخطيتؤكي كل حاجة."
_إياد السبب يابابي.
قالتها بحبٍ وضح على صوتها، وهو أكد ببسمة صغيرة"إياد جوز ميتعوضش، طالما مفرحك يبقا في داهية الدنيا كلها".
_أنا بحبه أوي يابابي، إياد كل حياتي!
صادقة، وعيونها دامعة متأثرة بكلماتها، وهو أمرها بجدية أب"حافظي على بيتك، وكوني أسرة بتحب بعضها مش مفككة."
5
هل نادم؟ بعد فوات الأوان؟ هل شعر الآن بخطأه الفادح؟ ضحكت بسخرية لكن نبرتها كانت حماسية"بيتي مش هيكون فيه غير حب ودفا وبس!"
فاقد الشيء يعطيه، وهي ستعطي أطفالها كل شيء، حنان العالم ستضعه بين راحة يديهم.
أغلقت معه، وجلست على الفراش ببسمة صغيرة، متذكرة صباح أول يوم أصبحت زوجة إياد كأي زوجين طبيعيين، زوجته أمام الله.
كانت نائمة على فراشهم بمنتهى الرقة التي في العالم، رغم شعرها المشعث حول وجهها بطريقة مضحكة، وهو كان يحدق بها، أبرأ من كل تلك القصص في حياتها! نقية وعفوية! عاشت في عُري وحياة فساد كانت تحيطها لكن رغم كل ذلك احتفظت بنقاء في أول مقابلة لها معه أجزم إنه نقاء يؤدي إلى الهلاك! لذلك الجميع استغله!
لا خبرة لها في شيء، يشكِّلها على يديه بمنتهى السهولة، حياة فاسدة أخرجت فتاة جميلة بريئة! امتدت يده تهندم لها شعرها بسعة، وهي كعادتها_عادة اكتشفها عندما بدأ ينام بجانبها من قبل_إنها تتحدث وهي نائمة! تضحك وتنفعل، وتبكي وكل هذا في نومها! تهمهم همهمات غير مفهومة لكنها لطيفة!
بدأت تتململ بضيقٍ وهي تردد"بس بقا".
_يلا اصحي الساعة اتنين العصر الوقت اتأخر.
قالها وهو يهزها برفق، فتحت عيونها الناعسة ترمقه بصدمة مع استنكارها"أنت ليه محسسني إن الساعة تمانية بالليل! ما لسة بدري أهو! ياربي بقا."
_بقولك اتنين! إنتِ إللي ليه فكراها تمانية الصبح! يلا قومي.
نشيط؟ نشيط لدرجة تخنق، وهي بالأساس لم تستمع لبقية جملته وكانت أكملت نومها بدون قصد، زفر بسخط، ونهض يتحدث بتأفأف"واللهِ ما عارف إيه الكسل دا!"
دخل المرحاض يأخذ حمام دافئ، خرج بعد ساعة إلا ربع ليجدها نائمة! تلك عادتها، بالأساس في أول أيام زواج لهم كانت تنام بطريقة مبالغ بها، ظنها في البداية لا تخرج من غرفتها بسبب خجلها، لكن بعد أسبوع كامل دق على الباب ولم ترد، فتح ليجدها نائمة والساعة الخامسة!!! تلك الفتاة؟؟ كانت من قبل نشيطة وتنفذ ما يقوله في جلساتها! أم كانت تغش؟
بدأ بعمل تمارينه، واندمج بها حتى نسى حاله، وهي نهضت على صوته الغريب! يُعدّ؟ ويصفق؟ اعتدلت ترمقه بغرابة، يفعل تمرين الضغط، لكن يصفق بمهارة في وسط كل رقم يعده والثاني! رائع! شخص رياضي، رياضي للغاية!
ظلت تراقبه بنظرات طفلة للتو خرجت لعالم جديد، مئتان؟؟ يا الله! شعر بها، رفع أنظاره لها مبتسم لها بسخرية"نموسيتك كحلي يامدام!"
_شكرًا.
قالتها ببسمة صغيرة خجلة وهي ترجع شعرها للخلف، تعالت ضحكاته وسألها بمرحٍ"كل دا نوم ياسما! الضهر والعصر أذِّنوا، المغرب عليها خمس دقايق! إنتِ منمتيش من قرن ولا إيه؟"
"أنا بس تعبانة، متتريقش عليا."
أمرته بوجهٍ محتد، حدثها ببساطة"ياستي بهزر، صباح الفل ياعيوني، قومي يلا عشان تستحمي وتصلي عقبال ما أخلص ونفطر."
نهضت تفعل ما قاله، وانتهت بعد وقتٍ، خرجت وجدته يضع الطعام، جلست أمامه تحدثه بتحمس"اعملي سندوتش جبنه رومي وحط عليه كابوتشي."
_ليه السندريلا مش بتعرف تعمل سندوتش؟
_بعرف، بس كنت بشوف العرسان هما إللي بيعملوا لمرتهم وكدا الأكل في المسلسلات المصرية.
قالتها ببساطة وهو أكد بضحكة ساخرة"معاكي حق من بعد اليوم دا بقا مفيش راجل بيدخل المطبخ تاني."
راودها سؤال معتادة عليه، وشبكت أصابعها ببعضهم تسأله له بكلماتها
"إياد أنت بتحبني صح؟ يعني أقصد."
علقت جملتها، وسكتت، وهو في الحال خطف منها قبلة من فوق وجهها يحدثها بمراوغة"بموت فيكي."
قبل أن يكمل أي شيء كان الباب يدق، حدثها ببساطة"هقوم أفتح تلاقيها ماما."
نهض بتكاسل ونصف جزعه العلوي عاري كعادته يفتح الباب، لكن خالفت كل توقعاته بمجرد رؤيته لوالدها! احتدت نظرته وهو يهتف برسمية"كفارة يابدر بيه."
_فين سما؟
سأله وهو يتخطاه يدخل إلى المنزل، وجدها جالسة تأكل بملابسها البيتية الشبه جريئة، شعرت بخطواته، استدارت خلفها بغرابة، تلعثمت عندما رأته، سيكرر تهديداته لإياد؟ لكن صدمها عندما فتح ذراعيه محدثها بحبٍ"مفيش حمدالله على السلامة يابابي؟"
كانت تنتظرها منه، حركته وكلمته عندما يعود من سفر، أو يغيب عنها لفترة، اشتاقت وجوده! وضمه إلى قلبها، اشتاقت والدها الحنون عليها، بحياته لم يكن قاسي إلا إجباره لها في أمر زواجها، نهضت ترتمي في أحضانه تخبره بنبرة باكية"كنت خايفة تتسجن طول حياتك بسبب الناس دول! كنت خايفة عليك، وحشتني يابابي، أنا آسفة على أي حاجة."
ابنة تحتاج لوالدها، لم ترَ منه إلا كل حب وحنان، هو الوحيد الذي كان يشعرها بالحب، كان أمان لها حقيقي، ضمها بقوة، وسمح لدموعه بالانهيار وهو يعاتبها"كدا ياسما؟ عشان خاطر جوزك في عز ما أنا كنت محتاجلك وخلاص كل حاجة عليا إنتِ متسأليش فيا؟ متقفيش جنبي؟"
بكت وهي تنفي حديثه بكلماتها الرافضة"لاء يابابي أنا واللهِ العظيم جتلي صدمة نفسية وقعدت خرسة أول ما سمعت الخبر، إياد كان بيمناعني اتعامل مع أي حد ممكن يسببلي صدمة، لكن كنت خايفة عليك واللهِ."
رمقها بخوفٍ وهو يسألها"طب إنتِ عاملة إيه دلوقتي؟ وخفيتي يعني ولا إيه؟"
_امبارح اتكلمت، حصل موقف تافه خلاني اتكلم في وسط ما كل الصدمات إللي خدتها معرفتش اتكلم بردو فيها، بس كل إللي أنا فيه دا بسبب إياد، إياد بيحبني أوي يابابي!
وقف إياد يتابع الموقف الحنون من بعيد، وأنظاره متحفزة، يخشى أن تنجرف وراء والدها وتتركه هو! يخشى من والدها، قاتل بدافع الشرف بصحيح لكنه قاتل، قتل ابنه الذي رباه طوال حياته!
_حقك عليا ياسما.
جملة منه تربت على قلبها لكنها انهارت تعاتبه بعيون حزينة لائمة"ليه يابابي بعدتني عن مامي وحرمتني إحساس الأم وحبها لبنتها، ليه جيت عليا الفترة الأخيرة وكنت عايز تجوزني لأي حد عشان مصلحتك، وليه جيت قولت لإياد عني الحاجات الوحشة دي! أنا كنت فكراك مش عارف كل السنين دي! طلعت عارف وساكت؟ أنا بجد مش قادرة أرجع حبك لنفس درجته، بحبك لكن بقيت بخاف منك!"
"أنا خليتك جنبي لإن أمك مش هتوفرلك إللي هوفرهولك، أمك مش هتعيشك في ڤيلا ولا..."
يبرر بماذا؟ حجة غبية؟ الأموال! قاطعته بسخرية حزينة"وأنت وفرتلي الأمان في بيتك؟ في ڤيلتك؟ هي كانت هتقدر توفره، أنت معرفتش، اتأذيت منهم بكل الطرق، ڤيلتك كانت جحيمي، تعليمي برا كان جحيم، تعليمي بردو جوا كان أشد جحيم، حياتي معاكم كانت عذاب، كنت بتحاول تعوضني بحبك ليا؟ مكنش بيكفيني يابابي."
كانت قاسية معه، قاسية للغاية، وإياد كان يتابعها بانتباه، هي تحتاج لتلك المواجهة، تحتاج أن تفرغ كل ما في قلبها الملكوم، وضحكت وهي تخبره بحرقة"أنتم قهرتوني، عيشتوني أسود أيام حياتي، ياريتك قولتلي من زمان إنها مش أمي عشان مكنتش انتظر منها حاجات مستحيل تعملها، مرات الأب دي أسوأ حاجة، وأنت وفرتلي أسوأ حاجة، عيشت أيام بتمنى أموت، بتمنى يونس يتجوزني عشان أبعد عنكم، بتمنى حد يحبني، بشحت، كنت شحاتة."
تاهت الكلمات من فوق لسانه، لا يستطيع أن يعتذر، أو حتى أن يدافع عن حاله، وهي أكملت بما يجثم فوق صدرها"فلوسك كانت نقمة يابابي، خليت أخويا أحن حد شوفته يبقا أقسى إنسان، دمرت بنتك، حتى ابنك إللي ربيته مطلعش ابنك وقتلته، شوفت إنك بفلوسك الحرام بنيت دنيا حرام؟ خلفت عمير ورميته خلفت تاني ليه؟ عارف؟ ساعات بقول أحسن إن أدهم مطلعش إبنك، ظلمت عمير وجيت عليه ورميته في الشارع يتربى، جحدت عليه، بخلت عليه بفلوسك ومنصبك، وأديت كل حاجة لأدهم إللي مش ابنك، كنت تستاهل إللي بيحصلك، عارف؟ أنا لو منك أكره نفسي، وأحاول أعوض عمير إللي كان ابني بجد ومن صلبي، أنت خليته أسوأ إنسان، أنت دمرته يا بابي، ولسة عايز تدمره."
عيونه تحولت إلى حمراء، ودموعه تتسابق على وجهه، قبل رأسها وهو يشعر بكلماتها، وعجزه سيطر عليه"أنا آسف، حقك عليا."
_أنا بس عايزة أعيش أنا وجوزي في أمان، أنا عايزة أعيش معاه، عايزة أحس بالأمان وأنا في حضنه، امبارح بس لأول مرة كنت حاسة إني محتجاه، أنا مش عيزاك تزعله ولا تضايقه، إياد أحسن بني آدم في الكون كله.
طلباتها بسيطة، أن تعيش مع زوجها بدون مشاكل تعكر صفو حياتهم البسيطة، ووالدها قطع لها وعد صادق"واللهِ ما هلمسه، أنا عايز أشكره إنه خلاكي سعيدة."
كلمات بسيطة ثلجت قلبها، وعادت إلى واقعها وهي مبتسمة، تتصل بوالدها كل حين والآخر، بينما هو كل ليلة يتصل بها يطمأن على أحوالها، سمعت صوت إياد المتذمر"سما ماما إنهاردة عاملة كبدة! واللهِ حرام، أنا بقرف من الكبدة، أقسم بالله محدش بيسأل فيا ولا بيعبرني!"
_أنت بقت كل مشاكلك الأكل يا إياد واللهِ، بقيت مفجوع!
3
"______"
عند والدها كان يجلس بشركته كثيرًا وملامحه حزينة، كل شيء ضده، كل شيء عليه، حتى ابنته تتعامل معه كالغريب، ابنته التي لم يحب سواها!
راجع حياته تدريجيًا، زوجته كانت تخونه طوال السنوات، ابنه لم يكن من صلبه وعامله معاملة الملوك رغم إنه ترك ابنه الحقيقي يتعامل معاملة الشحاذ! قتلهم، ودخل إلى السجن، بحنكة محامي وبعض الإجراءات خرج منها بمنتهى السهولة! خرج ليجد حياته خراب، شركته خسرت خسائر فادحة بسبب تلك الفضيحة!
2
قال سيعافر، وتزوج، تزوج شابة صغيرة لتشعره بمتعة الحياة وإنه يقدر أن يتخطى كل شيء ويبني الإمبراطورية من جديد، لكن؟ لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن! وكل شيء يزداد سوءً!
تزوج من فتاة لطيفة وتحاول تعويضه لكنه زهد الحياة، لكنها معه، لا تتركه، وتسانده، تقف معه وتحاول إرجاع كل شيء خسره، ظن سيحارب عمير بعد خروجه من السجن ليضعه هو به، أو يقتله..
لكن؟ بعد حديث ابنته جلس يسأل ماذا فعل عمير ليبغضه هو؟ ماذا فعل له حتى يرميه ويقسو عليه؟ لأجل من؟ لأجل الخائنة! شعر إنه بالفعل دمره بلا سبب، وما السبب وهو كان طفل صغير يبكيه؟ ويخبره إن أصدقاءه يضربونه! وإن "حبيبة هانم"لا تريد اصطحابه معها إلى الأماكن التي تصطحب أدهم لها!
الجبار انحنت قوته أمام صدماته، وضياع كل شيء من بين يديه، الجبار كان مغفل، وتلك الأحداث تركت أثر في رجولته وفي ذاكرته وعلى قلبه!
1
"______"
لم تستمع لحديث والدتها بعدما رأته ينتفض، وجلست تداويه ثاني، وسمعت ابنها يبكي، دخلت تأخذه بين أحضانها، تطعمه ولم يريد النوم، خرجت تجلس به بجانب عمير، ترمقه بعتاب، ووجهت نظراتها لصغيرها الذي ينظر لها، تخبره ببسمة صغيرة"دا بابا، بص أنت شبهه إزاي؟ عيونك زُرق، وشعرك أصفر، شبهه، بس يارب ما تطلع زي قلبه، بابا دا زمان يعني كان طيب، دلوقتي دمر نفسه ودمرني ولما تكبر أنا واثقة إنه هيدمرك، كل يوم بيوجعلي قلبي، يجي يعمل حاجة فيا تخليني أكره نفسي، زي انهاردة، وزي اليوم إللي كنت عايزة أموت نفسي وأموتك فيه."
غفلت عيونها وهي تمسكه، استيقظت على بكائه بسبب وضعيته الغير مريحة، نهضت تنام به على فراشها، وفي الصباح استيقظت، خرجت تتحسس حرارته لتجدها عادية، تنفست بارتياح، جلست تصنع الملابس الصوفية لتنهي طلبات الأسبوع قبل ميعادها، خرجت والدتها تسألها بجدية"راق ولا لسة؟"
_كويس الحمدلله.
قالتها ببساطة وهي تصب كل تركيزها على ما في يديها، أخبرتها والدتها بلا مبالاة"طيب أنا نازلة أجيب فطار، الواد نايم؟"
_آه، غيرتله من ربعاية كدا.
هبطت والدتها وجاءت بعد وقتٍ، تناولون الفطور، وكل واحدة انشغلت بما تفعله، والدتها ممسكة محمد لا تتركه للحظة، تقول زينب إنه ابنها هي، من دونها ستضيع، سمعت صوت همهماته، وبدأ يستفيق بوجعٍ، نهضت تقف أمامه تسأله بجدية"حاسس بإيه؟"
بدأ يستوعب ما يدور حوله، واصطدم بوجع رأسه ليرد بتألم"راسي هتموتني."
_سلامتك، خد دا مسكن.
مدت يدها بالبرشام، وبزجاجة مياه، أخذها يتجرعها، اعتدل بكسلٍ يسألها باهتمام"شكرًا، إنتِ كويسة؟"
هزت رأسها ولم ترد، وهو كان يدور بنظره في كل مكانٍ وسألها بشوقٍ"ينفع أشوف محمد؟"
نهضت بسكون، أخذته من والدتها، ومدت يدها له تحدثه بجدية"متقربش نفسك منه ولا تبوسه عشان أنت عيان، محمد مش هيستحمل."
وافق بطاعة، وكان ابنه بعيد عنه، ملامحه وضحت، مر أيام طويلة لم يراه، وبدأ يملِّي نظره باشتياق منه وعلى ثغره بسمة، سمع جملتها الجادة وهي تحاول أخذه منه"هاته بدل ما يتعدي، وكمان أنت تعبان."
تمسك به أكثر، وعيونه كانت معاتبة وهو يقول"متحرمنيش منه يازينب، أنا مش هعيشله كتير."
_أنت قادر تخلف غيره كتير ياعمير، دا هو إللي حيلتي.
قالتها بنبرة حازمة، وهو سألها باستهجان"شكلك عايزة بدر وعمير جديد."
2
رسمت نصف بسمة ساخرة على محياها، ورددت ببساطة"لو كنتله أنت بدر هيكونلك عمير، بس متخافش أنا لا هربي ابني على كرهك ولا على بغضك، ابنك متربي مع أم سوية".
_اعمليلي بلوڤر.
قالها وهو ينظر للمكتبة التي تحولت لكروشيه وماكينات، اخبرته بلا مبالاة"عندي ضغط شغل."
"هدفعلك حقه متقلقيش."
_مالك آخر همي.
رمتها بثقة رافعة أنفها بكبرياء، وهو إلتوى فمه بتهكم"هاخد البلوڤر إللي هناك."
1
لم ترد، وأخذت ابنها منه طال صمتهم، وهو قطعها بشفاه مرتجفة_:
_زينب، إنتِ فعلًا مكنتيش تعرفي مين الظابط خالد العريان دا صح؟
اتسعت عيونها بصدمة، للأن يشك فيها! سألته باستشاطة بعدما انفجرت به بيأسٍ"بردو؟ لاء مكنتش أعرفه ياعمير، ولا عمري في حياتي سمعت اسمه، أقولك حاجة؟ ياسيدي أعرفه، وبلغت عنك، عمل إيه هو؟ عرف يقبض عليك؟ ليه بتظلمني؟ طالما أنت مش مصدق وشاكك فيا ليه بتيجي ترمي عليا حزنك؟ هو أنا مكتوب عليا أشيل همك؟ طالما أنا ****ليه بتلجأ ليا في انهياراتك؟"
_يعني كنتي مظلومة.
كان رد وليس سؤال لكنها دفعته بعصبية وهي تهتف بكرهٍ"مظلومة آه، أصلي أنا مش **********زي ما أنت قولتلي ومش بنت**** زي ما قولت، ومش خاينة، ومش كدابة وواخدة من الدين حاجات وحاجات، بس لو معاك حق في حاجة هيكون لما قولتلي إني مسواش في سوق الستات تعريفة، إزاي أكون غالية بالنسبة ليك وأنت كل أما بتحتاجني عمري ما بردك! بتيجي وعارف إني أنا بس إللي هداويك، دا أنا رخيصة أوي ياعمير واللهِ، ومش ست زي ما قولت عشان تفضل معلقني كدا، أنا لو رخيصة ياعمير فأنا رخيصة بسببك."
3
هاجمته بحديث كثير يؤلم قلبها، يحطم أنوثتها، وهو استوعب إنه قال كل هذا الحديث الجارح لها! هل سبها؟ وأهانها في شرفها؟ رأى دموعها عالقة وهي تردد بتألم رغم سخرية ملامحها_:
_ضربتني بدل القلم اتنين، طلقتني كإني واحدة زبالة، خلتني أرجع سفر وأنا معيطة وقلبي واجعني، أغمى عليا يومها في الطريق والناس قعدوا يفوقوا فيا، اتهمتني إني بكلم راجل يعني بخونك، وأنا بابا مربيني واللهِ، ومتربية أحسن تربية ومتعلمة أحسن تعليم، وعارفة ديني وربنا، ردتني بطريقة زبالة وكسرت شوكتي، خلتني قدام نفسي وقدام الكل بني آدم معندوش حق الرفض! مسلوبة منه أبسط حقوقه، وأنت عارف ياعمير إني مريضة، عارف إن في أي لحظة الورم هيرجعلي تاني عادي، وعارف إن مليش حد، عارف إني بتصنع القوة، وعارف إني هبلة وسهل تضحك عليا بأي كلمة، عارف إن.."
يعرفها؟ تراجعت بجمود وهي تتحدث بوجعٍ"لاء ياعمير، أنت عمرك ما عرفتني، أنت جي امبارح وعارف إن في عديمة كرامة هتساعدك، وهي ساعدتك، وأنت بقيت بخير، تقدر ترجع لحياتك وتسيبني في حياتي الصغيرة."
قالتها ونهضت بابنها تدخل إلى غرفتها، أغلقت الباب، وهو ظل يرمق أثرها، نهض بعد دقائق يغادر من المنزل، استقل سيارته، وفي لحظات كان انهار، انهار يبكي بحرقة، شهقاته تعالت، لم يستطيع السيطرة على رجفات يده، خسر كل شيء! خسر حياته لأجل لا شيء!
4
بعد وقت استعاد رابطة جأشه، واعتدل بجمود يردد بنبرة متحدية"بس لاء ياعمير، مش هتخرج خسران، الكل هيخسر، لو هتخرب تخرب على الكل."
1
انطلق بسيارته، ووصل إلى بيت في منطقة شبه مقطوعة، دخله، وابتسم بسمة واسعة بعدما أمسك هاتف ليس بهاتفه بأزرار، لا وخلع من قميصه قطعة حديدة صغيرة من زر قميصه!
2
ابتسم لها بخبثٍ، وردد بثقة"كدا عليا وعلى إللي جابوكي ياسيلا."
دقق نظره في قطعة الحديدة الصغيرة للغاية تلك لتتضح إنها كاميرا بمسجل صوت اشتراها بأموال طائلة، منذ أول يوم عمل معهم، اشتراها حتى يأمن نفسه، وردد بسخرية"ماهو أنا مش بعد كل دا هبقا كبش الفدا، مشكلتكم إنكم موصلتوش لدماغ ابن الشوارع."
11
عمير! آه من رأسه، كان يظهر في دور الخانع المطيع، وبكل بساطة يوقع على صفقات، كبش فداء كمثله كتير، عمليات قذرة باسمه، سيذهب في مليون داهية إذا وقعت بيد الحكومة، لكن هو أمَّن نفسه، كان يسجل كل شيء، صوت وصورة، وهاتفه المخترق يظنونه يستعمله وهو بالفعل يستعمله لكن بمزاجه، عندما يريد ذهاب أي مكان يذهب إلى ڤيلته ويلقي الهاتف على الأريكة متعلل إنه سينام، ومن الجهة الأخرى يغادر.
عندما يريد مهاتفة أي أحد يترك الهاتف المخترق بعيد ويتعامل مع الهاتف"أبو زراير"، يظنون إنه مغفل لا يعلم إن هاتفه مخترق والحاسوب الخاص به مخترق، يسايرهم، لكنه مل من قذارته، سيبتعد عن كل هذا، هو لا يريد أن يُؤذيهم أو يؤذى بسببهم، لا يريد اللعب معهم، تلك مجرد تسجيلات لضمان حمايته، أما هم فلا يريد الغدر بهم، وهو ليس مثلهم أو في مقامهم ليقف ضدهم!
2
انتهى ومل وردد بحزمٍ"هتصفي كل دا ياعمير، خلاص مش هتبقى وسخ، أنت مش شبههم، أنت كنت بني آدم رحيم، مينفعش تبقا قذر كدا."
11
"______"
_يعني إنتِ عاملة مفاجأة لسي رشدي أباظة بتاعك وريحاله المستشفى، أنا مال أمي؟
سألتها ندى بتذمر بعدما جبرتها سما أن تأتي معها إلى المشفى، رددت سما بسخرية ونبرة خبيثة"عشان تشوفي سي طرزان بتاعك."
عقدت حاجبيها باستنكار وهي تسألها باستخفاف"هقابل غوريلا! ترضيها لصحبتك؟"
_اسكتي بقا، إياد عنده مرضى كتير أوي! يعيني بجد بيقعد يسمع الرغي دا كله!
_ياعيني إيه! دا تلاقي عامل فلوس على قلبه قد كدا!
كان المتوقع التي قالتها هي ندى، لكن استدارت ندى لتجده هو"غيث"الذي قالها.
احتدت ملامح سما وهي تردد بحنقٍ"قل أعوذ برب الفلق، قول ماشاء الله."
_ماشاء الله.
قالها وهو يحدق بندى التي انشغلت بهاتفها، وسما ابتعدت عنها تخبرها بسرعة"المريضة خرجت، هلحق أدخل قبل ما حد يدخل".
تركتها تقف معه، وهو اقترب منها يسألها بجدية"عاملة إيه؟"
_تمام، في حاجة؟
سألته باقتضاب، متذكرة آخر لقاء لها معه، انفعلت عليه وأمرته ألا يتخطى حدوده معها بعد اليوم، وهو من بعدها كان جاد معها، هز منكبيه يخبرها ببساطة"لاء."
دخل إلى عيادته، وهي جلست على مقعد مقابل له، جاء له طفل مريض، بدأ بملاعبته، واضح إنه يمزح مع الجميع، رحل وجاء اطفال ورحلوا، خرج يخبرها بمشاكسة"على فكرة مش حلو خالص إنك تتجاهلي جوزك وأبو عيالك."
_أنت شكلك عايز تتهز...
احتدت نبرتها لكنه قاطعها ببساطة"عايز اتجوز، تتجوزيني؟"
شهقت باستحياء، وصاحت عليه بعصبية"على فكرة كدا عيب!"
_عيب ليه يابنتي! هو انا بقولك تعالي نضرب حجرين بانجو وورقتين عرفي!
سألها باستنكار، وهي رفعت حقيبتها تضربه بها مع نهره له"عيب كدا، أنت بني آدم بلاير والله."
"يابنتي وربنا عايز اتجوزك في إيه؟"سيبكي! وهي أخبرته بعدم تصديق"عيب كدا أنا من قنا على فكرة!"
لحق جملتها ببسمة واسعة"أحسن ناس، وأنا من التجمع".
_يعني واد فافي.
رمتها في الحال وهو ابتسم بسخرية"ربنا يسامحك".
_أنت مختل صح؟
_متنكريش إنك بتحبيني من أول يوم شوفتيني فيه.
غمزها بمكرٍ وردد بنبرة متلاعبة"هترميلي رقم الحج الوالد ولا أروح أقول عندك في البلد إنك غنتيلي ومن الشباك لرميلك بوسة؟"
شعرت بالخجل يجتاحها، ووجهها تحول لكتلة دماء ساخنة، ابتعدت عنه جاحظة العيون، هو لحق بها يحدثها بجدية"ندى أنا معجب بيكي وبأدبك وأخلاقك..."
استدارت له تحدثه بحزمٍ"وأنا فعلًا مضايقة من أخلاقك، تخيل بتكلم بنت كدا بمنتهى العبث! وواقف تتغزل فيا! ومن ساعة ما شوفتني وأنت بتستخف بدمك! كدا المفروض أقول ياروحي! الرَجُل الناضج لا يكُن أضحوكة لإضحاك الفتيات، لا التفت لرَجُل أتخذ الدعابات وسيلة للحوار، ولا أُحبذ مناقشة المراهقين المتصابين، الرَجُل الناضج هو قليل القول كثير الفعل، صدقني لا تكُن ناعم مع الفتيات حتى يعلو قدرك أيها الطبيب."
3
رحلت عنه بعد وصلة أدب باللغة العربية الفصحى، سقط فكه بصدمة، هل مرَّغت هيبته كطبيب في الوحل! معها حق على أي حال.
وهي كانت منفعلة، تكتم غيظها لكنها ستصبه كله على تلك سما الغبية، خرجت سما لها لتجد ملامحها ممتعضة، ما أن رأتها وانفجرت بها تسألها بعصبية"إيه كل دا بجد! إنتِ سيباني هنا وإنتِ قاعدة مع جوزك جوا!"
رمشت بأهدابها بصدمة، وتحدثت باستنكار"في إيه!"
_في إن السخيف إللي اسمه غيث دا بيسخف عليا وبيقولي تعالي نتجوز هو أنا بقولك نضرب حجرين! وبيقولي لو موافقتش هيروح يقول إني غنيتله، إيه الهبل دا!
قالتها وهي على وشك البكاء، وسما تعالت ضحكاتها وهي تضمها"طب واللهِ عسول، إنتِ إللي أوڤر."
دفعتها بعصبية وهي تردد باختناق"اتصدقي بالله أنا مهزقة عشان باجي معاكي".
_طب انكري بقا إنك بتيجي مخصوص عشان تشوفيه.
غمزتها بمكرٍ، والثانية نفخت وجهها وهي تردد بضيقٍ"المشكلة بيضحكني."
_وربنا إنتِ بومة.
دفعتها بغيظٍ وهي تضربها، والثانية حذرتها بحدة"واللهِ ما عايزة أمد إيدي عشان مراعية إنك حامل، لكن وربنا كلمة كمان وهمسح بيكي بلاط عيادة جوزك."
_وربنا بومة ومش بتفهمي في الهزار، بتخسري دكتور!
"______"
رجعت إلى منزلها مع إياد، لكن صعدت في الحال إلى منزل حماتها، فتحت لها رودينا تضمها بقوة وهي تهتف بسعادة فائقة بعدما أطلقت الزغاريد بحرفة_:
_ياكوتي كوتي أجمل مامي جت!
ضحكت سما وهي تضمها بقوة، ورودينا دفعتها بخفة وهي تجلسها مع جملتها المتهللة"اقعدي هنا كدا."
وجهت نظراتها لإياد الذي ينظر لها بهدوء وعلى ثغره بسمة"أظن بقا لو بت تسميها على اسم عمتها."
_بس ياحرباية.
قالها في الحال، وهي شهقت بصدمة تسأله بخذلان جادته"أنا حرباية! كل دا عشان خاطر عايزة البت تنول شرف الاسم؟"
"هيبقا واد إن شاء الله."
نطقها بسخافة وهو يدفع وجهها بخفة، ورودينا ضحكت، واتجهت تحتضنه وهي تبارك له بنبرة لطيفة"مبروك يا دودي."
خرجت من أحضانه، وركضت تجاه المطبخ تحضر لهم حلوى أعدتها لهم مخصوص.
بدأ إياد يلاعب حياة التي متعلقة فوق ظهره، واخبرها ببسمة مرحة"اتوحمي على حياة، أنا عايز نسخة منها."
_أنا بغير من البت دي بجد، البت دي مجنناك، هوف بجد!
زفرت بملامح غاضبة، وحياة أخرجت لها لسانها تحدثها باستفزاز طفولي"خالو بيحبني أكتر."
ضحكت على جملتها، وهو حدثها بتأثر حزين"لو بس كنت اتجوزت بدري شوية كنت جبت واد جوزتك ليه."
_رح اتزوچك أنت.
قالتها وهي تضمه أكثر، ضحك بقوة، وأشار لسما بعيونه إنه بريء! سمعت جملة والد رودينا يسألها بمرحٍ"يعني مش عايزة تتجوزي ولد من سنك؟"
نفت برأسها وهي تردد بخجلٍ"لا بدي اتزوچوا لخالو لإنه إميح معي وبيحبني، وبيلعب ألعاب حلوة مو متل خالو كسول".
_آه من حواء بكلمة لطيفة تقع في هواك!
قالها وهو يغمز سما، وخرجت رودينا عليهم ممسكة بصحن كبير مسطح موضوع فوقه كعكة بالشكولاتة مزينة وموضوع فوقها شمعة عليها صورة سيدة حامل.
أشعلت الشمعة وهي تضعها أمامهم مرددة بمرحٍ"يلا طفيها يا أم رودينا، دا أنا إللي عملاها بإيدي واللهِ، حتى اسألي البت القردة دي."
ضمتها سما بحبٍ أخوي، وطفأت النيران، بدأت رودينا تقطعها لهم وهي تضعها في الأطباق، وسحبت حياة تضعها بجانبها تطعمها بفمها متعللة بحنان"عشان تيشرتك أبيض ولسة جديد، حرام يتوسخ".
_كلي إنتِ.
قالتها وهي تطعمها معها بلطافة، أكلت من بين يديها كالعادة، وقبلتها بقوة، خرج صوت حياة تسألها ببسمة متحمسة_:
_ماما رح تچيبي نونة متلها؟
1
بعثرت شعرها بمرحٍ وهي تهتف بقلة حيلة"هو إنتِ كل ما تشوفي محمد ولا تعرفي إن حد حامل هتبقي عايزة نونة؟ مش كفاية إنتِ دلوعتي؟"
قالتها وهي تمسح جانب فم حياة من أثر الشكولاتة، وأكملت إطعامها ببساطة"لما ربنا يريد، غير كدا فالحمدلله رضا ياحياة، مفيش حاجة ربنا بيكتبها وبيريدها بتكون شر لينا".
"بابا كان عم يقولي إن الله بيستچيب الدعاء للكل، رح أدعي إن يچيني أخ مشان ما تحبوا أختي أكتر مني."
ضحكت بخفة وهي تسحب أذنها بخفة مع سخريتها"سوسة، سوسة واللهِ."
ضحكت بطفولة، ونهضت تضمها بقوة وهي تردد بنبرة مشاكسة"مشان إنتِ ماما وبس."
_وإنتِ عسل واللهِ، إيه السكر دا؟ جميلة جابت أكيت حاجة على الأرض واللهِ!
قالتها وهي تهدهد معدتها بمرحٍ والثانية تضحك، كان إياد عيونه عليها، ابتسم نصف بسمة، ومن داخله دعا ربه أن تُرزق وألا تُحرم طوال حياتها.
_رودي.
لفتت نظرها سما، ردت ببسمة صغيرة"إيه يا سمسم."
ضحكت وهي تخبرها ببساطة وبسمة واسعة"إنتِ إللي هتسمي المولود، لو كان ولد أو بنت."
رمقها إياد في الحال، من قبل حكت لها رودينا ما حدث لها على يد سامر، وسما ظلت ليلة كاملة تبكي عليها، لكن لم يتوقعها منها، رمقتها رودينا بغرابة لكن صوتها اشتعل بالحماس"بجد! هتخليني أسمِّي مولودك؟"
_أيوة طبعًا إنتِ عمته وفي مقام خالته، بس أسماء حلوة مش قديمة ها؟
قالتها بلطافة، ورودينا كانت ستبكي من شدة لطافتها معها، واخبرتها بمرحٍ"من وأنا صغيرة نفسي أسمي زين بجد، ولو بنت "ضيّ"إيه رأيكم."
أيدتها سما بهدوء"أنا بحب اسم زين، بس أنا نفسي في بنت أوي أول خلفتي، أنا نفسي أعمل مع بنتي كل حاجة، فـ ضي دا تحفة، أنتم إيه رأيكم".
أيدتها حماتها ببسمة"تبقا ضي عينك كدا".
رد إياد بهدوء"أنا عن نفسي سايبلكم الحكاية دي، إيه بقا مفيش أكل انهاردة؟ هنكتفي بالكيكة ولا إيه؟ مفيش كدا صباعين محشي يا ماما لأبو ضي؟"
2
"______"
زينت وجهها ببعض أدوات التجميل، وسألها هو ببسمة صغيرة وهو يرمقها بالمرآة"فرحانين؟"
_جدًا يا منقذ، وسما عسولة أوي، عايزة تنزل تشتري الهدوم من دلوقتي، أنا حجزت ليها من واحدة في النت شيالة أطفال، وكام حاجة كدا للأطفال، أول ما يوصلوا هوديهم ليها عشان أكون جبت هدية أول واحدة لابن إياد.
قالتها ببسمة متحمسة، وهو ردد بنبرة حنونة"إياد محظوظ بيكي."
سارعت تنفي بلهفة"لاء لاء دا أنا إللي محظوظة بيه، إياد أخ مش عادي، إياد صاحبي وبير أسراري، وولاده عنا ولادي، وبعدين أنا بشوف معاملته لحياة بقول هيكون أب مثالي بجد."
ابتسم وهو يهز رأسه، وهي شعرت إنه حزن، اقتربت منه تسأله باستنكار"أنت زعلت؟"
_أزعل ليه؟
سؤال مستغرب، وهي أجابته بتلبك"عشان عايز تبقا أب زي الكل."
تنهد بقلة حيلة وهو يردد بنبرة خافتة يائسة
_رودينا!
هطلت دموعها مرة واحدة وهي تتحدث بتعبٍ داخلي"اتجوز يامنقذ بالله عليك، خلِّف دا حقك، أنا مش هحرمك واللهِ، وهو وقتها هيكون ابني و..."
2
قطعها بنظرات حادة وهو يرفع حاجبيه بسخط"وبعدين؟ أظلمها؟ آخد ابنها وتكوني أمه وهي مش إنسانة؟ كلبة؟؟ ولا أطلقها وأرميها بعد ما أكون أب؟"
أصفر لونها بسبب كلماته وهجومه المخيف، بررت بارتباك وهي ترجع شعرها للخلف ولا تعلم ماذا تقول"لاء يعني أنا مش قصدي، هي أكيد هتكون مراتك وأنا مراتك، فأكيد مش عيزاك تظلمها، وأنا واللهِ مش هزعل، بس متتجوزش فرح، أنا هختارلك البنت."
_رودينا إنتِ واخدة بالك بتعملي إيه؟ هتختاري العروسة فابني يجي من أي واحدة صح؟ اهدي شوية وملكيش دعوة بيا، أنا لا عايز أظلمك ولا أظلم أي بنت تمام؟
من المفترض بصوته الذي تعالى بضيق نهى النقاش، لكن هي صممت بكلماتها وهي تترجاه"بالله عليك اتجوز يامنقذ، أنت شب صغير حرام واللهِ تقعد كل دا من غير خلفة، بالله عليك قلبي بيوجعني أوي وأنا بظلمك واللهِ، لو خايف على مشاعري طلقني طب وشوف حياتك، أنت مش هتفضل تربي طول حياتك في طفلة وأنت متبقاش أب، عشاني يامنقذ."
ربت على وجهها بقلة حيلة، وأغمض عيونه بتعبٍ وهو يردد بنبرة لينة"شو صار يارودينا؟ مو كان الموضوع اتقفل؟"
هزت رأسها بتأكيد، وهبطت دموعها وهي تتحدث بتأثر وهي تبكي على صدره بعدما ضمته"يامنقذ هو أنا حاقدة؟ أو ممكن أحسد ابن زينب ولا سما؟ ولا أنا ممكن من غير قصد عيني تصيبهم؟ أنا بسمي الله علطول، وبكبر دايمًا واللهِ عشان عارفة لو حصل حاجة الكل هيقول أنا إللي حسدتهم، أنا بخاف أقول أي حاجة أو أي كلمة عشان متفهمش غلط، واتعلقت بابن زينب بطريقة تخوف، وخايفة لو حصل حاجة أبعد عنه."
_ليه كدا؟ مش زينب بتسيبه ليكي وسما قالتلك إنك هتسمي إللي في بطنها؟
سألها باستغراب حديثها، وهي ردت بحزنٍ"عشان دي شفقة".
تعجب بنظراته وسألها بنبرة غير مصدقة"شفقة؟ دا حب! هما بيحبوكي، ومش عايزين تزعلي ولا تتأثر نفسيتك."
ثقتها مهزوزة بحالها، وتلجلجت وهي تستفهم منه بارتباك"طب هو أنا ممكن أحسدهم حتى لو بسمي الله؟"
_سمِّي الله وادعيلهم وسيبي الباقي على ربك، مش كل لمسة أو حركة تشيلي ليها هم.
ربت على ذراعها بحنانٍ، وهي غيرت مجرى الحوار تسأله بانتباه"رها رجعت سوريا؟"
_لاء أمها مو موافقة، خايفة عليها، رها مجنونة.
قالها ببساطة وهي بادر عقلها سؤال لتسأله في الحال"هو لو أحمد عايز يتجوز رها، رها هتوافق؟"
صمت يفكر هو الآخر، وفي الحال رد بجدية"أحمد مستحيل يخرب بيته ويشرد ولاده بينه وبين ميسة."
_عليها، معتقدش إن ميسة هترفض، كانت بتقولي الرچال من حقه يتزوچ اتنين وتلاتة، ولا هو الكلام دا كان ليا بس؟
ضحك على جملتها، وتحدث بسخرية"واللهِ لو أنا منه كنت اتجوزت رها عليها، رها حب عمري، وميسة مطلعة عيني، ف شو؟ خسارة أي شي بيعمله معها."
لا يحبها، لا يحب شخصيتها، تصرفاتها، وقحتها، ورودينا تحدثت بنبرة هادئة"أحمد محترم جدًا، عكس ميسة، وبجد أنا بحترمه أوي لإنه فعلًا كويس."
_وأنا بحبك أوي ياعمري.
_يارب يامنقذ تحج على طيبتك معايا دي، وتدخل الجنة يارب، أنت طيب بجد مفيش كلام.
جملتها الشهيرة، كل كلمة رومانسية ترد عليها بدعاء له!
"_______"
3
_وحشتني ياعمير! موحشتكش؟
اقتربت منه بدلالٍ مقصود، واضعة يديها الناعمتين على ذقنه البنية، رفع عيونه الزرقاء لها، وبسمته الساخرة عرفت طريقها، رن ضحكته وهو يبعدها عنه"لاء موحشتنيش."
"واللهِ بحبك ياعمير بس مش عارفة أنت ليه مصمم تبوظ الدنيا؟"
تعاتبه؟ الوقحة، وهو أجابها بسخرية ممتزجة بجرأته"بتحبيني؟ لا إنتِ عمرك حبتيني ولا أنا، إحنا متجوزين جوازة قذرة عشان أعمال قذرة، ولما قربت منك عشان إنتِ حلوة وعجباني مش أكتر! وإنتِ قريتي مني عشان نفس النظام، عشان كلنا نتبسط، فخلاص بقا بلاش تمثيل يا ملكة التمثيل!"
رسمت بسمة واثقة وغمزتها بمشاكسة"بس متنكرش أنا فنانة في كل حاجة."
_أيوة فنانة في كل حاجة، أدهم كان بينام كل يوم في حضن وجيتي في ثانية خليتيني أقتله، هتعملي فيا إيه يا ترى؟
سألها بنظرات باردة، وهي أجابته ببساطة"خليك مطيع ليا وأنا هخليك ملك، غير كدا فأنت وشوقك."
ابتسم لها بغموضٍ ونظراته محتدة قاسية، وجاء اليوم المشؤوم بالنسبة له!
جلس معها على ذات الطاولة الكبيرة، وعيونه موجهة لعيونها، هي شامخة تلك الخنزيرة التي تساهم في قتل آلاف الأبرياء من الأطفال، وملايين الرجال الذي لا ذنب لهم إنهم وقعوا مع أقذر فئة بشرية، الفئة النچسة، اليهود المعروف عنهم خيانة الأمانة والعهود، اليهود الصهاينة! الغدر يتضرعونه صبح ومساء، عيونه الحادة تراقب والدته_ويا أسفاه_تلك والدته، شامخة، متجبرة، عيونها لم ترف، تتحدث بصوت قوي، أعتى الرجال ينحنون أمامها خوفًا واحترامًا، يحترمون صهيونية حقيرة ارتفعت على العرش فوق أشلاء أطفال!
كانت ملامحه باغضة وبعد انتهاء الاجتماع، هو أبى ألا يقطع لسانه، وتخطى حراسها، أمسكه الحارس بسرعة من ذراعه ليصيح عمير بالأنجليزية_:
_هَيييه انتظر يا صاح أريد التحدث مع السيدة"ناتاليا"في شيءٍ بسيط لا داعي لكل تلك العصبية!
أشارت لهم بيدها ليبتعدوا عنه، وعمير وقف يهندم بذلته، وتلاعبت على فمه بسمة ماكرة مع سؤاله"ألستِ من روسيا؟"
_بلى.
جاوبته بجدية ورفعة أنف واضحة، ليكمل سؤاله"إذن لماذا تجلسين في أرض ليست بأرضك؟ أعني إن روسيا أكبر دولة في العالم وأكبر دولة تصنع الأسلحة إذن لماذا تتركين روسيا بكل نفوذها وتجلسين في دولة غير معترف بها؟"
1
كان يعلم إنه يلعب بالنيران، وفي الحال رفعت يدها بعصبية تريد أن تصفعه لكنه أمسكها بخفة مع جملته البريئة"لماذا العصبية؟ فقط سؤال، دول أوروبا ألقوا باسرائيل بين الأمة العربية ويعطونها أموال طائلة حتى لا تعيش وتستقر في موطنها وهو أوروبا! نبذوكم ووضعوكم بين أمة عربية بلسان فصحى واحد، لماذا لا تأخذون أرض من أوروبا؟ لماذا تلك الرقعة الصغيرة فلسطين؟ أم إن أموال فرنسا ودول أوروبا أعموا عيونكم عن فكرة إنهم تخلصوا منكم؟ مهلًا لماذا أغلب الاسرائيلين روس؟ هل أنتم لتلك الدرجة مكروهين؟ يا الله العالم كله!"
1
رمقته بنظرة غامضة لكن شفتيها رسمت بسمة وفي لحظة واحدة سحبته من معطف بذلته تخبره بنبرة خافتة ماكرة بجانب أذنه وبالعربية رغم إنه كان يتحدث بالانجليزية_:
_ تلك أرضنا، لا تعلمني التاريخ. هذه الأرض ملكنا منذ قرون، أنتم من تُنكرون الحقائق، أنتم الاغبياء، هل تعلم ماذا نقول نحن على العرب؟ نفوس حقيرة مثلك تمامًا، تلهث وراء الأموال، أمة لا تملك سوى الصراخ والشعارات، المجتمع النامي الجاهل أصبح له صوت؟ أنتم عبيد ونحن الملوك، ملوك هذا العالم.
_امريكا وفرنسا وبريطانيا رموكم هنا، مفيش ملوك بيترموا، بتحلموا تكونوا حاجة وأنتم ولا حاجة.
قال جملته بكرهٍ بين أثار استفزازها بالفعل، حديثه تلاعب بأعصابها، وفي لحظة واحدة كانت صفعته بقساوة وملامحها كانت معقودة ولكن انتهت بنصف بسمة وهي تشير للحراس المتأهبين للانقضاض عليه_:
_ثقتك وحديثك جعلوني فخورة بك، لست سيء بل شجاع، بك عرق يهودي أصيل يعلم معنى القوة.
وضع يده على أثر الصفة وهو يضغط على شفته السفلى واخبرها بملامح مشحونة لكن نبرته متوسطة"بي عرق عربي أصيل رغم الوحل المغمور فيه مازال ينبض بالكبرياء والقوة، عربي أصيل يعلم مَن هم اليهود ومع مَن يتعامل، مع سارقين، لصوص بشكل علني، مغتصبين أرض، لا مبدأ لهم ولا كرامة."
_تمامًا كما العرب، افتح عيونك أنت تجلس معي في صفقة تهريب مخدرات إلى بلدتك شيخ عمير!
ضحكت وهي تقولها، معها كامل الحق، تقدمت لترحل لكن رجعت تخبره ببسمة واثقة"بالمناسبة مصر ليست عربية بل فرعونية، افتخر ببلدتك يا صغيري ولا تُنسِب حالك إلى هؤلاء الجاهلين، العرب مُحتلين مثلهم مثلنا."
"وتلك الوقيعة الجديدة التي تريدونها، تريدون تغيب عقلنا، والانشغال في هل نحن عرب أم مصريين مئة بالمئة! إذن ما أخبار إسرائيل التي تحتوي على سكان من كل بقاع الأرض؟ ليست يهود بل الجد السابع كان يهودي! الأمر مضحك، سكان هشِّين لا عرق ولا أصل، وتأتون لنا وتقولون افتخر بأصلك أنت لست عربي، وتريدون الكشف عن عرقنا! اذهبي لتري ذلك المسماه بجيش لا يقهر يحتوي بداخله عن عساكر من كل البلاد بمجرد الدفع لهم أكثر سيطيرون والمحاسبة ضدكم! وأما عن العرب وأمر احتلالهم فوالله لن يأتي ولم يأتي فاتح كمثل عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، إن كان هذا احتلال بالنسبة للجميع فكان بالنسبة لنا تخليص من الوثنية والشرك والضلال."
3
تابع ببسمة ساخرة وبالعامية_:
_وبعدين ياستي إحنا عرب مع بعض، إن شالله ناكل بعض داخلة بينا ليه؟
_تعجبني ثقتك بالحديث ياصغيري! تمامًا كـ أبيب ابني الثاني! تُصلح أن تكون مُحارب ولكن في مملكتي لتحارب ضد مَن تقول عنهم أهلك، تمامًا كما تفعل الآن تحارب بلدتك بأبنائها وأنت السبب الأكبر في دخول المخدرات لهم، افتخر بحالك أنت مُحارب لكن محارب غبي يحارب وطنه يا صغيري! لك روح مقاتل فتقاتل كل ما يخصك! وسيفه يجز عنق شباب بلدتك أيها العربي الشجاع، لكن لا تنسى بعد كل هذا إن بك عرق يهودي، افتح هُويتك لتجد اسمي مدون بخط عريض أسفل اسمك، ومرفقة ديانتي.
انتهت ببسمة واثقة بعدما جعلته يخرس تمامًا وابتعدت عنه وهي تردد بكلمات تقطر منها التحدي، وعيونها واثقة_:
_إلى لقاءٍ قريب أيها البطل الشجاع، لعل القادم خير لنا وشر عليكم أجمعين.
_تذكَّريها ياصهيونية إن كان العالم لا يقدر عليكم فرب الكون قادر على كل شيء، لا تقلقي عاجلًا أم آجلًا مثلكم كمثل كثير ستختفون من الوجود، ياحثالة المجتمع، أنتم لستم أكبر قوة من فرعون والنمرود.
كان يقولها بصوت عالي، وهي تبتعد، وهو غاضب منفعل، ولكن وأخيرًا سعيد!
5
يشكر والده إنه لم يتركه لتلك الحقيرة اليهودية، يحمد ربه إنه وقع بين يد حبيبة وليس ناتاليا، وأخيرًا وصل إلى شركة والده، الشركة التي كان سبب في سقوط أسهمها، لم يُعدم لكن امبراطوريته تنهار بسبب سمعته التي أصبحت علكة في لسان الجميع!
1
دخل على مكتبه بدون أذن، ورأى والده حزين! قواه التي كان يتحداه بها ذهبت هباءً بسبب آخر صفقة دخلها منذ شهر، عصفت بنصف أمواله وخسرها!
ضحك وهو يجلس أمامه، وتحدث باستهانة وهو يوزع بصره عليه"شوف ربك؟ خرجت عشان تدمرني زي ما قولت، سبحان الله أنت إللي كل يوم بتدمر! حتى شغلك إللي عيشت تبنيه طول حياتك جيت هديته في يوم".
لم يرد، وعمير سخر منه ببسمة سعيدة"شركتك سمعتها بقت زفت؟ أومال لو عرفت إني سلمت الورق إللي معايا للحكومة؟ كل أعمالك الوسخة عند الحكومة".
انتفض والده يرمقه بنظرات مشتعلة وردد بنبرة قوية"أنا مش هتكسر ياعمير، أنت عمرك ما هتكسرني."
_لاء كسرتك، أقولك بأمارة إيه؟ بأمارة إن مراتك الجديدة خانتك بردو وهي إللي سجلتلك آخر صفقة عملتها عشان ترجع أمجادك.
قالها وضحكته تعلو بانتصار، وهو ردد بصدمة"حبيبة"؟
ضحك وهو يسخر منه"الله يرحمها، حبيبة ماتت، أنا بتكلم على العروسة."
أخرج هاتفه يحدثها ببسمة قذرة علت شفتيه"إيه يا رورو مش ناوية تيجي تحضري اللقاء الحماسي الأخير بين جوزك وابنه إللي زقك عليه؟"
دخلت بعد لحظات وكإنها كانت مستعدة وتقف على الباب! ووقفت تصافح عمير مع غمزة خبيثة لبدر، ليلتفت له عمير محدثه باستنكار"يا أخي أنت مش بتحرم؟ بردو بتثق في الستات؟"
1
_والله يابدر أنا ما طايقة قذارتك بس أهو، أديني هبقى وطنية وكنت بساعد عمير والحكومة.
وقالت جملتها ملقية له قبلة مشاكسة! خدعته مثل الجميع! وتابعت بتسلية"آه صحيح، أنت بعتلي الشركة باسمي امبارح بالليل، أصلك وقعت على عقد بيع من غير ما تاخد بالك، أنا بما إني شغالة مع الحكومة فهقول إنك من ساعة ما اتجوزتني كنت عايز تبيعلي الشركة عشان أي حاجة تورطني أنا فيها وتهرب أنت وكنت عارف إن الحكومة بدأت تراقبك، وكدا أنا بريئة ومساعدة الحكومة، فالشركة طبعًا وأملاكك ملكي، لاء أقصد ملك عمير بيه! ما أنا بعد ما القذارة دي تنتهي هتنازل عنها ليه!"
أكد عمير بمكرٍ"أصلي مش مستعد واللهِ أخلي الشركة تروح من إيدي وكل أملاكك! حرام الشركة حلوة،وهقلبها نلعب فيها كنغفو."
واسترسل حديثه لزوجة والده بسخرية وهو يوزع نظراته على والده"يلا يارورو كدا مهمتنا خلصت، ومبروك عليكي الشركة، بنت حلال ووطنية وتستاهليها."
غادرت من المكتبة وهي مبتسمة بسعادة، وقبل أن يغادر عمير كانت أوقفته جملة والده الحاقدة" أنت لو عملت حاجة في حياتي فأنت كنت نقطة سودا بس".
التفت له بصدمة، واستنكر بكلماته المدهوشة_:
_أنا؟؟ أنا نقطة سودا؟ طب وكل إللي حواليك؟ والخاينة وابنك إللي مش ابنك، وبنتك إللي من السكرتيرة، وكل دا! أنا بس النقطة السودا؟ أنا؟ دا أنا مكنش في أغلب مني، مكنش في أطيب مني! دا أنت دمرتني، دا أنا حياتي كلها كانت ومازالت سودا بسببك، خلتني شيطان أخرس، خلتني مريض نفسي من وأنا طفل، ذلتني، وأنا كنت ابنك، لسة محستش بالذنب؟ أومال هتحس بالذنب إمتى؟ إمتى يا أبويا هتعرف إني من صُلبك! دا أنا ابنك الوحيد! ابنك إللي خليت ابن الخاينة يدوس عليه ويتهجم على مراته!
بكى بحرقة! ألمه قلبه، كان حديثه يخرج من قلبه، وحروفه مرتجفة، دموعة تهطل بلا توقف، ورجع يبتسم بمرارة وهو يردد بسخرية حزينة"بس هزعل ليه؟ أنت مش فارق معاك حاجة غير نفسك، ربنا وقعك في شر أعمالك، أنت شر وشر أبدي، وإن كنت أنا النقطة السودا في حياتك فأنت جحيم بالنسبة ليا."
قال جملته واتجه يخرج من المكتب لكنه استدار يسأله بعيونٍ مكسورة"مفكرتش في مرة تاخدني في حضنك؟ يمكن تحبني! أنا كنت أتحب واللهِ! كان نفسي تحضني في يوم، كان نفسي أول لقاء لينا بعد غياب سنين تحضني، مش تذل فيا، يا بدر بيه أنت دمرتني وبقلب ميت! دمرت طفل كان واللهِ بيحبك! كنت بحبك أوي! مهما مراتك عملت كنت بقول بس أنت أبويا! أنا كنت بحبك للأسف وأنت عمرك ما حسستني إنك أبويا."
3
كان يصعب عليه حاله ورحل من شركته، وقف بعيد عنها وهو يحاول أن يستعيد ثباته، دُمِّر! مسكين وقلبه يؤلمه، وقف يسترجع أيامه الأخيرة، وتذكر كل الأدلة التي جمعها طوال فترة عمله مع سيلا، كان يجمع الأدلة ضد والده في الخفاء، بدون أن يخبر أي أحد.
1_سجلات مالية:
_تحويلات مالية مشبوهة بين الشركة وأطراف غير قانونية، مثل تجار مخدرات أو أطراف مشبوهة.
_حسابات سرية تُظهر تمويل غير مشروع أو معاملات خفية تدعم صناعة الأدوية الممنوعة.
_مستندات حسابية توضح التلاعب في أسعار الأدوية أو بيع أدوية غير قانونية إلى أسواق غير مرخصة.
2_تقارير طبية مزورة:
_وثائق تُظهر كيف تم تصنيع أدوية غير مرخصة أو ملوثة تحتوي على مواد ممنوعة، مما يؤدي إلى خطر على صحة المرضى.
_فحوصات مخبرية تؤكد أن الأدوية التي يتم إنتاجها تحتوي على مواد مخدرة أو سامة.
3_مراسلات سرية:
_رسائل بريد إلكتروني أو محادثات بين كبار المسؤولين في الشركة تُظهر التورط في صفقات غير قانونية مع تجار مخدرات أو جهات مشبوهة.
_مراسلات داخلية بين المسؤولين تشير إلى محاولة التغطية على هذه الأنشطة أو تهريب الأدوية عبر قنوات غير قانونية.
4_شهادات من موظفين سابقين:
_شهادات من موظفين سابقين في الشركة الذين قد يكون لديهم معرفة بالأعمال السرية التي تتم خلف الكواليس.
_اعترافات من أعضاء آخرين في الشركة، الذين قد يكونون متورطين أو شاهدين على هذه العمليات.
5_وثائق قانونية مزورة:
_مستندات تُظهر أن الشركة قد قامت بتزوير تراخيص أو أذونات لتصنيع الأدوية أو توزيعها في أسواق غير قانونية.
تعب في جمع الأدلة رغم إن معه ورق قانوني سرقه من خزانة والده بفضل حبيبة، ورجع يتذكر قبل ثلاثة أشهر عندما جلس مع الشيخ عبد الرحمن المحامي يسأله بجدية_:
_يعني أنت عايزني أوصلك لظابط تديله أدلة ضد بدر مش كدا؟
_أيوة، بس يكون كبير وفاهم في الشغلانة وفعلًا عايز ينضف البلد، أحسن أنا اتعاملت مع كمية ظباط بيهربوا معاهم المخدرات وبيساعدوهم بالهبل.
قالها بجدية، وعبد الرحمن صمت للحظات ورجع يحدثه بانتباه"وريني الأدلة".
_أنا مش معايا دلوقتي، بس أنا معايا مستندات وتوقيعات باسم الشركة بيثبت كلامي.
_طيب بص ياعمير، أنا الأول هشوف الملفات والأدلة، لو لاقتهم مش كافيين مش هينفع نعمل حاجة، بدل ما نعمل ضجة على الفاضي وأنت إللي قدام المدفع.
تحفزت ملامحه وهو يسأله باقتضاب عابس"طيب وأنا هعمل إيه لو مش كافيين؟"
_محتاج تجيب شهود، محتاج تجيب تسجيلات صوتية ودي بتبقا أقوى، وياسلام لو مقاطع، مراسلات سرية بينه وبين البلاد إللي بيصدر منها أو بيصدرلها، تقارير طبية واعتقد دي إللي معاك، محتاج تزرع جاسوس كمان عشان يسجل كل تحركاته.
هز رأسه بتفهم، وتابع عبدالرحمن وهو يربت على ذراعه"بس أنا هخدمك خدمة عمرك ما هتنساها، هوصلك للعقيد"سلَّام كمال"أشرف ظابط اتعاملت معاه، وأقوى راجل في الحق، بيحارب المخدرات والتجارة بإيده وسنانه، لو مصر جابت اتنين منه فمصر بقت بخير، هو فيه غيره طبعًا كتير بس دا ثقة وعمره ما هيخذلك."
_أبويا نفوذه كبيرة، أبويا خرج من جريمة قتل!
_عشان أبعاد للقضية كانت في صالحه ياعمير، أبوك فعلًا مكنش في وعيه وهو بيعمل كل دا، من الصدمة، لكن حاليًا لو اشتغلنا على النقطة دي مصر هتنضف من واحد زي الراجل دا.
تابع بانتباه"هو أنت كدا سبت التهريب؟ مش أنت كنت معاهم؟ هتسلم إللي معاك بردو؟"
أصفر لونه وردد بسرعة"لاء طبعًا، أنا مقدرش، دول أقوى مني مليون مرة، أنا صحيح قرفان من نفسي بس خلاص اتورطت معاهم."
_على العموم هيجي يوم عليكم كلكم ياعمير هتبقوا في قفص واحد وساعتها هتقول يارتني كنت خرجت، براحتك بس طريقك أخرته دمار، فيا أنت تخلع نفسك وهما ياكلوا بعض يا هتتاكل أول واحد.
وصَّله إلى العقيد، رجُل أخذ من الهيبة والذكاء ما يكفي الشعب المصري كله، عمل معه على جلب المستندات والأدلة كلها، لم يتركه لثانية، وعمير كان جديًّا يفكر بأن يبيع سيلا والجميع ويخرج من ذلك المستنقع! مستنقع لا يشبهه!
وفي النهاية يفكر بابنه؟ حرام سيأذونه هو وزوجته! يخاف عليهم!
ظل معهم وسيظل، هو لن بيعهم حتى لا يخرج خاسر من كل هذا، والنهاية هُنا، الضباط أحاطوا الشركة كلها، وبدأ الهرج والمرج، وخرج والده بين يد الحكومة خانع! وثُلج قلب عمير، وارتاح وهدأ!
"______"
ملأ الخبر كل مكان، وبدأت الطبقة الوسطى تخاف من مجرد فكرة إن الدواء مؤذي أو أو أو، الكل يتحدث، والحكومة تتابع كل شيء بحرفة، سقط رَجُل من أعتى رجال مصر! رجل له وزنه، وعُقِب كل مَن يسانده، خبر اهتز له رجال الأعمال، الطعنة ستأتي من القريب، وفي الحال توجهت الأنظار تجاه الذي بلغ عن أبيه!
وسيلا كانت أمامه تسأله بضحكة جنون!
"أنت بتهزر! أنت شغال مع الحكومة؟ بتبيعنا؟"
استنكر كلماتها ورددها"أبيعكم؟! هو مش أنتم كنتم عايزين تخلصوا منه؟ إزاي أبيعكم."
_إنك شغال مع الحكومة دا في حد ذاته كارثة، إحنا كنا عايزين بدر يقع مش يتسجن! كدا كلنا هنقع! مش بعيد أنت إللي تسلمنا!
هدرت بها بعصبية، وهو ابتسم ببرود مع جملته الباردة"معاكي حق، بس أنا مش هسلمكم، أنا بس هخرج من كل اللعبة دي، شكرًا ياسيلا إنتِ سعدتيني، أنا دلوقتي عايز بس آكلها بالحلال، شركة بدر هتكون ملكي وأنا هنضفها وهشتغل فيها بما يرضي الله، عايز أعيش في حالي، لا أنا آذيكم ولا أنتم."
ضربت على المكتب بعصبية وصاحت بنبرة ساخرة"دا كان من الأول ياحبيبي أنت دلوقتي متورط زيك زينا، زينا إيه؟ دا أنت بس إللي متورط، كل الصفقات أنت إللي ماضي عليها! فارجع لعقلك عشان أنت بس إللي هتضر واللهِ."
_وأنا قولت مش عايز أخسركم، عايز أعيش في حالي، سيبوني في حالي! أنا خلاص خدت حقي مش عايز حاجة تاني! أنا لا عايز أبقا كبش فدا ولا عايز أبيعكم، أنا عايز أبقا في حالي.
قالها بصدق وهي مسدت على شعره تخبره بخبثٍ_:
_لو سبناك ناتاليا هتاكلك، أنت متعرفش آخر كلام ليك معاها خلاها عاملة إزاي؟
تهكم بسؤاله وهو يلوي فمه"على آخر الزمن هخاف من يهود واتهدد منهم!"
_تفتكر عبد الوهاب هيرحمك؟
_وأنا عملت إيه؟ عايز أخرج برا لعبتكم، خلاص تعبت!
رسمت بسمة على وجهها ورددت ببساطة"ماشي ياعمري!"
_طيب بما إننا مش هيربطنا قذارة تاني، فأنتِ طالق، ورقة طلاقك هتوصلك وفوقيها بوسة.
ونهض وهو يلقي لها قبلة عابثة، يعلم إنه اشعل النيران، لكنه يقسم لن يبيعهم! لن يسلم الأوراق ضدهم، لن يفعل أي شيء.
4
رحل وسيلا كانت تقف مع جدها تهشم كل شيء وتسأل حالها بصوت مرتفع"إزاي قدر بعمل كل دا! أنا كنت مرقباه! مهكرة موبايله، مهكره كاميرات الفيلا، حاطة ناس يراقبوه في حارته، إزاي عمل كل دا وأنا معرفش! إزاي يطلع أذكى مني!"
في لحظة واحدة كان سقط كف جدها على وجهها الأبيض الناعم، وصفعة ثانية تلتها جملته القاسية"لأنك غبية وحتة عيل تربية شارع عرف يضحك عليكي، عرف يخدعك وإنتِ كنتي مصدقة نفسك وبتقولي عليه خاتم في صباعك!"
_ياجدو أنا....
قاطعها بنهره لها الحاد"بسببك هتهدي كل حاجة، عارفة مين العقيد سلَّام كمال دا؟ عارفة عمير متفق مع مين؟؟ يعني أكيد قاله علينا، الدور جي علينا فاهمة؟"
_عمير ميقدرش يمسك خيط علينا هو...
تحاول أن تبرر لكنه قاطعها بعصبية"مين قالك؟ الواد عارف إنك مهكرة حياته واتصرف بذكاء، إنتِ إللي كنتي أغبى من تفكيره، نسيتي دا يبقا ابن يهود، وتربية شوارع، ومتعلم أحسن تعليم، يعني لو عقله فيه علم فـ دمه فيه خبث، ومتربي على قلة الأدب والصياعة بسبب الشارع، إنتِ إللي جبتيه وإنتِ إللي هتصفيه."
"______"
وقف على أعتاب باب منزلها، دق بخجلٍ، فتح له وهو متعجب سأله ببسمة متوترة"عمير؟ اتفضل في حاجة؟"
ابتسم له واخبره بنبرة هادئة"مفيش جي أشوف سما."
_آه لحظة، سما تعالي عمير عايز يشوفك.
دخل عمير خلفه، وسما كانت بغرفتها، استمعت إلى كلماته ليسقط قلبها، وضعت يدها على جدار بطنها بخوفٍ، وتذكرت كلمات والدها لها منذ أسبوع في السجن.
_أنا كنت هديلك كل حاجة، كل أملاكي والشركة بس عمير لعب عليا، وخلى حتة الكلبة دي تتجوزني عشان تنصب عليا.
كان يقولها بانكسار واضح، وسما اخبرته بجدية"أنت إللي عملت كدا في نفسك يابابي، أنت سكتك كلها غلط، أنا مش قادرة اتعاطف معاك! مش قادرة أزعل عليك وأنت سبب تدمير ناس كتير أوي! غسيل أموال وتهريب مخدرات وأدوية ممنوعة وفاسدة، حرام عليك! ليه بس مش عايز تعترف ولو لمرة إنك غلطان! مش عمير؟ ليه يابابي؟
خفض أنظاره وردد بتأثر بعدما أدمعت عيونه"مكنتش عمري اتوقع إنكِ تبقي جاحدة عليا."
ضحكت بحزنٍ وهي تسأله باستنكار"أنا يابابي؟ يابابي أنت مش عايز تعترف بغلطك! مش عايز ترجع لربك!"
_خلاص ياسما أنا عارف كدا كدا إني هاخد 25سنة سجن بالميت، المهم إنتِ خلي بالك على نفسك، وأنت يا إياد خد بالك عليها، واوعا تقربها من عمير، ولا عمير يعرف إنها حامل لإنه هيعمل فيها نفس إللي حصل في مراته.
يخيفها؟ نعم يخيفها وهي بدأت تتوجس ملامحها لكن إياد انفعلت جملته"عمير ولا هيعمل ولا هيسوي، عمير مريض بسببك، وبيعمل كل دا بسببك، وإذا كان على مراتي أنا كفيل بحمايتها."
نهى جملته ونهض يخبر سما بقلة صبر"أنا هستنى برا."
ابتعد عنهم، ووالدها قبل أن تغادر اخبرها بجدية"خلي بالك على نفسك عمير دمر الكل مش باقي غيرك."
من تلك الجملة كانت مرتعبة، إياد لن يتحمل أن ينكسر مثلما انكسر عمير، وها هو الآن بعد أيام أتى لها ليصفي حساباته؟ ابتلعت لعابها وخرجت له مرتجفة، وقفت بعيد عنه محتمية بعمود المنزل الرخامي، اقترب منها إياد يخبرها بنبرة خافتة محتدة"بلاش هبل أنا معاكي هو مش هيأذيكي".
اقتربت منه وعمير ابتسم لها يسألها بحزنٍ واضح"عاملة إيه؟"
_كـو..كويـسة.
ترددت وهي تقولها، وإياد دفعها بخفة لتقترب منه وهو يحدثه بمرحٍ"معلش سيمو مكسوفة، ممكن أنت تبادر بالحضن."
لاحظ خوفها منه! وهذا غريب من قبل لم تكن هكذا، وحتى بعدما زوجها كانت عادية، سألها باستغراب"فيكي حاجة؟"
_هي حامل ياسيدي، هتبقا خالو والواد ابنك هيلعب مع الواد ابني ولو بت هيتشحتف كدا عشان يتجوزها.
يحاول تخفيف حدة الجو وهو يفهم ما يدور برأسها، وعمير ابتسم بسمة صافية وتحدث بحماس"بجد؟ د..."
قبل أن يكمل حتى كلماته بترتها هي بسرعتها المنافية"لاء، أنا مش حامل، أنا أصلًا الحمل مش مستقر."
رمقها من أعلاها لأسفلها وبسمته تختفي من على وجهه تدريجيًا، فهم إنها لا تريده أن يعرف، تخشاه، تظنه جاحد القلب مثل والدها وأدهم، رسم نصف ضحكة متهكمة على شفاه، وردد بسخرية"متخافيش يعني أنا لا هسقطك ولا هلمسك ربع لمسة زي ما أهلك عملوا في زينب، متخافيش أنا مش جاحد."
قرأ إياد تألمه بسبب وجهه وحروفه، وسارع يوضح له الأمر بجدية"لاء طبعًا يا عمير، هو فعلًا الحمل عشان في الأول مش مستقر، هي متقصدش".
_ولا تقصد، عادي يعني أنا ممنوع إني أشوف ابني أصلًا عشان مراتي خايفة مني.
كان يقولها ببساطة لكن من داخله متألم، وعيونه تلتمع، ازدرد لعابه وتحدث بسرعة"طيب، أنا كنت جي أطمن عليكي، خدي بالك عن نفسك، وأنا عارف إن إياد غانيكي عن الكل، ربنا يطمنك عن الحمل ويستقر."
2
حك فروة رأسه وجاء للمغادرة لكنه تراجع وهو يردد بخفوت"على فكرة كتبتلك نص الشركة باسمك، وكل أملاك أبوكي هتتوزع بينا، متقلقيش حقك محفوظ".
_مش هناخد مال حرام ياعمير، سما متنازلة عن كل حقوقها.
قالها بدون الرجوع لها وهي رمقته بصدمة، لكن عمير تحدث بهدوء"الشركة كدا كدا خلاص مبقاش في منها منفعة، أما الأملاك فأنا كتبت ليها نصيبها، تعمل فيهم إللي عيزاه إن شالله تولع فيهم، مع السلامة ياسما."
يريد أن يسمعها تنادي عليه لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، رجع هو يخبرها بقلة حيلة وتحسر"أنا فرحتلك بجد، إنتِ ربنا عوضك عن كل القرف إللي حصلك، أنا مش ***زي ما كلكم فاكرين."
نطقها بيأسٍ وهو يرحل، وتمالك دموعه، الجميع يكرهه، الجميع يحذر منه، الجميع يراه حقير قذر! سقطت دموعه بعدما انفرد بحاله في منزل بعيد عن الجميع، جاؤه بعد وقتٍ اتصال من المحامي، رد والثاني كان يطمئن عليه_:
_إيه ياعمير؟ عامل إيه؟
1
_شيخ..
كانت تنهيدة أكثر من كونه نداء، والثاني سأله بانتباه"نعم؟"
"هو ليه لازم نتعب في حياتنا؟ أنا واللهِ العظيم مشوفتش فرح في حياتي! ياشيخ هو مش دا ظلم؟"
سأله ودموعه تهبط وهو يهز رأسه بتألم، تعالت شهقاته وهو يزفر بقوة محاول ألا يبكي، ومحاولاته أبت بالفشل!
لا يتحمل أن تأتي عليه الدنيا والجميع! أرجع رأسه وهو يتحدث بحرقة، فقد الأمل في تلك الحياة_:
_عمر ما الدنيا ضحكتلي ياشيخ؟ أقولك حاجة وربنا أنا من أول حكايتي ومتهان، وعارف هعيش وهموت مشوفتش فرح! يوم ما فرحت لما دخلت الهندسة واتخرجت راحت الدنيا قالتلي فاكرها سهلة؟ وقعدت عاطل لحد ما نزلت اتهانت اشتغل سواق، طول عمري بتهان في الشغل، اتجوزت وقولت الدنيا تضحكلي بقا معرفتش أكون راجل مع مراتي! ياشيخ كان نفسي أربي ابني إللي كنت بروح اشتريله من وهو في بطنها هدوم، فرحت، جت أختي، بوظتلي حياتي وكان حقها، صاحب عمري بقا زي الغريب، بخاف أكلمه، حتى بعد ما اتصالحنا مفكرتش أكلمه تاني من خوفي يحصل حاجة! أنا تعيس أوي، بقيت غني وتعيس، بقيت غني أوي وبقيت أتعس إنسان.
1
انخرط في البكاء بحرقة، والثاني شاركه حزنه بتألم ودموعه تسيل بصمتٍ، ارتجف صوته يقسم له بوجعٍ"واللهِ عمري ما هشوف يوم عدل في حياتي! الكل بقا بيكرهني، الكل بقا بيبعد عني، الكل شايفني وحش، أنا وحش قدام نفسي، أنا لا نفعت أكون ابن اتحب، ولا أخ اتحب، ولا صاحب اتحب، ولا زوج أتحب، ولا حتى أب اتحب، عارف البني آدم إللي عايش عشان يتقهر؟ بس هي دي نتيجة أعمالي، الكل بقا بيكرهني بسببي، أنا آسف ياشيخ إني صدعتك، معلش هقفل وكدا".
سارع بجملته"متقفلش ياعمير، أنا هرد عليك".
لم يغلق وصمت يسمعه، والثاني حدثه بطريقته المريحة"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [سورة البلد: 4]. الله سبحانه وتعالى قالنا إن الحياة كدا مليانة بالابتلاءات والمشقة، وهي دار اختبار مش دار نعيم دائم، أما دار النعيم فهي الجنة، إللي وعد ربنا بيها عباده الصابرين المحتسبين.
تاني حاجة افتكر إن ربك عادل لا يظلم أحد، إللي إحنا شيفينه ظلم دا ممكن يكون خير لينا، أنت ربك بعدك عن أهلك زمان عشان كانوا شر ياعمير! قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: 216]. ممكن يكون التعب والابتلاء سبب في رفع درجاتك أو تكفير سيئاتك أو حفظك من شر متعرفوش، ربك مش بيظلم حد ياعمير، يمكن الفرح في حياتك قليل وصدقني حاسس بيك بس اصبر واحتسب واشكر ربك، وصدقني هتتراضى، والجنة هي لازم تكون هدفك، لازم تدعي وتتقرب من ربك ياعمير!
_حتى الجنة ياشيخ مش هدخلها، حتى الجنة مش هاخدها.
قالها بتألم والثاني نهره بحدة"ليه وأنت إللي هتقول مين هيدخل الجنة ومين لاء! فوق ياعمير أنت موقعتش، باب التوبة مفتوح، أنت أقوى من إبليس، أنت مش بطلت الخمرة والحشيش بقالك شوية؟ بلاش هبل أنت لو فعلًا متوبتش فأنت تبقا بتخسر دنيا وأخرة! فوق ياعمير، أنا ربنا باعتني ليك! صدقني لو ربك مش بيحبك مش هيوقع قدامك طوق نجاة! يا أخي ربك بيحبك وبيقولك ارجعلي أنا هغفرلك، ربك غافر الذنوب ياعمير، ربك لما أنت بعدت عنه زاد الضغط عليك مش بعده عشان ترجعله، كان ممكن حياتك تتحسن في كل القرف والمعاصي دي لكن ربنا جعل ضميرك حي! ربك بيحبك، ربك بيختبرك ياعمير، ارجع وتوب."
هُنا وانهار يبكي بقوة، وضرب وجهه بقساوة وهو يهتف بنبرة موجوعة"أنا خايف أرجع لربي معرفش أعيش بذنبي! ياشيخ أنا دمرت نفسي وحياتي ودمرت الناس! ياشيخ واللهِ أنا ما استحق حتى وقوفك جنبي أنا شيطان!"
هبطت دموعه وسأله بصدمة"مين قال يابني؟ أنا أعرفك من وأنت عمير ابن الحلال الشقيان، قلبك مفيش زيه، أطيب منك مشوفتش، متخليش حد يحطك في خانة أنت مش جواها! أنت مش شيطان ياعمير، أنت طول عمرك ابن حلال وبتساعد الكل وغلبان لكن شيطانك غلبك وأنت دلوقتي بتموته، بتقتل شيطانك، قوم صلي ياعمير ركعتين توبة، قوم عاهد ربك تتوب، ربك بابه مفتوح، متكونش أنت إللي ضعيف العزيمة!"
1
_أنا خايف وتعبان.
قالها وهو مشتت، عقله سينفجر، دخل في قصص ليس له علاقة بها، وتابع بحرقة"خايف من كل حاجة، من ساعة ما البت ماتت بين إيدي وأنا حاسس إني قتلتها! أنا كنت هنقذها، أنا مش زيهم، من يومها وأنا بقول إني بقيت زيهم، إني أكيد دمرت ناس تانية غيرها كتير وأنا مش عارف، من يومها بطلت كل حاجة حرام ياشيخ، واللهِ بقالي شهرين مبطل كل حاجة ياشيخ، ياشيخ أنا مليش ذنب وكنت بساعدها صح؟"
"يابني انت أنقذت شرف بنت، أنقذت بنت من الاغتصاب، وكنت هتساعدها ولو على موتك، أنت بريء ياعمير من التهمة دي، أنت بالذات في التهمة دي شريف، متخليش شيطانك يوهمك."
_طب..طب وعلا، هي ماتت عشان إسلام ابن خالتها اغتصابها وهي طفلة وماتت، كان شارب مخدرات، قتلها بسببي! أنا تعبت ياشيخ، إنا دمرت الناس كلها.
حدثه بيقين وبسمة صغيرة"كفاية ضميرك الحي وخوفك من ربك، أنت هتتوب وبتتوب أهو، اثبت على موقفك."
_شيخ أنا هسلم نفسي وهسلمهم كلهم للحكومة.
قالها بعزم مرة واحدة، وأغلق معه، قبل أن يفعل أي شيء، نهض يتوضأ، وقف يصلي، وقف يناجي ربه بألمٍ، يشعر إنه عاري، لا يستطيع الوقوف بين يدي ربه، يبكي فقط في سجوده مع كلمته"يارب أنت عالم، سامحني."
2
يخاف، يخاف من كل شيء، ومن داخله قلبه يرتجف، يشعر إن عمره سينتهي بعد أيام! هل سيقابل ربه هكذا؟ يخجل من ربه، النار تنتظره، لكنه يسمع الكثير عن التوبة، وأمله هو كثير!
جلس في ذلك المنزل ثلاث ليالي، لا أحد يعلم عنه شيء، وهو يصلي ويقرأ قرآن، يخاف، ويعلم إن الموت على بُعد خطوات منه، وأخيرًا قرر فتح هاتفه، ووجد اتصالات كثيرة من أسامة! ابتسم بتعبٍ وقبل أن يتصل به وجده يتصل، فتح عليه ليظهر صوته الخائف"عمير! أنا قلبي كان هيقف عليك، فكرت حد عمل فيك حاجة! اوعا ياعمير تسلم الناس دول، مش هيرحموك ياعمير".
_دا إللي لازم يحصل من زمان يا أس.
سينفذ، والثاني حدثه باضطراب"طب أنت فين، أنا لازم أشوفك."
_تعالى، أنا فعلًا محتاجك.
قال عنوانه، والثاني رغم بُعد المسافة لكنه أتى، فتح له الباب ليضمه الثاني بلهفة وهو يشد على شعره بقساوة"ياحيوان، وحشتني، عايز تسلم نفسك! ولا تسلمهم عشان يصفوك؟؟"
ابتسم بملامح لا مبالية وهو يخبره ببساطة"مبقتش أخاف من حاجة، ممكن بس طلب؟ ممكن لو موتت أو دخلت السجن تبقا تطمن على محمد ابني؟ وتقوله إن أبوه حاول يكون شريف! حاول يكون أب بجد عشانه، حاول يصلح إللي كان مبوظه عشان ابنه ميستعرش منه."
دفعه بوجعٍ ودموعه ملأت عيونه يسأله باستنكار"بتقول كدا ليه! أنت إللي هتقوله، بلاش هبل، أنت تسلم الورق دا وأخرك سنة ولا اتنين لأنك إللي سلمت العصابة دول."
_هما مش هيسبوني أعيش.
3
واقع، واقع يعلمه الجميع، تلاشى كل هذا وأخبره بصدق"أنت الوحيد إللي عمري ما أندم على معرفتك يا أوس أوس، لو في حاجة حلوة خدتها من الدنيا كانت أنت، رغم الفترة الأخيرة وإللي كان بينا لكن واللهِ أنا مشوفتش حد ضحى بحياته قدك عشاني."
لم يكمل جملته وأسامه كان ضمه بقوة، وأكمل هو بتألم"أنت أخويا وصاحبي وكل حياتي ياعمير، واللهِ ما هقدر أخسرك! أنا معنديش صحاب غيرك، خايف أعيش لوحدي، ميبقاش ليا حد وأكبر موحود في الدنيا! مش عايزك تبعد تاني!"
مشاعر كثيرة تجعل الدموع تسيل بغزارة، مشاعر أخوة صادقة، كل شيء نابع من قلوبهم، صداقة رغم العالم القذر إلا إنها لم تُلوث!!
"______"
كان شارد رغم إن ابن عمته يحدثه في عدة مواضيع، لكن هو رأسه طائر، ومنقذ تنهد بضيق وهو يخبره بنبرة حادة"بتحبها هيك اتزوچها! البنت لساتها بمصر! ما بدها تمشي مشانك، بتحبك يا أحمد".
زفر بوجع عاشق الزمن دمر قلبه، وأجابه برفض قاطع"مو معقول، ما رح أخرب بيتي".
_أقولك شي؟ ميسة خربت بيت أخوها ومرته، وكان بدها تخرب بيتي، وقهرت قلب رها، ميسة مو إميحة يا أخي، صارلك معها سبع سنين شوفت الويل، كل يوم خناق ومشاكل وبتوقع بين هادي وهديك، وتخليك تتخانق مع أمك، ومادري شو، وفوق كل هاد مو فالحة غير بأخذ مصاريك، ليش باقي عليها؟ مشان الأطفال؟ أنت وأنا بنعرف إنك مو رح تقصر معهم للحظة.
صديقه يزيد همه، وما زاد الطين بالة هو إنه يراها أمامه! لا هي حقيقية! أتت لتودع منقذ لكن بهت وجهها عندما رأته هو، حمحمت بارتباك تخبر منقذ بنبرة مرتجفة ونظرها معلق على أحمد الذي يحدق بها"منقذ، رح أرچع سوريا، حاولت أقنع أمي، وحاولت أعمل كام شي مشان أرچع، بشوفك بخير، سلملي كتير عمرتك العسولة وخالتي عيشة".
تابعت جملتها له هو"بشوفك عخير ياحمد، إن شالله تكون بخير."
رمتها وركضت بالفعل، لكن هو انتفض يركض وراها، وكان المتحكم به قلبه، أوقفها يخبرها بخوفٍ"ما تروحي يارها."
جلس منقذ يراقبهما من بعيد، وهما كانوا في عالم ثاني، اخبرته بابتسامة بسيطة"مو مهم، بحب بلدي، بدي عيش فيها وأموت فيها."
_رها، الله ينتقم مني لإني تركتك!
دفعة واحدة قالها، ورها شهقت تنهره بعتاب"ليش هيك! خلص ياللي حصل، أنا بالأخير ما بصلح للزواچ يعني، ست مسترچلة، ثوراچية، بترچاك ما تلوم حالك، أنا ياللي غلطانة".
كانت تقولها ببسمة بسيطة هادئة، ورجعت تخبره بنبرة جادة"أشوفك عخير يا أحمد."
تخطته لكنه أوقفها بدون وعي"ما تروحي، أنا آسف."
_لك أنا ياللي آسفة، والله بكره حياتي إني قولتلك إني نزلت الثورة رغم إني كنت بالمشفى! والله آسفة بس مو كان بدي تخاف عليّ!
حدثته وهي على وشك البكاء لكنه ضيق نظراته بتعجب، وسألها باستغراب"أي مشفى؟"
زفرت تخبره بضيقٍ"كانوا مشتبهين بمرض السكر، وضليت بالمشفى طول اليوم، كانوا عم يفحصوني، وطلع إچاني السكر، مو قولت لحدا مشان ما تقلقوا علي، قولت لميسة بس، بس ما كان بدي حدا يشيل همي، خبرتكم إني كنت بالثورة بس أنا كنت عم أكدب والله وميسة بتعرف، أنت دوغري قلعتني من حياتك."
1
_السكر إچا لإلك من وإنتِ مخطوبة لإلي! أنا عرفت بعد ما اتزوچت ميسة.
_إيه، بس مو مهم، ما تشغل حالك.
ضمت شفتيها، وهو في الحال نطق بتهور"لساتني بحبك، حقك عراسي، أنا ظلمتك."
سقط قلبها، ومعها دموعها، اخبرته بنبرة مرتجفة"بترچاك ما تعمل فيني هيك، أنا بعرف إنك مستحيل ترچع تزوچني مشان مرتك وأطفالك، بترچاك ما تعشمني بشي ياحمد! قلبي مارح يتحمل والله."
_سلامته لقلبك من كل سوء يارها، والله قلبي ما شاف غيرك، بحبك ومو قادر عيش بدونك، بدي اتزوچك.
جملة خطفت عقلها قبل قلبها، صحيح قلبها حزين بسببه لكن لا تستطيع أن تنكر إنها سعيدة! ستطير من سعادتها، وها هي فرصتها لترد نفس الصفعة لميسة! أخبرته بقلة حيلة وللأسف قلبها متغلب عليها"وأنا، لكني مو بقدر اتزوچ رچال متزوچ."
تركت له هو الخيار، رجع وعقله سيجن، لا يستطيع أخذ القرار المناسب، هل يخرب بيته؟ وصل مع منقذ إلى منزله لكنه سمع صوت ميسة عالي من منزل منقذ، ركض منقذ يفتح الباب بسرعة بالمفتاح ليرى ماذا تفعل للمرة المليون لزوجته؟
اصطدم بصوت رودينا الحاد"حرام عليكي دا غيرك يتمنى ضوفر عيل وإنتِ مقطعاله وشه كدا! كل دا عشان الواد الطفل فاهم في دينه وإنتِ لاء! ربنا ينتقم منك واللهِ"
_لك ما حدا غيرك ياعاقر ياللي بيتكلم! لك مو كفاية إنّا قبلنا فيكي ععيوبك وإنتِ مطلقة وخاينة وعاقر! عم ربي ابني ما إلك دعوة، لك اتركيه ما بدي تلمسيه!
كانت تتواقح كعادتها، ورودينا تبعد ابنها الكبير صاحب السبع سنوات بعيد عنها وهي تخبرها بنبرة ساخطة"بكرة ربنا يكسر شوكتك دي، وعيالك دول ربك قادر يحرمك منهم، بدل ما تحافظي عليهم! على الأقل أنا عاقر بس قلبي أحن قلب مش زيك، على الأقل بربي طفلة وبعاملها أحسن معاملة مش زيك مش عارفة تربي ولادك وتعامليهم بالحسنى!"
وهي لا تعرف إلا أن تأتي لها على الوجيعة لترن ضحكتها بسخرية"إيه أحن قلب، دايرة تشحتي طفل هادي، وبنت هادي، وتتلزقي في أطفالنا، لك إنتِ مو واعية عحالك؟ بتوهمي حالك إن حياة بنتك، لك بكرة البنت بتكبر ورح تعرفي إنها مو بنتك."
كانت حياة بالأساس تحضر تلك المشاجرة منذ بدايتها، لم تتدخل لكن بسبب جملتها تدخلت، دفعتها بعصبية وقوة وهمية تصرخ عليها بسخط"لك بيكفي أنا بكرهك، إنتِ ليش كل شوي تزعلي أمي! لك مو رح أسمح لإلك تخليها تبكي، رح أحكي كل شي لستي وبابا لما بيچوا، والله رح قول لخالو أحمد إنك عم تشتمي خالة رها، ورح قوله إنك عم تقولي عنها بتاعت رچال، رح قوله كل شي، ورح قول لبابا إنك بتقعدي مع فرح تقول عن أمي خاينة، وبتزعلوها بالكلام، وإنتِ كتير وحشة، وحتى غيث وعابد بيكرهوكي اكتير."
قالت حديث كثير طفولي نابع من داخلها، بكل شي تعرفه، لحظة واحدة كان كف ميسة يهبط على وجهها بعصبية وهي تسبها وتنعتها بأقذع الصفات"لك مثل أمك، بلا مخ متل أمك بالضبط، غبية، وبلا ترباية."
لم يشعر بحاله منقذ إلا بعدها سحبها بعنفٍ لتنظر له وفي لحظة واحدة كان يصفعها بقساوة مثلما صفعت صغيرته مع جملته المنفعلة"لك يامرا ما بتستحي؟ والله العظيم بكره إنك بنت خالتي أو اختي بالرضاعة، برا وما بدي أشوف خلقتك، مرتي أشرف منك، ياخرابة البيوت."
كانت ستتحدث لكنها رأت أحمد وفي الحال هبطت دموعها تركض عليه تخبره بنبرة مقهورة"شوفت شو عمل يا أحمد؟ شوفت كيف بيهنوني؟ لك بترچاك خدلي حقي منهم كلهم، والله العظيم مو عملت شي."
رمق ابنه المختبيء بداخل أحضان رودينا هو وحياة الباكية بهستيريا، وفي لحظة واحدة كان رمى جملته الجامدة"وقحة وما بتستحي عحالك، شيطانة، حتى الشيطان يستحي يعمل هيك، لك قرفان من حالي إنك مرتي وأم عيالي! بس معلش خلص رح صلح كل شي، إنتِ طالق ياميسة، طالق ومو بدي شوف وشك، وعيالي ما رح تشوفي ضفرهم، وما تخافي رح چيب لألهم أم بتقدرهم، أصلي رح اتزوچ رها، حب حياتي."
كانت ترمقها رودينا بنظرات منتصرة، الله رد لها كل شيء فعلته وتفعله، وفي نفس اللحظة التي تشمت بها، مبتسمة ولا تستطيع إخفاء بسمتها، وكل حواسها متحفزة لإطلاق زغرودة لكن أخلاقها تمنعها، وسمعت جملة ميسة المصدومة_:
_طلقتني مشان هديك الثورچية؟ لك إنت ناسي إن هدول البنات الثوار عم يعملوا علاقات مع الرچال؟ وعم...
قطع حديثها وأخيرًا فقد أعصابه صافعها بعدم تحمل وقسوة وهو يستنكر منها"لساتك عم تقولي هيك! لك من وين بدك تروحي من ربك؟ لك بتقذفي البنات ياللي مو بدهم لا إنتِ ولا غيرك تقعوا ضحايا الأسد؟ بيضحوا بحياتهم مشان وطننا وإنتِ بتقولي هيك؟ لك ليش مستغرب إنتِ هيك، ما رح أنسى إنك طلقتي أخوكي من مرته! ياعيب الشوم والله، بس العيب مو عليكي العيب علي من الأول! بس أنا صلحت غلطتي."
قالها وتخطاها مقترب من رودينا، طبع قبلة على وجه حياة وأخذ ابنه يحمله بين أحضانه، ابتعد عنها صاعد به للأعلى وهو يحايل فيه للتوقف عن البكاء.
نهضت رودينا حاملة رودينا بين يديها تقبلها ببسمة سعيدة، الصغيرة صاحبة اللسان الطليق وقفت تتواقح وتنهر خالتها لأجلها! بحياتها لن تنسى ذلك المشهد لتلك الطفلة، وضعتها بجانبها على المطبخ تخبرها ببسمة حنونة"ياقلبي أنا بتدافعي عني!! ياعمري تؤبريني! دا أنا وربنا هعملك أحلى كيكة دلوقتي، ياحياتي بجد! إنتِ حياتي واللهِ ياحياة، اسم على مسمَّى."
ضحكت بطفولة وهي تضمها بقوة، ورودينا وزعت القبل عليها تخبرها بحبٍ"يارب يديمك ليا ويديم حبنا لبعض، والله لو خلفت بنت ما كنت هحبها كدا! ربنا يباركلي فيكي، واللهِ العظيم إنتِ عوض ربنا."
وقف يتابعهم منقذ بارتياح، وحياة رمقته لتغمزه بمرحٍ، رد لها الغمزة ومعها قبلة هوائية، وسار على أطرافه بخفة يطبع قبلة على وجه رودينا بمرحٍ لتصرخ بفزع وصوت ضحكاته، طبع قبلة مرة أخرى على الأولى وهو يردد بمشاكسة"زي حياة اشمعنا أنا؟ كل واحد وطفلته".
نهى جملته وهو يغمز رودينا بخبثٍ، رسمت بسمة خجولة وهي تضمه دافنة وجهها بصدره، ليردد بخفوت"يؤبرني الخچول!"
2
ضحكت وهي تتحدث بنبرة سعيدة"يارب يامنقذ تدخل الجنة."
1
"_______"
يدق عليها بلا توقف، صبره طويل! وهي كانت ستغلق الهاتف لكن قلبها قلق، تشعر إن سيحدث شيء، تغلبت على كل هذا وأغلقته، وبعد ساعة ونصف كان الباب يدق، فتحته لتجده هو! يقف حزين!
_عمير!
نطقتها بصوت خافت، وهو خفض أنظاره واخبرها بجدية"نفسي أشوف ابني يازينب، لو سمحتي."
شعرت إنه مجهد، سمحت له بالدخول، أغلق الباب خلفه ووقف باحترام ينتظر رؤية ابنه بفارغ الصبر، خرجت عليه به، كان كبر! أصبح أسمن من قبل، وعيونه الزرقاء ظهرت، وشعره أصفر حرير! نسخة منه، آية في الجمال، ركض بسرعة يحمله من بين يديها، متلهف ليحمله وهي تحدثت بسرعة"محمد مش متعود حد يشيله بيخاف، سيبه بدل ما يعيط."
_أرجوكي سبيني أشبع منه.
ضمه إلى قلبه وجملته مبهمة بالنسبة لها، جلس به وهو يداعبه، كانت تسقط دموعه بصمت تام، وهي تراقبه بذهول، ما دهاه؟ جلست وبدون قصد سقطت دموعها على دموعه، ركضت للمطبخ بسرعة حتى لا تظهر تأثرها، وهو كان يحدثه بتألم_:
_بعمل كل دا عشانك يانور عيني، عشان تقول أبويا كان شخص كويس، أبويا كان شخص محترم، بحاول أثبتلك إني بحبك وخايف عليك، أنا بحبك أوي يا محمد واللهِ، الظروف هي إللي بعدتني عنك، بص أنا جبتلك حاجات كتير أوي، بفلوس حلال أقسم بالله، واللهِ العظيم أنا كنت شايل كام قرش أيام الفقر مع أم عبير وداخل جمعيات جبتلك بيهم كلهم هدوم وألعاب، وبص جبتلك كمان مصحف عشان تكبر وتقرأ منه وتفتكرني بيه، وجبتلك جلبيات، جلبية وأنت خمس سنين وجلبية وأنت عشرة ولحد ما تبقى عريس عشان تفتكرني، جبتلك حاجات كتير وأقسم بالله كلهم بفلوس حلال، وكمان عملتلك فيديوهات كتير بكلمك فيها هي كلها مع عمك أوس أوس، و..آه كمان أنا جبتلك خاتم فضة مكتوب عليه اسمي واسمك، وسايبلك خواتمي وحاجات كتير من ريحتي، أوعا أمك تسلطك عليا وتقول فلوس حرام عشان دول كانوا في عز الفقر، وكمان...
2
كان يقولها وهو يبكي يحدثه مثل المجانين وزينب قطعت ذلك النقاش بصدمة ودموعها تغرقها"عمير! في إيه؟؟ في إيه لكل دا؟"
2
رفع وجهه لها، وهزات رأسه تتالت، يخبرها بتأثر، وصدق حقيقي، يتمنى أن يرجع به الزمن ويصلح كل هذا، ويضع تاج فوق رأسها، أن يحافظ على كرامتها، يتمنى ويتمنى لكن بحياته التمني لن يصبح حقيقة!
_في إني آسف يازينب، أنا وجعتك وجيت عليكي، معيشتكيش مبسوطة، خلفت بوعودي ليكي، أنا بس عايزك تسامحيني، أنا توبت يازينب، وبعدت واللهِ عن كل دا، أقولك سر؟ أنا هروح حالًا أسلم نفسي وأسلم عبدالوهاب، أنا خلاص مش عايز كل دا، عايز أنضف، عشان ابني وعشانك واللهِ!
خطف أنفاسها، وشعر قلبها بالهلع سألته بتلجلج"هو حصل إيه؟"
_أنا بس عايزك تعرفي إني والله بحبك يازينب، أنا عارف إني قذر ومجيش حاجة جمب نضافتك بس حاولي، وكمان متخليش ابني يكرهني يازينب، بالله عليكي يازينب ما تخليه كارهني أنا بحبه أوي.
1
نهى جملته وهو يقبله، ووضعه بين أحضانها وقبل هو رأسها وهو يخبرها"أكيد سمعتيني وأنا بكلمه، لو سمحتي خليه ياخد الحاجة أقسم بالله بمال حلال، كمان هي عند أسامة، وأنا آسف يازينب، سامحيني بس."
انعقد لسانها، وهزت رأسها بصمت، وهو رحل، رحل وترك قلبها يأكلها، هبطت بسرعة خلفه، كانت انطلقت سيارته، وهي أوقفت أول سيارة أجرة أمامها لتسير خلفه بقلق، ماذا سيفعل؟ ماذا ينوي؟تتصل به طوال الطريق تفهم مغزى حديثه، وهو انطلق تجاه ڤيلته، وصل إليها ورد على زينب لتسأله بهلع"أنت هتعمل إيه؟ فهمني بالله عليك."
_هعمل إللي كان نفسك فيه يازينب من زمان هبلغ عن الكل.
قالها بجمود وهي نهرته بعصبية"ياغبي أنا مش عايزة كدا، بلاش تدخل نفسك مع دول، ابعد عنهم ملكش دعوة بيهم، هيموتوك ياعمير، أنت فين دلوقتي ياعمير؟"
"أنا في الڤيلا، خلاص يازينب أنا خدت قرار هسلمهم كلهم."
_أوه! يعني خلاص ياعمور مبقتش تخاف؟ طب هتسلمنا إزاي وأنت إللي موقع على كل حاجة؟
صوت صدر بسخرية منها! تقف خلفه، واضح إنها كانت بالغرفة منذ مدة، وزينب استمعت للحوار، شعرت بالهلع، حمدت ربها إنها ذهبت بالسيارة خلفه! والخط انقطع!
رمقها ببسمة خبيثة، واقترب منها يغمزها بصياعة معتاد عليها"واللهِ؟ طب وإيه رأيك يامزة إن أنا مش مغفل ولا أهبل عشان أكون كبش فدا؟ فوقي يابت إنتِ لو شيطانة فإنتِ شيطانة متربية في شوارع نيويورك، معاكي بقا واد كانت حياته كلها في شوارع بولاق، إنتِ عرفاني وأنا عايش في القلعة، شوفي أوسخ حتت في مصر فين وأنا كنت موجود فيها، مش كل طير يتاكل لحمه ياعسولة! وأنا من أول يوم شوفتك فيه، أول يوم رجعت شادي وقولتيلي تعالى مكتبي كنت بسجلك، هكرتي التليفون عرفت في نفس اللحظة، كنت بدخل الاجتماعات وأنا حاطت كاميرا، يعني كلكم متصورين، مكنتش شغال مع الحكومة كنت عايز أبقا ***زيكم بس لاقيت إن لايق عليا أوي أبقا مخلص شريف!"
غمزها في النهاية بدناءة، وحدثها بنبرة واثقة"فكراني تحت طوعكم وغلبان وبتحركوني زي العروسة، وأنا كنت عايز أوصل لهدفي، أخلص من أهلي، وأهو عملت كل حاجة، ها بقا؟ وأديني أهو معايا كل حاجة ضدكم وهتروحوا في ستين داهية."
قالها وهو يبتعد عنها ببسمة خبيثة، وهي رنت ضحكتها تسأله بسخرية"ومين قالك ياعمور إنك هتخرج من هنا حي؟ بتحلم".
قالتها بثقة شديدة وهو التف ينظر لها ليجدها مرة واحدة ممسكة بسلاح، كان يعلم، رفع يديه ببساطة يخبرها بهدوء"على فكرة إنتِ ساذجة لإنك معرفتيش إني أنا إللي كنت مهكرك وبسمع كل حاجة بتقوليها، كنت عارف إنك متفقة مع عبدالوهاب إنك هتخلصي عليا أول ما بدر وإمبراطوريته تتهد".
_طب ما أنت حلو أهو! لاء وجامد!
قالتها بإعجاب، نظرتها لم تخيب، منذ أول يوم رأته كانت تعلم إنها ذكي لكن لا أحد يعطي له فرصة! غمزها وهو يردد بمكرٍ ونظراته متلاعبة"عشان كدا زي ما أنا هموت وامبراطورية بدر تتهد أنتم كمان امبراطوريتكم هتتهد، أصل أنا قدمت كل حاجة ضدكم للظابط سلَّام امبارح".
أرسل لها قبلة لا مبالية، ويعلم إن الموت ينتظره، رأى سبابتها تضغط بغلٍ على الزناد وفي لحظة واحدة كان اخترقه ولكن بدون صوت! وطلقة أخرى كانت مغلولة وصاحت عليه بنبرة عالية"غبي، غبي، أنت مغفل."
18
شعر بدمائه خارج جسده! وتأوه بوجعٍ ودموعه تهبط بصدمة، النهاية كانت قريبة للغاية! ثلاثة وثلاثين سنة لم يكملهم! سقط على الأرض، وهي دنت جهته بغلٍ تسحبه من ملابسه مع صراخها"إنتِ بتدمر كل حاجة بنعملها! عبدالوهاب هيدبحني!"
لا وقت للعويل، وقت الهرب، سلاح ليس سلاحها، كاتم للصوت، وهو طليقها، كل شيء جيد للأن، هربت وبمنتهى البساطة، وزينب جاءت متأخر بعدما رحلت وكان من حسن حظها، ومعها صغيرها، دخلت تبحث، صعدت غرفة نومه لتصرخ في الحال وهي تركض عليه، انهارت وهي تنادي عليه بحرقة"عمير! عمير فوق، عمير اسمعني".
كان مستيقظ، روحه لم تغادر جسده، ورفع يده ببطء والدماء من حوله، وضع يده على يدها وابتسم بتألم وهو يردد بانهاك"عملت كل دا عشان عايز أكون شريف، قولي لمحمد إني كنت مستعد أضحي بعمري عشان يحبني".
انهارت وهي تصرخ فيه بصدمة"بس اخرس، اخرس خالص، أنت هتربي محمد، بلاش هبل، أنت فاهم! أنت قوم أنا بلغت البوليس، قوم هاخدك للمستشفى، متعملش فيا كدا بالله عليك."
_أنا بحبك أوي، سامحيني.
قالها بتألم، وهو يمسد على وجهها ليهدأ من روعها، وهي ساعدته لينهض وهي تردد بهستيريا"عمير أنا مسمحاك، والله مسمحاك وأنا كمان بحبك بس كنت زعلانة منك بس دلوقتي لاء، بالله عليك خلاص، أنا أبقى متربتش لو زعلتك تاني، قوم شوف محمد بيعيط إزاي!"
10
تبكي بقوة، وتأمره ألا يفقد وعيه، وهو وسط كل هذا كان مركز على هدفه، وفي لحظة واحدة كان قرب فمه منه فمها يضيع معها في قبلة غريبة في أحداث أغرب! قبلة وداع! وهي صُدمت! لكنها بكت بسبب فعلته وبعدما ابتعد بعد لحظات كانت تخبره بنبرة مفطورة" طب ساعدني وقوم معايا ياعمير."
ابتسم لها بارتياح وهو يخبرها بهدوء"أجمل حاجة إني هموت وأنا وإنتِ صافية لبن!"
1
هو في عالم موازي! يتألم وعلى مشارف الموت ويقبلها ويمزح معها! لم تجد منه الأمل، لتجهش في البكاء بحرقة، وهو تلمس وجهها بوهنٍ، واخبرها بصوت مهزوز_:
_بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش كان نفسك أموت عشان ترتاحي؟ مش قولتيلي يارب أموت عشان محمد ميستعرش مني؟ كان نفسك ترتاحي، وأهو هترتاحي.
هل يزيد همها؟ تعالت شهقاتها وهي تخبره بهستيريا وهي تضمه بقوة"لاء ياعمير وربي كان من ورا قلبي، من حبي ليك ياعمير، من غيرتي عليك وخوفي كنت بقول كدا، واللهِ من جوايا كنت بقول بعد الشر، أنت هتعيش تربي ابننا ياعمير، أبوس إيدك."
"أنا آسف، واللهِ ما كان قصدي أجرحك."
قالها وهو مستسلم مغمض عيونه، فقدت الأمل وتحدثت بشهقات عالية"طب قول الشهادة، قول أشهد ألا إله إلا الله."
خارت قواه، وضعف صوته، وردد خلفها بانهاك وهو لا يستطيع التنفس"أش..ششهد أن لا إله إلا الله وإن محمد...رسول الله، أشه...."
11
كان يريد تكريرها لكن كل شيء من حوله أظلم، وفقط شعر بروحه تسحب منه ببطء، لكنه سعيد، مات مضحي شريف! سلِّم كل الأوراق والتسجيلات للحكومة، وتركهم للقانون يحاسبهم، وهو سيذهب لرب العباد يحاسبه، تقل رأسه بين يديها، وفُتِحت عيونه مع لفظه لآخر أنفاسه، وآخر لحظات له كانت بين أحضانها وأمام عيونها، وتارك على شفاهها قبلة وداع!
43
النهاية...
نهاية إلا خاتمة.
"____"
المرة دي بجد، خلاص دي النهاية العادلة إللي شيفاها تنفعله، لا ظلمته ولا أڤورت، هو دخل سكة عارف إللي بيخرج منها بيصفوه وهو اختار، مش هغير النهاية لمهما كان، دي النهاية المنصفة بالنسبة ليا!
28
من البداية قايلة إنها مش رواية وردي، ومش الرواية إللي البطل يبقا عامل كل حاجة غلط وعشان هي رواية آخر حلقة تكون المطب إللي بيرجع علاقة البطلة بالبطل!
2
لسة في خاتمة للرواية والخاتمة هتكون عادلة، ونهايات رودينا وسما وحتى زينب فهي نهايات كويسة، وبجد واللهِ مش هتأثر وأعمل نهاية على مزاجكم لأن سير الأحداث عايز كدا، ومن أول يوم كاتبة فيه الرواية عمير كان فيها هيموت.
1
ما علينا نسيبنا من كل دا يلا نسأل الاسئلة بتاعتنا.😂💗
رودينا ومنقذ؟
2
وميسة ورها وأحمد؟ والنهاية؟
4
سما وإياد؟
2
عمير وترتيب الأحداث؟
2
وسيلا؟
3
مشهد عمير مع اليهودية أمه؟
2
ومع أبوه؟ ومع سما؟
2
ومع زينب وابنه؟