📁 آخر الروايات

رواية هوية منسية الفصل الرابع والخمسون 54 والاخير بقلم بسملة محمد

رواية هوية منسية الفصل الرابع والخمسون 54 والاخير بقلم بسملة محمد



 |هويَّة_منسيَّة|

خاتمة.


"____"


زينة، صواريخ، صياح الأطفال، صوت التلفاز على أغاني رمضان عالي، الشوارع رائحتها معبئة بالسوبيا والتمر! فوانيس، مصابيح ملونة، طائرات يدوية! كل شيء يثبت إن اليوم يوم مميز! اليوم رمضان!


_ماما رودنيا اعمليلي بليلة عشان ماما مش عايزة.

قالها الصغير بلطافة وهو يستعطفها، انحنت تخبره بنبرة لطيفة مماثلة لنبرته

"بص يا محمد إحنا انهاردة عاملين زلابية وكنافة بالمكسرات والمهلبية، بكرة البليلة ماشي؟"


هز رأسه يتحدث بتذمر"لاء أنا نفسي أفطر بليلة."


_طب واللهِ هعملهالك مخصوص بس لازم القمح قبلها يكون جاهز، حقك عليا هعملهالك يوم تاني.

قالتها وهي تقبله، هز رأسه بطاعة، وركض للخارج، ضحكت سما وهي توجه نظراتها لزينب_:

_الواد دا بيحب البليلة كدا ليه!


"أقول إيه! بتاع البليلة كل يوم واقف قدام بيتنا، بيجي يشتري الكيس منه ويقولي آكل بليلة، انهاردة بقا قالي بتاع البليلة مش واقف".


_دا أنا هعمله بكرة والله طبق عاشورا يستاهل بوقه.

قالتها رودينا بمرحٍ، وهي تقلب الطعام التي تشرف عليه.


استمعوا صوت صياح عالي ليعلموا إن إياد قد أتى، بدأ الأطفال تهلل بسعادة باسمه، وهو دخل يضحك، سألهم بمكرٍ"مين فاطر؟"


_بابا ضي فاطرة.

قالها ابنه الصغير في الحال يوشي بأخته! لتتحدث الثانية بصراخ تنفي تلك التهمة عنها"بابي أنا صايمة لحد الضهر! مامي قالتلي."


ضحك بقوة وتحدث بسخرية"والله مامي دي عليها حركات، شطورة ياقلب بابي، طيب مين هيصوم لحد المغرب؟ أنا كل واحد هديله هدية على حسب صيامه!"


_خالو أنا بصوم دايمًا!

قالتها حياة، القريبة إلى قلبه، غمزها بمشاكسة"إنتِ قلبي، وبعدين إنتِ ليكي هدية كدا لوحدك."


رنت ضحكتها بسعادة، وهي متحمسة تنتظر هديتها ككل سنة منه، اقترب إياد ينشل بين يديه ابنه"زين"وباليد الأخرى"محمد"محدثهم بحنانٍ"ها بقا مين راجل وهيصوم اليوم كله؟"


_أنا هصوم عشان ربنا يحبني ويدخلني الجنة مع بابا.

نطقها الصغير في الحال بعفوية كبيرة، يردد حديث والدته، والده في الجنة_إن شاء الله_ ويجب أن يعمل بجد ليُرضي الله ويدخله چناته، رمقه إياد بعمقٍ ورفعه مقربه إلى وجهه مقبله بحبٍ مع جملته المشجعة_:

_راجل ابن راجل، وطول ما أنت شاطر طول ما ربنا يحبك.

11


"بابي أنا كمان شيلني، اشمعنا هما بس؟"

قالتها ابنته"ضي"توأم"زين"، تسحبه من بنطاله بشدة ليرفعها معهم، أخرج لها "زين"لسانه مخبرها بمشاكسة"أنا هاخد هدية كبيرة وإنتِ لاء عشان مصومتيش."


عقدت ساعديها بعصبية وضحت على وجهها تخبره بتبرير منفعل طفولي وهي توجه حديثها لوالدها باستعطاف"يابابي أنا صغنونة، أنا عندي بس five، أنا لسة صغيورة واللهِ، وأنا صومت وتعبت وقعدت موتت كدا يابابي من العطش ومامي قعدت تتحايل عليا عشان بس آخد juice وقعدت تقولي Please بس أنا قولت لاء أنا هصوم! وعلى فكرة أنا شطورة."

1


مع حديثها كانت تتسع بسمته، يريد أمساك ضحكاته، لكن ابنته الرقيقة تجعله بحديثها الرقيق العفوي ينفجر في الضحك لشدة إعجابه بها! أنزل الاثنين وحملها بمشاكسة مرة واحدة يردد بحبٍ وهو يدغدغها"بسكوتة ياناس أكتر من أمك! إيه الرقة دي! دا إنتِ تاخدي عيوني مش فلوسي!"


ضحكت بعلو صوتها وهي تتشعلق بعنقه، وأخرجت لسانها لشقيقها ومحمد، جلس محمد ببساطة بجانب حياة الممسكة بهاتف رودينا يخبرها بأدبٍ"وريني".


_عم كلم ابن خالي غيث.

اخبرته وهي مندمجة في المحادثة، وهو ضمها يحدثها ببسمة جميلة كإنه يغار عليها!"مش تكلمي حد غيري، تعالي نلعب كدا."

1


أخذ يديها يُريها اللعبة المعتاد عليها، يضرب على كفها بخفة وهو يردد"سبت، يلا قولي حد."


تركت الهاتف وبدأت تلاعبه باندماج، تحبه بسبب إنه طفل مهذب، وخفيف الظل، هو وزين، وانضم لهم زين، يحدثها ببسمة مرحة طفولية عابثة معتادة منه"عارفة؟ هتجوزك."


يحدثها بمرح الأطفال، ضحكت وهي تقبله بقوة مع كلماتها"وأنا موافقة، بس أنت صغنون لسة."


هز منكبيه بلطافة وهو يهتف بمشاكسة"لما أكبر، بس أنا بحبك عشان إنتِ عسولة."

طبع قبلة على وجهها، مكمل بنبرة حنونة"ماشاء الله ماشاء الله."

3


يقلد والده وعمته؟ رودينا وإياد في العادة يسمون ويذكرون الله بعد كل جملة مدح لأي شخص.


انتبه محمد للصغيرة"ضيّ"تحاول أن تربط فيونكة رباط شعرها، اقترب منها يحدثها بـ"هعملها."



_مامي عملاها وحشة.

قالتها باعتراض وهي تنفخ وجهها، أمسك شعرها يهندمه ومن ثم بدأ بربط الفيونكة كما يرى والدته تفعل في الملابس، كان مشهد لطيف، نهى الفيونكة الجميلة مبدي إعجابه بها"عسولة زيك."


قفزت بسعادة تحرك شعرها تردد بنبرة سعيدة"حلوة."


انتهت من حديثها تضمه بقوة وهي تردد بإعجاب"أحلى من مامي، مامي فشلة."


ضحك، وهو يبعدها عنه باستحياء، رأهم إياد، اقترب منهم يفصل ابنته عنه مشهر سبابته أمام وجهه يرمي جملته المحذرة بمرحٍ أمام وجهه"خليك بعيد يا ابن عمير."


_هي واللهِ مش أنا.

قالها يبرر وسيبكي، لكن الثانية كانت تضحك وهي تحاول الابتعاد عن يد والدها تصرخ بكلماتها"سيبه يابابي عملي الفيونكة."


_دا أنا هقطعك.

ونادى بصوتٍ عالٍ"ما تيجي يازينب لمي ابنك دا، الواد باد بوي من وهو لسة عنده ست سنين!"


صحح له ببراءة"ست سنين ونص."


خرجت زينب تسأله باستغراب"محمد باد بوي؟ دا الأدب كله".


_معرفتيش تربي، يرضيكي يحضن بنتي قدام الكل كدا!

قالها بخزي لكن ابنته اصمتته بكلماتها"أنا إللي حضنته يابابي".


كتم صوتها بيده بخفة وهو يحذرها بخفوت"اسكتي إنتِ."

حمحم متابع حديثه بسخرية"لما يكبر هيتجوزها بقا؟ ولا هيحب بنت في الجامعة وينساها."


حاولت زينب إمساك ضحكاتها، وتحدثت بحزمٍ

_واللهِ يا إياد بنتك هي إللي عينها من الواد ابني الغلبان، أنا ابني مش بيحبها، صح يا محمد.

سألته وهي تعلم إنه سيهز رأسه بنعم لكنها فتحت عيونها بعدما سمعت جملته"لاء أنا بحبها بردو."


قبل أن يكمل جملته كانت نهرته بغيظٍ"يا ابن المهزقة."


تابع ببراءة"واللهِ بحبها عشان هي بنت عمتو سما أخت بابا، وبابا كان بيحب عمتو فأنا لازم أحبها."

رسمت نصف بسمة، ومسدت على شعره بحنانٍ وهي ترسل له قبلة"أقسم بالله أنت واد متربي، جدع، لم بنتك أنت".


قالتها وهي تدخل المطبخ من جديد، وإياد رفع حاجبه الأيمن له يخبره بنظرات مغتاظة"اطلع ياض لستك فوق."


هز رأسه برفضٍ ليتحدث مرة ثانية"طب روح اقعد جمب زين"


رفض أيضًا ليرني الثاني جملته باغتياظ"إيه ياض دا! دا أنت طالع لأبوك واللهِ، اترزع هنا، واقعد بأدبك أنت صايم، وإلا هتتعلق من قفاك أديني قولت."


ترك وصلة توبيخه تلك وابتسم له بسمة واسعة مقترب منه محدثة بعيون مشتعل بها الحماس

_عمو إياد ممكن أنا وزين تعدلنا؟


_عايز تلعب ضغط؟

سأله بنصف بسمة، أكد بهزة رأس ليسمع زين متحدث بتذمر"زين لا عايز يلعب ولا يعد زين تعبان وصايم."

2


نهض إياد بنشاط كإنه حصل على جرعة قوة للتو، وانحنى على الأرض يبدأ بتمرين الضغط، بدأ محمد بتقليده وتقليد حركاته ببلاهة معتادة، وإياد بدأ يرفع له يده، ويضبط زاوية جسده حتى يتعلمه ولو لمرة واحدة، بدون مقدمات قفز زين على ظهره يصعده مردد بضحكات عالية"بابا هعدلك لحد Two thousand."


_سوسن دي تبقا أمك يالا، أنزل ياض أنا صايم هو أنا قادر!

نهره وهو يحاول أن يرميه من فوق ظهره لكن الثاني متشبث به، زفر باستسلام يحده بحدة"خلاص عد لحد ١٠٠بس، تعبان واللهِ."

1


"____"


هبطوا الأمهات الكبار من منزل"صفاء"قبل معاد الأذان بنصف ساعة يساعدونهم، بدأو يعدون الطعام، تجهزوا للأذان وجاء منقذ، تجمع حوله الأطفال يسلم عليهم بحبٍ، يقبل هذا ويضم هذا، أعطى العصائر لحياة يحدثها بهدوء"خلي رودينا تحطهم."


بالداخل كان الجو مبهج، كل واحدة منهم تقوم بفعل شيء، وصوت التواشيح تتعالى من المنزل بدفء


قصَدْتُكَ من كل الجهاتِ مناديًا

أجرني من القيدِ الذي شدّ معصمي


أعدني لنفسي كم تغربتُ حائرًا

أحنُّ لضوءٍ في سمائكَ مُنْعمِ


إذا طال صمتي سبّحَ القلبُ ضارعًا

وشعّ دواءُ الحبِ نورًا على فمي


فيهدأُ قلبي بعد خوفي وحيرتي

وقد باتَ عطرٌ من جنانك في فمي


وصوت قرآن المنشاوي قبل الآذان يصدح يُعيد القلب المنطفئ، رائحة اليوم رائحة مميزة، نسمات الهواء منعشة، رمضان شهر خير وبركة، أحب الأيام وأفضلهم إلى القلب.


وضعوا الطعام حتى صدح صوت الأذان، وصدح معه صوت الصغيرة"ضي" وهي ترتشف عصير التمر مرة واحدة مرددة مثلما سمعت من الجميع_:

_بسم الله، ذهب الزمأ وابتعلت العروق...

وجهت نظراتها لوالدتها تسألها بغرابة"وإيه كمان؟ أنا صح؟"


"ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر عند الله ياضي عيني."

قالتها بحنان وهي تربت على رأس ابنتها.


مدت رودينا يدها لمنقذ بثلاث حبات تمر، أخذها ببسمة وهو يردد"كل سنة وإنتِ طيبة ياعمري."


_وأنت طيب ياقلب رودينا.

بدأت تأكل بدون شهية، رمقت سما التي منشغلة مع طفليها في طعامهم، نادت زين تخبره بحنان"سيب ماما يا زينو وأنا هأكلك، تعالى."


_يابنتي كلي مأكلتيش.

قالها إياد بضيقٍ وهي تحدثت بنبرة رافضة وهي ترمق الطعام باشمئزاز"لاء مش عايزة نفسي مش جيباني".

8


جلس بجانبها زين وهو يهتف يشير لها على الطعام"حطيلي يا ماما رودنيا دا ودا ودا."


_مينفعش ياقلب رودينا تحط محشي عليه فراولة!

قالتها وهي تبرد له الطعام بحنانٍ، كانت ترمقها والدتها بنظرات خفية وهي تشعر بالحزن عليها، ثمن سنوات زواج ومحرومة من الأمومة، تعوض أمومتها بحنانها على أطفال غيرها، وسما وزينب وحتى أحمد لم يبخلون عليها باخبار أطفالهم أن يطلقون عليهم"ماما رودينا" أصبحت تنادى به منذ فترة، والأطفال يحبونها، متعلقين بها وبحنانها وأمومتها وعطاءها!

4


بدون سابق إنذار كانت بعدت زين عنها وركضت تجاه المرحاض، أفرغت ما في معدتها باشمئزاز، ولونها أصفرّ، ركضت والدتها وحياة عليها ومعها منقذ، وانتاب الجميع القلق، ربتت حياة على ظهرها وهي تُغسل لها وجهها"ياربي! شو صارلك ياماما؟ ألف سلامة عليكي."

1


وضعت يدها على يدها وهي تبتسم باصفرار"مفيش ياحبيبتي، ارجعوا كلوا".


_إنتِ بالأساس مو كلتي شي، شو صاير؟ صارلك أيام متغيرة.

نبرته قلقة وملامحه متعجبة، هزت رأسها بهدوء، نظفت آثار ما فعلته وخرجت تجلس ببساطة، نهضت سما تخبرها بسرعة"هعملك ليسون يهدي بطنك."


سارعت والدت منفذ تتحدث بسرعة"لاء لاء يمكن تكون حامل، متعمليش حاجة."


_حامل إزاي ياماما؟ أنا بقالي تمن سنين هاجي فجاءة أحمل كدا!

ضحكت بسخرية، ووجهت نظراتها لمحمد الذي كان يمسد على ظهرها بحنو، أرسلت له قبلة وهي تمرح معه"وربنا أنت واد متربي، مش عارفة إزاي أم لسان دي عرفت تربيك!"


"شوفي قلة الأدب!"استنكرت بها صديقتها، حدثها منقذ بانتباه"طيب ليه متبقيش حامل؟ بقالك أربع شهور أصلًا العذر مش بيجي".


نظرت له باختناق وتحدثت بنبرة منفعلة"خلاص بقا ياجماعة مش بحب كدا واللهِ، ماهو دايمًا كدا وبيقعد بالتمن شهور."


زفر إياد بضيق وهو يصيح عليها بقلة صبر"طب ما تحللي، إيه هو حرام؟"


_لاء مش عايزة اتعشم أنا ما صدقت بقالي سنتين متجاهلة الموضوع، بجد بقا كفاية متضغطوش عليا.

لحظة واحدة وستبكي، اختنق صوتها ونهضت تدخل إلى الشرفة وهي تحاول السيطرة على دموعها، كان سيدخل لها منقذ لكن أوقفه إياد بعدما رأى حياة تدخل لها، وقفت بجانبها حياة تضمها وهي تحدثها بصوت هادئ"إنتِ مامتي حبيبتي، أنا لو مهما قعدت أشكرك مش هوفيكي حقك، بلاش تعيطي."


قبلتها من وجهها بقوة وهي تدمع عيونها معها"لو عيطتي رح عيط ياماما، أنا مو بنتك؟"


اختنق صوتها وهي تضمها أكثر مع جملتها

_بنتي وحبيبتي، خلاص أنا مش هعيط تاني.

جففت دموعها قبل هبوطها، وخرجت بعد لحظات معها، جلست مرة أخرى على طاولة الطعام تخبرهم بنبرة هادئة"خلاص تعالوا ناكل، جوعت فجاءة، وبعدين ياست سما حطي محشي ورق العنب قدامي بلاش شغل العقارب دا!"


"طب اتصدقي مش هتمدي إيدك عليه!"


"______"


انتهى اليوم الذي كان بمنزل إياد، ورحلت زينب مع والدتها وابنها، خلعت وشاحها بعد يوم طويل أخيرًا! وتسطحت على الفراش مستعدة للنوم، قفز محمد فوق الفراش بسعادة وهو يهتف بنبرة متحمسة_:

_شوفتي أنا كنت شاطر إزاي إنهاردة وصومت ومقولتش إني عطشان؟


_أشطر الشاطرين ياحبيبي، بطل شقاوة وتعالى نام بقا، أنت متعبتش من اللعب؟

قالتها بانهاك وعيونها متعبة وهو نفى بتحمس"لاء، وكمان كنت عايز أروح أبات مع ماما رودنيا عشان ألعب مع نورين وغيث وعابد وحياة وجود".


ابتسمت بخفة تجاري حديثه"كل دول هتلعب معاهم؟"


"أنا كمان هاخد تليفونك عشان أوريهم لعبة جديدة."


ضحكت بقوة وهي تقبله بعمق تأخذه في أحضانها"ماشي ياشقي، طالع لأبوك".

3


_بابا أحلى.

اختبأ في أحضانها وهو يقول جملته، تغلغلت أصابعها في شعره الحرير تخبره بصدق"أنت نسخة منه ياعيوني، إللي خلف ممتش واللهِ."

1


رفع وجهه لها وقبل أرنبة أنفها يحدثها بنبرة لطيفة رقيقة"بابا كان بيحبك جدًا"


حديثه الواثق جعلها تتساءل بتعجب"ياسلام؟ عرفت منين؟"


_عشان مفيش حد مش بيقدر ميحبكيش، عشان إنتِ طيبة، وكويسة، وبتعملي كمان أكل حلو، أكيد بابا كان بيحبه.

الأطفال! يا الله صادقين لدرجة تقشعر الأبدان، ابتسمت بحزنٍ ومسدت على شعره بشرودٍ، شردت بعمير وكلماته الأخيرة لها وهو يموت بين أحضانها، تلمس وجهها بوهنٍ، واخبرها بصوت مهزوز_:

_بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش كان نفسك أموت عشان ترتاحي؟ مش قولتيلي يارب أموت عشان محمد ميستعرش مني؟ كان نفسك ترتاحي، وأهو هترتاحي.

1


هل يزيد همها؟ تعالت شهقاتها وهي تخبره بهستيريا وهي تضمه بقوة"لاء ياعمير وربي كان من ورا قلبي، من حبي ليك ياعمير، من غيرتي عليك وخوفي كنت بقول كدا، واللهِ من جوايا كنت بقول بعد الشر، أنت هتعيش تربي ابننا ياعمير، أبوس إيدك."


"أنا آسف، واللهِ ما كان قصدي أجرحك، أنا واثق إنك هتربي محمد أحسن تربية، وعارف إنك هتطلعيه راجل، خليه يحبني يازينب."

3


قالها وهي نفذتها، زرعت بداخل قلبه حب والده لدرجة كبيرة، يراه عظيم، إن كان عمير حي لكان محمد لن يتعلق به لتلك الدرجة، هو الآن يحبه لدرجة غريبة! كل يوم في الصباح والمساء يقرأ له الفاتحة ويدعي له كما علمته، حنون لدرجة يستحقها عمير في قبره!

10


قطع شرودها صوت الباب، ركض يفتح الباب بشقاوته، وصاح بتهلل"عمييير، ادخل."


أغمضت عيونها بتعبٍ، هاهو جاء القرد الصغير لتكتمل! خرجت لهم تخبرهم ببسمة"تيتة نايمة، اوعوا تصحوها بصوتكم، وأنا هعملكم عصير."


دخلت إلى المطبخ تعده، ومحمد جلس مع عمير صديقه المقرب، جلسوا مع ألعابهم في ركن بجانب المطبخ، ومحمد تحدث بحماس"أبويا قالي لو خلصت سورة البقرة وآل عمران والنساء كلها في رمضان هيجبلي حاجة حلوة جدًا وهدية كبيرة."


_عمو إياد إداني انهاردة فلوس عشان صومت اليوم كله، وأنا جبتلك دا معايا.

نهض بعدما تحدث، وبدأ برحلة البحث عن حلوياته الضائعة كالعادة، زفر وهو يدخل لوالدته يخبرها بتذمر"ماما فين حلوياتي؟"


"هشوفهالك يامحمد، خد عصيرك وأنا هخرج التاني لعمير."


مدت يدها بالعصير للصغير عمير، وعمير أخذه يسمي الله ويشربه، دققت النظر به، سبحان الله! محترم، ويفهم في دينه، حنون، وصديق ابنها المقرب، عمير وأوس أوس ولكن النسخة المهذبة!


_تيجي نطلع فوق نلعب بالبلاستيشن بتاعي؟

عرض عليه ليرفع الثاني نظراته لوالدته، حركت رأسها بهدوء وهي تردد"اطلع العب ومتغلبش بوسيلة."

3


أمسك بيده وركض للأعلى معه، دقوا على المنزل لتفتح لهم بوسيلة، حدثته ببسمة"ابن حلال يامحمد لسة كنت هبعت لعمير يديلكم رز باللبن."


_شكرًا ياطنط، فين عمو أسامة؟

قالها بسرعة وهو يبحث عنه بنظره، دفعه عمير وهو يسخر منه"أنت لسة هتسأل ادخله أوضته."


دخلوا الغرفة عليه وهو نائم، صعد عمير على أطرافه بهدوء ليصبح بجانب أوس أوس، ومحمد فعل مثله في لحظة واحدة كان يصرخ عمير في أذنه"بــابـــا، محمد عايز يلعب كورة معاك."


كان بالأساس مستيقظ لم يتأثر وحدثه بنبرة متوعدة"والله يا ابن ال***أنت وهو لا هقوم ألعب بيكم الكورة".


تعالت ضحكاتهم وهم يركضون للخارج قبل أن ينقض عليهم، خرج خلفهم محدثهم بتوعد"هلعب معاكم بس إللي هيخسر منكم بكرة يسبلي منابه في الفطار عشان بجوع واللهِ."


وقف محمد كالعادة أمام صور والده مع أسامة، صور لطيفة تدل على حبهم لبعض، يكاد يقسم إن بحياتهم لم يتشاجروا، بحياتهم لم يحدث بينهم سوء تفاهم، يحب تلك الصور، ويحب عمه أسامة الذي لم يبخل عليه يوم بمشاعر الأبوة الصادقة، لحظات وتعالى صراخه بعدما حمله أسامة من قدمه يحدثه بمرحٍ"وربنا يالا لو مقولتش ليا سر جمال شعرك أنت وأبوك إيه ما هسيبك سليم".

8


_وربنا أنا شعري كدا.

قالها وهو يحاول أن يقفز لكن عمير تحدث بنبرة شامتة"أيوة يابابا عشان أنا شعري خشن".


_بس ياض ياحاقد طالع لأبوك بصحيح.

رماها أوس أوس! ورمى محمد فوق الفراش بمزاح ثقيل، تألم من جسده وهو يتوعده"واللهِ ماشي."


"مش بتعمل حاجة غير تستحلفلي إلا أعرف هتعمل إيه مابتعملش!"

تهكم منه وهو يجلس أمام الجهاز، والثاني اخبره بتذمر"أنا بس مش بعمل عشان بحبك."


أرسل له قبلة وهو يردد بعبثٍ"وأنا بموت في أبوك."

3


"_____"


_دوق يابوبي.

بدون سابق إنذار كانت صغيرته تحشر قطعة الحلوى الخاصة بها في فمه تطعمه عنوة، وهو قضم قضمة صغيرة يحدثها ببسمة هادئة"جميلة".


_هي beautiful candy، بابي صح في party كبيرة معمولة عندنا لـ teacher سنا.

قالتها وهي تطعمه بيدها، أمسك يدها يرمقها باشمئزاز وهو يسألها بعيون متسعة"دي منظر إيد! وبعدين أبلة سنا دي كمان عاملين ليها حفلة ليه؟"


أجابته ببراءة وهي ترمش بأهدابها"عشان هي أجمل teacher في الschool."


_جامدة يعني عشان يتعملها حفلة لوحدها؟

سألها بمكرٍ لم تفهمه، وهي هزت رأسها بتأكيد مع كلماتها"آه وكمان هي بتاعت ال Français".


أسند رأسه على قفصها الصدري مردد بقلة حيلة"وربنا ما جايبكم لورا غير مدارس الفرنساي دي".


_بابا مش هتودينا بكرة الاستاد نتفرج على ماتش الكورة؟ please يابابا.

هجم ابنه عليه كالاعصار، وصدح صوت ابنته الممتعض"بابي No بجد أنا مش هروح."


رمقها يفكر للحظات لكن ابنه صرخ باعتراض"بابا please نفسي أروح For me يابابا."


تابع حديثه وهو يدفع وجه توأمه مع تحذيره"إنتِ Shut up".


_ياسمــا، تعالي شوفي عيالك دول إللي بيتخانقوا بالانجليزي، كله بسببك، منك لله على أيامي الأخوات كانوا بيتخانقوا بالشتيمة."

نادى بصوت عالي على زوجته المندمجة في مشاهدة التلفاز، انتبهت له تخبره بنبرة غير مهتمة"أعمل إللي هما عايزينه"

توسعت عيون ابنته تخبره بخجلٍ"بابي عيب، الشتيمة وحشة."

1


لم يهتم بجملته مكمل حديثه مع زوجته

"أعمل إيه؟طب ماهما مختلفين، روحوا لأمكم يلا وهي إللي تقرر."

وزَّعهم عليها لكن لم يتحركوا وابنته بقيت تعطيه جلسة من الأدب لتهذبه_:

_يعني أنت توافق حد يقولك إنك donkey؟


اتسعت نظراته بتعجب وردد كلمتها بخفوت"دونكي؟ أنا دونكي واللهِ إني سايبك تتكلمي قومي يابت."


رماها من جانبه وهي رجعت تحدثه بتذمر"أنا بفهمك إنه عيب."


وابنه رجع يصمم بكلماته"يابابا أنا نفسي أروح، بقالنا كتير مروحناش."


استسلم بقلة حيلة وهو يحدث ضي"طب بصي ياضي نروح نتفرج على الماتش المرة دي عشان خاطري ماشي؟"


_ماشي بس أنا هشجع زيزو القمور.

تساومه؟؟ سحبها من ملابسها يزجرها بحدة"زيزو مين يابت؟ إحنا أهلاوية."


"أنا زملكاوية عشان زيزو قمور."

_علي معلول أحلى، حبيه هو.

رمق أطفاله بصدمة تركها وضحك بقوة مع كلماته"الله أكبر طفلة منحرفة وطفل أريل! أجمد يالا كدا".

3


زفرت بضيقٍ وهي تبتعد عنهم متحدثة بتأفأف"بجد بقا أنا مخصماكم".


اقتربت من والدتها تجلس على أقدامها، وسما أخذتها في أحضانها تخبرها بخفوت"أنا بشجع بردو زيزو ياحبيبتي."


_مامي إنتِ مش بتعرفي حاجة أصلًا في الكورة!

قالتها ببراءة والثانية اتسعت عيونها تحمحم بحرجٍ"لاء على فكرة أنا شاطرة."


طبعت قبلة رقيقة على وجهها وهي تردد بحنو"إنتِ عسولة".


تحدث زين بعيون متحمسة"بابا ينفع ناخد محمد معانا؟ هو بيحب الكورة."


_ماشي ياحبيبي اتصل بكرة استأذن أمه ولو وافقت ماشي.


"____"


_رودي ياعمري شو صاير بس لكل هاد؟ ليش الزعل؟

سألها وهو يمسد على وجهها بلينٍ ممتزج بعطفه، وهو تلألأت الدموع بعيونها وهي تردد بنبرة مجهدة"متقوليش اعملي لا اختبار ولا أي حاجة يامنقذ."


_يارودينا واللهِ المرة دي أعراض حمل، إنتِ كدا يمكن تكوني حامل في الشهر الرابع! حتى بطنك كبرت، ترجيع، وتعب، وكل هاد.

يحاول إقناعها وهي تحدثت بنبرة محتدة وهي تبتعد عنه، فتحت أحد الأدراج ترمي أمامه اختبارات حمل كثيرة وجميعهم فاشلة_:

_في كل مرة من دول كانوا بردو نفس الأعراض، نفس الأمل، لاء يامنقذ مش مستعدة إني أجهد أعصابي تاني، هي مش أول مرة تتأخر وتتلغبط.


أرجع رأسه بقلة حيلة وهو يحاول استمالتها"طب جربي تروحي للدكتورة تشوف سبب التأخير دا."


_والله ما هروح لدكاترة، منقذ بجد خلاص والله العظيم هضايق منك، دي مش أول مرة، مرة غابت تمن شهور، وقعدت متأملة لحد ما كل حاجة اتهدت في لحظة، عشاني كفاية.

استعطفته في النهاية بيأسٍ، وهو تنهد بتعبٍ.

5


"______"


تسحرت هي ووالدتها وابنها، ونامت قبل الفجر بساعتين، استيقظت قبل الفجر بربع ساعة فقط، بحثت عنه لكنها لم تجده نائم بجانبها! زفرت بقلة حيلة، الشقي بالتأكيد يخرب شيء بالخارج، خرجت من الغرفتها تبحث عنه بعيونها، وقعت عيونها فورًا عليه وهو يصلي.


معتادة عليه يصلي معها ويشاركها قراءة القرآن لكن تلك المرة هي أدت صلاة التراويح خاتمة بالشفع والوتر ونامت على غير العادة بالنسبة له، يصلي هو الإمام كما يرى المشايخ التي تتابعهم وعندما يذهب مع عمه أسامة أو إياد إلى المسجد، وخلفه ألعابه!


ضحكت بقوة وهي تسمعه يكبر منتظر أن يسجدوا مثله! سجد وردد_:

_سبحان ربنا الأعلى، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ربنا الأعلى، يارب ارحم بابا، وخالو محمد، وجدو حسين، وتيتة نعمة أم ماما، وخليلي ماما وتيتة رجاء وندخل الجنة كلنا مع بعض، وكمان ماما رودنيا، وصحابي؛ عمير وزين وضي وحياة.

1


كبَّر وسجد مرة ثانية، وتلك المرة جدد من دعائه"يارب أجيب درجة حلوة في الانجليزي بكرة عشان ماما وتيتة يفرحوا، يارب تيتة وماما يعيشوا معايا ل100سنة".

3


استندت على الحائط وبسمتها على ثغرها، وهو انتهى من الصلاة، ونام فوق بساط الصلاة، اقتربت منه لكنها وجدته ممسك بصورة والده ويضمها بقوة، لم يحدق بالصورة لكنه كان يحدثها وهي في أحضانه_:

_ماما قالتلي إنك كنت طيب جدًا، وبتحبني وبتحبها جدًا، وأنا كمان بحبك، وأنت أحلى أب، كل سنة وأنت طيب.

1


محمد يحبه؟ ومتعلق به بقوة وهذا يخيفها، من الممكن بسبب إنها زرعت به حبه، وحكت عنه الصفات الحميدة فقط لأجل أن ترسخ تلك الصورة بداخل قلبه ونجحت، لكن قلبها ألمها عليه، انحنت تلف وجهه لها تسأله بحنان"كنت بتصلي إيه؟"


_شفع ووتر، إنتِ مصلتيهمش.

نطقها بنظرات بريئة وهي نفت بكلماتها"صلتهم في صلاة التراويح".


_أنا كنت هصحيكي تشربي إنتِ وتيتة رجاء.

قالها وهو ينهض تارك الصورة على البساط، وقدم لها المياه بكلماته"الآذان هيقول."


أخذت منه الكوب وبدأت بارتشافه، مدت يدها تلتقط الصورة بين يديها تحدق بها بشرودٍ وهو سألها باستغراب"هو مش بابا مات وأنا عندي أربع شهور؟ ليه متصورش معايا خالص وأنا نونة؟"

1


انعقد لسانها، هل تقول كان ملتهي عنه؟ وهي حرمته منه؟ ابتسمت تخبره ببساطة"مكنش في دماغنا، وبعدين مش هو جايبلك حاجات كتير أوي؟ وكمان جايبلك مصحف؟ تيجي نقرأ منه؟"


سألته بابتسامة وهو ركض يحضره لها، فتحته على موقفته فيه، وجلس بين قدميها، هي تقرأها وهو يردد خلفها بصعوبة، ومن وسط قراءتها الطويلة نام بين أحضانها بعدما أذَّن الآذان وصلى الفجر معها ورجعت تكمل القراءة لعله يكون في ميزان حسناته.


"____"


في الصباح كانت نشيطة هي كعادتها، وهو كسول ناعس، ضمت رودينا بسرعة كالعادة تحدثها بـ"سلام يا أجمل ماما."


_سلام يا خالة، رح راقب حياة لو فطرت ما تقلقي.

قالها يقصد أن يغيظها وهي دفعته بسخط"لك أنا بصوم مو متلك."


ضحك وهو يخبرها ببراءة مصطنعة"بمزح والله، آسف."


هبطت معه تذهب إلى مدرستهم، سارت معه كالعادة تحدثه بعفويتها"راح قالها"فداكي عمري"، قديشه بيحبها!"


سخر منها بكلماته"والله الروايات چنتك إنتِ وأمك وأبوكي، ربنا يهديكم."

1


_لك أنت ياللي ما بتفهم شو يعني الحب!

قالتها بحالمية كبيرة! تحدثه وكإنها ذاقت الحب من قبل! وسألها هو باستهجان"وشو يعني الحب ياست حياة؟"


في الحال تنهدت بعاطفة جياشة وهي تنظر له"الحب يعني شي كبير مقدس مو سهل حدا يتخطاه، شي چميل لما حدا بيحبك!"


_إيه متل ما بحبك أنا!

قالها بمشاكسة وهو يغمزها بمرحٍ، توردت وجنتيها وهي تخبره ببساطة"لاء متل ما بابا بيحب ماما، ما شالله بيخاف عليها من الهوا!"

1


_لأن أمك رقيقة مو في منَّا!

بصدق قالها، يرى رودينا تلك تجمعت بها كل الصفات المبهرة، رقيقة، حنونة، معطاءة، لينة، كل شيء!


"أمي أعظم شي بچد، الله يرحم ماما وبابا بس هما أكيد دعوا إن ربنا يرزقني بحنيتهم."


وصلوا إلى فصلهم وكل واحد منهم جلس بمقعده المخصص، جلست مع صديقاتها وهو مع أصدقائه، اقتربت منه زميلته تحدثه ببسمة"غيث رح تيچي عيد ميلادي؟"


رمقها بصمتٍ وبعد لحظات أجابها"لاء، إنتِ مو عزمتي حياة."


_لأن حياة مو رفيقتي.


حدثها بتحدي"بس هي رفيقتي أنا! وإنتِ مو بتحبيها".


_لك هي ياللي حاطة راسها من راسي، أنا مو عملت شي!


احتدت نبرته بانفعال"هي مو بتحط حدا! إنتِ ياللي بتغيري منها، ما إلك علاقة فيها بتفهمي؟"حذرها بنبرة محتدة وابتعد عنها، اقترب من حياة التي تتابعه من بعيد باستغراب، سألته بانتباه"شو في؟"


_ولا شي.

_ليش كنت واقف معها؟ أنت مو عارف إنها بتكرهني؟

تغار؟ نعم تغار عليه من أي فتاة غيرها، هو بالنسبة لها ملك لها فقط! صديقها وابن خالها، ضحك يخبرها بصدق"كانت عم تعزمني ععيد ميلادها بس..."


لم تمهله الفرصة ودفعته بقوة وهي تبتعد عنه، جلست بمكانها ووجهها منفعل، لم يفهم خطأه ورمقها ببلاهة، وجلس بجانبها يستفهم منها بتعجب"مچنونة؟"


_لك أنت مو رفيق، بتعرف إنها بتكرهني ورايح عيد ميلادها! العمى بچد!


رماها وهي تنظر له بغيظ، قرص وجنتيها وهو يردد بمرحٍ"والله قولتلها ما رح أچي واتخانقت معها مشانك."


_لك ما إلك علاقة بأي بنت هون غيري فاهم؟ أنا بس ياللي بتكلمني.

حذرته بنظرات شرسة، وهو تراجع بخوفٍ مع كلماته"ما تعملي معي هيك، أنا مو قدك!"


"______"


_ياحبيبي خد السندوتشات وما توجعش قلبي، هتتعب في المدرسة.

قالتها زينب بقلة صبر وهي تناهد مع صغيرها، وهو صمم بنبرة منفعلة"لاء ياماما مش هفطر، أنا راجل مش طفل."


"ياحبيبي اسمع كلام ماما عشان خاطري."

لم يهتم بحديث جدته وتحدث بحزمٍ"هصوم زي عمير وزين، مش هفطر زي ضي عشان هي بنت."


زفرت جدته بغيظٍ وهي تهتف بسخرية"يخربيت روح عمير أبوك إللي مسيطرة عليك، يلا اجري انزل وجعت قلبي."


أرسل لها قبلة وهو يمسك بيد صديقه عمير مردد بابتسامة سعيدة"مع السلامة، متخافوش أنا راجل."


ذهبوا إلى مدرستهم القريبة من المنزل، جلسوا بجانب بعضهم، وعمير حدثه بنعاسٍ"عايز أنام، هرجع ورا أنام في حصة ميس إيمان."


_على فكرة هقول لعمي أوس أوس.

_فتان وتعملها، عشان خاطري يا محمد.

قالها وهو يقبله بقوة من وجهه، ورجع يبعثر شعره بكلماته المرحة"ما تديني شعرك وعيونك أروح أعاكس بيهم البت إللي في الفصل التاني؟"

5


_أبوك لو سمعك هيقطعك.

قالها وهو يضحك والثاني غمزه بمشاكسة"أبويا هيفرح بيا جدًا."


دخلت المعلمة تقطع حديثهم، وقف بمضض يخبره بحنقٍ"كنت ألحق أقعد ورا! أنا إيه يارب خلاني أقعد في ديسك الدحيحة دا!"


بعد السلام حدث معلمة اللغة العربية التي تجلس أمامه مباشرةً"ميس تاخدي حاجة حلوة تفطري بيها على المغرب وتخليني أنام قدامك؟"


اتسعت عيونها تسأله بضحكة مستنكرة"بترشيني ياعمير؟"

1


أرسل لها قبلة مرحة مع جملته"هي رشوة صغيرة، ما حضرتك ياميس بتشرحي كتير وأنا صايم ومفرهد."


_طب ما أنا صايمة بردو!

وجهة نظر ليرد عليها بفلسفة وهو يفكر"طب ما ممكن متشرحيش عشان متعطشيش وإحنا ننام؟ عشان كلنا نحافظ على صيامنا ونستريح."


"اشرحي ياميس".

تدخل محمد في الحديث ليلف الثاني رأسه يتوعده بغلٍ"وربنا لا هشفلط وشك."


_بس يافاشل.

سخر منه والثاني رد سخريته"أبقا فاشل أحسن ما أبقى فاطر".

4


تدخلت المعلمة تحدثه ببسمة بشوشة"ماشي يامحمد أنت وعمير، أنا هشرح أول حصة، والحصة التانية هترتاحوا ونقعد نتكلم في الدين شوية ماشي؟"


زفر بضيقٍ وهو يحدثها بقلة صبر

_طب ما ننام ياميس في التانية هو أي رغي وخلاص؟ دا أنا بحبك أوي ياميس.

نهى جملته يسبِّل لها بأهدابه الطويلة، هزت رأسها بيأسٍ من هذا الصبي لتسأله بنبرة مشابهة لنبرته_:

_مش عايز تسمعني سورة النبأ يا عمور؟ دا أنا بحبك أنت ومحمد لأنكم أكتر اتنين مهتمين بالدين وحفظ القرآن.


"طب ينفع طيب أسمعها دلوقتي ياميس؟ أنا والله بابا والشيخ عبدالرحمن بيحفظوني، أسمعها وأرجع ورا أنام."

يستعطفها؟ لم تهتم وهي تشير له أن يجلس"اقعد يا عمير، أنت خلصت نص الحصة أصلًا."


جلس وهو يزفر بتأفأف وبعد لحظات رجع يسألها ببسمة"ميس ينفع أنزل الحمام؟"


_نام ياعمير عقبال ما أروح أكلم ميس شيرين.

قالتها بقلة حيلة وهي تنهض، وهو تحدث بسعادة محرك يديه بانتعاش"يس! بحبك أوي."


نهضت ترمي جملتها لمحمد"اقف يامحمد على الفصل، وإللي هتكتبه هضربه عصيتين."


نهض يمسك قلم السبورة الخاص به مستعد لكتابة أي تلميذ سيتحدث، ولم يتحدث أحد يعلمون إن محمد ليس له عزيز ولا غالي وسيكتب صديقه إذا تحدث ما بالك هم؟


كتب عدة أسماء، ونهض له طفل في طوله نحيل، من الأطفال الشياطين في فصلهم، يسخِّف عليه، والثاني أخبره بنبرة مستفزة"مش هرد عليك، وهخلي الميس تضربك."


_وأنا لو كتبتني هضربك عادي.

تبارد عليه مثلما يتبارد، رمقه باستحقار ليغيظه مسح اسمه من فوق السبورة، ودفعه بحدة، ليرد له الدفعة، وعمير كان بالفعل سيغفى، لكنه سمع صوته، رفع عيونه الناعسة يقيم الموقف، قفز وفي الحال كان دفعه بعنفٍ مع صياحه"إيدك جانبك لا توحشك."

7


_وأنت مالك؟

نطقها بوقاحة ومحمد تدخل بالحديث يردد بحدة"أخويا، ارجع مكانك."


_متكتبش اسمي، محدش يكتب اسمي.

قالها بنبرة عالية وعمير استهان به ونظره يدور عليه"ليه وهو اسم رئيس الجمهورية عشان ميتكتبش؟ اسرح يابابا."


قالها وهو يدفعه بخفة ليرجع إلى مقعده، وزفر بقلة حيلة ورجعت نبرته هادئة"طيب بص لو سكتت والله هخليه يمسحك ماشي؟ خلاص إحنا كلنا صحاب."


في لحظة واحدة كان قذفه بالدفتر في وجهه، صُدم من فعلته لكن الثاني لم يفعل شيء سوى إنه في نفس اللحظة قذف الكشكول ومقلمته المفتوحة من النافذة المفتوحة مع كلماته"مشكلتك وقعت مع ابن أوس أوس، انزل هاتهم بقا."

3


رجع يجلس على مقعده وهو يوجه حديثه لمحمد المبتسم بشماتة"لو حد كلمك صحيني بس."

3


الجميع لم يتدخل، يحبون شخصية محمد وعمير، الاثنان مميزان، مميزان بالنسبة للمعلمين والطلاب، والفتيات، محبوبان لدرجة كبيرة.


"_______"


تفرك يديها ببعضهم بألمٍ، وضعت يدها فوق جدار بطنها وهي تتأوه بخفوت، سار بجانبها وهم عائدين يسألها بقلقٍ"فيكي شي ياحياة؟"


رفعت نظراتها المتألمة له تخبره بنبرة متعبة"بطني عم تموتني."


_من شو؟

سألها باستغراب، وهي هزت رأسها بجهلٍ، تحدث بسرعة"خلص رح نروح وتنامي."


سارت بصمتٍ وهو ربت على ذراعها بحنان وهو يردد بخفوت"ألف سلامة عليكي، يارب يشفيكي."

1


كان وجهها أصفر، وعيونها دامعة، وشعرها هائج على وجهها، بدأ بإرجاع شعرها وخصلاته للوراء بمنتهى اللطافة! مسح قطرات عرقها برقة وهو يردد"اسم الله عليكي ياحياتي، اسم الله عليكي".

4


رغم ألمها لكنها ابتسمت باستحياء بسبب كلماته المعسولة، طفل وطفلة لكنه يجعل قلبها يحبه! يتهاوى بسعادة، أمسك بيدها اليمنى وهو يسألها باهتمام"أوقفلك توكتوك؟"


ابتسمت وهي ترفض، تحدث بمرحٍ وهو يشاكسها"متقلقيش إنتِ إللي هتدفعي."


قلدت رودينا بحديثها الساخر"ياعيني على الرجالة، هتسيب البنت تدفع!"


_يخربيتك مصرية أصيلة!

قالها بضحكة عالية، وهي حركت منكبيها بمرحٍ"كلام ماما رودينا حفظاه كله!"


_بتقول أقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها، بس هي أرق طبعًا.

"هقول لبابا إنك بتعاكس ماما كل شوي، رح خليه يعلقك."


ضحك وهو يرفع يداه"أنا عم قول الحقيقة، بس للحق أنا بعاكسك إنتِ."


مراهق يحبها، حاولت إخفاء بسمتها،

وهو كان يترقب بسمتها الواسعة،

حياة بالنسبة له فتاته!

يحفظ تفاصيلها،

للتو خط أول خطوات المراهقة ووقع فيها،

وفي رقتها، بسمتها، كلماتها، عيونها، شعرها!

هي لوحة كاملة متكاملة!


رجعت إلى منزلها، ودخلت واضح عليها الإرهاق، قابلتها رودينا تسألها بتعجب"مالك يا حياتي؟"


_بطني عم توچعني شوي.

قالتها بانهاك وهي تدخل إلى المرحاض، دخلت وتأخرت لدقائق استنكرتها، خرجت بعد وقتٍ وواضح على وجهها آثار البكاء، ووجهها مخطوف اللون، وعيونها خائفة، استفهمت منها ببسمة"مالك ياحيُّوية؟"


توترت نظراتها واقتربت تقف أمامها تحدثها بتلجلج"ماما هقولك حاجة بس بالله عليكي صدقيني، وكمان متقوليش لبابا عشان ميزعقليش ولا يضربني."


"يضربك!"

نطقتها بتعجب، متى ضربها منقذ أو صاح عليها؟ حياة دلوعة الجميع، راقبت ملامحها الشاحبة وطمأنتها بكلماتها"بس خلاص متقلقيش، أنا مش هحكي لحد واللهِ، قولي في إيه؟ حد عملك حاجة في المدرسة؟"


نفت بسكون، ورجعت تسألها بتخمينٍ"جبتي درجة وحشة في الامتحان؟"


هطلت دموعها بصمتٍ وهي ترتجف من داخلها، ورددت بنبرة خافتة خائفة"ماما بترچاكي صدقيني، أنا ما بعرف شو صار، بس أنا كانت بطني بتوچعني و.."

لم تكمل بقية حديثها وبدأت بالبكاء بصوت عالي، سارعت بأخذها في أحضانها وهي تخبرها بلينٍ ممتزج بعطفها"بس ياحبيبتي، قوليلي في إيه وأنا هحل الموضوع واللهِ، مش أنا صحبتك وبتثقي فيا؟"


_أيوة بس معرفش دا إيه.

أجابتها وشهقاتها تتعالى، وهي مسدت على شعرها بهدوء"طيب احكيلي براحة في إيه ياقلب أمك."


_أنا بس بطني وجعتني وكان في...

علقت جملتها والثانية ابتسمت بسمة صغيرة وهي تضمها"بس خلاص، تعالي معايا."

1


أخذتها من يديها بتفهم، ومر عليهم دقائق تخبرها بابتسامة مشرقة"بس متخافيش ياحياتي، دي حاجة بتحصل لكل البنات إللي في سنك، إنتِ كدا رسميًا بقيتي آنسة بالغة والمفروض تفرحي دي حاجة حلوة بتيجي لكل البنات."


_يعني بابا وستي مش هيزعقوا؟

سألتها وخوفها مازال يجتاحها، والثانية نفت وهي تربت على شعرها"طالما مش بتعملي حاجة غلط يبقا عمر ما حد هيزعقلك، وبعدين إنتِ بس حافظي على جسمك ونفسك ومتبينيش الحاجة دي لأي حد لا من الرجالة حتى بابا منقذ وخالو إياد وأحمد، وأنا هعلمك تتصرفي إزاي تمام؟"


وافقت بطاعة وبسمتها صغيرة، ورجعت الثانية تحدثها بجدية"لازم تحافظي على نضافتك الشخصية ومتقلقيش أنا ههتم بيكي، وكمان مينفعش تصلي خالص الفترة بتاعتها، وكدا إنتِ فاطرة يعتبر عشان ربنا بيحبنا وعارف إننا بنتعب بسببها فمن رحمته بينا خفف عننا مشقة الصيام في عز التعب دا، وخفف عننا إننا نسجد ونركع وقتها، فدي رخصة، الصيام بنعوضه في أي وقت بعد رمضان الصلاة مش بنعوضها".


"هو أنا كدا هتحجب؟"

سألتها بابتسامة متهللة ورددت بسعادة"أنا عايزة ألبس خمار زيك".


مسدت على شعرها بمرحٍ"خمار مرة واحدة! ماشي ياحياتي، اللبسي الطرحة الأول وبعدين ربنا يكرمك بالخمار، بس بصي إنتِ طبعًا أقرب حد ليكي غيث، وأنا عارفة إنكم متربين مع بعض بس خلاص لا ينفع يلمسك ولا ينفع تتعاملي معاه بطريقتك دي، إنتِ مبقتيش طفلة، وهو كمان بقا شب مراهق، أنا عارفة إنك بتحبيه جدًا بس فعلًا لازم تعملي حدود عشان ربنا يحبك وكمان عشان حرام بقا كدا إنه يلمسك وكدا، فهماني ياماما؟"


"يعني أوقف كلام معاه؟"


"لاء طبعًا، غيث زي أخوكي، وبيحبك جدًا بس أقصد متخليهوش بعدين يتخطى حدوده معاكي، لازم يكون بينك وبين أي ولد حدود، اضحكي وهزري معاه وروحي مدرستكم بس أقصد لازم تكوني عارفة إنه شب وإنتِ آنسة فاهمة؟ يعني حرام لو هيقرب منك، يحضنك، لو لبستي الطرحة يشوف شعرك، كدا يعني."

3


شرحت لها الأمر، وتحدثت بحنانٍ وهي تمسك بيديها تدخلها غرفتها"نامي ياحبيبتي وأنا هعملك نعناع يهدي بطنك ماشي؟"


_طب مينفعش أقرأ قرآن؟

"اقري القرآن من تليفوني ياحبيبتي."


خرجت للخارج واتصلت لمنقذ تحدثه ببسمة"حياة بقت آنسة".

8


ارتسمت فورًا بسمته على ثغره وردد بسعادة"ماشاء الله، ربنا يبارك فيها وأشوفها أحلى عروسة، طيب فهمتيها؟"


_آه فهمتها كل حاجة، وبعمل ليها دلوقتي حاجة سخنة، متتصورش يامنقذ حسيت بإيه دلوقتي، حسيت إن بنتي الصغيرة إللي لسة كانت قد النونة بقت آنسة! ياقلبي بجد.

مشاعرها كثيرة مسيطرة عليها، تشعر إنها أمها التي تخطو معها خطوة خطوة في حياتها، الله يعوضها بها.

"______"


_ياماما عشان خاطري، والله نفسي أروح ياماما.

لحظة واحدة وستنهار دموعه تغرق وجهه، يتوسلها بحديثه الشبه باكي وهي تحدثت بجدية"لاء يامحمد كدا عيب واللهِ هزعل منك!"


سقطت دموعه يحدثها بنبرة باكية وهو يحاول أن يستعطفها"عشان خاطري ياماما نفسي أروح الاستاد مع ضي وزين ياماما، ياتيتة اتكلمي."


وجه حديثه قليل الحيلة لجدته، والثانية حدثتها بهدوء"ما توديه يازينب."


_لاء مش كل أما إياد يروح يتفسح ياخده.

نهت النقاش بكلماتها وهي مندمجة في عملها، وهو رجع يُلح عليها بكلماته"والله العظيم مش هعمل شقاوة إنتِ عارفة، وأنا عايز أروح."


رمقته بنظرات مشتعلة وهي تنهره بنبرة حادة"محمد كدا عيب، أنا قولت كلمة، اطلع اتفرج على الماتش مع أوس أوس، كدا عيب."


_مش عايز.

يعاقبها؟ انزوى في ركنٍ وأكمل بكاءه، وهي تركته مع كلماتها"براحتك عيط، مش معنى إنك هتعيط إني هعمل إللي عايزه."


_إنتِ مش بتوديني الحتت إللي بيودوني ليها، ومش بتخرجي أصلًا غير عند ماما رودنيا، هما بيحبوني أخرج معاهم.

قالها بنبرة عالية من وسط نوبة البكاء المسيطرة عليه، صمتت ولم ترد وسارعت جدته تجلس بجانبه تستميله"خلاص واللهِ ليك عليا بعد الفطار هاخدك ونروح أي حتة عايزها ماشي؟"


هز رأسه برفض وهو يهتف بنبرة حزينة"مش عايز خلاص."


ابتعد عنها وصعد إلى صديقه، فتح له الباب يخبره بتحمس"هتروح الاستاد؟"


"ماما مش موافقة."

قالها ودموعه تهبط، دخل إلى المنزل وصديقه ربت عليه مع جملته"معلش هي ممكن خايفة عليك."


"هي بتقول إني مش هروح كل حتة مع عمتو سما وعمو إياد، بس هما بيحبوني، وأنا بحب ضي وزين."

قالها بشهقات متقطعة، اقتربت منه بوسيلة تحدثه بنبرة حنونة"متزعلش يامحمد بس ماما محروجة منهم، هي مش عايزة حد يتحمل مسؤوليتك، أنت راجل وكبير وأكيد مش عايز تزعل ماما".


_بس هي بتبعتني مع ماما رودنيا.

تنهدت بقلة حيلة وهي تخبره ببساطة"لأن ماما رودينا محتاجة تحس بالإحساس دا، لكن إياد فهي مش عايزة تحسسه إنك ملزوم منه، متزعلش ماما يامحمد."


سمعت صوت الباب يدق، اتجهت تفتحه، دخل أوس أوس يحدثها بمرحٍ"ماشاء الله بتحلوي على الصيام؟"


_والله أنت فايق، ادخل شوف ابن صاحبك هاري نفسه عياط.


دخل له ليجد ابنه صاحب العام والنصف يجلس يلعب بالألعاب وهو في عالم ثاني وعندما رأه تحدث بلهجته الغير مفهومة"بب..بو.."


في لحظات نشله بين ذراعه يحدثه بحبٍ"بب إيه؟ قول أوس أوس."

حدثه بمرحٍ، وجلس بجانب محمد الحزين يسأله بجدية"مالك؟"


_ماما مش عايزة توديني الاستاد مع عمتو سما.

_ودا مبرر إنك تعيط؟ مش ماما ليها أسبابها؟

عاتبه بكلماته وهو تحدث بعدم تحمل"هي كل حاجة بتقول مينفعش نحمل على الناس، عيب تتقل عليهم، متعملش، متطلعش أنا زهقت بجد، أنا لو كان بابا عايش كنت عملت معاه كل دا!"

8


ترك ابنه الصغير وضم الثاني يسأله بنبرة لائمة ونظراته حزينة"طب وليه الكلام إللي يزعل دا؟ شكلك عايز ماما تعيط منك صح؟"


نفى بسرعة وهو يردد بنبرة مختنقة"أنا مقصدش بس هي زعلتني."


_يامحمد أنا مش متعود عليك كدا، بلاش تشبط في أي حاجة، وبعدين الفطار هناك والاستاد وكل دا حاجات غالية وهي واثقة إنه مش هياخد سعرهم، وهي قالت كلمة مينفعش تعيط عشان تنفذ كلامك.


معه كامل الحق ضم شفتيه بشرودٍ وعمير حدثه بحنانٍ وهو يجفف دموعه"متزعلش، بس في التلفزيون أحلى صدقني."


حمله أوس أوس يحدثه ببسمة مشاكسة"حيث كدا بقا تعالى ننزل نصالح ماما."


هبط معه، ودق على الباب، فتحت له والدتها حدثها بجدية"محمد جي خلاص يصالح أمه."


وجه حديثه لمحمد"يلا ادخل راضيها".


اقترب من والدته يضمها بقوة مع كلماته"أنا آسف ياماما، حقك عليا."


_خلاص يامحمد ماشي، حصل خير.

ربتت على رأسه بحنو، ونهضت تخبر أوس أوس ببسمة"بعمل جلاش، هبعت لبوسيلة منه".


"تسلم إيدك واللهِ، هتقعد ياعمير ولا هتطلع؟"

_هقعد.

جلس بجانب رفيقه يحدثه بحنانٍ طاغي عليه"أنا هتفرج معاك على الماتش، مش أنت بتحبني؟ ولا بتحب ست ضي وزين أكتر مني؟"


_بحبكم كلكم واللهِ، أوريك الصور إللي اتصورناها امبارح؟

نهض بتحمس يبحث عن هاتف والدته، أمسك به ووضع بصمته يفتح الهاتف، بدأ بفتح صورهم مع بعضهم، والثاني ردد بضيق"نفسي أوي أقابلهم، بس بابا مش بيوافق."


"هما بيجوا لينا بردو وأنت مش بتنزل."

قالها بخيبة أمل والثاني اخبره بخفوت"عشان بابا مش بيوافق وبيزعقلي، وكمان ماما مرة اتخانقت مع بابا عشان نرجع بيتنا التاني عشان عمتك دايمًا بتجيلكم."


استغرب حديثه ليتحدث ببساطة"بس عمتو طيبة جدًا، أكيد هتحبك لو اتعاملت معاها."


_أنا نفسي أشوف صحابك، وكمان بابا بينزلني لما طنط رودينا تيجي هنا، وماما عادي مش بتتخانق مع بابا.


كأنه طلبها وأتت له في نفس الثانية! دق الباب ومحمد نهض يفتح، صاح بسعادة وهو يركض يضم زين بعدما رأى عمته وأولادها"زين!"


انتبه لهم عمير، ورمق سما والدتهم بنظرات مندهشة، لأول مرة يراها في الحقيقة، سيدة نحيلة بيضاء، أنيقة لدرجة كبيرة، تتحدث بمنتهى الرقة، ملابسها واضح عليها الثراء، عكس والدته تمامًا التي ترتدي عباءة سوداء ونقاب أسود، ولا يظهر منها شيء، هي الأخرى ترتدي وشاح طويل لكنها جميلة للغاية!


انتبه لحديث محمد"دا عمير صاحبي، ودا زين ودي ضي."


اقترب زين يمد يديه له ببسمة واسعة مع كلماته"محمد بيحكي عنك."


_أنا كنت عايز أشوفكم جدًا!

قالها بدهشة وصافحه بحماسة، توجهت أنظاره فورًا لضي، تلك الفتاة التي تقيمه، وهو الآخر قيمها، فتاة بوجنتين منتفختين بحمرة، بشرة بيضاء، شعر بني منسدل على عيونها بطريقة مهندمة، قصيرة القامة إن وقف بجانبها سيكون أطول بكثير، عيون بنية مُنيرة في الشمس، ترتدي تنورة قصيرة من اللون الوردي، وأسفلها جوارب بيضاء طويلة يخرج منها فيونكات لطيفة، وبلوزة بيضاء بنصف ذراع فوقها معطف نفس لون التنورة، ملكة الموضة إن حق اللفظ ولم يظلمها!

11


وهي قيمته بنظراتها، بشرة سمراء، شعر أسود مجعد، عيون قريبة من البني المحروق، قامة طويلة، وينظر لها، لا ويوجه الحديث لها الآن_:

_إزيك؟


كانت مغرورة بالنسبة له لترد عليه بكلمة، واكتفت بهزة رأس وركضت على زينب تلح عليها"خالتو زينب please خليه يجي معانا، عشان أكون Happy، واللهِ أنا هعيط لو قولتي لاء تاني."

1


_ياضي ما صدقت سكت، واللهِ يا سما ما ينفع بقا متضغطيش عليا.


وسما لم تهتم ورمت كلماتها لمحمد بعدما استدارت له"يلا يامحمد ادخل اللبس".


ورمقت الطفل بنظرات مستغربة تسألها بتعجب"مين دا؟"


_دا عمير.

أجابتها بتردد، وسما حدقت به أكثر، نسخة منه في الطفولة، هزت رأسها بصمتٍ وسألتها بانتباه"هو هيستقر هنا؟"


_والله ما عارفة هو بقاله سنة أهو مستقر هنا وكمان عمير عشان صاحب محمد من زمان فمحمد فرحان بيه، بس معرفش صراحة ليه رجع تاني يستقر هنا.


وجدته يشير لها بمرحٍ بعدما أطالت النظر به، ويجلس مع ابنها! اقتربت من زين تسحب يده ليقف بجانبها مع جملته"اقف جنبي متكلمش أي حد".

6


_يا ماما دا صاحب محمد وعلى اسم خالو عمير.

برر لها والثانية نهرته بحدة"متكلمش أي حد متعرفوش، خليك زي أختك ضي".


"ضي بنوتة أنا ولد وهو ولد."قالها بامتعاض، وعمير فهم إنه غير مرغوب به، نهض يحدث زينب"هطلع لماما ياطنط."

4


"ماشي ياحبيبي وأنا هطلع لأمك بالحلويات."

قالتها ببسمة محرجة، لكن محمد أمسكه يخبره بتذمر"لسة مقعدتش مع زين."


_بعدين بعدين.

قالها وركض يصعد إلى منزله، وزينب حدثتها بخجلٍ"دا ولد محترم أوي ياسما صدقيني."


"كدا كدا ميفرقليش، الحمدلله إن ربنا نقذني منه وعوضني بسيد الرجالة إياد، يلا يامودي ادخل اللبس وملكش دعوة بأمك."


وقف الصغير يسألها بنظرات مترددة"زعلانة ياماما؟"


نفت في الحال بحنان"لاء ياقلب ماما المهم تتبسط، متتشقاش بس."


كان في أوجَّ حماسه، وأخذ يرتدي ملابسه بسرعة، خرج يقفز على أقدام جدته ويمرِّغها في قبله مع كلماته"فطار جميل من غيري ياتيتة."


_دا هيبقا أوحش فطار من غيرك يامحمد، أنت روح البيت.

جملة نابعة من داخلها وهي تطبع قبلة على جبينه، وهو حدثها بحنان"أول وآخر مرة ماشي؟"


حركت رأسها بموافقة وهي تعلم إنه سيوفي بحديثه ولن يكررها، وابتعد عنها يضم والدته مخبرها ببسمة"ابقي كلي ياماما اللحمة بتاعتي."


_هشيلها في التلاجة.

قالتها وهو ذهب معهم، كان متحمس، سعيد، يشعر بكتلة نشاط هبطت فوقه، استقل سيارة زوج عمته، وعمته بجانب زوجها، وهم بالخلف، وصلوا بعد وقتٍ إلى الإستاد، وجميعهم يرتدون ملابس الكرة بلون فريقهم المفضل، اللون الأحمر، اقتنى لهم الأعلام، وظلوا يهتفون باسم فريقهم، جاء موعد الفطور وجلسوا بالمطعم، سألهم إياد بهدوء_:

_عايزين تفطروا إيه؟


_بوبي أنا عايزة أفطر ستيك.

رمى نظرة مشمئزة عليها مع زفرته القوية"ما بلاش قرف على الأكل بقا! هو أنا هلاقيها من أمك ولا منك بأكلكم دا! إنتِ اسكتي، ناقص نفطر لحمة نية على الصبح."


وجه حديثه لمحمد وزين"أنتم عايزين إيه؟"


_أنا يابابا عايز أفطر بيتزا.

شعر محمد بالحرج وهز رأسه باستحياء"أي حاجة عادي."

7


_شوفي ياسما هتطلبي إيه وخلصوا.

_خلاص ممكن نطلب أكل سهل ياكلوه، نطلب بيتزا.


هز رأسه بموافقة، وتركها تطلب ما تريد، بدأ يصورهم حتى لا ينسون تلك الذكريات، وبمحض الصدفة سجَّل أجمل مشهد أخوي ممكن أن يراه، زين الذي استيقظ في صباح باكر يستعد للنزهة التي لن تتكرر إلا بعد مدة يغمض عيونه ويفتحها وهو مستعد للنوم، والثاني جلس بجانبه يضمه واضع رأسه على قفصه الصدري، وضمه بيده وهو يربت على ذراعه مع كلماته_:

_نام يازيزو عقبال ما الأكل يجي.


استسلم وهو ينام بين أحضانه مطمئن، والثاني أخذ يردد كما تردد والدته معه"نوم الهنا."


تدخلت ضي تحدثه بسخط"مينفعش ينام كدا مش هيعرف يصحى."

1


وضع يده الثانية على فمها مع تحذيره الخافت"سبيه ينام، أنا هصحيه."


_بابي محمد بيدلع زين.

وجهت حديثها لوالدها بامتعاض، لا يعجبها هذا الدلال المبالغ به، والثانية حدثتها ببسمة صغيرة"سبيه نايم ياضي، هو صاحي من بدري، لسة ناقص على المغرب ساعة ياحبيبتي."


شردت سما للحظات، وتذكرت آخر لقاء لها مع عمير قبل وفاته، تحمد ربها إنهم تصافوا قبل أن يموت، يموت وتعيش هي بذنبه!


"يا إياد أنا بحبها، مش عايز أبقا أنا وهي بنكره بعض، هي ملهاش غيري!"

كان صادق عمير وهو يقولها، وإياد تفهمه بكلماته"وأنا عارف واللهِ ياعمير، وأنا بقولك أهو سما بتحبك جدًا بس هي خايفة، متزعلش منها هو واللهِ ما سهل عليها كل دا ياعمير."


هز رأسه بتفهم وصمت وإياد رجع يكمل ببسمة أخوية"سما مستنياك ياعمير، سما مش وحشة ولا غبية، أنت لو فتحتلها دراعك تاخدها في حضنك أقسملك بالله هتجري عليك تحضنك".


رمقه كثيرًا والثاني بادله النظرات بثقة، ونهض يخبره بجدية"تعالى معايا، المرة دي مش هتخرج غير وأنتم متصافين."


طاوعه وهو يعلم إنه لن يندم، وصل أمام بيتهم، وإياد كان اتصل يخبرها من قبل، خرجت تفتح لهم ببسمة متحفزة، وعمير وقف صامت، وهي مثله مخروسة، لم يجد وسيلة إلا إنه يفتح ذراعيه يخبرها بقلة حيلة"يمكن عتابنا أو كلامنا لا هيقدم ولا هيأخر، تعالى لحضن أخوكي."

1


تصنمت في مكانها، وفي الحال زاغت نظرها لإياد ليهز رأسه بتشجيع، اقترب منه بتردد لكن شعرت به يسحبها إلى أحضانه، يطوقها بقوة مع كلماته"أنا آسفة، واللهِ ما بقا ليا غيرك."


سالت دموعها بسكون، ورفعت يدها تطوقه، تبادله العناق، وفي لحظات انفجرت في البكاء تبرر له بخجلٍ"ياربي ياعمير حقك عليا واللهِ، أنا آسفة بجد أنا طول الفترة دي مكنتش فهماك كنت مرعوبة وخايفة منك وفي نفس الوقت حاسة بالذنب، أنا آسفة ياعمير."


نهى ذلك النقاش المتعب بكلماته"خلاص ياسما، حصل إللي حصل، بلاش نفتح في وجعنا، إنتِ أختي الصغيرة وأنا واللهِ مستحيل أأذيكي، مبروك الحمل ياسمسمة، هتبقي أحلى أم."


خرجت من أحضانه تخبره ببسمة واسعة ومشاعرها مضطربة"وأنت كمان أحسن أب واللهِ، أنا روحت لابنك أول يوم ولادة والله العظيم."


_متسيبهوش ياسما، إنتِ عمته وهو مش هيبقى عنده غيرك، خلي بالك عليه وعامليه كإنه ابنك، أنا عايزه يكون بيحبك، إنتِ الكل بيحبك، وواثق إنك عمرك ما هتبخلي عليه بحبك ياسما.

2


جملة مبهمة لم تكن تفهمها ولكن عندما قُتِل فهمتها، كان يوصيها على ابنه، ابنه التي احتضنته وعاملته كابن ثالث لها، لم يصبح لديها أحد، عائلتها الكبيرة جميعها قُتِلت!


حتى والدها حُكِم عليه بالمؤبَّد، لكن لم يكن للمؤبد أن يطول، إذ توفاه الله بعد عامين فقط، وكأن العدل الإلهي سبق الحكم البشري.

أما تلك العصابة التي كان يعمل معها عمير، فقد انهارت، نصفهم هربوا كالجبناء، والنصف الآخر قُبض عليهم، الأهم أن عبدالوهاب، الرأس المدبر، سقط أخيرًا، وحُكِم عليه بالإعدام بعد أن ثبُتت عليه جرائم قتل مروّعة.

أما سيلا، قاتلة شقيقها، فقد كانت نهايتها مأساوية هي الأخرى. قُبض عليها، وبعد سنة ونصف من المحاكمة، طُبّق عليها حكم الإعدام. في لحظاتها الأخيرة، لم يبقَ سوى صدى أخطائها يُلاحقها، وصمتٌ يحيط بها بينما تواجه مصيرها، ومَن قتل يُقتل ولو بعد حين.

3


لكن أتريد رؤية المشهد؟

1


وقفت أمامها وملامحها كارهة، والثانية بادلتها بملامح ساخرة، وقبل أن تتحدث تلك الكارهة كانت تحدثت هي بسخريتها"جاية يعني تشوفيني وأنا بالجلابية البيضة؟"


_عقبال ما أشوفك بالحمرا، ياقتالة القتلة، قتلتيه ليه! عشان مكنش عايز يكون وسخ زيكم؟

نطقتها بكرهٍ واضح، وملامحها شرسة والثانية تحدثت بخبثٍ"مش حلو خالص بعد كل المرمطة إللي مرمطها ليكي وتكوني زعلانة عليه! دا مسح بيكي وبكرامتك الأرض، والله عيب عليكي كـ ست، جوزك كان كل يوم بينام في حضني! سلم نفسه ليا، كان رميكي، فإنتِ مالك؟"

1


"لو فاكرة إن الكلمتين دول هيزعلوني ويخلوني أكرهه فتبقي غلطانة أنا عمير جه واعتذرلي عن كل دا، قبل ما يموت مات في حضني ووهو قايل الشهادة، فأنا ياستي وهو حرين، أما إنتِ فهتتعدمي."

قالتها بثقة والثانية رنت ضحكتها تخبرها بخفوت خبيث"تؤ، بتحلمي، أنا خارجة خارجة، وإن كان هما قبضوا علينا وإحنا مكناش مستعدين فكلها كام يوم وهنطير برا مصر."

10


ابتسمت باستهانة ورغم كرهها له لكنها تحدثت بنبرة قوية"مشكلتك إنك مش مصدقة إنكم انتهيتوا خلاص، نتقابل في الجلسة لما القاضي يحكم بالإعدام، ولو محكمش فمتقلقيش مَن قتل يُقتل ولو بعد حين يا قاتلة."


في يوم المحاكمة كانت خائفة مرتبكة، تناجي ربها برعبٍ أن يقتص له، ربها يعلم إنه حاول أن يصلح كل هذا ونجح، سلَّم رأس الفساد، نعم لن ينتهي الفساد لكنه حاول، سيظهر فاسدين جُدد لكنه كان مع القانون وفعل ما يمليه عليه ضميره بعدما ألمه!


والله لم يخيب ظنها وجلسة والثانية وكان نطق صراحةً"حكمت المحكمة حضوريًا بإحالة أوراق المتهمة بالإعدام شنقًا".


ثانية ثالثة وتنفست بارتياح! وصوت زغاريدها كان يعلو، ودموعها على وجهها تغرقها، جاء النصر! وقفت ترمقخا بشماتة، ونظراتها كانت قوية وهي تهتف بتشفٍ"سبحان الله! ربك عادل مش بيظلم حد، ولو إنتِ في يوم قهرتيني فأنا نظرتك دي ونظرة خوفك نستني يعني إيه حزن وإيه حصل في حياتي."


ووقفت تشكر المحامي العظيم بدموعها_:

_بجد شكرًا باشيخ عبدالرحمن لولاك كان عمير وحقه ضاعوا!


_عمير كان بطل يامدام سيلا، عمير اتغلب على كل حاجة، ضحى بنفسه، بس هو في مكان أحسن، عمير كان موصيني عليكي، وأنا هنا أخوكي، وحق محمد محفوظ، والأملاك وال...

كان يتحدث ببسمة سعيدة، وهي قاطعته بجدية"كل الأملاك والحوارات دي كلها فهي بتاعت شياطين فعشان كدا أنا هتبرع بيهم كلهم، مش عايزة حاجة، عايزة أنا وابني نعيش في أمان وبس."


"______"


صعد عمير إلى والده، وأخبره ببسمة"محمد هيروح الاستاد، جت عمته وخدته."


كمم فمه في الحال وهو يردد بخفوت"متجبش طب سيرة عمته بدل ما أمك تطلقني انهاردة."


_هو أنت تعرفها؟

سألها بفضولٍ لينفي في الحال"لاء لاء عمري".


ابتسم يخبره بتنهيدة مرحة"دي عندها بت مغرورة أوي قولتلها إزيك مردتش، مغرورة بس مزة كدا."


اتسعت عيونه وهو يضحك بقوة يسأله باستنكار"يخربيت شكلك! عرفت الكلمة دي منين؟؟"


_ما أنت دايمًا بتقول لماما يامزة، أنت هتعمل شيخ أوي!

طفل هذا أم.. ابنه بالفعل! زفر يحدثه بخفوت"طب متقولش كلمة مزة دي قدام أمك بدل ما تطردني وتقولي فسدت أخلاقك".


غمزه بشقاوة وهو يردد"متقلقش مش هقول قدام حد كلمة مزة غيرك."


لسوء حظه سمعته! ورددت بحدة وهي تنظر له بعدما خرجت للتو من المطبخ"عمير أنت قولت مزة!"


سارع أوس أوس يضع يده على فمه محدثها بنفي سريع"مزة إيه بس! بيقولك وزة، الواد عايز يربي وزة في السطح."


_أوس أوس أنا سمعاه قال مزة!

_ياستي لاء، قال هيربي وزة مزة، إنتِ نضفي ودنك بقا، صح ياض؟

غمزه في ذراعه ليتحدث بخوفٍ"آه قولت وزة".


_متعلمش ابنك الكدب أنت قدوة ليه، أديني بقولك.

رمت تحذيرها ودخلت مرة ثانية، والثاني زفر بارتياح مع جملته"ينهار أبيض! بعد كدا تخرس خالص!"


ودنى قبلته يردد بصوت خفيض"وياريت تنسى بنت عمة محمد لأن صدقني الوضع مش هيبقى كويس لا من أمك ولا من أبوها وأمها، فلم الدور ياخليفتي المهببة، وإلا أقسم بالله هقول للشيخ عبدالرحمن إنك سايب الحفظ وقاعد تتكلم على البنات."

5


شهق برعبٍ حقيقي وركض يبحث عن كشكول حفظه يحدثه بخوفٍ"ينهار أبيض، دا الشيخ هيقطعني حتت حتت دا أنا محفظتش سورة النازعات إللي إدهاني! ينهار أبيض، كله بسببك واللهِ."

2


ضحك بقوة على مظهره وردد بنبرة عالية"يا ابن ال*** أنا إللي أبوك مش هو، خاف مني أنا!"


_ياعم سبني الراجل حالف لو محفظتهاش ليخليني أكتبها ستة وأربعين مرة

1


لحظات وسيبدأ وصلة بكاء، من قبل كتب سورة النبأ كلها أربعين مرة عدد أياتها! أسبوع كامل يكتب فيها لدرجة إن يده كانت ستقف! يبكي ويكتب، هذا جزاؤه لإنه ظل أسبوعين كاملين يتلكع في حفظها! أما محمد فكان منتظم ويحفظ عدد الآيات المطلوب وكافئه بعدما حفظها كاملة.


والثاني شرد في سما، نساها تمامًا، جميعهم التهوا، هي تزوجت وانجبت وهو كذلك، آخر مرة رأها كان يوم عذاء عمير، كانت تبكي بأحضان زوجها، وزوجها كان يعوضها عن العالم كله، كان يحتويها، لم يتركها لحزنها، وبعدما جاء لتلك البناية مرة أخرى لم يراها ولا مرة رغم إنها تتردد أحيانًا على زينب، حتى يمنع ابنه من الهبوط وهي موجودة، لا يريد أي صلة بينهم، هو فقط استراح بعدما رأى زوجها، وحياتها، حياتها أصبحت رائعة! معها أسرة هادئة وزوج أحن منه لم يرى!


"_____"


_دا إيه؟

سألته بحاجبين معقودين وهي تراه يضع أمامها اختبار حمل! وهو أجابها بمنتهى البساطة"اختبار حمل، هتدخلي تعمليه زي الشاطرة."


زفرت بانفعالٍ وحاولت السيطرة على عصبيتها وهي تحدثه بنبرة منفعلة"أنا مش بحب الاستبداد والتحكم يامنقذ؟"


_ماشي ولا أنا، ادخلي اعمليه بقا.

يتبارد؟ هو بالفعل بارد، وهي جاءت لتقذفه بعصبية لكنه لحقه وحدثها بنبرة جامدة"رودينا إنتِ لو مدخلتيش عملتي الاختبار هيبقا بزعل جامد جدًا".


_بلاش تجرحني يامنقذ، أنا وأنت عارفين إن مستحيل، منفعش وأنا متابعة مع دكاترة هينفع وأنا مش متابعة؟

سألته بنبرة متعبة وهو اخبرها بلا مبالاة"في داهية الدكاترة، في ربنا بيقبل الدعاء صح ولا غلط؟"


أخذته منه بقلة حيلة وهي تردد"تمام هعمله بس أنا والله المرة دي هتجرح جدًا يامنقذ."


كان سيتراجع لكنه صمت وأشار لها على المرحاض، تنهدت باختناق، وأمسكت بدموعها، اختفت في المرحاض، وخرجت بعد وقتٍ ترميه أمامه بلا مبالاة"فاشل كالعادة، قولتلك بلاش تتعشم."


أغمض عيونه بقوة أثر جملتها، وتألم من داخله، يريد أن يكون أب! أمسك بالاختبار بوهنٍ يرمقه بعدم اهتمام وقبل أن يتنهد كان صاح بصدمة"بس هو عامل شرطتين! يعني في حمل!"


لم تنظر له من الأساس خرجت ترميه له ولم تكلف حالها النظر له! التفتت له بصدمة ونشلته من يده بتعجب"شرطتين!"


تأكدت كلمتها بعدما رأت العلامتين الحمراوين! شهقت بعدم تصديق ويديها أخذت ترتجف! تلجلجت وهي تسأله بصوت خائف"هو دا بجد؟ بجد ولا في حاجة غلط؟"


_بجد يارودينا، ربنا استجاب دعائنا.

قالها وهي بدأت بالبكاء تحدق بالاختبار وقلبها يرجف، وهو تحدث بسرعة"تعالى ننزل نحلل في المعمل".


انتابها الخوف، تخشى بعدما تأملت أن يكون كاذب! والمعمل يصدمها! لتتحدث بتراجع"لاء لاء بلاش المعمل هيقول مفيش حمل."


_كفاية خوف بقا! حالًا تلبسي.


نهضت ترتدي ملابسها وهي ترتجف، ووصلت إلى المعمل، أعطت الطبيبة الاختبار لتحدثها ببسمة سعيدة"مبروك حامل، بس طالما عايزة تتأكدي هنعملك التحليل."


_يادكتورة أنا بقالي تمن سنين مش بحمل.

صوتها مهتز، وحدثتها الثانية ببسمة حنونة"يامدام طول مافي ربنا يبقا مفيش مستحيل، احمدي ربك، تعالي حللي، واعتمدي الاختبار دا وافرحي عقبال ما النتيجة تظهر بعد يومين."

2


كلمات تربت على قلبها، تُجبر بخاطرها المهشم منذ زمن! تجعلها تستشعر كلمات ربها﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

ربها جبر قلبها؟ هل يعقل بعد كل تلك المدة؟ لم تصدق حالها وبعد يومين كانت أمسكت بالأوراق بين يديها ودموعها تنهار على خديها، تبكي بقوة وتلك المرة فرحة، شوق وانتظار، تنتظر مولودها بفارغ الصبر، الله رضاها، عوضها، جزاها خيرًا! الله عادل، الله رحيم! سبحانك يا ربَّ! سبحانك عظيم!!


_مش قولتلك؟ قولتلك ربنا هيعوضك ويراضيكي، قولتلك إن اصبري واحتسبي، وإن ربنا هيرزقك عشان إللي بتعمليه مع حياة وغيرها، قولتلك يارودينا اصبري.

كان يقولها منقذ برضاء تام، وهي ضمته بقوة تبكي بين أحضانه تخبره بنبرة متلجلجة_:

_لو هشكر حد هيكون أنت يامنقذ، أنت يامنقذ استحملتني ووقفت جنبي ومسبتنيش، ومزعلتنيش أبدًا، أنل مش عارفة أشكرك إزاي!!


من قبل طرحت على حالها سؤال"ماذا إن كانت لم تتزوج من سامر؟" ويومها جهلت الإجابة وقالت ستنجب وتعيش حياة سعيدة، أما الآن رجعت تكرر على رأسها نفس السؤال؛ ماذا إن كانت لم تتزوج سامر؟

كانت لن تتزوج بمنقذ! منقذ الذي أنقذها من كل هذا! منقذ الحنون لن تقابله! ستتزوج من معاذ الذي في أول موقف رآها رخيصة وقحة خائنة، لم تكن ستقابل المنقذ الذي رآها أفضل نساء الأرض! كانت ستكون غبية تجهل معنى الحب والحنان! كانت ستفقد منقذ ولن تمتلك قلب كقلبه!

3


"______"


_ماما رودينا ينفع أشيل النونة؟

نطقها محمد بتهذيب، وهو يمد يديه، وهي في الحال وضعتها بين ذراعيه تحكمهم عليه مع كلماتها"مراتك دي ها."


_لما تكبر هتجوزيها ليا؟ هتوافقي عليا؟

قالها وهو يقبلها بلين شديد من أرنبة أنفها، وهي في الحال رددت بنبرة سعيدة"محمد لـ"ياسمين"أكيد، أنا مأطولش!"

1


حملها بحبٍ وهو معجب بجمالها الرقيق ورائحتها الطفولية، واقترب منه زين يرمقها بنظرات مدهوشة مع كلماته"صغنونة جدًا!"


_شبه كدا العروسة اللعبة.

قالها محمد في الحال ببسمة، وزين اخبره بنبرة هائمة"عاملة زي القمر."


تدخلت ضي تخبره بسعادة"عايزة أشيلها".


_إنتِ نونة زيها مينفعش تشيليها.

رماها محمد بنبرة قوية، وهي رمقته بصدمة لتعترض بجملتها"أنا بنوتة كبيرة".


_لاء إنتِ نونة.

يصمم وهي تصمم ويبدأ الشجار لتنشلها من بين يديهم مع مرحها"معلش آخد أختي الوحيدة عشان كلكم نونات."


أخذتها منهم حياة، واتجهت تقف بجانب غيث تخبره بابتسامة"عسولة صح؟"


_أنا فرحان إن طنط رودينا خلفت.

_ماما فرحانة جدًا والكل فرحان.

قالتها بسعادة وهي ترى دموع والدتها العالقة والجميع يضمها.


ورودينا ارتمت في أحضان والدها تخبره بمشاعرها"كنت خايفة يابابا أعيش طول العمر كدا، كنت خايفة."


_وأهو ربنا مسابكيش كدا، رضاكي وفرح قلبك، نعمل إيه؟ نطلع صدقه ونشكر ربنا دايمًا، ونعرف إن ربك جبر بخاطرك.

قالها بحكمته، وهي استمعت لحديثه وهي بين أحضانه، وبعد موجة المباركات كان أخوها نشلها من بين كل هذا في جلسة هادئة من جلساتهم يخبرها بهدوء وبسمته تزين ثغره_:

_فاكرة لما قولتلك منقذ الوحيد إللي هينفعلك؟ كنت عارف إن باله طويل، وقلبه هيحتويكي، كنت عارف وواثق في كرم ربنا إنك هتحملي، كنت بقولك اصبري وأنا واثق إن ربك مش هيخذلك.

1


"يا إياد منغيرك أنت أو منقذ أنا مكنتش هكمل! لولا وجودكم مكنتش هبقا هنا! أنا هعيش طول عمري ممتنة ليكم."


وأخيرًا رحل الجميع إلا من أحمد وزوجته رها، اقتربت رها تضمها بقوة مع كلماتها المشجعة كعادتها"قولتلك رح تخافي بنت قمر".


وتابعت بمرحها وهي تدفعه بخفة"بس إنتِ واطية وما سمتيها رها! والله اسمي اكتير بيچنن خسرتيه! من حلاوته رح اسميه لبنتي ياللي رح أحمل فيها."


_يا أحمد لم نفسك، مصر مو لاقية تاكل وأنت بدك مرتك تحمل بالخامس! ياحبيبي رح تطردوا برا البلد هيك!

سخر منه منقذ والثاني تحدث بسرعة"والله مو عملت شي هاي مچنونة تقول متل ما بتقول، مافي عيال تاني، عندها ياسمين ممكن تلعب بيها متل ما رودينا كانت بتلعب بچود."

1


وأخيرًا بعد وقتٍ رحل الجميع، وبقيت رودينا مع ابنتها وزوجها بغرفتهم، ترمق طفلتها صاحبة الأسبوع، تسمي الله كل ثانية، ياسمين، نوع زهور، بداية قصة حبها لمنقذ كانت بسبب الزهور! وتحديدًا زهرة الياسمين حينما أهداها لها عندما هي طلبتها منه!


وهو وضع أمامها صندوق هدية مغلف، واخبرها بهدوء"افتحيه".


فتحته بحماس لتخرج منه برواز شفاف استغربته في البداية لكن فتحت عيونها بتعجب عندما رأت اختبار حملها صاحب العلامتين ومدون أسفله اسم ياسمين بالزخرفة!! وعالق به جواب غرامي!


_افتحيه يلا يامرتي الحلوة!

ضحكت وهي تفتحه، وهووابتسم لها بسمته الجميلة؛ ليسقط تماسكها وقلبها معًا، وجملته المحفزة لها شجعتها أكثر، وضحكت ضحكة خجولة تزين وجهها، وخفضت بنظرها إلى الأرضية تسيطر على ضحكاتها، شابكة يديها الاثنين ببعضهم، وبدأت تقرأ الإهداء المزخرف بحرفة_:

_إلى مَن جعلت لاسمي معنى حقيقي، ومذاق بنكهة مختلفة، مَن جعلت الاسم يُطبق على أرض الواقع، ونادته بمـنقذها وقالت له يا مَن أنقذت القلب قبل الجسد، وسألته كيف ظهر لها؟ بعدما كانت التعاسة طريقها وبعدما دخل حياتها الفرحة حُفرت على وجهها، وسطر أول سطر في حكايتها، وأقسم ألا يحزنها، المؤنسات الغاليات لا يعاملوا إلا معاملة الملكات، إهداء إلى مَن عرفتُ ذاتي بسببها

مُنقذ مُنقذكِ.

2


"_____"


_وربنا إنتِ ولية قرشانة، أنا غلطان إني بهزر معاكي.

صرخ بها بحنقٍ وهي شهقت له برداءة مع كلماتها"أنا إللي قرشانة؟ ولا أنت إللي مشوفتش تربية! صحيح واحد خاين وبصباص".


شهق هو الآخر باستهجان مردد كلماتها"أنا!"


_آه أنت مش قبل ما اتخطب ليك كنت كل ثانية والتانية تقعد تعاكس فيا؟ يبقا كنت بتعاكس في بقيت البنات.

ندى! آه منها، ضرب وجهه بغيظٍ وهو يهتف بعدم تصديق"يابنتي حلفتلك الماية تجمد إن كنت بعمل معاكي كدا بس عشان وقعت لشوشتي مش مصدقاني، عملتي خطوبة تلات سنين يامفترية وسكتت، لكن كمان بعد تلات سنين جواز مش مصدقة! وربنا هموتك في إيدي!"


يصيح بنبرة عالية سيجن منها، وهي رفعت حاجبها الأيمن تحدثه بسخرية"مش بياكل معايا الزعيق، شوف حاجة تانية".


_طب بياكل معاكي قلة الأدب طيب؟ أصلي صراحة بموت فيها.

قالها في الحال ببسمة وقحة وهو يغمزها، وهي رددت بحدة"ودا كمان لاء، شوف سكة تانية."


حدثها ببساطة وهو يهز رأسه بيأسٍ"ماهو يابنت الحلال أنا معرفش غير قلة الأدب، وبعدين هو أنا متجوزك ليه يعني غير عشان قلة الأدب؟"


في لحظة واحدة كانت قذفته بحقيبتها تضرب كف على آخر وهي تهتف بنبرة ممتعضة"أنت قليل الأدب وربنا".


_طب ما أنا معترف أهو إنتِ زعلانة ليه!


"يابني أنت لسة مصلي العشا عيب كدا!"

تحدثت بها بقلة حيلة ليرد عليها في الحال"والله ما عيب أنا أبقا جوزك، أروح وربنا أجيبلك القسيمة من الدولاب! وخلصي بقا عشان عايز استغل الفرصة قبل ما الواد ابنك يصحى ويعكنن عليا زي كل يوم."


_غيث أنت...

لم تكمل جملتها وانفجرت في الضحك بعدما سمعت صوت بكاء صغيرها وهو دفعها عنه مع كلماته"وترجعي تزعلي لو قفشتيني بعاكس ممرضة ولا بحب في مريضة، آه منكم ياستات آه."


"______"


_ياست سندريلا خلصي، وربنا دول حبة فشار بس إللي طلبتهم منك! هتحطي الدرة مع الزيت وتقفلي عليهم الحلة، سهلة أهي.

يندب حظه ككل يوم! والثانية تحدثت بتوتر ونبرة عالية من داخل مطبخها"اصبر بقا الدرة هتحرقني".


"بابا ماما فاشلة أوي، أنت إزاي مستحملها."

قالها ابنه باعتراض على والدته التي لا تصلح لأي شيء تلك! ووالده سحبه من ملابسه مع كلماته"ياض عيب كدا دي أمك! أنا متأمل خير إنها في مرة هتعرف تعمل حاجة في المطبخ."


صدح صوتها من الداخل تصرخ بتحمس"إياد المرة دي أنا محرقتش الفشار كله، المرة دي أنا شاطرة".


خرجت عليه ممسكة بصحنٍ به حبات فشار باثنين جنيه ونصف! سألها باستغراب"فين الباقي؟ أنا جايب بعشرة جنيه!"


_آه ما الباقي اتحرق.

قالتها وبسمتها واسعة ليرد وراءها هو في الحال"منك لله يا شيخة واللهِ."


إلتوى فمها تردد بلا مبالاة وهي تجلس تأكل من الفشار"أومال لوج جايب بعشرين جنيه كنت عملت إيه! هتزعق وتقرفني قوم نام، هتقعد تتفرج على الفيلم وأنت ساكت ربنا يكتر من أمثالك."

1


نهض يلقي ابنته فوق الأريكة مع كلماته"أنا قايمة عشان أمكم هتجبلي الضغط وربنا."


_بعد الشر ياحبيبي، مش حبة فشار دول إللي يزعلونا.

قالتها ببرود وهي تضحك مندمجة في مشاهدة التلفاز، رجع لها يرمقها بدهشة وحدثها بنبرة منفعلة"وربنا إنتِ ما نافعة، بقا إنتِ سندريلا! دا سندريلا كانت شعلة كدا وبتعمل الأكل في غمضة عين كدا، دا إنتِ محصلتيش حتى نفسية أخت سندريلا إللي كانت علطول نايمة دي."


هزت رأسها بسخرية وهي تردد"ربنا يسامحك واللهِ، التريقة بتلف تلف وترجع لصاحبها."

"_____"

2


_عشاني يا"نسمة"اقعدي معاه ووافقي عليه، الشب دكتور ومحترم وبيحبك، عشان خاطري أدي نفسك فرصة.

تترجاها زينب بيأسٍ والثانية تحدثت برفضٍ"مش قادرة، حاسة إني بخون محمد! مش عارفة إزاي أعمل كدا!"


_يابنتي محمد مات خلاص، بلاش تضيعي عمرك وترجع تقولي ياريت أهو إنتِ خلصتي جمعتك وبتشتغلي يبقا شوفي حالك بقا واتجوزي، والله هتندمي بعدين، الواد أمك بتحلف إنه بيحبك! يانسمة حرام عليكي.


تنهدت بقلة حيلة وهي تتحدث بشرودٍ"هشوف يازينب، هقعد معاه وهصلي استخارة وربنا يقدم إللي فيه الخير، محمد ابنك عامل إيه؟"


_حبيبي بخير تم النهاردة تمن سنين.


"ياعسل! دا أنا أجيله بقا وأجبله هدية روحي دا."

قالتها ببسمة واسعة وزينب تحدثت معها لبعض من الوقت، وأغلقت معها لحظات وشردت، سبحان الله! الدنيا تتغير في ثانية، أشخاص تموت وأشخاص تولد! الحياة هكذا متغيرة، الأشخاص فانية.


سبحان الله والله يكتب لكل شخص موتته! محمد وعمير ووالدها ووالدتها، وحبيبة! توفاها الله، ونهايتها كانت نهاية تشيِّب الأبدان، ماتت على معصية كانت معتادة عليها! رغم إنها والله نصحتها، قالت لها تتوب قبل فوات الآوان! لكنها لم تهتم لحديثها، وتمكن منها المرض ولم تتعظ لتموت بين أحضان أحد الشباب! تموت وهي عارية! تزني!! كان الأمر مرعب بالنسبة لها، وبكت عليها، أخبرتها لمرات أن تتوب لكن كانت تسخر منها! أظنت إن الله ليس بقادر عليها! حاشا لله واللهِ.

7


نهضت تحضر كل شيء، هذا يوم مميز، زينة، وبلالين، وأنوار خافتة، وفلاشة أشعلتها على التلفاز، وصغيرها جاء من مدرسته، فتحت الباب لتضع يدها على عيونه مرددة ببسمة حنونة"عملالك مفاجأة ياقلب أمك."


سار معها بطاعة ووقف عندما وقفت، فتح عيونه ليجد في الحال عمير! والده، في التلفاز؟؟؟ رمقها بدهشة وهو يسألها بصدمة"إزاي عملتي كدا؟"

1


ضمته وهي تخبره بحنان"فيديوهات بابا كان عاملها ليك مخصوص قبل ما ربنا يرحمه."


فتحت المقطع على التلفاز، وهو بدأ يشاهده بعيونٍ متسعة! لا يصدق، يريد أن يطير من السعادة، ووالده بدأ مقطعه ببسمة دافئة_:

_محمد؟ لو أنت بتسمع الفيديو دا فأكيد دا عيد ميلادك وأنت عندك تمن سنين، وأكيد أنا مش معاك، بس أنا معاك بروحي، عارف إن ماما هتخليك شب صالح ومحترم، هتخليك شيخ صغير، وواثق فيها وواثق فيك، أنا بحبك أوي يامحمد، أنا عامل ليك فيديوهات كتير جدًا كل عيد ميلاد ليك، أنا كنت عارف إني هموت ومردتش أسيبك وأنت مش عارفني! أنا عارف إنك بتحبني، كل سنة وأنت طيب.

6


دموعها تهطل، حتى والدتها، عمير كان يعلم إنه سيموت، إن دخل السجن معهم فكانوا سيقتلونه، وعندما كان سيسلمهم سيقتلونه، يعلم إن نهايته الموت، وكان بالفعل لا يفكر بأي أحد سوى محمد!


محمد الذي طار من سعادته وهبطت دموعه يركض يضم التلفاز وعيونه باكية مع كلماته"أنا بحبك أوي يابابا، أنت أعظم أب في الدنيا، لما أكبر هكون زيك."

14


"_____"


ترك جوابات كثيرة كما قال، ذكريات وذكريات كتبها ليمنحها إلى صغيره، يكبر ويعلم ابنه إنه حاول لأجله، حاول لأجل أن تكون حياته أفضل، أن يصبح سوي! ووقع جواب في يدها هي، كان جواب مميز، تحفظه وتحبه! جواب برائحة عمير التي كانت تعرفه.

1


_إلى وطني؛ لطالما حاولت أن أُحبَّك،

وبعد محاولات كثيرة نجحت!

العيب لم يكن فيك، كان فينا، في شعبك.

جميعنا خاطئون فاسدون لكن بأختلاف الرُتب!

إن كان من كل مئة شخص قذر هناك واحدٌ صالح، حاولت أن أكون أنا ذلك الشخص.

خيانة الوطن، رغم ما به من مساوئ، ليست من شيم الرجال.

يؤلمني حالك، وأكره إلى أي حال وصلتَ إليه،

لكني أعلم، ونعلم جميعًا؛

أن الوطن لا يُطفئ نوره فساد أهله.

إن عَلت رؤوس الأغنياء الفاسدين في الدنيا،

ففي عالم آخر، رؤوس الشرفاء متوجة.

كنتُ أطمح أن أُخلِّد اسمي بين الشرفاء،

وأن أُطفئ نار أخطائي بوميض صدقي.

ربما قد أكون أخطأت يومًا،

وربما كنت أضعف مما ظننت،

أقسمت أن أُصلح ما فُسِد منذ زمنٍ قبل الرحيل؛

فداءً لوطني، فداء الوطن لم يكن خيارًا،

بل كان دينًا أوفيه بدمائي،

علّها تغسل خطاياي،

وتمنح ابني وطنًا يستحق أن يعيش فيه،

مفتخرٌ بوالده الذي حاول تنظيف واحد بالمئة من قذارة تفوح من وطنه! مثل أوطان كثيرة!

_من وطني فدائي كان من قبل كاره للوطنيَّة لكن حظه وقع في هويَّة مصريَّة، ليُصبح مصري بامتياز، يُشرب من نيلها، ويعيش في حاراتها.

تلك المرة أقولها بصدق إن لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا، والآن بكُل صدق افتخر بهويتي.

من"الراحل عميِّر".

14


_إلى اللقاء في لقاء جديد مع رواية جديدة.💗


تمت بحمد الله.

"_____"

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات