رواية هوية منسية الفصل الثاني والخمسون 52 بقلم بسملة محمد
|هويَّة_منسيَّة|
"الحلقة الثانية والخمسون_مقتولة وهي بين أحضانه!"
1
"____"
_شوفتوا إللي حصل في سوريا؟ ونبي ياختي فرحتلهم دول غلبانين.
قالتها جارتهم بثرثرة، تثرثر كعادتها الثرثارة مع الجميع، احتلت صالة منزلهم هي وجارتان ووالدتها تثرثر معهم كعادتها، لترد عليها زينب التي كانت واضح عليها أثر إرهاق الحمل "دا أنا لسة مكلمة رودينا وقالتلي إن حرفيًا فرحانين فرحة، جوزها سوري وهو وعيلته هنا."
"ياحلاوة ياحلاوة رودينا طلعت متجوزة سوري؟ أومال أنا ليه روحت لواحد سوري بقوله كدا بعد ما اتصاحبنا هجوزك بنتي سلمى قالي والله ياخالة مو بنتجوز إلا بنات بلدنا! وضحكلي كدا!"
قالتها واحدة منهم بحنقٍ واضح على محياها رنت الأخرى الضحكة وهي تردد"ياختي هو القلب هيقول سورية ولا مصرية؟ وبعدين بنتك لو اتجوزت سوري في الأوضاع الهباب دي هتشحت، جوزيها خليجي أحسن."
سخرت زينب منهم بجملتها"جوزيها خليجي تكون هي التانية ولا التالتة بالنسباله يا أم شادي."
استرسلت بهدوء"وبعدين منقذ جوز رودينا كدا مش حكاية إنه سوري حكاية إنه محترم وطيب وجدع وابن حلال، ربنا يديمهم لبعض."
_دا تلاقيه فرحانة فرحة متتوصفش، يلا عقبال بلدنا كدا أما الرئيس إللي....
2
ثرثارة؟ ثرثارة لدرجة إنها تقول أي حديث تقرأه على مواقع التواصل وهي غرضها الوقيعة! انتفضت زينب تحتد جملتها مستغلة إن الفتاة _بعمرها_
_هو إيه إللي بتقوليه دا؟ أنتم متخلفين ياجدعان؟ عارفين يعني إيه في عز الثورات والاحتلالات دي نبقا إحنا عايزين نوقع دولتنا بإيدنا؟ إحنا بس إللي هنضر مش حد، الشعب الغبي الهمجي إللي مش بيفكر بربع جنيه! مصر بدأت تستقر أحوالها بس من عشر سنين، مصر كانت طول سنين حياتها احتلال، من أول الفراعنة لحد الانجليزي وفرنسا، وبعد سقوط حسني مبارك الدنيا باظت، كنا بنخاف إن الراجل ينزل ويسيبنا لوحدنا، مصر كانت كل يوم ثورة، بلاش تمشوا ورا بوستات الفيس، لما إحنا نعمل ثورة في عز الوقت دا نبقا بنقع وبس زي ما الكل بيقع، فلسطين وسوريا وليبيا والعراق والوطن العربي مدمرين سيبكم من دول الخليج دول ربنا رازقهم ببترول من عنده فالفلوس بتيجي من الهوا، إنما إحنا في عز القواعد الأمريكية والتنظيمات الداعشية والشيعة والطوائف وكل دا مستورين وعندنا جيش قوي والرئيس عمره ما هيدخل حد البلد، أنتم متخلفين؟ إللي بيشيروا بوستات يلا نسقط النظام فدول نفسهم في سويسرا وألمانيا وفرنسا قاعدين، يعني وقت ما هنحارب هو هيكون مستخبي هناك، بلاش نبقا إمعة لبوستات الفيس ويلا حرب إحنا حرب يعني تشرد يعني ضياع يعني تدخل أمريكا وإسرائيل وكله عايز يوقعنا.
"في إيه يابت؟ مالك متعصبة ليه؟ هو إحنا لاقين ناكل؟"
سألتها جارتها بوجه ممتعض لترد زينب بنبرة شرسة_:
_آه لاقين ناكل وبلاش إنتِ دا إحنا عارفين إنك متصيغة، ماشي ياستي الجنيه بتاعنا مبخوس بيه الأرض، بس عارفين نعيش، بناكل الحمدلله، مش مذلولين، مش مدمرين، رئيسنا مش بيخلينا نعبده عشان نقول يلا ثورة ضده، بالله بلاش جو شوچو والفيديوهات إللي كل الناس برا مصر بتقولها، بلاش تكونوا مغفلين وشعب مش عارف إيه اللي بيدور حوليه، إحنا في موقع كل الدول جمبه مدمرة، سودان ليبيا فلسطين سوريا العراق وكله طمعان في الوطن العربي يلا نعمل وقيعة، معرفناش نوقع بين مسيحيين ومسلمين ونفجر كنايس ومساجد يلا ندخل طائفة شيعية تقتل في السنة ونبقا طوائف ونتقسم جيوش، يلا ندخل دواعش ونعمل رئيس بس تحته إخوان، ما كفاية تبطر بقا! لو حصل حرب إحنا بس إللي هنتأذي واللهِ، الكل مستني وقوع مصر، وحضراتكم ببوستات الفيس بتساعدوا في دا.
11
كانت منفعلة، يا الله! لماذا نحن شعب لا يفكر؟ لا يرى بعيونه المجردة مخططات إسرائيل وأمريكا وغيرهم كثير! لماذا لا يفهمون إن الوطن العربي والأمة كلها هدفهم تدميرهم، إذا كان بالتطبيع أو بالاحتلال والتدمير!
3
"براحة يازينب إنتِ حامل!"
نهرتها والدتها بقلقٍ، وجارتهم ضحكت وهي تردد"زينب واقفة لينا بالمرصاد، ياختي والله ما حد عارف مين الكويس والوحش أدينا ضيوف في الدنيا."
جلست تهدأ من أعصابها، لكن شعرت إن بسبب غضبها شيء يخرج منها! صرخت بوالدتها تخبرها بألمٍ بعدما شعرت بوخزات متتالية في رحمها"ماما أنا شكلي بولد فعلًا!"
شهقت بفزع وهي تردد بخوفٍ"ينهاري! بتولدي إزاي؟"
8
_مش عارفة، موجوعة أوي.
قالتها وهمت بدخول المرحاض، وجدت سائل سميك ممتزج ببقع دماء، خرجت لوالدتها تخبرها بوجهٍ شاحب"أنا بولد، وديني عند الدكتورة، في دم."
ركضت ترتدي والدتها ملابسها، وكانوا يحضرون كل شيء من قبل، الطبيب أخبرهم إنها ستولد في أي يوم في الشهر التاسع، ملابس الجنين، ملابس زينب التي سترتديها قبل وبعد الولادة، وكل الأشياء والدتها حضرتها في شنطة كبيرة متأهبة لأي لحظة، أخذتها تهبط بها ومعها جارتها وخال زينب.
وجارتها كانت اتصلت بعمير تخبره ببسمة"إزيك ياعمير؟"
4
_بخير يا أم عبده، في حاجة؟
استفهم ببحة جادة وهي اخبرته ببسمة واسعة"دي البت زينب مراتك بتولد، مش هتروح معاها؟ تقف تساعدها."
انتفض قلبه وسألها بلهفة"هي يعني راحت دلوقتي ؟"
_آه لسة حالًا.
قلبه ارتجف بسعادة لكن لحظات وتذكر إنه خارج مصر! هو بالسعودية مع سيلا في صفقة خاصة بشركة الهندسة، أغمض عيونه بقوة وردد بضيقٍ"أنا للأسف مش موجود في مصر، أنا في السعودية وهرجع بعد أسبوع."
_يوه! ياواد دا ابنك الأول، لازم تقف مع أمه وهي بتولده، دي البت يعيني وحيدة.
سمعت تنهيدته وأخبرته بنبرة ذات مغزى"ياعمير أنت طيب، استغل الفرصة وارجع لمراتك مراتك بنت حلال ومش حلنجية ولا قليلة الأدب، ودي بقت أم ابنك، إزاي هتسيبها في يوم زي دا؟"
_أنا هحاول آجي.
أغلق معها، ودفن وجهه بين كفيه، تنهد بتيه، ضغط على شفتيه بقساوة، اليوم وصل إلى السعودية، وباقي أسبوع كامل على انتهاء تلك الصفقة، وبصفته المدير التنفيذي الفعلي للمشروع يجب أن يجلس ويدرس كل تفصيلة به!
ابتسم نصف بسمة متخيل شكل صغيره، عيونه؟ هل سيأخذ عيون زينب أم عيونه؟ بشرتها الداكنة أم بشرته الحليبية؟ شعرها الفحمي أم شعره المائل للأصفر؟
1
وعلى الجهة الأخرى كانوا سمعوا جملة الطبيبة الجادة"لازم نجهز غرفة العمليات حالًا، وضعية الجنين مش مظبوطة."
_قيصري إزاي يادكتورة؟ حضرتك قولتي إنها هتولد طبيعي.
قالتها والدتها بجدية، والثانية تحدثت بحزم"مش هنعرف، لازم قيصري."
2
تركتها وخرجت تجهز كل شيء، والثانية كانت ترجف بين يد والدتها مرددة بنبرة خائفة"بالله ياماما أنا خايفة، طب أنا ممكن أموت؟"
_لا حول ولا قوة إلا بالله! يابنتي بعد الشر عليكي هو إنتِ أول ست تولد!
استنكرت بعباراتها، والثانية زادت دموعها وهي تردد بـ"طب لو موتت وخلفت محمد ربيه زي ما ربتيني بالله".
مسدت عليها تهدأ من روعها بحنانٍ"بس ياحبيبتي متقلقيش دا إنتِ هتولدي قيصري يعني أهون من الطبيعي."
4
حركت رأسها بالرفض وهي تتلجلج"لاء لاء أنا هفتح بطني مش عايزة ابني يروح لعمير، لو موتت متخليش عمير ياخده."
_لا إله إلا الله يابومة إنتِ! دي شكة دبوس يابنتي، صلي على النبي.
هدأت من روعها حتى استكانت، ودخلت الطبيبة تأخذها إلى غرفة العمليات.
"______"
مسدلة شعرها الناعم على وجهها بطريقة لطيفة، وتقف كالفراشات تداعب العصفور السجين بالقفص، تسأله بنبرة لطيفة وهي ترسم ملامح الحزن على وجهها_:
_زعلان ياعسول؟ إياد الوحش حبسك في القفص دا ونفسك تطير زي كل صحابك؟
صمتت تستمع لصوت العصفور وكإنها ستفهمه! داعبته بسبابتها من داخل القفص تخبره بنبرة متفهمة"السجن دا وحش أوي، لما إياد يصحى هخليه يخرجك، وتطير وتروح لصحابك."
ضرب كف على آخر بصوت عالي، ورن ضحكته وهو يسألها بصدمة"يامجنونة! بتتكلمي مع العصفور؟"
استدارت له تسأله بوجهٍ بريء مصطنع"ممكن يا إياد أفتح القفص للعصفور عشان يطير شوية؟"
رمق الشرفة التي يقف بها في وسط ظلام الليل إلا من نور مصباح صغير معلق، ليعلق بسخرية"هتطيريه بالليل؟ يابنتي العصفور كان نايم انتي صحتيه ليه!"
_حرام عليك العصفور مينفعش يتحبس، دا روح، أنا هبلغ حقوق الإنسان، وبعدين شكله حزين.
قالتها بعصبية وقلبها الرقيق ينهشها على العصفور الذي اشتراه لها للتو في الصباح، ضحك وهو يخبرها بمكرٍ"لاء هو حزين مش عشان السجن، حزين عشان لسة مجبتش ليه المزة بتاعته، تونسه كدا."
1
توسعت عيونها من استنتاجه الغبي لتسأله باستهجان"مزة بتاعته إيه! هما كل الناس قلالات أدب زيك؟"
_كل الناس قلالات الأدب زيي؟
رددها بضحكة عالية، وتابع ببسمة مشاكسة"هو مش اسمه عصفور؟ يعني ذكر وكل الذكور يموتوا في حاجة اسمها تاء مربوطة."
"بطل بقا دا عصفور يعني أرق من كل دا، خرجه يلا."
أمرته بنبرة محتدة، وهو غمزها بعبثٍ مع نبرته المتسلية"هو في أرق من كدا؟ عصفورة معاه في القفص لونها سماوي وشعرها أصفر، أظن عداني العيب؟"
ضحكت وهي تردد بتعجب"أنت فظيع!"
_على فكرة أنا كمان وحيد، معنديش زوجة تروق عليا.
رسم ملامح حزينة على وجهه وهي دفعته مع سخريتها"أنت تستاهل تتحبس في القفص دا يا بتاع الممرضات."
_يابنتي واللهِ الممرضة كانت بتسألني في استشارة.
دافع عن نفسه ببراءة لترفع حاجبيها باستنكار محتقن شبه ساخر"ليه وهي الاستشارة بتكون عن الهلات السودا تحت عيونها؟ وقد إيه النوم مأثر على عيونها! ويعيني عيونها الحلوين مُجهدين!"
_ما دي كانت استشارة شخصية، شخصية أوي، عرفتي إنك ظالمة!
قالها برن ضحكته في المكان، ضربته على ذراعه مع صراخها"أنت بتضحك! يابجح."
دافع عن نفسه بقلة حيلة"وربنا وقفتني وسألتني عن الهالات السودا! طب أنا ذنبي إيه؟"
_من ضمن دكاترة المستشفى كلها تيجي للدكتور النفسي! ياروحي!
سخرت منه بسخط، غيرتها وضحت وهو ضحك بيأسٍ"يعني مش هتتصالحي؟ بصالح فيكي من أول إمبارح!"
كتفت يديها وهي تضرب قدمها بحزمٍ مبتعدة عنه"ومش هتصالح، يابتاع الممرضة."
_لاء، أنا بتاعك إنتِ بس، يعني ناديني يابتاعي أنا.
وقح؟ مستفز؟ يتبارد عليها؟ قالها وهو يضمها بمرحٍ، ورجع يكمل ببساطة وبسمته محفورة"وربنا ياسما إنتِ إللي دماغك شمال."
قالها ولحظات وكانت توسعت عيونها، استدارت له تحدق به بصدمة ليتراجع بسرعة"أنا إللي شمال خلاص بلاش النظرات دي."
2
رفعت سبابتها توجهها أمام عيونه لدرجة إنها كانت ستدخلها بهم، تصيح عليه بعلو صوتها"أنت إللي قليل الأدب، وبتقف مع الدكاترة والممرضات والمرضى، دا أنت عينك زايغة."
تبالغ؟ نعم تبالغ لكن مبالغتها راقت له، تُضحكه وتجعله يستكشف شخصية جديدة بها، أكد على جملتها بمنتهى الرُقي"زي ما تحبي."
_أنا هطلع اشتكيك لأبوك وخليه يشوفله صرفة مع ابنه إللي كان خلاص البت ثانية وهتقع في حضنه.
للمرة المئة والمليون تبالغ! أمس كانت الفتاة تضحك ضحكة مائعة، وقبل أمس كانت تحرك أكتافها، واليوم ستقع في أحضانه!
لحق جملتها وهو يردد بسرعة"لاء كله إلا الحج دا عنده عقدة مني، واللهِ كلكم ظالمني!"
سخرت منه بكلماتها"أصلك مسكين، البلاوي بتتحدف على رأسك يعيني!"
_لاء مش البلاوي، البنات هما إللي بيتحدفوا في حضني.
ردد جملتها وهو منفجر يضحك، وهي ضربته على صدره باستشاطة"كمان بتتضحك تاني؟ بقا أنا ندى صحبتي تقولي حطي عينك على جوزك!"
دار بعيونه وهو يردد باستهجان"ومن إمتى ندى بتعمل حاجة غير تسلطك عليا!"
_أيوة عشان بتقولي أنا هبلة وممكن تضحك عليا وتاكلني.
قالتها ببساطة، وهو وزع نظره عليها باستهجان لكنه تابع بغمزة مشاكسة وهو يضمها"إنتِ تتاكلي من غير حاجة."
_إياد.
رددتها بعتابٍ وهو رد في الحال"واللهِ ما شايف غيرك، إنتِ عيوني".
واسترسل بحنانٍ وهو يربت على رأسها من الخلف"أنا عمري ما تخطيت حدودي مع أي ست، هاجي بعد ما اتجوز أرق حد شوفته في حياتي هتخطى حدودي ولا أبص برا؟"
اقتنعت لا بل كانت مقتنعة لكنها كما يقول المثل الشعبي"تتدلع على حسَّه"، تعلم إن إياد أرجل الرجال، وأحنهم، مزاياه كثيرة وعيوبه قليلة هذا إن وجدت به عيب! واستغلت عناقه لتلتف ذراعيها فوق منكبيه وحول عنقه رافعة نفسها بخفة سامحة له بحملها مع كلماتها المشاكسة"طب شيلني ولف بيا الشقة كلها."
_بتستغليني وتستغلي قلبي الرهيف.
قالها وهو يرمقها بنظرات مغتاظة، رنت ضحكتها بعفوية ليضحك على ضحكتها مع نبرته العالية"وأنا بموت في الاستغلال!"
حملها يسير بها في المنزل مع ثرثرته"ها ياسندريلا راضية عن رشدي أباظة بتاعك؟"
_بُص أنت ممكن تشيلني كداهو وتلف بيا كإنها مرجيحة؟
وصفت له كيف يريد أن يحملها، رمقها ببلاهة وفي لحظة واحدة كان رماها فوق الأريكة مع حنقه"يلا يابت من هنا، قال أشيلك كدا وألف بيكي!"
استعطفته بنظراتها بعدما تأوهت بنبرة خافتة بعدما سقطت"عشان خاطري يا إياد لو بتحبني شيلني على كتفك زي ما بتشيل حياة ولف بيا، أنت واحد رياضي."
_أنا واحد رياضي مش واحد ساحر، وبعدين هتقارني نفسك بطفلة عندها ست سنين!
رجعت ترمش بأهدابها بتوسل وهي ترفع يديها تستعطفه بجملتها الكارثية"يعني يرضيك تكسر بقلب طفلة نفسها تتشال وزنها ٦٠كيلو؟"
1
رن ضحكته المستهينة وهو يهتف باستخفاف"لاء إزاي أكسر بقلب شحطة! أكسر ضهري أفضل."
1
صفقت بيديها وهي تهتف بنبرة عالية"كنت عارفة إنك جوز مثالي، يلا تعالى."
رمى عليها نظرة مستحقرة ودخل إلى غرفتهم تاركها ترمقه بذهول مع صياحها"عشان خاطري، يارب تحج، طب عشان خاطر حبنا والبسطرمة إللي وقفت أعملها ليك مخصوص إمبارح."
_قصدك البسطرمة إللي نزلت أجيبها ليكي الفجر، أصل الهانم بتتوحم، وزعلانة إنك عملتيها في سندوتش فينو! آه يا كتعة!
نطقها بغيظٍ بعدما رجع لها ونظرات الشر محتلة عيونه، توترت نظراتها مع تبريرها"أنت واخدني كدا، مضحكتش عليك، احمد ربنا إني بقيت أعرف أعمل صلصة مكرونة."
إن كانت تقصد أن تغيظه أكثر لن تتفوه بتلك الجملة ليضرب كف على آخر بجنونٍ وهو يسألها بعدم تصديق"دا أنا متجوزك بقالي خمس شهور ونص! كل دا بتتعلمي فيه الصلصة بس؟ دا أنا كل يوم أطلعك لأمي وهي بتعمل جلاش وبشاميل ومفيش فايدة، إلا عمرك ما عملتيلي طبق مكرونة، ياشيخة بقا طموحي في طبق مكرونة محطوط عليه صلصة! مش صلصة بس."
ضمت شفتيها تخبره بتعجب"مش مصدقة، كل دا شايله في قلبك يابني وساكت؟"
تحدثه كأمه؟ هز رأسه لتنهض تربت على شعره بحنانٍ وأخبرته باستياء من حالها"أنا لو منك طلقها، دي هتخرب بيتك."
حرك رأسه بيأسٍ وهو يردد بدراما"بحبها للأسف".
ربتت على صدره بفخرٍ مشابه للرجال"حيث كدا بقا يا إياد انزل هاتلنا سوشي، وحشني كدا."
"إنتِ واللهِ ما عندك دم، محسوبة عليا ست على الفاضي."
أوه! حديثه ضربها في مقتل! ضرب بأنوثتها عرض الحائط، هل ستتأثر وتبكي؟ حاولت كتم ضحكاتها وهي تتحدث بصوت تريد جعله حزين"أنا فعلًا وحشة وأنت مستحملني."
أكد بهزة رأس فقط لتحمحم بحرجٍ قبل أن تنفجر في الضحك"ها بقا هنجيب سوشي ولا هننزل ناكله هناك؟"
_أنا مش بحب السوشي، بلاش قرف في الأكل بالله.
نطقها ومعالم التقزز مرتسمة على وجهه، لتزفر بضيقٍ"خلاص ناكل سمك مشوي، وبعدها ناكل سينابون بالبستاشيو."
رمقها بسخط وهو يصيح عليها بعدم تحمل"أبوس إيدك بلاش قرف، يعني سمك وسينابون إيه العك دا! وبعدين ايه البساتشو دا؟ أنا آخر معرفتي عن السينابون إنه باتيه بالشكولاتة!"
2
رمقته ببلاهة تردد كلمته"باتيه بالشكولاتة؟ خلاص نفسي اتسدت انزل هات لينا بيض وبسطرمة ولانشون، ولا تحب مناكلش خالص يا إياد؟"
ربت على وجنتها وهو يشاركها في الضحك، وحرك رأسه بالموافقة"اللبسي هننزل ناكل سوشي تحت."
1
"_____"
كانت قدمها لا تحملها! سمعت الخبر وانهارت تبكي، تركت سوريا الحبيبة قبل أن تنتهي الحرب بعدة أشهر فقط! منذ الطفولة وهي مناصفة للقضية وممسكة بالثورة بأسنانها ويديها، والآن قبل النصر تركتها!
الاحتفال لن يكون احتفال بدونهم، وركضت تجاه محل منقذ يتشاركون السعادة، وصلت أمام المكتبة ودخلتها لتجد الجميع بها! الجميع يحتفل، وفي وسط كل هذا بحثت بعيونها فقط عن شخص واحد، شخص لم ترى إلا سواه، حبيب دربها وطفولتها، يقف يُطعم ابنه الصغير بحبٍ، وبدون شعور سالت عباراتها، اقتربت منهم، وبيدها أحاطت وجه الصغير، فتحت عبوة الحلوى السورية التي صنعتها مخصوص لتضعها في فمه مرددة بنبرة حنونة_:
_ياعمري عليك، تؤبش قلبي ياصغير.
توجهت أنظارهم في الحال لبعضهم، هو رمقها وهي رمقت عيونه، وعجزت الكلمات لكن هو تخطى الصمت وهو يخبرها بنبرة سعيدة جادة"مبروك علينا، سوريا صارت حرة."
_رح ترچع؟
سألته ونظراتها آملة، ضحك ببسمة حزينة وهو يهتف بعدم اهتمام"سبيها ع ربنا".
"سوريا بحاچة أهلها، بدها تتعمر، بترچاك ارچاع."
كانت تترجاه لها لا لسوريا، ابتسم ببساطة مع هدوئه"أنا ما صارلي سنين تارك سوريا، صارلي أقل من سنة! ما تقلقي دمي سوري حر."
_بتعتقد أهلنا ياللي مو لاقينا جثثهم من قبل بالسچون؟
سألته بقلقٍ وهو تنهد بتعبٍ مع تمنيه"ربي لا يقدر، إن شالله يكونوا ماتوا."
تجمعت الدموع بعيونها تردد بحرقة"بتفتكر رفيقتي "ميار"اغتصبت وعذبوها كام مرة هونيك بالسچون؟"
تأوه قلبه قبل صوته ورمقها بتأثر، سقطت دموعه وهو يهتف بيقين"ولا مرة، معها الله، أحسن من أي شي".
ترددت نظراتها الدامعة، ونطقت باسمه بتراجع
_أحمد.
وجه نظراته لها فقط، وهي سألته بقلة حيلة"بتتذكر...خلص، وينه منقذ؟"
_بمحل الورد.
قالها وانتبه لطفله، وهي سقطت دموعها وهي تبتعد عنه لكن رجعت له تمد يدها ببسمة تخبره بشعلة حماس معتاد عليها غير تلك المنطفئة من لحظات"اتفضل أحمد، بعرف إنك بتحبها."
"يسلمولي يارها، ربنا يسعدك."
ينهي معها الحديث، واستدار لصغيره يداعبه بحب"حلوة يابابا؟"
هز رأسه له مع تحمسه"إيه اكتير يابابا."
تدخلت في الحديث تخبره بسرعة"عفكرة أنا ياللي عملاها والله".
كان يعلم، مذاقها معتاده منها، حرك رأسه وهو يردد"بعرف، نفس كل شي ما تغير."
كلمته جعلت قلبها يقفز من السعادة، أحمد مازال يتذكر مذاق حلواها! تحدثت ببسمة عفوية رُسمت على وجهها"إميح، بتعرف أنا بعملهم من أمس والله من لما..."
_لك ما بتختشي عحالك يا ثورچية؟ بنص المحل واقفة تحبي بزوچي؟
ياالله! من أين تأتي لها تلك الحربائة ميسة؟ من كل مكانٍ تراها بوجهها، استدارت لها تبتسم لها بسمة باردة"ثورچية؟ بعشقها منك".
1
تتبارد عليها؟ وميسة أكبر باردة بالحياة، رنت ضحكتها بسخرية وهي تردد"لا وثورچية عم تظبط راس الثورچية ياللي متلها، روحي يلا هاي سوريا صارت كلها ملك الثورچيين محتاچينك والله تسهري معهم."
_قليلة حيا يا ميسة وبتشوفي الكل بلا ترباية متلك.
رمتها بنظرات محروقة، وأحمد نهرها بانفعال وهو يوجه لها النظرات الحادة بعدما قبض على ذراعها بحدة"لك بيكفي رمي محصنات شوي، استحي عحالك."
رمقته بعيونٍ نارية ورنت الضحكة المستهينة وهي تضع أناملها فوق موضع قلبه"استحي عحالي؟ مو مستحي إن قلبك عم يدق وهي چانبك؟ لك ما بتستحي وولادك چنبك وأنت معها؟ ليش خطافة الرچالة مو بتستحي؟"
كانت تقولها بمرارة، ورودينا كانت دخلت للتو ورأت بعيونها حديثها الشبه مقهور، هي تعلم كيف تكون حرقة النساء، وهي أمام ميسة الغيورة! تغير من كتلة الطاقة والشعلة رها، ومعها حق، لكن ما بال أحمد لا يقع إلا بالنساء الشرسات؟ وقفت تشاهد من بعيد وعلى ثغرها البسمة، كانت تكيدها بفرح والآن تقف في نفس نيرانها!
اقترب منقذ يسأل بجدية"شو صاير؟"
_تعال يا أخي، هديك العديمة كرامة واقفة هون بترچع حنين الماضي، وزوچي المحترم عم يستقوى عليَّ.
سحبت يده تشاركه الموقف، وهو تحدث بضجر"اتركي بنت عمك بحالها يا ميسة بترچاكي".
1
ابنة عمها؟ والثانية اتسعت عيونها تسأله بنبرة عالية"هاد كل ياللي ربنا قدرك عليه؟ بنت عمي هادي عمي ما عرف يربيها، تركها دايرة متلها متل الرچالة ومع بعضهم وبتتـ.."
قطعها أحمد بعصبية وهو يلوي يدها مع صياحه الحاد، نظراته مشتعلة، ووجهه الأبيض أحمر! لأول مرة تراه رودينا بتلك الحالة! أحمد هادئ وحنون للغاية!
_والله العظيم لو قولتي كلمة بحقها مرة تانية رح تكوني طالق وما رح ردك أبدًا، لك مو طايق بص في وشك حتى بسبب هيك عمايل، مستحملك بس مشان العيال إللي بيناتنا.
جرحها وجرح أنوثتها! وحط من قدرها أمام الجميع وأمام عدوَّاتها؛ رودينا ورها!
رمقته بتعجب وسألته بصوت مهزوز"رح تطلقني مشان هادي؟"
اندفعت الدماء في أوردتها، واقتربت منها تصيح عليها بصوت حارق، تريد صفعها مليون صفعة لكن ستكون أفضل منها ولن تفعلها!
_ليش ومالها هادي يا قابيسية؟ لك أنا ياللي بستحي إنك بنت عمي وكنت بيوم بعتبرك أختي، لك بتعرفي إني كنت عم موت فيه، كنت بعيش مشان اليوم ياللي اتزوچه فيه بس إنتِ چيتي و..ودمرتي علاقتي بيه وخدتيه لإلك!
في وسط حديثها انهارت دموعها وهي تتذكر ماذا فعلت بها، ضحكت بمرارة وهي تردد بتحسر_:
_كنت عم قول إنك أختي، كنت أي شي بچيبه لحالي بچيبلك، كنت عم أحكيلك عنه وإنتِ تقوليلي أحمد! أحمد شو ياللي تحبيه! هاد أقل من العادي، كنتي بتكرهيني فيه وتقولي أسوأ شي عنه، وأنا متل الهبلة أسكت وأچي أحكيلك عنه! كنتي بتحقدي علي وبتكرهيه فيني! وتيچي قدامي تقوليلي...لك ما بعرف ليش هيك؟ أنا كنت معتبرتك أختي يا****.
4
انتهت من جملتها ودفعتها وهي ترحل غارقة بدموعها، وأحمد لم ينتظر ثانية وركض وراءها، وقف أمامها يمنعها من تكملة سيرها وهو يردد"رها أنا آسف والله.."
_والله أنت چرحتني! دمرت قلبي، ودمرت حياتي، الحرب ما قدرت تدمر قلبي متل ما قدرت يا أحمد، الله يسامحك بس أنا مو مسامحتك لا أنت ولا هديك.
نطقتها بحرقة وهي تبكي بتحسر! تبكي على حياتها، وعلى قلبها، وعلى عمرها! وهو حاول أن يصلح موقفه وتحدث بتلجلج"أنا ما كنت بقصد، إنتِ كنتي حلمـ..."
خيانة صريحة! حرام عليه ميسة لا تستحق أن يجرحها بتلك الطريقة رغم كل عيوبها لكنها زوجته! ورمق طفلاه بانتباه، زفر بحدة وهو يستغفر ربه، وابتعد عنها لكنه قبل أن يفعلها كانت هي ابتعدت مع جملتها"قولها ما تخاف، مو باخد رچالة من نسوانهم متل ما عملت هي، رح أرچع أرضي في أسبوع بالكتير ما تخاف."
ابتعدت عنهم، ومنقذ ترك ميسة ووقف بجانب أحمد، اقتربت رودينا من ميسة تردد بنبرة شامتة! شامتة بحق؟؟
"شوفي؟ سبحان الله! تيجي تصيده يصيدك، قهرتيني وكنتي عايزة منقذ يتجوز عليا ويسيبني، لكن جوزي بيموت عليا، أما إنتِ جوزك هيموت على واحدة تانية وقهرك وقهراكي من غير ما حد يسلطه عليكي، سبحان الله الدنيا دي دوارة بصحيح!"
_بتشمتي؟ ما بعرف ليش الرچالة بيحبوا البنات المفضوحات، معروفة رها هديك ال****تبع الثوار، أما إنتِ فبيكفي ڤيديوهاتك المشرفة.
تجيد قصف المحصنات بامتياز، أستاذة به! رفعت حاجبيها تسألها بسخرية"رها بتعمل كدا؟ ما نقول إيه؟ سرقتي إللي بتحبه منها ولفيتي عليه، يابنتي كفاية بقا، كفاية سواد وغل، روحي صليلك ركعتين ادعي ربك فيها إنك متبقيش مطلقة وتدوقي من نفس الكاس، ياختي حاجي على عيالك إللي أربعة وعشرين ساعة سيباهم ومهملة فيهم، العيال لولا أم منقذ إللي حاطة عينها عليهم كان زمانهم جرالهم حاجة من كتر الإهمال، الله يكون في عون أحمد ما عرف يختار.
نهت جملتها وهي ترن ضحكتها مقلدة لهجتها السورية، وابتعد عنها بطريقة كائدة!
3
ياالله! أخذ الحقوق هذا حكاية أخرى! نكهة خاصة ومذاقها جديد! رجع منقذ لميسة يخبرها بجدية"رح روح لأهل رودينا، بترچاكي إذا بتريدي تتخانقي وتسبي وتلعني نزلي العيال لأمي."
رحل مع رودينا، ورودينا كانت متعجبة إنها ولا مرة ترى معاملة منقذ لميسة حنونة! أخ وأخته مثلًا! سألته باستغراب"هو أنت ليه مش بتحب ميسة؟ أنا عارفة إن أحمد أخوك بردو بس ليه مش بتقف في صفها؟"
3
_لإني عمري ما حبتها وإحنا أطفال، ميسة كانت صفرا، كانت صفرا على چميلة، وبتحقد عليها، مو بتحب حدا، حتى أخوها خلته يطلق مرته، مو بتحب حدا مرتاح بحياته، وآخرها إچيت مصر تخربلي حياتي!
صارحها بمنتهى البساطة، وهي سألته بفضول"يعني إيه قابيسية إللي رها كل ما تشوف وش ميسة تقولها ليها؟"
1
_قبيسيات هاد حكاية طويلة، جماعة إسلامية واحدة ست اسستها اسمها منيرة القبيسي، كانوا بدمشق، يعني من سنين سنين سنين طويلة، وبعد هادي الحرب صاروا بيدعموا النظام بس بالخفا شوي، وممكن يدعوا له، يعني تبع النظام وبشار، فأي ست معارضة للثورة بيقولوا عليها قبيسية، لهيك رها خانقتها بيها.
زاد فضولها وهي تستفهم منه"طب هو رها وميسة ولاد عم؟ يعني حصل إيه بينهم وبين أحمد وصل بيهم الوضع لكدا؟"
_ميسة دمرت علاقتهم، رها كانت بتسكن معنا بنفس البيت، أهلي وأهل ميسة وأهل أحمد وأهل رها كلنا بنفس العمارة، فكنا كلنا صحاب وكلنا راضعين ع بعض فَـ.. أحمد حب بنت الجيران وياللي بالمناسبة كانت أمه كتير صاحبة أمها وكل أمهاتنا قرايب يعني فكانت علاقتنا كلنا حلوة ورها رفيقة كل البنات، كانت من صغرها حادة هيك وعم تنادي بالحرية، كانت رفيقة چدعة، وأحمد اتعلق فيها، وهي كمان، كانت عم تطير من الفرحة لما يقولها كيفك رها، وهو كان طول اليوم بيضل بيضحك لما بيسمع جملتها إميحة وأنت؟ ولما كبروا شوي صار يحبها، هو يحكيلي ورها تحكي لجميلة وميسة، وجميلة كانت تحكيلي إنها مغرمة بأحمد، وكبروا هيك لكن فچاءة كل شي اتغير ورها صارت تنزل مظاهرات، وأخوها عبود كان عم يدعمها وينزل معها ما بعرف ليش والله! بس أحمد بالأساس لا بيحب المشاكل ولا المشاكل بتحبه، اتقدم لإلها وقالها ما إلنا علاقة لا بمظاهرة ولا بنظام، سنة كاملة كانت خطيبته، والحب مو رح قولك بتعرفي السوريين مرهفين القلب والمشاعر.
1
ضحك في نهاية جملته، وأكمل ببسمة حزينة"حصل مظاهرة بيوم وكانت رها طول اليوم مختفية، مافي حدا بيعرف عنها شي، قلبنا من الخوف كان عم يرچف، لكن ميسة قالت إنها قالتلها رح تنزل تتظاهر، زرعت السم بقلب أحمد، ورها بعد ما چت أحمد تركها دوغري، حتى ما سمع شي، سمع بس إنها إيه كانت بالمظاهرة بس ما سمع شي تاني، يعني أحمد ما كان بده يعيش ياللي عاشه غيره كتير، ياخدوا زوچته عل معتقل ويعذبوها، كان صريح معها من البداية، قالها يارها أنا طبيب مو ثورچي وبردو مو بحب النظام، يعني لا بدي إنك تنزلي عمظاهرات ولا شي، وكمان كان في شي تاني، طلعت سمعة إن هدول البنات يعني أخلاقهم مو إميحة وبيسهروا مع الثورچية وهيك، وكان الكلام بيطبق عأي بنت، إنتِ بدك تنزلي الثورة وتهتفي رح نقول هيك، كمان ميسة ادخلت في عقل أحمد، وادخلت في عقل رها، ورها تاني يوم عطول نزلت تهتف عِند بأحمد، چبتم مع بعضهم وقولت أصالحهم راح أم أحمد اتدخلت ومعها ميسة، متخيلة؟ كانت رها بالمسا بتبكي بحضن ميسة والصبح ميسة تقف تقوله هادي وهادي وهادي، والله يارودينا قالت عنها أبشع كلام، فضحت كل أسرارها من وهي صغيرة، وحصل مشاكل بين عيلة رها وعيلة أحمد وميسة ومتكلموش تاني، وأحمد وعبود علاقتهم انقطعت، يصيروا طالعين مع بعضهم وما حدا يرمي سلام الله وبس، هاد الحوار صارله تسع سنين."
1
سقطت دموع رودينا، شعرت بشعور رها، نفس القصة، لم يتغير منها شيء، قصتها مع معاذ، نفس الخذلان، نفس السلب، نفس المرارة! انتبه لها يسألها بتعجب"بتبكي؟ ليش يعني الحوار صارله زمن!"
_هو أحمد ليه موثقش فيها؟ ليه عمل كدا وخلى يحصل بينهم مشاكل؟ وليه راح اتجوز بنت عمها! يعني بجد ليه؟ أنا كنت بحترمه جدًا لكن هو حتى متفاهمش مع رها.
كانت مخذولة منه! تريد أن تعنفه! أو تصيح عليه إنه ضيع الفتاة التي تحبه!
ومنقذ حدثها بجدية يوضح لها الأمر"مش حكاية متفاهمش يارودينا، نزول بنت على الثورة يعني دمار ليها ولعيلتها كلها، مليون قصة عن واحدة نزلت الحرب تعمل شاي وقهوة بس للثوار وأخدوها وأخدوا جوزها وقتلوا قدامها أو اغتصبوها قدامه، نظام جاحد ديكتاتوري، فإحنا الأفضل لينا نبعد عن كل دا، هو مش هيعيش في رعب زي نفس اليوم دا بقيت حياته! وحتى لما هو قرر يتفاهم معاها هي إللي عندت وفكرت إنها كدا جامدة ونزلت الثورة، حتى أخوها هلأ مات وأمها سحبتها من شعراتها غصب عنها لإنها بتعرف رح يجروها ويجروا أمها على المعتقلات."
1
_اتجوز ميسة إزاي؟
نطق بلا مبالاة"عادي يعني بعد سنة باعتقد أبوها لميسة مات وأبو أحمد قاله بنت عمك ما إلها غيرك ومادري شو وراح اتزوچها، هي من قبل كانت عم تنطله، ميسة كانت بتحب أحمد من زمن، يعني كانت بتحبه مع رها، أو يمكن حبته بسبب كلام رها عنه، كانت رها مهووسة بأحمد."
وصل إلى منزل عائلة رودينا، زغردت له والدتها، وبارك له الجميع بمنتهى الحب وسمع جملة والدها
_مبروك يامنقذ، أنتم ولاد حلال وتستاهلوا كل خير، وواثق إنكم هتعمروا بلدكم من الأول.
قالها والد رودينا وهو يضم زوج ابنته، وصدح صوت إياد خلفه"كدا لما الأوضاع تستقر هترجع بلدك؟"
ضم شفتيه يفكر للحظات ثم ردد بجدية"إن شالله رح أرچع بس بدي الأحوال تستقر، ما رح خاطر بأمي ومرتي وبنتي أكيد".
ورجع يوجه نظراته لسما أولًا ثم إياد"وإنتِ مستنيكي تاخدي هاد الدكتور في فسحة عنَّا، هاد ما رح يچي لحاله لكن إنتِ رح تقنعيه."
ضحكت وهي تتحدث بنبرة رقيقة سعيدة"أنا بحب لهجة السوريين جدًا، وفرحت باللي حصل رغم إني أول مرة أعرف إن في عندكم حرب."
_في ناس اكتير اتصدموا إن بسوريا حرب، بس الحمدلله ربنا يسترها علينا وتكمل عخير.
"________"
لم يكن البطل المغوار، البطل الحنون، أو حتى صاحب الرأي والقرار الأول، لم يكن ذا قيمة مهمة، وشخصية قوية، بطل عادي يسير اتجاه الرياح، ريح تلقيه لريح، لم يكن مميز، وشخصيته إذا كان له شخصية كانت أقل من عادية.
1
هو هكذا خطَّ عيوبه بيده متقبل الحقيقة، قارن مقارنة بسيطة حقيقية بينه وبين شخصيته القديمة_:
_عمير القديم؛ كان في حاله، ماشي جمب الحيط، ضعيف، في حاله، ملوش قيمة ولا سعر، كان محبوب، صايع، صاحب صاحبه، ابن بلد، فقير وتحت خط الفقر، سفيان وتعبان في القرش، عنده شهادة مرمية ولا ليها لازمة، عنده صاحب جدع، عنده بيت ومراته شخصيتها قوية شوية.
_عمير بتاع دلوقتي؛ مسنود على ناس كبيرة أوي، ضعيف بردو قدامهم، بالنسبة للكل بقا هو البيه، أي صفقة قذرة وعملية زبالة هو جواها، صاحبه هو القرش، ميعرفش يعني إيه بلد، غني وغني جدًا جدًا، فلوسه كلها حرام متعبش فيها، شغال في أحسن شركة هندسة في مصر، ماسك مشاريع كبيرة، معندوش صحاب، بقا عنده بيتين، مراته الأولى رماها وكسرها وكسر غرورها وقوتها أخيرًا، ومراته التانية رئيسة عصابة، ممشياه على خط مستقيم.
في الحالتين بطل مهزوز الشخصية رغم كل ما فعله في الشخصيتين!
وانتهى من جرعة الصراحة تلك واتصل بأم عبدو يحدثها بجدية"زينب ولدت؟"
_آه لسة متصلة بأمها وقالتلي لسة حالًا والدة، ولدت قيصري ولسة مفاقتش وكدا.
أغلق معها ودخلت سيلا ممسكة بحقيبة طعام شهير مرددة بمرحٍ وبسمة جميلة"عموري جبتلك كبسة ومندي، أكل السعوديين واو بجد."
_كبسة ومندي! وريني يا غنية إنتِ.
نطقها وهو يجلس على الطاولة، فتحت الطعام أمامه تحدثه بنبرة حنونة"شكلك مرهق في حاجة؟"
نفى برأسه واخبرها بنبرة شبه ساخرة"زينب بتولد."
تحمست ملامحها وهي تسأله بابتسامة واسعة"واو! هتخلف مصعب؟"
_خلفته خلاص.
نطقها بشرودٍ، لتحدثه بتهوينٍ وهي تدفعه بخفة في ذراعه"طب أنت كدا بقيت أبو مصعب! نخلص بسرعة وفي خلال يومين هنرجع بسرعة عشان تشوفهم اشطا؟"
7
ورجعت تخبره ببسمة ماكرة وهي تغمزه"وبالمرة تشوف أم مصعب."
"_______"
حواء الخبيثة، بنظراتها البريئة إن رأيتها تُقسم إنها قديسة!
تتربع على عرش الأنوثة، حركاتها مدروسة، تعلم ماذا تفعل وفي أي وقت سترمي حبالها لتوقِع بابن آدم المسكين!
وابن آدم كالعادة ساذج، وقع أمام رقتها الكاذبة
ونظراتها المزيفة، كلها كانت مصطنعة، لكن اللعبة تُوجب، تبتسم له فقلبه يرفرف! ترن ضحكتها فيضحك على ضحكتها كطفل صغير!
لُبنانية لم تكتمل، عاشت طوال حياتها بمصر، تزوجت ولكن لم يحالفها الحظ لإن ابنة خالتها ذهبت توقعه في شباكها ليقع صريع غرامها! نبذها وركض يخونها، وهي المظلومة! ضحية حب كاذب! وقلب خادع! آه يا حواء! مسكينة!!
وهُنا بالجمال الطبيعي، جبال وأنهار، الطبيعة الساحرة، واللهجة الخاطفة! هُنا كل شيء مناسب لجو مليء بالحب، هُنا يخرج مُطران بشعره الرومانتيكي! هُنا لا وجود للحزن، فقط انشغل بالغناء والحب مع الجمال! هُنا مطران، هُنا لبنان.
"لبنانُ هل للضوءِ عندك موعدٌ
أم السحرُ لديك في السماءِ مآبُ؟"
كانت تتحدث بكتلة لطافة! تحرك يديها بجانب وجهها برقة طاغية، وكإنها لوحة أمامه ليرسمها بعيونه بمنتهى الشغف، وللحق كان يرسمها أيضًا بيده، يبرز جمال ملامحها على الورق، وانتهى أخيرًا!
دققت بنظرها لتلك الفتاة التي رسمها، فتاة جميلة الوجه، بعيون خضراء محتدة! وملامح بيضاء مبروزة، وجهها أصبح نحيف حاد! نظراتها ثارت ثاقبة، ترتدي وشاح مزخرف ثقيل وأسفله خصلات شعرها الأصفر المموج، تظهر بوضوح، ملمع شفاه من اللون الوردي، كل شيء بها مثالي! تضع يدها أسفل ذقنها وبيدها الثانية ممسكة بكوب موضوع على الطاولة المطلة على البحر من أمامها في أحد المطاعم!
كانت هي رنا الصياد بشكلها الجديد مع رَجُل جديد بشخصية جديدة في تحدي جديد، لكن ليس مع أصدقاء سوء جديدة بل مع نفسها فقط، تحدت نفسها إنها ستتزوجه، ستوقعه في شباكها، لن تتركه!
4
وتلك المرة كانت ستوقع رسام شهير بلبنان، شاب بمقتبل عمره، حرصت تلك المرة إنها هي التي ستعلم كل شيء عنه، وللحق شخصيته كانت رائعة! رائعة بحق!!
غني، غني، غني، ثري، ثري، ثري، مهندم، ومنظم، حنون، مهندس بجانب هوايته الرسم، وحيد والده، يتيم وواضح إن والده سيحصل الجميع، كان متزوج لكن لحظها الجيد انفصل عن زوجته بسبب مشاكل عائلية، له ڤيلا ومستواه في مستوى أدهم! وهذا جيد ستعيش ملكة كما كانت، الآن خطيبته وفي أقل نزهة معه يشتري لها أشياء متعدية الخمس آلاف جنيهات! هذا غير الطعام والشراب، يا الله!
وهي كانت تطمح أن تنال بقلب إياد! يالسخرية القدر! إياد الفقير؟ هي معها سيده! وصفاته أفضل من صفات ذلك الإياد بل هو أوسم، وأحن، وأفضل، وهي الآن أدهى، تريد تأمين مستقبلها والزفر بمكانة مرموقة في المجتمع، ستنجب أطفال له وتبني امبراطوريتها، حقها أن تكون أسرة سعيدة ثرية!
_بتچنن يا"يوسُف"! يالله! عنچد بتخبل!
2
_لإنه إنتِ بها يا قلبه لـ"يوسُف"، من بعد ما فرشتي ما رسمتك ما صارت تريد رسم حدا غيرك!
هل تناست إنه معسول الحديث؟ هذه طبيعة السوريين واللبنانيين، لماذا لم تستقر بالبنان من قبل!
بعد انتهاء الطعام نهض ممسك بيدها يسير بها، وهي سارت بمنتهى التمختر، تعجبها شخصيتها الجديدة، أفضل من رنا الخبيثة، هي بالنسبة له رنا الفتاة الكتلة من اللطافة! لترى كيف ستأخذهم الرياح؟
وفي النهاية غمزت بعيونها بشقاوة والجميع يعلم إن "رنا الصياد" لن تنتهي، "رنا الصياد" حكاية تُسطرها كل يوم، "رنا الصياد" هي حواء التي أوقعت بنصف الرجال!
انتهت قصتها تُخبرنا إنها لم ولن تتوقف عن حركاتها ولن تأخذ عبرة من القصص الكثيرة حولها، من الممكن بيوم من الأيام تصبح زوجة وإمرأة صالحة، ومن الممكن أن تكون زوجة كوالدتها وخالتها! المهم إن "رنا الصياد" هي نفسها "رنا الصياد" الماكرة، ماكرة وتحب مكرها، صيادة تصطاد الرجال وبحرفة.
2
وكالعادة خطة رنا المعتادة..تقول
شروط الوقوع في الفخ الثلاثة...
_أولًا احضر فتاة حسناء، حسناء في كل شيء...
ثانيًا دهاء حواء أقوى من تحمل الرجال...
ثالثًا غباء الرَجُل الذي يُلقي بهُ في حضن الفتاة...
والنتيجة تكمن في دهاء حسناء وغبي...كالمعتاد!
نقطة الصفر؛ البداية.
"_______"
استيقظت في الصباح تفتح عيونها بوهنٍ، لكن كان عقلها منشغل بمولودها، ورأت في الحال والدتها نائمة على الأريكة بجانبها، نبهت عقل والدتها بكلماتها"ماما، ماما..فين محمد؟"
استيقظت في الحال، ونهضت تأخذها في أحضانها وهي تهتف بسعادة"حبيبتي يابنتي ألف مبروك ياحبيبتي، عيشت وشوفت بنتي بقت أم، ابنك معايا اصبري ياحبيبتي."
خرجت من الغرفة وبعد دقائق كانت تجلس زينب على نار، تريد رؤية حبيب قلبها، تطلع لأن ترى ملامحها الصغيرة، دخلت والدتها وفي يدها صغير لا يظهر من ملابسه واللحاف الذي يحيط به، جاءت لتعتدل لكنها صرخت بألمٍ لتصيح والدتها بخوفٍ"براحة إنتِ فاتحة بطنك ياحبيبتي، أنا هجيبه ليكي تحضنيه وترضعيه."
وضعته في أحضانها، ضمته بقوة وهي تردد بحنانٍ"حبيبي ياقلب ماما، حبيبي يا محمد".
أخرجته من حضنها؛ لتملي نظرها منه فورًا، بشرته بيضاء، بيضاء للغاية بطريقة تفزع! صغير وأناملة لا تظهر، عيونه ضيقة، ومولود بشعر ثقيل من اللون الأصفر! شهقت بصدمة وهي تستنتج إن لون عيونه زُرق!!
"هو ليه شبه عمير أوي كدا! دا مخدش مني حاجة!"
10
_الواد جميل أوي يازينب ربنا يحرصه.
"بس هو شكله هيكون نسخة من عمير! أنا مش عايزة كدا."
اعترضت بعيون دامعة! شهقت والدتها بتعجب"هتعيطي عشان الواد شعره أصفر! وبعدين الواد لو مطلعش لأبوه يقولوا منين جابوه!"
اعترضت وهي ترمقه بنظرات عتاب"يعني أنا أحمل فيك تسع شهور وكل يوم بتوجع منك وفي الآخر تطلع لأبوك! أبوك إللي..."
2
استوعبت الآن، سكتت تمامًا ورفعت نظراتها المصدومة لوالدتها"هو عمير مجاش!"
_لسة تلاقيه ميعرفش، هيعرف ويجي.
قالتها بلا مبالاة، لكن رجعت تسألها بتعجب"ولا يجي ليه! ناقصة هي قلة أدب وزعيق في المستشفيات!"
2
لا تعرف كيف تقولها، لكن شعور غريب اجتاحها، في تلك اللحظات أرادت أن تبكي، اتفقت هي وعمير عندما حملت في أول طفل لها إنه لن يتركها والذي سيحضر لها حقيبة الطفل وهي في المستشفى، وينزل معها لشراء ملابس له، وشراء أي شيء يحتاجه الطفل، وكان يدخل الجمعيات لتلد طفله في مستشفى خاصة بعيدًا عن تعب وإهمال الحكومي، أما الآن فهو لم يأتي يرأى ابنه حتى الذي وُلِد أمس!
3
قبل أن تدخل غرفة العمليات رأت زوج يمسك بيد زوجته يطمأنها لتدخل غرفة العمليات، يخبره بحنان طاغي عليه وأبوة فياضة"متقلقيش هتخرجي لينا إنتِ وشروق بخير وهعملك أكبر سبوع في مصر، سبوع إيه! هعملها عقيقة".
تمنت أن يكون عمير بجانبها، ضمت صغيرها وهي ترمقه كثيرًا، ابنها جميل للغاية، جميل لدرجة إنه طفل أوروبي! فرق السماء بينها وبينه، يد سمراء للغاية، ويد بيضاء تشبه الحليب!
قطع تأملها في حبيبها دخول رودينا عليها وصياحها العالي وهي تهتف بسعادة واضحة"ويارب يا ربنا تكبر وتبقا قدنا، وتمسك الشمعة زينا، أوووه أوووه، حلقاته برجلاته، إن شالله يعيش إن شالله يعيش."
2
كانت ممسكة ببلالين منتفخة كثيرة، واحدة مدون عليها اسم محمد، وواحدة عندنا مولود، والأخرى خالة المولود، اقتربت منها تأخذها في أحضانها ودموعها على عيونها وهي تربت على ظهرها"حمدالله على سلامتك ياعيوني."
مدت زينب يدها بمحمد تخبرها بحنانٍ"خدي محمد يارودينا."
أخذته منها وقلبها يتراقص، دققت النظر به، تأوهت وهي تردد بنبرة مرتجفة"جميل أوي يازينب! ماشاء الله!"
_شبه عمير.
قالتها والدتها، ورودينا أخذته في أحضانها تجلس به على المقعد، ورفعت نظراتها تخبرها بتأثر"صوابعه صغنونة خالص!"
_إمبارح أول ما اتولد عبدالله أذِّن له في ودنه، كان طاير من الفرحة وهو شايله وبيقول ابن بنتي.
توقف العالم من حول رودينا من ثلاث سنوات ونصف كانت حامل، كان سيصبح لها ابن! سيكون كبير ويقفز أمام عيونها! لكن سامر سلب كل هذا منها! رفعت وجهها تخبرها بتذكر"صحيح إياد وسما واقفين عند المستشفى عايزين يجوا يشوفوه."
_يلاهوي طب قولي لهم يجوا بسرعة.
اتصلت بهم، وبعد وقتٍ قليل دخلت سما وخلفها إياد ممسك بحقائب كثيرة ملونة بها ملابس للطفل، اقتربت منها سما بتحفظ، مازالت زينب تأخذ جانب منها، تلقي السلام عليها فقط، علاقتهم سطحية ومتوترة.
على عكس إياد الذي اقترب من زينب يحدثها ببسمة واسعة"مبروك يازينب، بقيتي أم بقا يعني لسانك دا قصيه شوية."
_هو أنا بقيت بعمل حاجة يا إياد! البركة في أبوه هدني.
قالتها زينب بتذمر، رنت ضحكته وهو يردد بسخرية"يازينب إنتِ مفيش حد يقدر عليكي! إنتِ لسان متحرك."
رأى سما تقف متوترة، أخذها في أحضانه مقربها من زينب بهدوء مع حديثه"سما جابتلك حاجة بسيطة يازينب لمحمد."
_كلفتي نفسك ليه ياسما؟
سألتها ببسمة صغيرة لترد في الحال سما"دي أقل حاجة واللهِ، ابنك دا يعني حاجة كبيرة عندي".
وجهت نظراتها لزينب تسألها بخجلٍ"ينفع أشيله؟"
_إنتِ عمته ياسما، يعني هو زي ابنك، براحتك.
قالتها بهدوء لتتحمس سما وهي تأخذه من رودينا بسرورٍ، حملته بطريقة غير صحيحة نتيجة لجهلها، شهقت رودينا وهي تخبرها بخوفٍ"مسكاه غلط اعدليه بين إيدك."
"والله صح."
من وجهة نظرها هي أفضل فتاة تحمل الأطفال، اقترب إياد منها يأخذه في أحضانه بيد، وبيده الأخرى يعد يدها للوضعية الصحيحة مع جملته"هتعملي إيدك كدا، وامسكيه كدا ياعيوني."
وضعه بيدها وهي قفزت من السعادة وهي تسأله بنبرة متحمسة"كدا أنا مسكاه صح؟"
هز رأسه بصمت وهو يتأمل بالطفل، غير معقول! الطفل كإنه أجنبي وُلِد بأحد ولايات أمريكا! يشبه عمير تمامًا، تحدثت سما ببساطة"شبه عمير، عيونه ملونة."
_هو جميل فعلًا شبه عيلتكم، اتمنى إنه مياخدش حاجة من عيلتكم ال****غير بس الشبه.
هاجمتها للتو بدون أن تفعل لها شيء! رمقتها بصدمة، لتلحق والدتها جملتها بخجلٍ"معلش متقصدش إنتِ عرفاها هبلة."
"واضح يازينب إنك اتهديتي، والله ما جايبك ورا غير لسانك."
سخر منها إياد وهو يضع يده على ذراعي سما، وسما كانت تشعر بالخجل، قررت الانسحاب وهي تعطيه لإياد لكنه منعها بجدية ونبرة عالية"في إيه؟ إنتِ عمته يعني دا ابن أخوكي، وبعدين العيلة ال****دي إنتِ أنقى حد فيهم".
_أنا مقصدش، أنا آسفة متزعليش مني، حقك عليا.
قالتها زينب بنبرة خجلة بعدما شعرت إنها أحرجت الفتاة وهي أتت لها بمنتهى الحب! وتحمل صغيرها بحبٍ واضح، ابتسمت لها ببساطة وهي تردد"مش مهم أنا عذراكي."
رجعت تسألها بانتباه"سمتيه محمد صح؟"
هزت رأسها بتأكيد، جلسوا لمدة قصيرة ورحلوا تاركين معها رودينا.
_بس شكل زينب واخدة عليك أوي صح؟
استفهمت منه سما محاولة أن تكون نبرتها طبيعية وهي تخلع وشاحها، وهو نفى بجدية"لاء مش واخدة عليا، بس إحنا قرايب وزينب متربية مع رودينا، وجت فترة قربنا من بعض بسبب طلاق رودينا، هي صدقيني طيبة وغلبانة لكن مش بتعرف تزوق الكلام ودا غلط طبعًا بس اعذريها."
"وأنت ليه مفكرتش مرة تخطبها مثلًا؟"صدح صوت ضحكه في المكان وهو يستفهم بتعجب"بتهزري! أنا عمري ما فكرت فيها أبدًا، زينب فعلًا شخصيتها قوية وأنا شخصيتي قوية وإحنا الاتنين عايزين كل حاجة مثالية فتخيلي اتنين نفس الطباع المقرفة دي يتجوزوا!"
بهت لونها وهي تستنكر بملامح حزينة"بس كدا!"
قرأ تعابيرها، رسم بسمة هادئة وهو يحدثها بصدق"وعمري ما انجذبت ليها، ولا عمري فكرت فيها، وطول عمري شايفها أختي الصغيرة الأصغر من رودينا كمان، وفي أوقات كتير مكنتش بتعجبني شخصيتها، وساعات كتير كنت بقول عليها هبلة عشان رغم كل دا هي حنينة في مواقف تستاهل الشدة".
_شكلك بتشكر فيها!
عاتبته بكلماتها وهي تبتعد عنه، استنكر بكلمته"شكلك نسيتي إنها مرات عمير أخوكي!"
زفرت بضيقٍ رغم إنها تحاول أن تغير ملامح وجهها!
"بس عمير سابها."
_عمير جوزها، وهي على ذمته وإللي واثق منه إن زينب مستحيل تغضب ربنا، مستحيل تبقا على ذمة راجل وفي بينها وبين راجل حاجة تانية، بتقولي إيه ياسما!
لهجته كانت مستغربة، وهي ابتلعت لعابها تبرر بنبرة خافتة محرجة"مقصدش واللهِ ومش بظلمكم بس أنا حسيت إنها فعلًا قريبة منك! واخد عليها، دي مش أول مرة، كل أما بتيجي فوق وبتبقا موجود بتتكلم معاك بعشم!"
تذكر المرات التي تحدث بها مع زينب! ضحك أكثر، وحرك رأسه بعدم تصديق! لا يصدق، هو لم يفعل غير الاطمئنان عن حالها! زينب منذ زمن أمامه ولا هي تخطت حدودها ولا هو، بينهم سلام ربهم وفقط.
أخذها في أحضانه محدثها بمشاكسة"ياغيورة، مفيش الكلام دا، وبعدين أنا في كل مرة بكلم زينب بيبقا عشان أدوب بينكم الحاجز، إنتِ بتخافي منها وهي كذلك فحرام كل يوم تتقابلوا وأنتم جواكم خوف مين إللي هيغدر بالتاني الأول! ثم إني راجل بحب مراتي، ومراتي مفيش اجمل منها، ولا أجمل من رقتها، وشخصيتها."
ابتعدت عنه تضيق نظراتها بتدقيق مع سؤالها"يعني أنت مش عينك زايغة؟ أصل أنا مش عارفة هلاقيها من مين ولا مين!"
_يابنتي هتجبيلي مصيبة وربنا، أنا أقسم بالله أبرأ من كدا، دا إنتِ إللي بقالك ساعة بتبوسي ايدي عشان آجي معاكي مسبكيش لوحدك مع رودينا عشان تروحي تشوفي ابن أخوكي!
كان يندب حظه! وعلى وشك البكاء، صمتت للحظات لتستوعب إنه بالفعل ترك عمله وجاء لها مخصوص لأجل ألا يتركها لحالها! رمشت بأهدابها وهي تضحك، ورددت بحماقة"تصدق صح!"
رمى عليها نظرات منفعلة وهو يهتف بسخط"ظالمة."
مدت يدها له تصافحه مع كلماتها المحمحمة بخجلٍ"خلاص متزعلش، المسامح كريم".
_لاء أنا مش بسلم على ستات بالإيد معلش، أنا بحضن علطول.
نطق جملته بجدية في البداية ونهى جملته وهو يتجاهل يدها يسحبها إلى أحضانه، ضحكت وهي تسخر منه"إيه الأخلاق دي!"
1
_طول عمرها أخلاقي نقطة ضعفي!
"________"
_قول رودي، رووو روو دي دييي.
كانت تحدث رودينا الطفل الذي لم يكمل يوم ونصف وتريده أن ينطق اسمها! هو بالأساس يريد النوم وهي تجبره أن يفتح عيونه التي لا تُظهر! زفرت بضيقٍ وهي تردد بتصميم"قول رو دي يلا دا أنا اسمي سهل ياحمودي."
4
كانت ترمقها زينب بنظرات ناعسة، ترى حنانها، وبساطتها، مسكينة رودينا! تدعي ربها كل ليلة أن يرزقها بطفل جميل يشبهها، طفل واحد فقط يروي ظمأ أمومتها، ضحكت بخفة وهي تسمعها تحدثه بتذمر"بتتقل عليا عشان عيونك زرقا وشعرك أصفر؟ هو أنت ابن الست دي؟ ولا هي خطفتك، أحيه مفيش حاجة منها! مطمرش فيك تسع شهور الحمل يا ابن..يا ابن عمير!"
_على فكرة أنا جوزي عيونه عسلي مخضر، وحياة بنتي عيونها مخضرة بردو، يعني مش لوحدك.
لفتت زينب انتباهها وهي تهتف بنبرة حزينة"أنا مقهورة إنه شبه عمير يارودينا."
_ليه يازينب؟ دا أبوه، وعلى فكرة مش شرط عيونه تكون زرقا الأطفال أول ما بيتولدوا يكونوا عيونهم رمادي أو زرقا وبعدين لونهم بيظهر بعد شهر ونص وأكتر.
إلتوى فاهها وهي تخبرها باغتمام"هتكون عيونه زرقا لإن عمير ماشاء الله عيونه زرقا زرقا، دا غير إنه واخد بشرته وشعره، دا كإني مش أمه! وبعدين يعني هو كدا شبه سته اليهودية."
حركت رأسها بيأسٍ وهي تزفر بسخط"أعوذ بالله من فقرك ياشيخة مش بتعرفي تتبسطي حتى! ما تبطلي بقا هو حد يطول ابنه يكون ملون؟"
_عارفة يارودينا؟ ربنا هيكرمك بعيل شبهك كدا وواخد طيبة قلبك دا عشان خاطر إنتِ حنية الدنيا.
قالتها زينب بصدقٍ وبسمتها زينت وجهها، اتسعت بسمة رودينا تسألها بلهفة أمل"بجد يازينب؟ يعني ربنا هيرزقني وأخلف؟"
حركت عيونها تطمئنها بها واخبرتها بضحكة عذبة"على وش محمد هتحملي."
_ياروحي أنا! طب لو خلفت بنوتة مش هجوزها غيره، ولو موافقش يتجوزها هجبره يتجوزها.
عفوية وبسيطة، حنونة وخفيفة على القلب، لا تحقد ولا تغار، تعطي بدون مقابل.
"_______"
رجعت رودينا إلى منزلها، سألتها حماتها ببسمة"ابنها حلو؟"
_حلو بس؟ قولي بدر منور اللهم بارك، ربنا يجعله ابن صالح وبار بيها بس دا حاجة كدا خيال ماشاء الله اللهم بارك.
قالتها بدون مبالغة، هو بالفعل هكذا، بسمتها من الأذن للأذن، وركضت حياة تسألها بتحمس"شو اسمه؟ وكيف شكله؟"
_اسمه محمد، وشكله قمور زيك ياحياتي أنا.
قبلتها من وجهها وهي تقول كلماتها، وربتت والدت منقذ على ذراع ها تواسيها بكلماتها"ربنا هيرزقك إن شاء الله."
"خير ياطنط كل إللي يجيبه ربنا خير."
راضية وليست معترضة، وسكتت تلاعب حياة بلعبة الذكاء التي تفشل بها حياة دائمًا، ورودينا أيضًا لكن حياة تمتلك عزيمة وثقة بأمها"رودينا"لدرجة إنها لا تمل من خسارتها المستمرة!
جذبت انتباهها وهي تحدثها بتذكر"اتصدقي إني عمري ما سألتك إنتِ عرفتي منين إنك مش بتحملي؟ يعني أقصد من ساعة جوازك من سامر وإنك مش بتخلفي ولا حللتي من قريب؟"
أوه حان الآن موعد الحقيقة! حدثت حياة بمشاكسة"لو فلحتي فيها هديلك عشرة جنيه، يلا روحي العبيها هنا."
ابتعدت عنها حياة وهي أجابتها بابتسامة مكسورة"أنا كنت بحمل وبخلف عادي من ساعة سامر، وحملت من أول ما منع عني المانع، حملت بدل المرة اتنين ياماما."
شهقت بتعجب وسألتها بصدمة"أومال وين راحوا؟"
_أول مرة المانع ضاع مني وكنت خايفة أقوله فحملت فهو عرف وسقطني بطريقة وحشية، وتاني مرة صمم أحمل وبردو سقطني بطريقة مرعبة، دبحني في المرتين، ربنا ينتقم منه.
كانت الكلمات صعبة على لسانها قبل قلبها، والثانية تألمت على ألمها! يا الله! كانت تعايرها بجرحها! شيء ليس له علاقة بكمالها كـ مرأة! شعرت بالشفقة عليها، وضمتها وهي تخبرها بتأثر_:
_مو مهم، في الله بياخدلك حقك، ما تفكري كتير في موضوع الأطفال.
رفعت نظراتها لها تسألها بعيونها الراجية"مش هتخلي منقذ يتجوز عليا؟"
_أنا مشوفتش أحن منك، ولا عمري هشوف حد ابني هيحبه قدك ولا حفيدتي، أنا مستحيل اتكلم في موضوع الجواز تاني، حقك عليا أنا مكنتش أقبل على نفسي كدا زمان عشان أعمل معاكي كدا.
في الحال حُفرت بسمتها على وجنتيها وتحدثت بنبرة سعيدة"شكرًا ياطنط، شكرًا."
"_______"
وأخيرًا قرر أن يتخلى عن كل هذا، قرر أن يصنع عمير خاص به، ضرب بكل شيء عرض الحائط ورجع إلى مصر، وطنه، متلهف أن يرى ابنه، ابنه الذي للتو أكمل ثلاث ليالي في تلك الدنيا القبيحة، اشترى كل شيء لصغيره وانطلق لبيتها.
3
فتحت له والدتها، تنحت جانبًا وهي ترحب به باصفرار"اتفضل ياعمير."
دخل يبحث عنهم بعيونه، ونادت والدتها بعلو صوتها"عمير برا يازينب."قالتها ودخلت لها، والثانية رنت ضحكتها بسخرية وهي وتستفهم منها بمرارة"لسة فاكر! بعد ٣أيام!"
_خلي محمد معاكي.
رمتها وهي تنهض تعطيها صغيرها، خرجت له تحدثه باستهتار بين"تعبت نفسك وجيت بعد ما الولادة بتلت ايام أنت."
"أنا مكنتش موجود في مصر، كنت في السعودية."
ينهي النقاش الذي يعلم إن لا جدوى منه، اذبهلت ملامحها ونطقت بسعادة غير مقصودة"كنت بتعمل عمرة؟"
3
نفى برأسه لتطير بسمتها، وهو أكمل بجدية"كنت في شغل".
_والشغل دا يمنعك إنك حتى متفكرش تتصل؟ تسأل الولد سليم ولا لاء؟ مولود بخير ولا إيه الدنيا؟ ولدته إزاي؟ موجود في الحضانة ولا إيه الدنيا؟ أي حاجة ياعمير!
كانت تعاتبه بنبرة هادئة حزينة، وهو اعتذر منها يخبرها بصدق"أنا آسف بس رقمك الجديد مش معايا، واتصلت لمامتك محدش بيرد واللهِ".
تابع بقلبٍ مرتجف ونظرات معلقة بها"إنتِ بخير؟ ولدتي في مستشفى حكومي؟"
_لاء عند دكتورة خاصة أنا متابعة معاها، كنت عاملة جمعية عشان محتجش لحد ومتمرمطش في الحكومي، والحمدلله الولد طلع متصان وكويس.
1
"ينفع أشوفه؟"
يستأذن منها، قطع نظرتها له الدق على الباب، توجهت تفتح لخالها وحدثها ببسمة واسعة"جبت للواد حتة سلوبتة خطيرة."
اصطدم بعمير في الحال، تذكر كل ما فعله، وكيف أهانه في شركته، وماذا فعل بابنة شقيقته، سمع جملته"إزيك ياعم عبدالله، تعيش وتجيب."
_هاتي الواد يازينب نفسي أشوفه.
وجه حديثه لها وخالها حدثها بجدية متجاهل حديثه"جيبي الواد يشوفه عشان يمشي."
ارضخت لأمره ودخلت إلى الغرفة تخرج به مع والدتها، سمعت صوت خطواته قريبة منها بلهفة، ورأته يتقدم، انكمشت وهي ممسكة بابنها تريد أن تخفيه، اقترب منها يمد يداه ببطء، مشاعره فياضة، يريد البكاء الآن، رفع نظراته لها ليجدها خائفة على طفلها منه، وهو كان ترجاها بنظراته وجملته لحقتها"عايز أمسكه يازينب، عايز أحضنه."
كانت يديها متيبسة، لا تستطع أن تعطيه رضيعها، ورجعت خطوة للوراء لولا إنها سمعت جملة خالها"يابنتي اديله يشيل ابنه."
_خايفة عليه منه.
قالتها في الحال بعدما نظرت إلى خالها ودموعها عالقة، وجملتها كانت بمثابة نصل حاد تطعن به قلبه بدون رحمة، تحولت نظراته إلى مصدومة، ورفع يده يسألها بتعجب"خايفة عليه مني! أنا أبوه."
يقول جملته وكإنها تتعرف عليه، والمصيبة إنها تعلم مَن هو، للمرة الثانية سمعت أمر خالها"خليه يشوف ابنه."
1
أبعدته عن أحضانها وقلبها يرتجف مع يديها وهي تسلمه له وكإنه سيأخذه ويهرب، وهو كان متلهف ليضمه ويرى وجهه الخفي للأن، سارعت يده بأخذه، ورفعه لوجهه يحدق به بمشاعر كثيرة نابعة من أعماقه، طغت مشاعر الأبوة عليه وهبطت دمعة من عيونه وهو يردد بسعادة مستنكرة"عيونه زرقا زيي يا زينب! وأبيض زيي."
1
_بعد الشر يارب ما يكون زيك.
أم قالتها بخوفٍ، شعور الأمومة هذا! خشت عليه من مجرد كلمة، تخشى أن يشبهه في طباعه وحياته، بدون وعي قالتها وهي تشهق رغم إنها تعلم إنه يقصد في الشكل وهو بالفعل نسخة منه في الشكل، لم يأخذ منها شيء وكإنها لم تحمله بداخلها أشهر!
4
وهو الجملة مزقت قلبه، وأبعد عيونه من فوق صغيره بصعوبة يحدق بها هي بنظرات لم تفهمها، تلاشى كل هذا، وأكد على جملتها بمرارة واضحة بعدما عاد نظره إلى هذا الجميل الصغير"يارب، ربنا يحميه ويوفقه ويرضى عنه، إنتِ قولتي سمتيه إيه؟"
_محمد.
سمع الاسم وابتسم بحزنٍ وضح عليه، وتحدث بخفوت"جميل".
حدق به وهو يتلمس بشرته بحنانٍ، وضمه إلى قلبه، سرت رعشة خفيفة في أوصاله ودق قلبه بعنفٍ، وزع القُبلات عليه وجلس به على الأريكة يحدق به بنظرات متيمة سعيدة، هو أصبح أب بين ليلة وضحاها! وأب لطفل ما أحلاه! جميل الوجه، دافئ الملامح، أخرج محفظته من جيب بنطاله، وأخرج منها رزمة من الأموال يضعها عليه وقبل أن يتحدث كانت الإعصار تحدثت"شيل فلوسك ياعمير، ابني مش هيتربى في فلوس حرام."
3
_أنا أبوه يازينب، وعلى فكرة اطمني الفلوس دي من مرتبي، كنت أنا مدير مشروع وخلصناه وخدت فلوسه يعني حلال.
كان هادئ للغاية وهو يخبرها، وهي تحدثت بحدة"وأنا مش هاخدهم".
1
زفر بقلة حيلة، وتحدث بجدية وهو يشير على حقائب كبيرة وضعهم على الباب"دي هدوم محمد والبامبرز وكام لعبة كدا وكمان حاجات طبية كدا للتسلخات، كل شهر هيكون عندك زيهم، ودول خمس تلاف جنيه، مش بقولك خديهم إنتِ بقولك دا لابني إللي مش هتقدري تمنعيني من حقي فيه."
_وأنا هكفي ابني، أنا مش بشحت يعني عشان معرفش أجيب بامبرز ولا لبس لابني.
هاجمته بحديثها وهو حرك رأسه بقلة حيلة، وتحدث بجدية"إنتِ ست الناس، بس أنا أبوه بردو ومن واجبي إني اتكفل بكل مصاريفه، وبعدين زعلانة ليه؟ دا الستات بيتمرمطوا في المحكمة عشان طليقهم يدفع لولادهم قرش، أنا أهو جايبلك حاجة ابني الشهرية."
تحدته بحديثها الجامد وهي تسحبه من يده"وأنا قولت لاء يعني لاء، أنا مش هربي ابني بفلوس قذرة تدخل على ابني الطفل بالخراب، حاجتك ياعمير معاك ومن غير مطرود وأهو شوفت ابنك إللي مكنتش تعرف عنه حاجة طول فترة حملي."
ترك لها الطفل وقلبه معه، وعيونه علقت عليه بعدما نهض وحدثها بنبرة متراجعة"خلاص نوصل لحل."
_مفيش حل، أنا مش هكرر نفس غلطتي وآخد من فلوسك دي وفي الآخر أبيع حاجتي عشان أرد الفلوس.
اللعنة على عنادها ورأسها الصلب، تنهد بقلة حيلة وردد بتعبٍ"وربنا فلوس شغلي في الهندسة."
رمقته باشمئزاز وهي تتحدث بنبرة منفعلة"الشركة دي كل فلوسها ودخلها حرام."
هز رأسه وهو يغمض عيونه بيأس، واستفسر منها بنفس طريقته المتعبة قليلة الحيلة"طب أجيبلك فلوس حلال منين دلوقتي يا زينب عشان أصرف على ابني؟"
_أنا هصرف عليه زي ما كنت بصرف عليه وهو في بطني، لو سمحت الزيارة طولت أوي.
انتهت وهي كانت تشير بيدها كلها على الباب بمعنى أن يرحل، ليتنحنح وهو يمد يده"طب هاتيه هبوسه."
1
أعطته له وهي في آخر ذرات تحمل لها، وهو ردد بجانب أذنه بعدة كلمات لم تصل إلى مسامعها، طبع قبله على جبهته وتحدث بصوت خفيت"بدر منور يا عيون أبوك، ربنا يحفظك."
انتهى وأرجعه لزينب برفق، وتحدث بنظراته المقهورة"طب لو محتاج حاجة اتصلي بيا".
ضحكت بسخرية بدون صوت، ورجع يحدثها من جديد"ومعلش هبقا آجي أشوفه كل أسبوع مرة."
_ماشي بس إيدك تكون فاضية، ولو سمحت أنا عايزة ابني يكبر وهو ملوش علاقة بيك وبشغلك، يعني أنا لولا إن حرام أبعدك عن ابنك كان زماني رفضت، بس ابني يكبر في مكان محترم بعيد عن كل دا وحواراتك، وكل ما يكبر أكتر كل ما هتبعد عن حياته لأنك دمار في حياة أي حد.
قالت حديثها بدون مجاملة، وهو ابتسم بمرارة مع هزة رأسه الموافقة يحاول التخفيف من حدتها بجملته"ماشي يا أبلة زينب."
2
زادت ضحكتها الساخرة، وتحدثت هي الأخرى بوجعٍ نبع من داخلها"تصدق مبقتش لايقة عليك!"
_بس لحد دلوقتي بحبها.
قالها بابتسامة حنين، واتجه يأخذ الحقائب مع حديثه الحزين"يعني حتى مش هتاخدي اللبس؟ شوفيه حتى."
ابتعدت عنه هي وابنه وهي تردد بنبرة جادة"امشي ياعمير، امشي."
"طب اديله دي بس، دي سلوبتة أنا إللي منقيها بنفسي والله، نفسي أجبله أي حاجة."
قالها بسرعة وهو يخرج حقيبة مدون عليها اسم محل ملابس شهير في الطبقة البرجوازية، وهي لم تمهله الفرصة ودخلت الغرفة فورًا تغلق الباب بوجهه.
2
وجَّه نظراته إلى والدتها، وحدثها بنبرة حاول جاهدًا ألا يظهر اختناقه فيها"طب خدي حتى 200جنيه نقطة ياستي."
_أنا مليش دعوة بعلاقتها بابنها، بس هي معاها حق، وأنا وأنت عارفين إنك لو ضمنت وجود الواد دا في حياتك هتدمره.
جميعهم قاسيين! رسم بسمة ساخرة على وجهه وسألها بسخرية"هو أنتم بتعملوا كدا ليه؟ يعني أنا أقدر أمنعكم أنتم منه ووقتها لا محكمة ولا قانون هيحكملكم، ما تلموا الدور شوية أنا ساكت ومستحمل عشان بس أم وخايفة وهي لسة والدة وتعبانة بس دا ابني."
1
"ربنا يهديك ياعمير هتاخد طفل مكملش أسبوع من حضن أمه عشان ترميه في حضن مربيات؟ ولا هو أي عند وخلاص!"
استفهمت منه بقلة حيلة، وهو رد بدهشة"طب وليه تحرموني منه!"
"معاك حق، ليك عليا واللهِ ياعمير هنعملك يوم كامل تيجي تشوف ابنك فيه، اصبر بس عليها هي لسة خايفة ومتوترة."
نطق بها خالها، رَجُل أخذ من الصبر والحكمة ما يكفي ليصبح رجل حنون عادل! شكره بجملته وهو يرحل"شكرًا ياعم عبدالله".
1
أخذ هداياه معه، ورحل خائب الأمل حزين، مكسور القلب، ضائع، وماذا بعد؟ ها هو أصبح أب، وابنه سيعيش بعيد عنه، هو علق زينب لكي يضمن ألا تصبح ملك لأحد غيره، أنانية نعم لكنه يخشى فقد ابنه معها.
2
مل حياته تلك، تعب وسأم من كل ذلك، يريد فقط أن يهدأ قلبه بعض الشيء، لكن كيف يهدأ ووالده مازال يلاحقه؟؟ يريد هلكه كأغلب الجميع، كل شيء ضده، تنهد بتعبٍ وأجرى اتصال مع الشيخ، لكن الشيخ هاتفه مغلق!
2
اتصل بعلي ليرد عليه في الحال ببسمة"عمير! عامل إيه ياصاحبي؟"
_بخير، وحشتني ياسطا، فينك عايز آجي أقعد معاك.
يريد أن يتحدث مع أي أحد يفهمه لكن علي اخبره بأسف"أنا للأسف مش في القاهرة أنا دلوقتي في السويس عند أهل المدام قاعدين أسبوع."
"خلاص مش مهم مع السلامة لما ترجع اتصل قولي عشان وحشتني."
نهى النقاش بسرعة معه، وسار بسيارته إلى حيث اللا مكان لكن سيارته قادته إلى منطقة أوس أوس الذي يعيش بها، اتصل بمحمود يحدثه بصوت مختنق"أنا في الزاوية إزاي أوصل لبيت أوس أوس؟"
12
وبعد مدة كان أمام باب منزل صديقه القديم الذي كان يلجأ له دائمًا في أشد مواقف خذلان، دق على الباب بدون تردد، وطال الانتظار حتى فُتح الباب، وظهر أسامة، تعجبت نظراته وفرك عيونه بخفة وهو يستفهم بصدمة"عمير!"
5
_إزيك يا أوس أوس ممكن أدخل؟
استفهم منه بجدية واوس أوس في الحال تحدث بسرعة"آه آه طبعًا، أنا...ثانية بس عشان مراتي منتقبة."
4
دخل بسرعة وخرج بعد لحظات يفسح له المجال للدخول مع ترحيبه الحار"نورت ياعمير، عامل إيه في حياتك؟"
انتهى من جملته وفي الحال ضمه بقوة وهو يردد بسعادة"أنا فرحان أوي إني شايفك."
_شكرًا يا أوس أوس، مبروك عليك جوازك، معلش جت متأخرة.
نطقها وهو يحك فروة شعره مع شعوره بالغربة، ضحك أوس أوس ببساطة وهو يخبره بمرحٍ"صباح الفل أنا مراتي لسة والدة من أسبوعين".
4
اتسعت بسمته وبارك له بحب صادق"مبروك يا صاحبي، أنت كويس وتستحق كل خير، اسمه إيه؟"
وضحت البسمة وضوح الشمس على محياه وأجابه بنبرة هادئة"عمير".
ضيق نظراته وسأله معتقد إنه يناديه"نعم؟"
_اسمه عمير، عمير أسامة.
قالها وعمير نظراته تحولت إلى مندهشة، صمت صموت طويل، وردد نفس جملة زينب"بعد الشر عليه إنه يكون زي عمير."
11
"هو في أطيب ولا أحسن من عمير؟"
كان سؤال استنكاري ليرد عليه عمير بضحكة مقهورة"دا مفيش أوسخ من عمير."
ضربه على صدره بيده السليمة وهو يصيح عليه"متقولش كدا أنت أحسن من أي حد."
_عارف يا أُس؟ عرفت إنك أنت كنت محافظ عليا من شياطيني.
قالها وهو مقتنع بها لكن الثاني نفى بحدة"لاء طبعًا إللي عايز يعمل الغلط محدش بيمنعه وأنت معدنك طيب، ومن جواك أحن وأحسن واحد، بس هو أنا السبب في كل دا."
1
ضحك وهو يرجع رأسه للخلف مردد بضحكة ساخرة"فكك بقا من جو إني أرمي عليك اللوم، مش أنت بس إللي تتلام، أنا ناضج وعاقل وكبير مش صغير عشان أرمي وساختي على واحد أنا كنت سبب في تدميره، وهو كان عايز يساعدني حتى لو بطريقة زبالة بس مش هرمي عليه اللوم، أنت غلطت وأنا غلطت وإحنا الاتنين اتحملنا غلطاتنا، أنت غدرت بسما وكان نتيجته إنك عايش مشلول، وأنا دخلت سكة شمال وآخرها اتمنعت من إني أكون إنسان."
لا يحب أن يسمع الكثير عن ذلك الموضوع وتحدث بضجر معاتبه"ما بلاش الذكريات الهباب دي ياعمير، أنا عايش شايل ذنبك وذنب سما."
هل سيعيش يأنب ضميره ويجرح قلبه على شيء جميعهم اختاروه بملء إرادتهم؟ وأخيرًا قرر أن يزيل حموله من فوق صدره مخبره بنبرة جادة
_متشيلش ذنب حد يا أوس أوس، أنا حالي بقا أحسن من حالك مليون مرة لكن أنا اللي مش سعيد، وسما اتجوزت، اتجوزت واحد بيحبها بجد وعمرها ما هتلاقي في حنيته عليها.
اتسعت بسمته وهو يسأله بلهفة"بجد سما اتجوزت ومرتاحة؟"
"آه يا أوس أوس، سما اتجوزت أخو رودينا وهو دكتور محترم والكل بيحبها."
ارتاح قلبه وظهرت سعادته على وجهه، وردد بارتياح"ريحت قلبي واللهِ، وطالما رودينا وعيلتها يبقا أحسن ناس واللهِ."
"وأنا كمان خلفت ولد، من ٣أيام".
قالها بجمود وعمير سأله باهتمام"من سيلا؟"
نفى برأسه وهو يجيبه ببساطة"من زينب."
_إزاي؟ هو مش أنت كنت مطلقها لما سبت الحارة؟
"آه بس رديتها وحصل حوارات وحملت بعدين طلقتها بعدين رديتها، حوارات كدا، مرمطتها يعني معايا، وكنت مسافر وهي بتولد وجيت إنهاردة، قولتلها وريني الواد قالتلي خايفة عليه منك، ومردتش تاخد أي حاجة جبتها ليه."
ربت على ذراعه بتأثر وهو يحاول أن يضيع حزنه"متزعلش هي أم وأنت عارف الأمهات بيبقوا خايفين إزاي على ولادهم وهي أكيد زعلت إن كل الرجالة بيقفوا في ولادة مرتاتهم وأنت مكنتش موجود."
تابع ببسمة متحمسة"اسمه مصعب؟"
نفى بسخرية وهو يرمي كلماته بحزنٍ وكإن جبل ثقيل فوق صدره"لاء، محمد على اسم أخوها الله يرحمه، أنا اتصدمت، كنت فاكرها هتسميه مصعب بس اسم محمد جميل بردو، يارب يطلع زي أخلاق أخوها ومسؤوليته".
نهض أوس أوس يخبره بنبرة هادئة"هجبلك عمير تشوفه."
نهض يدخل إلى الغرفة، ودخل إلى زوجته التي ارتدت النقاب، حدثته باعجاب واضح به"أنت طيب أوي يا أسامة! هو جي ليك وعارف إنك هتفتحله دراعاتك وتحضنه، جي وعارف إنك أنت الوحيد إللي هتتقبله!"
_والله ما أقدر معملش كدا، إللي بينا سنين وعمر كامل مش يوم ولا اتنين، عمير صاحب عمري، ومستحيل يحتاجني وميلاقنيش.
كانت مشاعره فياضة، يعطي بلا مقابل وللأسف هي ذكرته بكرمه مع مَن لا يستحق الكرم بجملتها"بس أنت احتاجته وهو سابك في عز وقت صعب بتمر بيه!"
نظر بعيونها يعد لها ببسمة مسيطر عليها الحزن"وأنا قبلها رفعت عليه مطوتي وكنت هموته، وبسببي طلق مراته بعد ما ابنهم مات في بطنها، ونزل على رجل أبوه عشان بعد كل دا الواطي أوس أوس ميموتش ولا يقتلوه، خدني وهو مش قادر يقف يوديني المستشفيات، باع دهب مراته ودفعلي العملية، وقفني على رجلي وجابلي ممرض، عايزة بعد كل دا افتكر الوحش! هو لو عمل حاجة وحشة فكان بسبب غدري."
_وأنا خايفة يغدر بيك!
قالتها بخوف صادق، متوترة، نظرات عيونه جامدة، رأته من قبل صدفة ومعه حراسة! كإنه رئيس وزراء! غني لدرجة تخيف، وماله حرام! ويشرب المخدرات، وسمعته وسمعة أهله وزوجته الثانية سيئة للغاية!
كل الخوف أن يعود أسامة صديقه فيعود لأيام تحيطها الذنوب والمعاصي!
قبل رأسها وهو يشاكسها بمرحٍ"طب يجرب كدا يغدر بيا وأنا أغدر بأمه وأسجله وأبلغ عنه."
_ملناش دعوة بالحوارات بتاعت الناس الخطر دي.
نطقتها باضطراب، رنت ضحكته وسخر منها بحاجب مرفوع"الناس الخطر! واللهِ جوزك كان أخطر من الخطر، ميغركيش بس أوس أوس إللي بيقولك يامزة دا! دا أنا كنت بثبت العيال من وأنا عندي خمس سنين عشان آخد سندوتشاتهم! أنا الخطر نفسه يامزة!"
_يخربيت ألفاظك! خد الواد واخرج يلا.
أخذه منها، وخرج على عمير الشارد، اقترب منه يهلل بمرحٍ"خد الواد، أوعا تحسده إنه أحلى منك! طالع لأبوه جذاب وكل البنات بتموت عليه!"
حمله بين يديه يسمي الله بصوتٍ عالٍ، حدق به يتأمله؛ بشرته سمراء، وعيونه سمراء، شعره خفيف للغاية من اللون الأسود، واضح إنه يشبه أسامة_هو في الأصل يأخذ عيون وشعر والدته وحتى بشرة والدته السمراء لكن من أين لعمير أن يعرفها!_جميل الطفل! وملامحه مريحة للعيون بطريقة غريبة! استراح وهو ينظر في وجهه، ورأه يضحك له الرضيع! ضحك أوس أوس وهو يخبره_:
_كدا حبك، ما أنت عمه بقا واسمه على اسمك.
_شبهك صح؟
سأله بفضول، ونفى أسامة ببساطة"مخلط، شبهي وشبه أمه، سته بتقول إنه هيكبر ويبقا شبه ملامح أخت مراتي "بوسيلة"مش عارف بس هو أنا ومراتي فينا شبه من بعض."
_عرفتها منين؟
_الشيخ عبدالرحمن هو إللي جابها ليا، شكر ليا في أخلاقها وأنا روحت معاه واتقدمنا ليها واتجوزنا في شهر ونص.
ابتسم له يحدثه ببسمة صافية لأول مرة منذ زمن، وأخيرًا سحبه إلى أحضانه كقبل مردد بعبارة حنونة"مبروك يا صاحبي تستحق كل الخير."
أغمض أسامة عيونه بقوة، زمن مر! زمن مر ولم يحدثه حتى كلمة طيبة والآن هو يضمه كقبل؟ وينعته بـ"صاحبي"! ضمه بيده السليمة وسقطت دموعه وهو يخبره بتأثر"وحشتني أوي ياعمير، أنا آسف حقك عليا واللهِ العظيم ما كنت قاصد يحصل في حياتنا كل دا، حقك عليا."
_اكتشفت إن أنت الوحيد إللي باقيلي يا أُس، أنت الوحيد إللي فعلًا عارفني، إللي في أي وقت موجود.
ابتعد عنه أوس أوس يضربه في صدره وهو يخبره باستشاطة"صدقت كلامي بقا! عشان تعرف ياعبيط إن ملكش غيري."
2
_اصبر طب عشان أشوف الواد ابنك إللي منتحل شخصيتي، دا أنا مسكته أكتر من ابني.
لاعب الصغير بمرحٍ ممتزج بلينه! وأخرج من جيب بنطاله خمس أوراق خُضر اللون يضعهم في يد الطفل، توسعت عيون أوس أوس وهو ينشلهم من يديه بصدمة_:
_خمسين دولار! يخربيت أهلك إيه الفلوس دي كلها! وبعدين ماشي بدولارات!
_صاحبك عدَّى بقا مليونير، خمسين دولار دول ولا حاجة!
كان مبتسم وللحق يشعر بإنجاز وفخر كبير، لكن صدمه أوس أوس عندما أرجعهم جانبه مع جديته"ربنا يزيدك من حلاله ياصاحبي بس مالك حرام، مش هقدر أدخله في بيتي، وكمان بوسيلة صعبة جدًا، وصدقني والله مخدتش نقط من حد."
زفر بقلة حيلة وحدثه بخيبة أمل"عشان خاطري".
_خاطرك غالي بس لو سمحت متجبرنيش.
كان جاد، وعمير أرجعهم لمكانهم بملامح عابسة مكفهرة، خرجت بعد لحظات زوجة أسامة، منتقبة كما قال محمود، حدثته بنبرة جادة"منورنا يا باشمهندس عمير واللهِ."
نهض لها يضع يده على صدره يحييها بلباقة"البيت منور بأصحابه، ربنا يباركلك في ابنك عمير ويجعله ذرية صالحة."
_اللهم آمين، طبعًا حضرتك مش هتمشي إلا لما تاكل معانا، حظك إني عاملة انهاردة طبيخ ولحمة.
ابتسم لها وهو يشعر بالخجل، يا الله! يشعر إنه غريب دخيل بينهم، هو كان يرسل لصديقه كل يوم طعام بيته بعدما تعده زينب، وأسامة قرأ أفكاره هو يضرب على ظهره بمشاكسة"عمير دا طول فترة جوازه من زينب كان مدلعني أكل."
تابع حديثه بابتسامة"عايزين بقا أما محمد ابنك وعمير ابني يشدوا حيلهم شوية نعرفهم على بعض."
بادله البسمة بصمت، محمد ابنه؟ هو لا يملك فيه شيء حتى يصحبه ليرافق ابنه! زينب تمنعه من لمسه! دخلت إلى المطبخ ومعها ابنها، وأوس أوس حدثه بتحمس"تعالى نطلع السطح".
صعد معه بقلبٍ يحركه فقط، وصعد إلى السطح الذي كان فوق الدور الثالث ليكون فوق منزل أوس أوس بالضبط، تقابل في الحال مع حمامهم وكلبهم! ركض على القلب يضمه وهو يصيح بلهفة"حموكشة! وحشتني أوي بجد!"
والكلب يعرفه ويفهمه وفي الحال احتله يحتضنه بجسده ويلعق وجهه، تعالت ضحكات عمير وهو يربت على جلد الكلب"طمر فيك الأكل إللي كنت بأكلهولك والرغي إللي برغيه كنت معاك."
_على فكرة لما خدته من العمارة قعد فترة طويلة أوي مش بياكل عشان زعلان، ولما كان في العمارة التانية مكنش بياكل عشان أنت بطلت تطلع تأكله، كلب حساس!
_أهو دا الكائن الوحيد إللي بيحبني في الحياة.
ضحك وهو يقولها، وتابع بأسى خيَّم على وجهه"لما طلعت السطح ملقتهوش كنت هتجنن افتكرت سربوه طلع أنت خدته، كنت هتجنن أكتر وعايز أعرف مكانك عشان أكسرك وأخده".
عاتبه بكلماته"ما أنت كنت ناسيه ومش بتطلعله كان هيموت دا كلب بلدي آه بس تربية بنت بنوت."
_دا الحمام بتاعنا صح؟
هز رأسه يؤكد وأشار على مكان به لحاف ووسادة وطاولة صغيرة يخبره بمكرٍ"ودي المُكنة بتاعتنا."
_أيام ما حبيبة كانت بتطلع لينا؟
ضحك وهو يغمزه بدنائة ليصحح له الثاني بسخرية"أيام ما حبيبة كانت بتطلع ليك وأنا بتلزق فيها".
استنكر بحروفه وهو يرفع حاجبيه"بس سبحان الله اتجوزت واحدة منقبة! وبقيت حاجة تانية."
_يهدي الله من يشاء.
قالها ببساطة، واستغرب عمير مشير على الوسادة"بتنام هنا لسة؟"
_ساعات، بس بوسيلة مش بتحب كدا فلو لاقتني طولت شوية بتطلع تجيبني من قفايا تجرجرني لتحت.
تردد كثيرًا قبل أن يطرح سؤاله مراقب تعابير وجهه"هو معلش يعني بوسيلة تعرف إللي حصل في حياتنا؟"
رسم نصف بسمة متهكمة وهو يجلس على الأرض مخبره بطريقة مبالغ بها"دي مبصمجة حياتنا من وإحنا لسة في بطن أمهاتنا، أنا حاكي ليها كل حاجة، قعدت معاها في تاني قاعدة وكدا قبل الجواز وفهمتها كل حاجة وهي فهمت إني توبت وصراحة عمرها ما خافت مني ولا عيرتني وبجد بنت حلال أوي، مجايب الشيخ عبدالرحمن الله يباركله."
_بقيت صاحب أنت أوي علي والشيخ، فاكر أما كنت بتغير منهم وبتقول عليهم رخمين؟ وإن أنا إللي هبقا معاهم؟
حك فروة رأسه يخبره بجدية"عرفت إنهم أحسن خلق الله."
اقترب من يمزح معه بغمزة مشاكسة"سيبك أنت، اقلع الچاكت البدلة دي والقميص وأقعد يالتيشرت."
_البدلة مش لايقة عليا.
نطقها باستهزاء، نفى في الحال وهو يدفعه"الباشا طول عمره بتليق فيه كل حاجة، بدلة بقا أو حتى كلسون!"
صدح صوت ضحكاته وهو يردد كلمته باستهجان
"كلسون! أنا هقعد معزز مكرم ببنطلون البدلة."
اقترب منه عمير يضع يده على شعره وفي لحظات بدأ ببعثرته بعدما خلع عمير القميص والمعطف وبقى بالفلنة البيضاء القطن بنصف ذراع، قيمه وهو يرفع يديه بتحمس"عمير القديم المعفن رسمي!"
2
_احترم نفسك يا بني بقا! دا أنا بقيت بيه ابن بيه!
نهره بسخط، واستند بساعديه على السور متحدث بشرودٍ"سمعت الحوارات إللي حصلت لأدهم وحبيبة؟"
1
"سمعت واتخضيت، كان ليك يد صح؟"
_كانوا وسخين أوي يا أوس أوس، ڤيلا برتبة دعارة، أنت كنت عارف إن سما مغتصبة؟
سأله بانتباه وأوس أوس توسعت عيونه يسأله بتعجب"سما كانت مغتصبة!"
_من وهي عندها ١٧سنة، حبيبة هي إللي بعتته عشان يكسرها، و...
كان يقص له ما حدث مع سما والثاني في عالم ثاني، يشعر بالحرقة، لا يستوعب سوى كلماتها الآن المجروحة وهي تنتفض بين يديه آخر لقاء لهم في الشقة الإيجار بالمعادي! ربط الأحداث ببعضها ووجد إنه بشع! بشع بشكلٍ مخيف، دمر الفتاة المدمرة!
"بلاش يا يونس، بلاش أبوس إيدك تعمل كدا وتدمرني تاني، أنا مستحقش يحصلي كدا، أرجوك ابعد بلاش تموتني تاني."
كان قذر، قذر معها بمعنى الكلمة، لا يستحق ماهو فيه الآن! دمر الفتاة دمرها، سقطت دموعه وهو شارد وعمير يتحدث وهو في عالم آخر، تنهد بتحسر وتحدث بنبرة كارهة"كان لازم أموت لما كنت واقف قدامها، أنا استحق كدا، هي متستحقش كل دا، أنا دمرتها."
ووجه نظراته له يحدثه ببسمة ساخرة"ودمرتك ياعمير، ودمرت علاقتكم وانتهكت عرض أختك وكنت مغفلك، أنا أوسخ بني آدم."
صمت عمير ولم يعقب، وتابع أوس أوس بانهيار تام"كانت بتقولي إني أمانها، ملهاش كان حد غيري، كانت بتتحمي فيا وفجأة أنا إللي بقيت مصدر خوفها ورعبها وتعبها! محدش كان يستحق أعمل فيه كدا! كان عقلي فين وأنا بدبحها بسكينة تلمة."
تركه في تأنيب ضميره حتى فاض به الكيل يخبره بجدية"خلاص اتجوزت ودكتور إياد بيعشقها، معوضها عن كل حاجة، هو بعيلتها وبالكل بالنسبة ليها."
_طب أرجوك ياعمير حاول تقرب منها دي أختك، متسيبهاش لوحدها ومتخليهاش زعلانة منك، هي من زمان نفسها يبقا عندها أخ حنين والله كانت بتعيط بالدموع وبدل ما أنا أعرفكم على بعض خليتكم بتكرهوا بعض، بالله عليك هي أطيب وأحن قلب قرب منها وهي هتترمي في حضنك.
يشعر بالألم ينخر قلبه، يتذكر كلماتها له، والسلسلة التي أهداها لها وللأن محتفظ بها، كل شيء يخصها وكل حديثها! وسقوطها بين يديه مغشي عليها محتمية به من قساوة حياتها! كل شيء يأتي عليها، حتى أمانها خانها!
"ياأس اهدى، سما بقت متجوزة خلاص مينفعش الحوارات دي، وأنت حصلك إللي حصلك، وإذا كان عليا فخلاص مراتي حملت وخلفت وأهو كل حاجة بخير، اهدى يابني."
رأف بحالته وهو يربت على ظهره بتأثر، وأسامة احتضنه بقوة متحدث بندمٍ
"والله العظيم ما كنت قاصد كل دا يحصل في حياتنا، والله العظيم ما كنت قاصد أرفع عليك مطوتي، وإيدي إللي ضربتك بيها اتشلت، والله يا عمير أنت أغلى من نفسي عندي، ومكنش قصدي والله، أنا آسف ياعمير، حقك عليا والله عارف دموعي ولا كلامي دول هيعملوا إيه بس أنا أنا عايش كل يوم بذنبك وذنبها، عايش مكسور بذكرياتكم."
وقفت بعيد زوجته ممسكة بصينية الطعام موضوع عليها، وأسفل نقابها تغرق دموعها وجهها، ترى حالته، وكيف مازال متأثر بتلك الفتاة! وله حق، الفتاة تسرق اللُب من العقل! رقيقة، عفوية، حنونة، جميلة، كل شي بها، وفوق كل هذا كان يرافقها أكثر من عامين ونصف! وتحبه وأكيد أحبها لكن سيطر عليه طمعه!
لم تريد أن تظهر أمامهم وهبطت بسرعة بالطعام للأسفل، وعمير هدأ من روعه وهو يتحدث بنبرة متأثرة مشاركه في البكاء بدون وعي"خلاص بقا، ما كلنا في حياتنا أهو، وأنا بوعدك إني هصلح علاقتي بيها، خلاص بقا متقطعش قلبي، كلنا غلطانين وهي غلطانة بردو وأنا، خلاص."
1
_مسامحني؟
سأله بعدما رفع عيونه الحمراء لعيونه الزرقاء، يترجاه أن يجيب بنعم، نعم ليريح قلبه، وهو هز رأسه بصدق"مسامحك يا أوس أوس واللهِ، ربنا يهديك ويهديني، كفاية إن ربنا قربك منه ورضي عنك."
"أنا والله عايش شايل ذنبكم ياعمير، وكل أما أتابع أخبارك بيزيد همي أكتر وأكتر! وصعبان عليا إللي بينا، إللي بينا كان كتير."
_وأنا قولت أنت ملكش علاقة بالسكة الشمال إللي دخلتها، أنا مش هرمي عليك حاجة معملتهاش، أهلي هما السبب في تدميري وتدمير سما وحتى أدهم.
نهره بحدة وهو يقذف في وجهه المحارم الورقية ليجفف دموعه وحدثه بحدة"لما تعيط ولا تتقهر مفيش حاجة هترجع، كفاية، أنا جيلك أهو ونيتي صافية من نحيتك، وسما اتجوزت ويمكن تكون حامل ولا حاجة، وأنت اتجوزت وخلفت خلاص طز في الماضي."
"طب وزينب؟"
استفهم منه بانتباه وعمير رد عليه بسخرية"أهي معاها ابنها".
"هي متستحقش منك تظلمها ياعمير."
عاتبه بكلماته والثاني استنكر بتعجب"مين إللي بيظلم مين! بتقولي متلمسش الواد، ملكش علاقة بيه، ابعد عن طريقنا، يا أخي *****كإن هي جبته لوحدها."
6
"معلش أنت اليومين دول عامل زي النار إللي بتاكل قدامها أي حاجة."
برر لها بجدية، وتابع حديثه بنبرة ذات مغزى"زينب انكسرت بعد موت محمد ياعمير، مينفعش تيجي عليها."
_ياعم فكك، يلعن أبو قلبي إللي حبها على اليوم إللي اتجوزتها فيه.
قالها بضجر، وتسطح على الأرض الموضوع فوقها اللحاف والوسادة كما كان يفعل من قبل، والثاني نام بجانبه ناظرين للسماء والقمر، حدثه أوس أوس بدون النظر إليه"طب وحرام ابنك؟ هيتربى متشتت بينكم."
3
ضحك وهو يهتف بنبرة لاذعة"لاء دا زينب هتربيه على كرهي من وهو في اللفة، هيكبر مش متشتت بينا لاء هيكبر عشان يكرهني."
_زينب مستحيل تعمل كدا.
_زينب كانت عايزة تموت نفسها وتموته بسبببي، وفعلًا شرحت إيدها بس أمها لحقتها.
شهق بصدمة وهو يستنكر بانفعالٍ"يخربيتك جاحد! زينب تعمل كدا؟"
هز رأسه بصمتٍ، وأشار للكلب أن يأتي، اقترب منه ينام بجانبه، ظل يمسد على الكلب بحنانٍ وأوس أوس بادر بسؤال فضولي"لسة بتشرب حشيش وكدا؟"
1
وجه نظراته له وهو يضحك بخفة مع سخريته"دا أنت قديم موت! أنا بقيت بشرب خمرة ياعم صباح الفل!"
2
اتسعت عيونه بقوة، واستنكر بحروفه"خمرة إزاي ياعمير! يخربيتك قادر! وزعلان إن زينب بتعمل كدا؟ ما لازم تبعد الواد عنك!"
1
لوى فمه بتهكم وتحدث بضجر"بطلتها من شهر."
2
_احكيلي ياعمير أنت إيه إللي وصلك للمكانة دي فجاءة كدا.
تنهد باستسلام، هو في الأساس أتى ليتحدث بحرية، وترك هاتفه في سيارته حتى لا تتجسس سيلا على حديثهم ويتحدث بحرية أكبر، كان يحكي له والثاني عيونه متسعة، حكى له كل شيء، وانتهى وهو يقول_:
_وأبويا خرج ولا حاجة تهزه! لاء دا اتجوز بت صغيرة من دور سما وجايبها تحضر الاجتماعات معانا، الراجل دا محدش قادر عليه، حتى الخيانة والقتل مكسرهوش، آه وهقابل أمي بردو بعد كام يوم.
_تقابل أمك عشان عملية تهريب تاني؟ يابني حرام عليك! من إمتى بقيت زبالة كدا؟ أنت كنت بتكره الناس دول إيه إللي جرا!
تعجب منه باستشاطة والثاني نفس تبغه وهو يهتف بلا مبالاة"مصلحتي معاهم."
1
_أنهي مصلحة دي ياعمير! مش خلاص انتقمت؟ عايز إيه تاني؟ عايز تعمل إيه تاني في حياتك وحياة الناس! يابني دول مدبسينك في كل حاجة! أنت مجنون؟؟ متخيل إنك لما بتوقع باسمك دا معناه إيه؟ معناه إنك ستارة ليهم ولقذارتهم، دول واخدين واحد ملوش ضهر، واخدين واحد حاقد عشان يبقا زي اللعبة في إيديهم! البت إللي متجوزها دي شيطانة، إيه يا دكر!! من إمتى وأنت متفتح لدرجة إن مراتك تبقا لامؤاحذة وهي اللي بترسملك طريقك! أنا فاهم إنك أثبتت نفسك بتعليمك وذكائك وساعدتهم بس دا لإنهم شايفينك كبش فدا، وربنا هيخلصوا من أبوك وبعدها أنت، أقسم بالله أخرك معاهم أبوك يا تقتله يا تحبسه وهتحصله، مجنون أنت؟
كان منفعل، يدفعه في صدره بعصبية وهو سيجن منه! والثاني ملامحه كانت غير مهتمة وهو يهتف بسخرية"هي موتة ولا أكتر؟"
_لاء ياعمير أكتر من موتة، هتموت غدر، هيقتلوك لما مصلحتهم تخلص، مش هتلحق تصلح كل إللي بوظته، مش هتلحق تتوب، مش هتلحق تكون إنسان بجد! في إيه ياعمير؟ أنت عمرك ما كنت بتفكر في الفلوس ولا السلطة ولا كل دا!
خائف عليه وهذا واضح، وعمير نهض ممسك بعقب سيجارته ينفث دخانه بجمودٍ، وأوس أوس أكمل بوجهٍ بانت مسيطر عليه حزنه_:
_شكلك بايع دنيتك وأخرتك يا صاحبي! شكلك نفسك ابنك فعلًا يكبر ويكون كارهك، مفيش حد بيعمل إللي بتعمله، أنت جحدت، قلبك بقا جاحد، وأنت بقيت فا** كبير ياعمير.
1
رمقه بنظرات محتدة وسأله بسخط وعصبيته مسيطرة عليه"وأنا لما كنت غلبان وطيب خدت إيه؟ اتداس عليا، كنت خدام الكل، الكل اتنطط عليا! ليه أنا معيشش الدور والكل يبقوا خداميني!، ليه أنا إللي لازم أضحي؟ عارف يعني إيه تقف في كمين الظابط الأعلى رتبة يقف هو إللي يرمي عليك السلام! عارف يعني إيه تدخل أي مكان الكل يقف ليك! وأنا ليه أحبس نفسي جوا الفقر والشحاتة وأنا عايش ملك حتى لو بفلوس حرام!"
_ربنا يهديك ياعمير، في حاجة أسمها آخرة، نار وجنة، اعقل ياصاحبي طريقك آخره هلاك في الدنيا والآخرة.
وقف بشموخٍ وأخبره بتحدي وثقة ممتزجة بحقده مبالغ بهما"طالما كدا أو كدا هلاك وأقسم بالله لا هكمل في الطريق وأدوس على الكل."
5
نظر له مطولًا بتعجب، قيمه كثيرًا ليجد إنه يعرفه، حتى نفس عصبيته وتوعداته القديمة، كان يطمح من قبل أن يواجه أسرته.
جذب انتباههم زوجته وهي تنادي عليه وهي تصعد بالطعام، لا تريد سماع أي شيء، يكفي ألم قلبها، حدثها بابتسامة"تشكري يا بوسي، تسلم إيدك."
أخذ عمير الطعام منها يضعه على الأرض مع جملته"تعيشي وتعملي يا أم عمير."
_بألف هنا.
رمتها وركضت، وأسامة حدثه ببسمة"هتاكل أحلى أكل، دي شيفة صغيرة."
مر الوقت وعمير شعر بالارتياح، نهض يرحل لكن أوقفه أوس أوس بسؤاله"رجعنا صحاب؟"
_رجعنا أكتر من صحاب.
أربع كلمات نطق به ليقفز الثاني بسعادة غمرته، وضمه وهو يردد"وأنا واثق إنك هترجع عمير إللي أعرفه."
_ادعيلي.
1
كلمات بسيطة كانت بمثابة توديع لبعضهم، وعمير رحل، وأسامة كان سعيد، سعيد بحق، وأخيرًا سينام اليوم مرتاح البال! لن تأتي له سما في كوابيسه تشكيه ظلمه!
1
هبط لزوجته التي لازالت بالنقاب لكن ترفعه عن وجهها، سألته بنصف بسمة"هو مشي ولا إيه؟"
هز رأسه وهو يقترب منها يتحسس وجنتيها باستنكار، ردد بصدمة"بتعيطي!"
"لاء مش بعيط، دا أنا..."
كانت تكذب وزاغت نظراتها، قطع الجملة بجملته"إنتِ بتكدبي يابوسي، كنتي بتعيطي وعيونك حمرا أهو."
ضحكت ببساطة وهي تتحدث بنبرة هادئة"ياسيدي مفيش حاجة، قولي بقا فرحان إن عمير علاقتك رجعت بيه كويسة؟"
_فرحان بس؟ أنا طاير يابوسي، عمير أقرب ليا من أختي، عمير أخ بجد.
ابتسمت بحنان ورددت بجدية"شربت سجاير معاه؟"
نفى بسرعة وهو يلحق جملتها"واللهِ أبدًا، مش بعد ما ربنا هداني وتاب عليا أرجع أعصيه!"
_طب يا أوس أوس بالله عليك أوعا ترجع تاني للحاجات الحرام دي، واللهِ العظيم يا أوس أوس الحاجات دي خراب، وأنت عندك عيل صغير حرام يدخل عليه حاجات حرام.
كانت خائفة؟ لا بل مرعوبة، قلبها يرجف من خوفها بسبب المجهول، وهو قبل رأسها بحرارة، وأمسك بيديها الاثنين يقبلهم لأكثر من مرة، قطع عهد لها وهو يهتف بصدقٍ بعدما جلس القرفصاء أمامها"وعهد الله يا بوسيلة ما هرجع، وعهد الله ما هرجع أعمل حاجة حرام أبدًا في حياتي، ولو علاقتي بعمير إللي هتخوفك فأقسم بالله ما تخافي، أنا وعمير عمرنا ما هنرجع زي زمان، بس على الأقل مش هنبقا شايلين من بعض، أنا بحبه يابوسيلة، وعارف هو مر بإيه بس مستحيل أخرب بيتي ولا أدخل حاجة حرام على عيلتي."
5
_ربنا يكملك بعقلك يا أسامة.
قالتها وهي تتنهد وهو استفهم منها بانتباه"بس إنتِ أكيد مش بتعيطي عشان كدا."
صمتت طويلًا، وسالت دموعها بدون قصد، مسحت دموعها بسرعة وهي تردد بنبرة حاولت جعلها عادية"مش عايزة أبقا نكدية، فكك بقا، عمير بقاله ساعة عايز ينام في حضنك، تعالى شيله."
دخلت غرفتها بسرعة وهي تلتقط ابنها من فوق الفراش، تحدث بانفعالٍ"متهزريش يابوسي، سيبي الواد ما الواد نايم!"
تركته نائم وجلست على الفراش، اختنق صوتها ورفعت عيونها الباكية تسأله بوجعٍ"هو أنت لسة بتحب أخته؟ أنت كنت موجوع أوي وأنت بتتكلم عنها! وقولت يارتني اتجوزتها!"
_إنتِ كنتي بتسمعي كلامنا!
اندهشت ملامحه وهو يستفسر منها بحاجب مرفوع، سارعت تنفي بصدق"وربنا أبدًا، سمعتكم غلط ونزلت بسرعة، مكنتش أقصد واللهِ."
ربت على ظهرها وهو يخبرها ببسمة"وحتى لو واقفة تسمعي أنا كنت هحكيلك، وبعدين إنتِ هبلة؟ بحب مين؟ أنا محبتش غيرك يا بوسي."
3
_أنت قعدت معاها سنين يا أسامة، يعني طبيعي تحبها.
_لاء محبتهاش، أنا بس صعبت عليا إني كنت سبب تدمير حياتها، وهي دلوقتي اتجوزت، وبعدين أنا واللهِ ما شايف غيرك، يابوسي لو كنت حبيت سما أكيد مكنتش هجرحها، لكن هي بنت طيبة ودا إللي مخليني أحس بالذنب، لكن خلاص كل واحد دلوقتي في حياته، متزعليش مني مكنش قصدي انهار كدا بس أنا كنت حاسس بالذنب تجاهها.
برر لها بنبرة عقلانية، لا يريد أن يجرحها، يجرح أفضل زوجة وأم لابنه، زوجة بمعنى الكلمة، أحن شخص رأه، ابتسمت نصف بسمة تسأله بـ"يعني أنت بتحبني أنا بس؟"
_دا إنتِ الحتة الشمال، أم العيال والباقي كله أندال.
مرح معها بحديثه السرسجي الغريب، ضحكت وهي تحدثه بتذمر"ألفاظك مريبة".
3
_هي ألفاظي بس إللي مريبة!
شاكسها بكلماته وهو يغمزها وبعد لحظات معدودة بكى صغيرهم، ابتعد عنها يحمله بين يديه محدثه بتأفأف"في إيه يا ابن ال***! الواحد ميعرفش يقعد مع أمك يشكيلها همه ويستفرد بيها شويتين تلاتة؟"
"______"
_ماما بترچاكي فيني شيله وما رح وقعه والله.
قالتها حياة وهي ترمق الصغير في أحضان رودينا، وجهت نظراتها لزينب وهي تحدثها"همسكها محمد".
_ما تقلقي ياخالة ما رح وقعه.
ضحكت وهي تحدثها ببساطة"ياقلب الخالة شيليه براحتك."
وضعته بين أحضان حياة، وحياة جلست به تقبله بحنان، وتلاعبه بكلماتها، ضحكت زينب وهي تخبرها بمرحٍ"حياة بتفكرني إني قاعدة في مسلسل تركي ودي البت إللي هتتخطف من البطل والبطلة."
"يابنتي دا أنا وربنا عايشة في مسلسل تركي بجد، يعني هقولك، أحمد جوز ميسة بيحب واحدة من زمان أوي بس متجوزهاش، المهم إنها جت من سوريا وظهرت في حياته فجاءة، بقف اتفرج على خناقاتهم بحس خناقاتهم حلوة أوي كدا، بس البنوتة صعبانة عليا موت، بس يابت يازينب قوية أوي."
_الدنيا كلها فيها مصايب واللهِ، يلا ربنا ياخد الرجالة.
ضمت شفتيها بقوة وأكملت بنبرة ساخرة"عمير وهو ماسك محمد قلبي وجعني أوي، حسيته عمير إللي أعرفه يارودينا، بس زعلت منه أوي! زعلت منه عشان مفكرش يسأل عليا من أول يوم! شغله أهم، الأعمال ال****أهم طبعًا، يولع ابنه وتولع مراته إللي معلقها على ذمته، ماهي ملهاش ضهر وهي مش هتيجي جمبه حاجة، ست سيلا عالية أوي."
سقطت دموعها، وتعالى صوت نحيبها وهي تردد بوجعٍ"صعبان عليا يتربى بعيد عن أبوه، يتربى في بيت مشتت يارودينا، أنا مش عارفة أما يكبر ويسألني بابا بعيد ليه هرد أقول إيه!"
نهضت حياة تضع محمد بين أحضان رودينا، واقتربت من زينب تمسح دموعها بتأثر، قبلت عيونها بحزنٍ"ما تزعلي، ما تبكي مشاني."
قبلتها زينب من عنقها وهي تمسد على شعرها"حاضر ياحبيبتي، مش هبكي."
_خالو بيقول ما بيحق لعيونك يبكوا.
جملتها وجملة منقذ المعتادة، وجهت نظراتها لرودينا وهي تضحك"حياة دي عسل! يارب محمد ياحيوية يطلع لسانه لبق زيك كدا اللهم بارك."
"ماما أنا خلاص بدي في أخ متل محمد، خالو إياد قالي إن لما تچيبي أخ رح أكون أنا أخته الإكبيرة."
ضحكت رودينا بتهكم وهي تسخر منها"واللهِ ياحياة كلنا بدنا في عيل بس العيل مقموص مننا، الحمدلله."
"يعني ما رح تچيبي ليا أخ؟"
لحقتها زينب بنبرة هادئة"إن شاء الله ياحياة، ولحد كدا وما ماما تجبلك أخ اعتبري محمد أخوكي وتعالي كل يوم مع ماما، ماشي؟"
_زينب محمد عايز يغير.
نظرت حولها لتحدثها بضيقٍ"ما ماما نايمة وحرام بقالها أسبوع واقفة على رجليها.."
قطعت جملتها بسرعة وهي تتحدث بلهفة"هغيرله أنا ورضعيه ماشي؟"
ابتسمت لها، ونهضت رودينا بسرعة تغير له الحفاضة، وبعدما انتهت وضعته بأحضانها تقبله للمرة التي لا تعلم عددها، رحلت بعد وقتٍ هي وحياة متجهين إلى منقذ في المكتبة الخاصة به، بحثت عنه فيها وفي محل الورد ولم تجده، وقفت تحدث حياة بسخط"أبوكي راح فين ياهانم! تلاقيه بيصيع هنا ولا هنا ماهو معندوش ست تراقبه!"
1
_ما بعرف، يمكن واقف مع شي واحدة.
2
رمقتها بتعجب وهي تضم شفتيها بسخرية"دا بدل ما تهديني؟ بتسلطيني عليه؟ آه ياسوسة!"
رنت ضحكتها، وجلست على المقعد تلعب بالزهور، ووقفت رودينا تسقي زهورها بحبٍ واضح، تحب الزهور، وكل ما يتعلق بالزهور، مولعة بحبهم!
وهو وقف يحدق بها من بعيد والبسمة محفورة! بسمته واسعة حنونة، يرى ما تفعل وملامحه مرتخية، تقف في وسط حقل زهورها الرقيقة الجميلة مثلها، تستنشق هذه، وتتلمس هذه، تحتضنها بسعادة! وهو ضربته الغيرة، وبخطوات هادئة وقف خلفها يضم زهرته الجميلة! ضمها وهي استدارت له تبتسم والورد من حولهم شاهد على قصة حبهم!
حدثته بضحكة عزبة هادئة"كنت فين ياسي منقذ؟ وبعدين إيه جو أوروبا دا؟ إحنا في مصر يعني هنتمسك أداب."
ضحكت في النهاية بنبرة عالية، وهو شاركها الضحك مع استنكاره"آداب مرة واحدة! دراما كوين!"
_مش هتبطل تقولي بقا الكلمة المستفزة دي؟
تذمرت وهي تدفعه بغيظٍ وهو صمم على رأيه"دراما كوين، دراما كوين."
_وأنت دراما كينج، وكمان اكساجيراتيد.
قالتها بغيظٍ وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بملامح محتقنة، اذبهلت ملامحه وهو يضحك بصدمة"إيه إكس جريتك دا؟ إنتِ بتتفرجي على حريم السلطان كتير!"
رمقته باستنكار واستخفاف بما يقوله وهي تردد بنبرة مستاءة"إيه التلوث دا! مش عارف يعني إيه اكساجيراتيد! يخسارة المدرسة والانجليزي إللي كنت بتاخده! أنا أقصد أقولك إنك مبالغ فيك"
سقط فكه وهو يرمش بأهدابه وردد بصدمة"exaggerated تقصدي! أقسم بالله مصر في القاع، الكلمة أصلًا يعني مبالغ فيه! إنتِ ليه!"
1
_على فكرة أنا واخدة كورس من النت وهما أدوني الكلمة دي في الحفظ! إيه مطبقهاش على أرض الواقع؟
سألته بانفعالٍ وهو صاح عليها باشتعال"طب حتى انطقي صح بعدين ابقي شوفي سياق الجملة! لك يا الله! خربتيلي معلوماتي! لك العمى چاهلة!"
2
"أيوة كدا اقلب على ولية قرشانة قاعدة في قرية الفلاحين في تركيا وقاعدة قدام بيت البطلة تعمل أكلها مع واحدة جارتها وقاعدين يقطعوا في فروة البطلة ولما تيجي تخرج بيبصوا عليها بقرف وبيلوا شفايفهم كدا، ما أنت بتتعلم أهو!"
_رح أقطع عنك الكهربا بسبب هيك مسلسلات.
لم تبالي من تهديده وسخرت منه"يومها هسرق نت من سامية وبنتها فرح، هما ولاد حلال ويستحقوا كل شر."
_لسانك هقصه، خسارة فيكي إللي تعبت نفسي وعملته.
قالها بامتعاض وهي تحمست تسأله بفضول"شو عملت ياعم منقذ؟"
ضحك وهو يحرك رأسه بقلة حيلة، وقبل أن يتحدث حدثته هي بحماس شديد"منقذ إيه رأيك أعيش يوم كامل أنا سورية وأعملك تبولة وفتوش وأنوش أحسن عمري ما شوفتك بتاكل الحاجات دي إلا مرة في السنة، وأنت تعيش مصري يوم كامل وتعمل زي الرجالة المصرية كدا.."
قاطعها بتهكم"أنكد عليكي صح؟"
1
_يعني من ضمن كل حوارات الرجالة عايزة تاخد منهم النكد! أما أنت نكدي بصحيح! وبعدين والله هنادي على الناس المصرين إللي برا وأقولهم إنك بتتريق عليهم.
هددته بنظرات مشتعلة، وهو اعتذر منها بخوفٍ"آسف، بترچاكي اسمعيني بس شوي."
أشارت على فمها وهي تصمت، وهو زفر وهو يحك رأسه متحدث بحرج"في شي غريب شوي عملته، هو أهبل بس باعتقد إنه حلو."
_شو؟
سألته ببسمة حمقاء وهو ضرب وجهه مع جملته الخافتة"ياصبر أيوب!"
رماها بنظرة حادة لتتنحنح وهي تردد"ما تزعل، كمل يامُنقذتي فديت قلبي."
_والله العظيم حافظة مو فاهمة! فديت قلبي كلمة سعودية!
جاءت لتتحدث لكنه برق لها بحدة مع أمره"واسكتي، مفيش حد هيتكلم سوري، اخرسي."
رمت كلمتها بلا مبالاة
_وفرت.
"بصراحة كتبتلك شي متل ما إنتِ بتكتبيلي، بصي ماني شاطر في النحو ومادري شو بس حاولت".
انتهى من جملته وهي كانت صرخت بسعادة وهي تطير في المحل بعدم تصديق، رمقها بعدم تصديق، ياويله! ستفضحهم! رجعت له وهي تصرخ من جديد وتحدثه"مش مصدقة نفسي! أنا اتكتبلي غزل! ينهار أبيض أقسم بالله ماني مصدقة! لك اقرصني هون أو هون هيك!"
3
تركها وذهب وهو يهتف بجدية"لما تخلصي فقرة جنانك هدخلك، أنا داخل المكتبة."
ركضت خلفه تلحقه بسرعة وهي تتحدث بأدب لم يخفي ضحكتها"آسفة خلاص، وريني طيب ولا ابعتلي على الواتس اعمل أي حاجة."
ابتسم لها وهو يخرج ورقة أشبه بالجوابات الغرامية، مدها لها وهي أخذتها منه بعيونٍ دامعة، قابلت خطه بالحبر الأزرق في الحال، وقرأت عباراته وهي لا تصدق!
إلى صاحبة الدرب... خفيفة الظل، جميلة الروح"زوجتي الأمورة"العسولة السنيورة!
مالي أراكِ تزدادين جمالًا فوق جمالكِ؟
أيحق أن اتغزل بعيونكِ؟ وأقول كم أسرونني!
آهٍ وآهٍ من تلك العيون التي تخطف الأنفاس وتأسر الأرواح!
من قبل وفي أول لقاء أو ثانيه جحظت عيوني أمام رقتك، وبسمتك! وكأنكِ صنعتِ من أحلامٍ لا تنتهي.
كيف لكِ أن تسلبين القلوب بلا جهد؟ أم أنكِ موهوبة في خطف الأنظار دون أن تدري؟
4
حك فروة رأسه بخجلٍ وهو يردد"بصي شكلي عبيط بس كنت عايز أفرحك، لو وحشة متقوليش في وشي عشان مشاعري متتجرحش."
1
_دي مش حلوة..
قالتها ولم تكمل وكان هو قطعها ببسمة واسعة ساخرة ارتسمت على فمه"الله يكرم أصلك الطيب!"
_دي جاحدة!
قالتها في الحال بسوقية وهي تحرك يدها بتحمس، رفع حاجبيه بتعجب كلمتها لكنه ردد"الله يكرمك."
أمسكت يده بتحمس وهي تقفز بسرور مسيطر عليها"بحبك بحبك بحبك، وربنا دي أتحف من التحفة، دا أنا هعلقها برواز، دا أنا لو أطول أفتح قلبي وأحطها جواه وأقفله تاني هعمل كدا، دا أنا بعشقها وبعشقك دا أنا ..."
قاطعها بمللٍ وهو يبعد يدها عنه"ما خلاص يارودينا! ما بلاش تبكي دراما كوين بقا وملكة الأوڤر! وترجعي تزعلي بقا!"
رمى دبش للتو! دفعته بسخط وهي تهتف بنبرة لاذعة"اتصدق أنا غلطانة إني بجاملك! وحشة."
ضحك وهو يغمزها بمراوغة"كدابة عينك وقلبك بيقول غير كدا!"
_عشان هما مهزقين ولاد مهزقة.
"______"
أيام ومرت، وكل شيء لم يتغير، وصل إلى منزل سيلا بدون أن يخبرها، دخل بالمفتاح الخاص به وهو يشعر بالنعاس، يريد النوم اليوم هنا لأنه أقرب من منزله، سينام وهو يقود إن أكمل طريق عودته لمنزله، كان يتثائب وصعد الأدراج متجه لغرفتها لكنه توقف عندما سمع صوت صراخ أنثوي مخيف! فزع قلبه! ليس صراخ سيلا بل صراخ فتاة غيرها!
1
ركض تجاه مصدر الصوت للأسفل وهو يبحث بنظراته مثل المجنون عن المصدر، وصل للمصدر ليجدها غرفة الخدم! دخلها في الحال ليجد أمامه"طارق" أبو شادي و"عامر"ذراع عبدالوهاب اليمين وتقف سيلا، وفي الوسط فتاة واضح إنها لاقت من العذاب ألوان!
صاح بعصبية وهو يقف أمامهم"في إيه! أنتم بتعملوا إيه في البت!"
أصفر لون الجميع! لكن سيلا ابتسمت له تخبره ببساطة"بنربيها ياعمير تحب تربيها معانا؟"
لم يستوعب جملتها! وهز رأسه بصدمة لا يصدق ما يسمعه! بادر بذهول"يعني إيه! هي عملت إيه!"
_بت****شغالة في شركتنا عند عبد الوهاب وهي بتراقبنا وبتاخد معلوماتنا وعايزة تمسك علينا حاجة! فكرانا أغبيا زيها وزي عيلتها.
قالتها بنبرة قاسية، ونهتها وهي تبصق عليها، رمق حالتها ليفزع! البنت مقيدة بأساور حديد! ووجهها مليء بالكدمات! تبكي بجنون!
اقتربت سيلا تربت على ذراع عمير برقة ومن ثم تقبله بطريقة مقرفة وهي تردد"سيبك منهم وتعالى نطلع أوضتنا شكلك تعبان."
دفعها عنه باشمئزاز وصاح بعصبية
_إنتِ هبلة! هما هيعملوا إيه فيها!
ترجته الفتاة بحرقة وهي تبكي بقوة! حالها يصعب على الكفار!"بالله عليك متخليهومش يعملوا حاجة وأنا والله مش هعمل كدا تاني، وأقسم بالله أنا غلطانة مش هعمل كدا تاني."
وجه نظراته لهم يسألهم بعدم تحمل وهو يقترب منها يحيل بينهم"هي كلمة واحدة، هتعملوا في البت دي إيه!"
غمزه"عامر"بدنائه وهو يحدثه بمشاكسة"هنعمل إيه يعني ياعمور! هنلعب معاها".
1
_أنتم مجانين! حرام عليكم دي شكلها صغير!
تدخلت سيلا تسأله بسخرية"صغير إيه ياعمير! دي عندها ٢٦سنة، يعني كبيرة متقلقش".
ظل واقف وهي تتوسله، واقترب منه"طارق"يخبره بوقاحة"بقولك إيه شكلك عايز تشاركنا صح؟"
غمزه في النهاية وعمير قبل أن يرد كان يخبره طارق"أنا الأول بعدين أنت بعدين عامر، اتفقنا؟"
5
هل يوزعون في الفتاة؟؟ صرخت بهستيريا وهي لا تستوعب ما تسمعه، وعمير هدر بذهول"أنتم بتقولوا إيه! أنا..."
تدخلت سيلا الحية بمنتهى الخبث تحدثه وبسمتها الوقحة محفورة"أنت هتبقا المدير لشركتنا، وكمان أنت إللي هتبقا سعيد الحظ إللي هتبدأ بيها الأول، الحلوة لسة متجوزتش، جوازها بعد أسبوع، وأنا عارفة الرجالة بيموتوا في كدا."
2
أغمض عيونه بعدم تصديق، هل هي جادة؟ ردد بتعجب وحروفه بطيئة"إنتِ مراتي؟ إنتِ واعية بتقولي إيه؟"
1
_وإيه المانع يابيبي أما تتبسط؟ أنا عارفة ضغط الشغل، ربنا يقويك، يلا ياطارق، يلا ياعامر.
قالتها ببساطة ودلال! واقتربت من الفتاة تفك عنها قيدها تخبرها بحزمٍ"متتعبيش عمور."
2
غمزته وخرجت، وهو كان أمام خيارين، ملك في الأرض وفرصة انتهاك ذهبية، أو أن يظل على مبدأه! وهي صرخاتها أفاقته، تبكي وتتوسله بمذلة"بالله عليك ما تعمل كدا، أنا واللهِ مش هعمل كدا تاني، بس متعملوش كدا، واللهِ أنا أبويا عنده القلب لو عرف يموت فيها، أبوس إيدك، أنا هغور في داهية واللهِ ومش هعمل كدا تاني."
1
اقترب منها وهي تعالت صرخاتها بفزع، لكن هو جلس بجانبها قليل الحيلة، ورفع يديه أمامها وهو يخفض نظراته"متقلقيش مش هلمسك، اهدي."
_أبوس إيدك مشيني من هنا أبوس إيدك.
انتحبت بخوفٍ وجسده كله ينتفض، وهو نهض بقوة يخبره بنبرة قوية"هاتي إيدك هخرجك وأمشيكِ."
ارتجف جسدها أكثر وهو ساعدها في النهوض، قرر ألا يعيش راضخ لهم أمام وساختهم، لن يكون وسخ مثلهم ويبيع آخر شيء تبقى في رجولته ومبدأه! سيموت لأجل إنقاذها، هي شريفة ولم تخطأ، هم القذرين المدنسيين اللذين يستحقون الموت بأبشع الطرق!
2
خرج وهي خلفه مختبئة برعبٍ مسيطر عليها، وهو أمامهم ملامحه لا مبالية، واقتربت سيلا تسأله ببرود"إيه دا؟"
_محدش هيلمسها، كفاية رعبها هي خلاص مش هتعمل حاجة تاني.
قالها بنبرة غاضبة قوية، وعيونه المشتعلة كانت تحرقهم، وتدخل عامر يسخر منه"لو أنت اتنازلت عن حقك فأنا مش متنازل."
وما كان من عمير إلا أن يأخذها في أحضانه باحتماء متحدث بنبرة محتدة، واستوحش هو ونظراته"وعهد الله ما حد هيلمسها، أقسم بالله ما هخلي حد يقرب منها ويلعن أبو فلوسكم على نفوذكم إللي عايزين تشتروني بيها! أنا راجل متربي في حارة شعبية، يعني النقطة دي بالأخص إللي مش هسمح حد يلمسها."
1
رفعت حاجبيها له، وتصنعت السخرية وهي تضع يدها القذرة على وجهه ليبعدها في الحال بهمجية"أوه ياعمير! عمير المغفل رجع تاني؟ نسيت مين إللي خلاك كدا؟ أنا ممكن في ثانية دلوقتي أرميك لأبوك ينهش فيك وأنت عارف! لكن أنت ولد شطور وهتعمل إللي عايزينه."
5
_وإنتِ *****بنت*****.
سبها بسباب نابية! وملامحه باغضة، وهي رنت ضحكتها تخبره ببساطة"هعتبر إني مسمعتش كلمتك وهعتبره مدح، يلا سيبها بدل ما تزعل."
1
سار بها من أمامهم وسيلا رددت باشتعال"أنت بقالك فترة متخطي كل حدودك، وأنا جبت أخري، سيبها حالًا ياعمير وإلا وعهد الله هعمل فيها حاجة أبشع."
ووجهت نظراتها للفتاة المنكمشة، ستموت في الحال، عرضت عليها اتفاق ببسمة باردة"إيه رأيك تسيبي عمير ووقتها طارق بس إللي هيعمل كدا، ولا تحبي تكملي مع عمير وطارق وعامر واتنين كمان يعملوا كدا مع فيديو صغير يتبعتوا في كل حتة؟ ومتخافيش مستحيل تموتي مننا عشان عايزين تعيشي بعارك، اظن الأول أحلى صح؟"
1
هدر عمير بعصبية وهو يدفع سيلا بعدم استيعاب"آه يا******** بتساوميها على إيه يازبالة! دا إنتِ ربنا هيولع فيكي ياحقيرة."
تجاهلته تمامًا وسألتها بسخط"ها قولتي إيه ياأمورة؟"
_والله لا أخدها ونمشي، تعالي.
قالها وهو يسحبها وسمعت جملة سيلا الحادة"خروجك مع عمير خسارة كبيرة، براحتك."
كانت الفتاة تعلم إنها في الحالتين مذبوحة على يدهم! وبكت بحرقة تناجي ربها! تلعن حبها لوطنها الذي قادها للتطفل على أعمال الكبار ومراقبتهم، وفي لحظة واحدة كانت سحبت مقص معلق على الحائط تفتحه وهي تعلم إنه حاد لتغرزه من الجهتين في عنقها بقساوة قاتلة به حالها!
5
لم ينتبه لها أحد بسبب صرعتها وانشغال الجميع، لم ينتبهوا إلا من شهقتها العالية، آخر شهقة لها والدماء التي تناثرت على وجه عمير! وفي كل مكان! قتلت حالها حتى لا يمسها حيوانات قذرة! ماتت بشرفها!
وعمير لم يستوعب! قُتِلت بين يديه! بين أحضانه، والدماء تغرقه، والمقص موضوع في عنقها! صرخ وهو يهزها بين يديه! وهي سقطت تنظر له بنظرات امتنان له ولمدافعته عنها! لم يكن مثلهم! وقعت في أحضانه وهو سحب المقص بدون شعور يهزها بصدمة! رمق المقص والدماء ورمقها! وسقطت الفتاة مقتولة وهي بين أحضانه!
2
انهارت قواه وهو يبكي بحرقة عليها! مع حديثه الصادق"أنا كنت هنقذك! كنت هنقذك والله مكنتش هسيبهم يدبحوكي أقسم بالله! ليه عملتي كدا! أنا كنت واخدك في حضني وحاميكي منهم!"
هزها بحرقة وهو يتوسلها"فوقي أبوس إيدك، أنا هنقذك."
قالها عمير وهم بحملها لكن جسده كله ينتفض! جريمة قتل وهي بين يديه! وبأبشع الطرق! انهار وهو يتوسلها بحديثه"فوقي، متخليش شوية كلاب زي دول يعملوا فيكي كدا! إنتِ صح وهما إللي*****، هما يستاهلوا القتل ونار جهنم، فوقي."
يبكيها كإنه يعرفها! وإن كان يعرفها لن يكون محروق عليها لتلك الدرجة! وردد بوجعٍ بعدما شعر إنه هو الذي قُتِل"كنت هنقذك منهم! كنت هنقذك ومش هخليهم يلمسوكي! كنت."
رمق يديه وملابسه وملابس الفتاة ليجد إنها غُرقت دماء! والأرض مليئة بالدماء، والجميع يحدق به ببسمة! أهو وقع مع بشر أم حقراء بلا مشاعر؟ هل رب العالمين خلق بشر بلا شعور؟
والآن استفاق لحاله! عرف إنه ميت بينهم لا محال، لا هو كان مثلهم، ولا هم في يوم كانوا متشابهين معه!
"_____"
8
ملحوظة مهمة:أي حديث في السياسة فهو ليس رأيي الشخصي، هو مجرد نقل أقاويل الناس وأرائهم ليس إلا، زينب وعصبيتها لبلدتها، عمير وكره لنظام بلده لا يعنوا لشخصيتي أو اعتقاداتي، وبالنهاية تلك مجرد رواية وهم أشخاص حاولت اقتباسهم من الواقع.
1
أي حد كان بيشكر ولا بيحب سيلا الكلبة يتأسف لزينب
1
البارت كله عسول متنكروش معادا آخر حتة🥺
توقعاتكم؟ ورأيكم؟
الرواية خلاص في الآخر، يا البارت إللي جي الأخير ياللي بعده، على حسب❤️
7
المهم رأيكم في
إياد وسما؟
رودينا ومنقذ؟
رودينا وزينب وابن زينب؟
وزينب وعمير؟
ورنا؟ ونهاية قصتها؟ حساها مقنعة موت عشان الشخص الوحش عمره في يوم وليلة ما هيتغير.
ورها وأحمد؟ وميسة؟
وعمير وأوس أوس؟
محرمتكوش من صحوبيتهم أهو 😉
1
وعمير وآخر مشهد؟ وتوقعاتكم؟ ورأيكم فيه؟
2
وهيحصل إيه الأحداث الجاية؟
قصة رودينا ومنقذ وسما وإياد خلاص يعتبر انتهوا يعني هيظهر ليهم مشهد أو اتنين، فلو الرواية قعدت كام بارت حلوين مش هيبقى في أحداث ليهم كتير"بس ممكن أجيب لسما وإياد عشان بحبهم"