📁 آخر الروايات

رواية هوية منسية الفصل الحادي والخمسون 51 بقلم بسملة محمد

رواية هوية منسية الفصل الحادي والخمسون 51 بقلم بسملة محمد



هويَّة_منسيَّة|
"الحلقة الواحد والخمسون_سوريا حرة!"

"______"

هشم كل شيء يلمحه، بركان منفجر هو ويريد الفتاك بالجميع، وصياحه عالي مستنكر ما يدور حوله_:
_قضية النت اتقلب عليها! الكل كان مستني يشوف حكمها، الراجل قتل روحين ومخدش يوم!

_أنت إللي اتصرفت بغباء، قولتلك ياغبي بدر مش هيقع بفضيحته، قولتلك لكنك غبي، كنت عايزة تكسره قدام الكل أما تنشر الفيديو بتاع حبيبة؟ واهو انتشر وانتشر إنها قضية شرف، يامتخلف معرفتش تلعبها صح.
وصوت سيلا الحاد يجعله يشتعل أكثر، وصاح عليها أن تتوقف بحديثه"وأنا كنت أعرف إنه لما يقتل أدهم هيخرج منها؟"

وقفت سيلا ترمقه بشماتة واضحة، وابتسمت نصف بسمة مع جملتها"ما أنا قولتلك بلاش ياعمير تنشر الفيديوهات وروحله وش لوش، قولتلي لازم يتكسر، شوفت بقا أخرة إللي ميسمعش كلامي؟"

_ياستي أنا متخلف، دلوقتي بدر بعد كل دا خارج!
جلست أمامه بهدوء، ومدت يدها له بكأس خمر ليدفع يدخل بعنفٍ ليسقط الكأس متهشم"بطلي أم برودك دا، مش عايز زفت خمرا."
1

تباردت علي وهي تردد بتعجب سخيف"أوه شكلك متعصب أوي!"

راقبت ملامحه ببسمة جانبية ماكرة، ونهضت تجلس بجانبه مباشرة حتى سحبته من ملابسه مع جملتها الخبيثة بخفوت_:
_ياغبي بلاش خسارة واحدة تنسيك فوزك عليه في نقطتين، أنت خلصت من حبيبة وأدهم، اتبقالك هو وهو دلوقتي ملوش حد ومش هيثق في حد، هيخرج مغلول لكن مش هيلاقي لا دماغ حبيبة الأفعى ولا مساعدة أدهم ليه، بدر ميقدرش يتصرف لوحده، فوق ياعمير أنت موقعتش بدر هو إللي واقع، وكلنا معاك، مستحيل نسيبك تقع.

وهو تراخى جسده بين يديها، ورمى رأسه على الأريكة يخبرها بإجهادٍ"أنا تعبت ياسيلا، الحرب دي عمرها ما كانت حربي، ولا أنا محارب هاوي حتى، تعبت من كتر الدم والعنف والمخدرات، وشرب الخمرا، تعبت من بدر ومني، إمتى هيخلص كل دا؟"

_هيخلص لما بدر ينتهي، وبعدها هتبقا أنت ملك السوق كله ياعمير، أنا هعملك ياحبيبي ملك السوق، هقعدك مع ناتاليا وأنت سيدهم.
الحية رمت خبثها في أذنه كعادتها لكنه تعب من كل هذا! يريد أن يهرب من كل هذا، صاح باستشاطة"مش عايز أبقا سيد حد، مش عايز أقعد أنا مع الصهاينة واليهود! دول بيقتلوا إخواتنا!! دول بيدبحوا في دولة كاملة، أنا مرة واحدة إللي قعدتها معاهم وكانت بالإجبار، مستحيل أكررها."
6

وهي نظراتها تحولت، وتحولت عليه بالكامل تخبره بشراسة آمرة، هي تأمر وعمير ينفذ في الحال"وأنا قولت هتقعد معاهم يا عمير، أنت.."

قطعها بعدم تصديق وملامحه مدهوشة"هو إنتِ عمرك ما اتأثرتي بحاجة؟ عمرك يعني ما حسيتي؟ مفيش إحساس؟ ربنا خلقنا بقلب بيتأثر إنتِ ربنا خلقك حجر؟"

_وأنا أما اتأثر هعمل إيه؟ وبعدين ثانية واحدة هو أنت زعلان على إيه ياعمير؟ فلسطين؟ هما إللي باعوا أرضهم من زمان، وبعدين طالما هما ضُعاف للدرجة ليه اتهجموا على الأكبر منهم؟ ولا هما كدا بقوا جامدين!
قالتها بنبرة جادة لكن نهتها بسخرية، وهو هز رأسه بعدم تصديق مع جملته"ياشيخة إنتِ غلبتي الصهاينة، هو مش إنتِ أستاذة في التاريخ؟ إيه إللي بتقوليه دا؟"
1
أحاطت عنقه وهي تخبره ببسمة"ياعمري إحنا مالنا بكل دا؟ إحنا مالنا بالحروب؟ مالنا بقضية الأرض والعرض وكل دا؟ ما تخلينا في مصلحتنا! كل دولة تخليها في خيبتها."

رمقها بنظرات محقرة، شتان بينها وبين زينب! يا الله زينب كانت فتاة وطنية! وتشاهد الأخبار ودموعها تفيض بالدموع تدعي بحرقة أن ينتقم الله من الكافرين سافكين الدماء، وتنتحب في الصلاة وهي تدعي لجميع أخواتها المسلمين!
فلسطين، السودان، سوريا، وجميع مَن في بقاع الأرض وذاقوا الويل على يد حثالة المجتمع!
كانت تجلس متحفزة أمام قنوات الأخبار دموعها هاطلة ولسانها لا يتوقف عن سب الصهاينة، وسب كل مَن يساهم في إهدار دم مسلم بريء!
2

وهي كإنها قرأت أفكاره وسألته ببسمة خبيثة"مراتك قربت تولد؟"
9

_معرفش.
نطق بحدة وهو ينهض مبتعد عنها، وعيونها هي ركضت خلفه، صكت على أسنانها مرددة بتوعد"ماشي ياعمير، خلي ضميرك يوجعك لحد ما أسلمك لبدر بنفسي لو فضلت كدا."
2

"______"
كانت معاملتها متغيرة معه منذ ليالي، باردة وغريبة، لا تتفاعل مع أي شيء يقوله، ملامحها جافة لأبعد درجة! لا يعلم ما بها، وأخيرًا قرر للمرة المليون أن يسألها ما بها لكن تلك المرة غير صيغة السؤال_:
_إنتِ مضايقة عشان بدر بيه؟ أو عشان أهلك؟

نفت برأسها بلا مبالاة، وهو سألها بنبرة جعلها لطيفة"طيب إيه رأيك ندخل نعمل مع بعض قهوة بالبندق؟"

لم تبالي واتجهت لتدخل إلى غرفتها، لكنه أمسك بيدها يسألها بعدم فهم تغيرها ومعاملتها المستفزة"في إيه؟ أنا زعلتك طب؟"

أبعدت يده عن رسغها بحدة استغربها ودخلت غرفتها، رمق أثرها باستنكارٍ، وانتظر لدقائق ليدخل الغرفة عليها وجدها فزعت وألقت هاتفها ليعقد ما بين حاجبيه، يا الله مل دور المستغرب ويريد فهم ما يدور برأسها! جلس بجانبها على الفراش واستفهم مرة ثانية بطولة بال"حد من أهلي زعلك؟"

وكالعادة نفت، زفر بضجرٍ وسألها بقلة حيلة"أومال في إيه؟ ليه باردة معايا؟ أنا مش بحب الجفاء ياسما، لكن متفهم إن في ضغوط عليكي، شاركيني ضغوطك."
1

صمتت ولم تظهر على وجهها أي رد فعل، وهو تنهد بتفهم إنها تمر بأيام عصيبة، وأخذ رأسها في أحضانه، تتوغل أصابعه بين خصلات شعرها بحنانٍ، ونيته بريئة لم يمسها بسوء، وهي انتفضت بعيد عنه وهي تدفعه بغضبٍ جحيمي مع صرخاتها التي خرجت من حنجرتها بدون شعور منها، فقط تُعرب عن حقدها عليه_:
_أنت مستغل.
5

_أنا مستغل!
رددها بصدمة وملامحه متسعة ولم ينتبه إنها للتو تحدثت وبطلاقة! وسألها وهو لا يصدق"أنا مستغل ليه؟"

_أنت فاكر بالكام كلمة الحنينة دول إني هستسلم ليك وتبقا خدت إللي عايزه و..
هاجمته يحديثها الحاد وهو للتو استوعب! الفتاة تحدثت وبطلاقة! لكن لم تكن أول جملة لها الآن! لا بل وكإنها كانت بالأساس لم تصمت! تحدث بتعجب وحاجبيه مرفوعان"هو إنتِ كنتي بتتكلمي؟ إنتِ رجعلك صوتك من بدري!"


بهت لونها بعدما هي الأخرى استوعبت إنها تحدثت وأمامه! وإياد ليس غبي، وضحك بصدمة"رجعلك صوتك ومقولتيش ليا! مستحيل يكون رجعلك دلوقتي حالًا مستحيل."

_ليه ومين قالك إني مكنتش بتكلم؟ كنت بتكلم ومن أول يوم، أنت إللي عطفتك عمتك عن إنك تشوف شغلك.
سما الرقيقة هي التي قالت تلك الجملة، وقلتها برقة ولكن كانت جملة جارحة ونبرتها مستهينة!

هز رأسه وهو يردد"مستحيل، أنا بنفسي كشفت عليكي وكنتي مش بتتكلمي، لكن صوتك رجعلك قريب وإنتِ مقولتيش! مقولتيش للي كان قلبه ملهوف عليكي!"

صممت على جملتها الحادة"مكنتش خارسة، كنت بتكلم."

_طب وليه؟ ليه وجعتي قلبي عليكي؟
سألها وهو سيجن! لا بل عيونه تكونت فوقها طبقة شفافة لكنها تلاشت في ثانية! مشاعره هانت بالنسبة لها! كان قلق عليها وخائف! وهي خدعته؟؟

وهي في الحال هاجمته وتحدثت بنبرة عالية"عشان أنت متخلف، فاكر إن أنت إللي محركني وراسملي حياتي والعكس أنا إللي كنت عاملة، أنا جيت هنا مخصوص عشان أقهر رنا، وأعرفها إني هاخد منها حاجتها، لكن خلاص أنا فوزت على رنا، وكمان أنا مش بحبك أنا بحب يونس، وعمري ما هحبك، أنت سمحت إنك تعمل علاقات مع مريضة عندك، أومال كل البنات إللي جم ليك؟ أكيد ضحكت عليهم، وحتى لو أنت شخصية مثالية فأنت شخصية مثالية أوڤر وعمرك ما كنت ولا هتكون الراجل إللي بحبه، وأنا متجوزتكش غير بس عشان أقهر رنا وأجنن بابي وأعرفه إني أقدر أخرج من تحت طوعه."
17

كان ينظر لها وهو مبهم! لا يصدق ما تقوله بل لا يفهمه! وهي لم تمهله الفرصة وفتحت هاتفها ليرى في وجهه صورها مع يونس، كانت تشاهدها للتو! تخبره بنبرة وقحة_:
_أنا مستحيل أحب غيره! وأنت مستحيل هتاخد مكانه.

كان يريد صفعها من شدة وقاحتها وتبجحها! لكنه وقف متصنم يرى ملامحها ونبرتها يحاول استشفاف أي شيء من حركات جسدها إنها ليست بوعيها، مجبرة، أي شيء! لكن لم يرى سوى حركات فتاة متمردة عليه! وتحدث وهو يضحك وصدمته متغلبة عليه!
_علاقات مع المرضى بتوعي؟ أنا هعمل علاقات معاهم؟ كان من باب أولى متجوزكيش بقا واستغل إنك مدمرة وألعب على النقطة دي، إنتِ إللي جيتي قولتيلي احميني من ماجد وبابا، أنا رفضت اتجوزك إنتِ إللي صممتي، بس معاكي حق، إنتِ واحدة بتحبي عيل شمام برشمجي عمل كل حاجة يكسرك بيها، هتفهمي أنا بعمل إيه؟
1

سألها بسخرية مريرة، ورجع يحدثها بحرقة وضحت على نبرته"طب ليه من الأول سبتيني أحس إن في أمل! ليه لعبتي على مشاعري!"

_كنت عايزة أغيظ يونس وأعرفه إن دنيتي موقفتش عليه، لكن غبية أنا مش طايقة وجودك ومش قادرة أبعد عنه هو.
6

قالتها بدون مراعاة لإنه زوجها، وهو كان هادئ بالقدر الذي سمحها تأتي على رجولته ورد عليها بهدوء_:
_معاكي حق، واحدة عايشة حياتها كلها تتعامل معاملة الخدامين وبتلم...
أغمض عيونه بقوة لا يريد جرحها! لا يريد جرحها وهي تجرحه؟ لكن لا يحق له أن يعايرها، وتابع جملته باستهزاء حزين"كنت بعاملك معاملة الملوك وإنتِ مصممة تروحي للي خدك كوبري."

رسمت ملامح ساخرة وهي تحرك رأسها باستهانة، واستفسرت منه بتقليل واضح
_وهو أنت فاكرني مغفلة؟ أنا عارفة إنك متجوزني عشان طمعان فيا، وكنت فاكر إن الدنيا خليت ليك لما بابي اتحبس وهناخد الأملاك وتبقا أنت المليونير، ماهو أنت متعملش نفسك ملاك، أنت زيك زي يونس لكن الفرق إني بحب يونس، أنت لاقيت إن رنا مش هي إللي بنت المليونير قولت تلف عليا.
1

لا يعلم كيف تغيرت ومن أين جاءت بهذا الحديث! رفع يده ليصفعها لكنها توقفت في الهواء، وقف في آخر لحظة، ورجعت يده بجانبه مع جملته اليائسة"مش مستاهلة أمد إيدي عليكي، العيب على إللي رباكي، لاء إللي رباكي إيه! العيب على إللي خلاكي تشوفي نفسك عليه! العيب عليا وعلى قلبي! قلبي إللي حبك."

_إنتِ دمرتيني! دهستي على قلبي ياسما!
هتف بها بنبرة عالية منفعلة مكمل حديثه المقهور، وهي ابتسمت بسمة كائدة، وضعت يديها الاثنين فوق ذراعيه، متحدثة بنبرة ماكرة، ونظراتها متحدية جامدة"ما يدمرش الراجل إلا ست بيموت فيها! وأنا عارفة نقطة ضعفك، وروحك بين إيدي، أصل أنا الست إللي بتموت فيها مش كدا؟ ولا زعلان إن أنا مدوبتش بسبب كلامك"؟
27

هل هي التي تتحدث؟ لا يوجد مبرر بالله لتقول كل هذا! لماذا تريد تدميره؟ ماذا فعل هو بحق الله؟ لماذا تحدثه بكل هذا الحقد وهو لم يتعامل معها بحياته إلا بكل حنان؟ وألمه قلبه
_إنتِ شيطانة.
قال كلماته وهو لا يصدق حديثها لكنه مقهور، وهي ابتسمت أكثر كإنه يمدحها، ورددت بنبرة واثقة_:
_وفخورة بإنجازي العظيم، Devil woman، مش Stupid man، تعبت من دور الضحية، قولت أشوف دور الظالمة عامل إيه! حلو عليا مش كدا؟
10

وقالت كلماتها وهو وقف يحدق بها بصدمة، كيف وقع فيها؟ صاحبة النظرات العفوية أصبحت أكبر شيطانة غبية!! كيف ومتى؟؟ الجواب عندها!! وهو مغفل مسكين وقع في حبها!!

_نفسي أعرف عملتلك إيه عشان تنتقمي مني الانتقام دا؟ واقفة بتبجحي وبتكلمي كدا ليه؟ عشمتيني ليه بحاجة إنتِ مش هتقدميها؟ هو أنا عمري آذيتك؟ إيه مبررك؟ أخوكي ويونس وأدهم إللي آذوكي مفكرتيش تقربي منهم وأنا عشان حنين معاكي تعملي كدا؟
كان تحت تأثير الذهول، وجاءت لتتحدث بتبجح لكنه سحبها من ذراعها يلويه مع جملته"وحياة ربنا ياسما لا هترجعي تعيطي بسبب كلامك دا."

قالها ورماها متجه يرحل لكنها تحدثت بجدية"طلقني يا إياد، أنا وبابي اتصالحنا وهروح أبقا مديرة شركته."

_هطلقك بس والله ما هطلقك غير لما آخد منك كل حقوقي الزوجية وبأبشع طريقة ياسما، هخلي كل ذكرياتك السودا بالنسبة لآخر ذكرى ليكي معايا جنة، هخليكي وقتها تعرفي إن يونس ولا الواد إللي كنتي تعرفيه زمان كانوا أرحم عليكي مني.
توعدها بدون أن ينظر لها لكن توعده حاد وهو أقسم أن ينفذه، وخرج من غرفتها، كان يريد ضربها لكنه لا يقوى! في النهاية هو الذي..هو ماذا؟ هو لم يفعل شيء سيئ لها بحياته! وهي واضح إنها تريد تجربة غضبه، لحقت به تسحبه من قميصه مع انفعالها
"طلقني بقولك أنا مش هخليك تـ..."
2

قطع جملتها موجة غضبه وهو يدفعها بقساوة، ولوى ذراعها خلف ظهره مع جملته النارية"شكلك ناوية تجربي نار راجل جديد في حياتك، وربنا ياسما أنا ما عايز أمد إيدي عليك مش عشان لإني عاجز عن دا لاء؛ عشان أنا مقدر إنك مريضة وضعيفة فبلاش ياسما."

تأوهت من يدها وردت عليه بصياح عالي"سيب إيدي، أنا مش عيزاك."

_ياستي وأنا قولت هطلقك، ما أنا مش هسيب واحدة زيك على ذمتي، دا إنتِ خاينة وعديمة كرامة، بعد ما سابك راح اتجوز وإنتِ متخلفة، بتخسريني عشان ولا شيء.
دفعها على الحائط وهي شهقت بتألم وقبل أن تقول شيء كان هو سحبها من فروة شعرها محدثها بنبرة جارحة_:
_بس باينك بتحبي قلة الأدب، ومش نافع معاكي الدكتور المحترم، نوريكي الجانب القذر في الدكتور إللي بيعمل علاقات مع المرضى بتوعه.

قال جملته التي تحمل بين طياتها الكثير والكثير، وهي سيطر عليها توجسها، وبدأت تتألم من شعرها، حاولت الابتعاد عنه وخوفها وضح، وبيدها الهوجاء دفعت الكوب بدون قصد ليسقط متهشم، دفعته لكنه كان صامد أمامها بالتأكيد لن تقارن بنايتها الضعيفة ببنايته القوية، سالت دموعها وهو ضحك بعلو صوته، الصغيرة مازالت تبكي عندما تتألم من شيء! رغم كل قوتها المصطنعة تلك وتبجحها تبكي! وصدح صوته باستخفاف_:
_بتعيطي ليه ياصغيرة؟ مش كنتي ديڤل ومن دلوقتي؟ وأنا استيبد مان؟ ولا هو إحنا بنقول كلام مش قده؟

_لو سمحت سيب شعري، والله بيوجعني.
رجعت الرقيقة سما، ووضعت يدها على شعرها تحاول تخفيف قبضته، وكانت خائفة أن ينفذ تهديده، بدأت تبعد عن الحائط وهي ترجع بظهرها للخلف، تناست الزجاج المهشم، ورجعت بأقدامها وهي تردد"متقربش مني، أنت..."

قطعت جملتها وهي تتأوه بنبرة عالية بعدما دخل الزجاج في أقدامها يجرحه، رمق قدمها العارية لأول مرة، دائمًا ترتدي نعال لطيف في قدمها، تركها وهي جلست على الأريكة بألمٍ، سالت دماء قدمها بغزارة، وهو زفر بضيقٍ وتحدث بجدية"قومي اغسليها، وحطي ليها مرهم "+++"موجود في الحمام."
رمى جملته ورحل تارك لها المنزل كله.
"________"

_لك يا ميسة بيكفي، أنا مو بدي ابني يكرهني، بيكفي البنت مو عملت شي!
قالتها والدت منقذ بجدية وهي تمنعها من بخ سمها في أذنها كالعادة، والثانية رددت بنبرة حانقة"والله إنتِ بتستحقي أي شي، فرح قالتلي وقفت صارت تتواقح وتقول هاد بيتي وعم تطردك، وإنتِ چريتي ترچعيها!"
4

نهضت تحدثها بحزمٍ ونظرات حادة"مو إلك علاقة فيني أنا ومرت ابني، لك بيكفي سواد شوي، أنا مو رح اسمحلك إنك تعملي مع ابني متل مو عملتي مع أخوكي، خلتيه يطلق مرته ويترك ولاده ويتزوچ غيرها مو سائل عن ولاده! لك يا الله! بدك تطلقي الكل ولا شو؟"

_مرت أخي؟ لك الله يلعنها هديك الوقحة، وأخي رچال مو متل ابنك زوچ مرا!
هزت رأسها بسخرية واخبرتها بقلة حيلة وهي تهبط"متل مو دايرة تخربي بيوت الناس بيتك رح ينخرب والله، إيه وشوفي زوچك وين بيروح هديك الأيام ياست ميسة، اهتمي بزوچك شوي مو بمنقذ ومرته! ومو كان بدي قولك بس معلش بتعرفي يمكن تنشغلي بزوچك بس رُها هون بمصر."

تغير وجهها لمئة لون، وسألتها بصدمة"رُها هون؟؟ وين ساكنة؟"

_مو بعرف، أمَّا قالتلي إنها أچيت هون من فترة صغيرة.
قالتها بهدوء والثانية سبتها ولعنتها مع حديثها"هديك الثورچية الوقحة، ياللي كانت عم تعمل مظاهرات بلا خچل مرددة سوريا سوريا تركتها هلأ مشان أحمد تركها؟ تركت بلدها يلي عم تقول بموت مشان سوريا سوريا وإچيت ركض ورا أحمد؟"
2

ردت عليها ببسمة ساخرة"إيه إچيت مصر ورا أحمد، بيكفي خناق معه وشوفيه شوي الرچال مسكين والله."

هبطت من عندها وهي تتركها تغلي، غريب أمرها! تريد أن تذيق الجميع المرارة والحرقة ولا تريد أن تنظر حتى ما بداخل الكوب!

كانت رودينا جالسة مع حياة أمام التلفاز تسألها بعدم فهم"ماما ليش أريل وافقت صوتها يروح مشان شاب؟"
1

_عشان ساذجة ياروح أمك.
قالتها بسخرية من تلك حورية البحر، لترجع تسألها بانتباه"ومو عيب تقعد ببيت رچال غريب؟ ليش هيك؟"
أجابتها بنفس طريقتها"عشان مشافتش تربية، أبوها بكل قوته دا نسي يربيها."
2

ابتسمت لحماتها بهدوء وحماتها حدثتها بتذمر"لك ما تبوظي طفولتها وسبيها بعالمها."

_ماهي أريل بردو الحب كان عاميها أوي.
قالتها بمللٍ من تلك الفتاة الغبية، صحيح الحب شيء جميل، جميل للغاية لكن ليس مبرر أن تفقد صوتها وتتحول لمجرد دودة بنفسجية اللون بسببه! أي مبرر هذا؟ وتابعت بسخط"وبعدين إللي بتحبه معرفهاش لاء وجري ورا بت ملزقة فاكرها هي، الجاحد."

صمتت من بعدها، وبعدما انتهى الفيلم الكرتوني اتجهت رودينا لتدخل غرفتها، لا تحبذ الجلوس مع والدت منقذ لحالهم حتى لا تعود لكلماتها اللاذعة في حقها، وهي كإنها استشفت ما يدور بخلدها وأوقفتها بنبرتها الجادة"فينا نتكلم شوي؟"

رجعت تجلس أمامها بهدوء وتحفزت ملامحها مع جملتها"اتفضلي."

_ما تزعلي من ياللي حصل هديك الأيام، أنا غلطت معك كتير.
قالت جملتها وكإنها كانت مفتاح لسيل دموع رودينا بغزارة، وتحدثت أخيرًا بكل ما في قلبها"إنتِ جيتي عليا أوي ياحماتي، جيتي عليا جدًا وأنا معملتش حاجة، وعاملتيني زي الأعداء، وخليتي ميسة وفرح يشمتوا فيا ويقلوا أدبهم عليا، خلتيني مش عارفة أقعد في بيتي، وقهرتيني وكل يوم كنتي بتقهريني."

ضمتها وهي تربت على ذراعها مع جملتها الآسفة"حقك علي يارودينا، أنا بس.."
قاطعتها وهي تخبرها بتفهم"أنا فاهمة إنك كنتي شيفاني وحشة بس إنتِ عملتي حاجات جرحتني أوي، وخلتيني أحس بالنقص أوي."

_أنا مو كنت بقصد أقلل منك، أنا بعرف شعور إن الحماية لما تيچي عَ مرت ابنا صعب.
كانت تنقض نفسها! هي النقيض للحديث، لتسألها رودينا بتأثر"اومال ليه جيتي عليا؟ ليه دوقتيني نفس إللي دوقتيه؟ لولا إن منقذ بيحبني وواثق فيا كان زمانه طلقني."

"مو هزعلك تاني، أنا بحبك وبحب منقذ، مو بدي أخليه يختار بيناتنا."

_وأنا مستحيل هكسب في المقارنة دي ياحماتي، إنتِ أمه، ولو هيبقا فيه مقارنة مش عيزاها، عايزة بس نرتاح مع بعض ونريحه، منقذ حنين أوي ياطنط ميستحقش غير إننا نريحه في بيته، أنا بحبك أوي ياطنط واللهِ ومش عايزة نشيل مع بعض، إنتِ زي مامتي وربنا يعلم ماما مربياني على احترام الكبير ما بالك بحضرتك إللي أم جوزي؟
حدثتها بطريقة عقلانية هادئة، هي لا تريد شن المعارك مع والدت منقذ، منقذ وحيدها، وابنها الصغير، تنهدت بقلة حيلة وسمعت جملتها المتلهفة_:
_وأنا والله مو عايزة يصير زي ياللي صار، ومو بدي ازعلك وأزعله، حقك علي ووالله هديك فرح ما رح تدخل البيت أبدًا.

ابتسمت براحة بعد الشيء، وتحدثت ببساطة"ماشي ياحماتي، ربنا يباركلنا فيكي، هقوم أعمل كوبايتين شاي لينا ماشي؟"
3

"_____"

كان يجلس يمسك أحد الروايات الساذجة التي تقرأها رودينا، لا بل سرقتها اللصة من مكتبته_كما تفعل دائمًا_ومن ثم أخبرته بمنتهى الرقة"في حتة رواية سرقتها من المكتبة خطيرة."
2

وبعد حديث طويل عريض عن وصف روعة تلك الرواية الرومانسية اخبرته بحدة متنافية مع رقتها"واللهِ يامنقذ واللهِ هسألك فيها كلها يومين، لو معرفتش تجاوب أنا هخبي اللاب بتاع شغلك عشان متعرفش تشتغل وتترفد".

وهو تذكر في نهاية اليوم الثاني إنه لم يقرأ حرف منها لا بل تذكر إن الفتى الذي يعمل معه ظنها رواية منزوعة الغلاف الشفاف فقط ووضع لها غلاف شفاف رقيق حتى اكتشف الأمر، اللعنة كان سيبيع رواية رودينا خطت فيها الأقلام الملونة في كل سطرٍ منها! جلس يقرأها وفي لحظات التوى فاهه مع صدمته بعدما رأها تلون جملة مختلة وتضع فوقها قلب بالقلم الرصاص_:
_الرجال سر تعاسة النساء، أتساءل إن هبط نيزك فوق البشرية بأكملها غرضه فقط تدمير الرجال وترك النساء يترفهن عن حالهن هل سيحدث شيء؟ مجرد الفكرة والتخيل وكوكب الزهرة وزمردة الخاص بالنساء جعلني ابتسم! طاب صباحي حقًا!
1

اعتلت الصدمة وجهه هل تلك الرواية الرائعة التي تقرأها؟ لا يمر سطر والثاني حتى تسب الفتيات الرجال! ما بالهم النسوة؟ سينقرضون يقسم إذا لم يعد هناك رجال فبالتأكيد هم ليس فطريات يتكاثرن بالانشطار الثنائي!

وفي وسط تلك الدوامة وبعدما قرر أن يحرق أي نسخة من هذا الكتاب في مكتبته والقائه في وجه رودينا بعنفٍ مع استنكاره هذا الذي تقرأه جذب انتباهه صوت أنثوي سوري، نعم تحديدًا تلك المنطقة بها سوريين بكثرة لكن هذا صوت يميزه، يميزه من ألف صوت!

رفع نظره لتتأكد ظنونه، إنها هي! نهض يسير تجاهها يتأكد من ملامحه! يا الله؟؟ هي نفسها! وكيف يجهلها!! تحدث في الحال بملامح مصدومة_:
_مو مصدق! چيتي مصر؟؟
4

التفتت له بتعجب لكن في الحال اتسعت ملامحها بسعادة، كانت سعيدة وأخيرًا التقت به بعد كل تلك المدة؟؟ صاحت بنبرة مستنكرة"يا الله! صدق المصريين! مِصر كِلها أوضة وصالة!"

ابتسمت البسمة على ثغره وهو يؤكد بملامح متعجبة"إيه مِصر هيك، لا وهادي مكتبتي كمان، بس معقول تركتي سوريا؟"

زفرت بملامح حادة ولكن من داخلها حزينة وأخبرته بنبرة بائسة"الله يخليك ما تزيد عليّ، أنا چيت هون مچبورة، أمي من..."

قطعت جملتها وهي تتحدث باختناق"خلص ياللي صار صار، كيف اخبارك يا رفيق طفولتي؟ كيف اخبارك؟"

_إميح، إنتِ شو اخبارك؟
قالها بهدوء وهي ابتسمت بسمة منكسرة وتنهدت بقلة حيلة"مو بعرف، اخباري مو إميحة يا منقذ، بس الحمدلله، كيف أخبار خالتي؟ و...وأحمد؟"
ترددت في نهاية جملتها وهي تنطق حروفها بألمٍ وهي كلمته كانت معاتبة"رُها..بترچاكي."
3

_بترچاك يامنقذ تطمني عن رفيق أيامي.
قالتها ونبرتها موجوعة استشعرها، وكيف لا يستشعرها وهو يعلم بولعها الشديد بأخيه! وكيف لا وهو الشاهد الأول على قصة عشقهم الفاشلة!

تنهد وأجابها برفق"بخير حال يا رُها."

_اشتقت لوچودكم، سوريا بدون أهلها خراب يامنقذ.
كانت موجوعة وآهاتها خرجت خافتة، وهو ضحك بسخرية مع جملته"سوريا صارت بدون أهل يا رُها، سوريا تُبيد أهلها."

التمعت العيون بدموعها واخبرته بنبرة متحسرة وكادت دموعها تسقطت"والله روحي فداها يا منقذ، كان بدي دمي يسيل عَ أرضا، بس حياة أمي هونيك خطر، أمي لا ثورچية متل ولادها ولا عمرا كانت بتريد تصير أم الشُهدا."

_الله لا يقدر مكروه لإلك ولعبود يارها!
نطقها بعفوية ناتجة عن خوفه لفقدهم وهي ابتسمت بسخرية مع جملتها"شو مانك متابع أخبارنا؟ عبود صار شهيد خلص."
1

جملة وقعت عليه لتجعله يترنح في وقفته، ورفع نظراته المصعوقة لها مع تلجلجه"عبود! عبود مو معك؟ مو إچى معكم يارها؟"

سألها ويتمنى أن تريح قلبه لكنها هزت رأسها بالرفض، وشهق هو مع دموعه السريعة، سقطت في لحظة، وأمسك بقلبه، شهقت بخوف تسأله بفزع وهي تسحب مقعد له"شو صار لك يامنقذ؟"

_شو صار لعبود؟
نهش الألم قلبه، وهي سقطت دمعة واحدة من عيونها واخبرته بكرهٍ"دمه سال عَ إيد كلاب الأسد، لو كنت معه وقتها كنت رح أقتلهم، رح طلع روحهم مشان أخي"عبود".
1

انهارت دموعه ونهض يصيح عليها بنبرة باكية منفعلة"لك ليش عملتم بحالكم هيك؟ ليش بتدخلوا المظاهرات؟ ليش حرام عليكم مو شوفتوا ياللي بيصير بالعالم؟ مو شوفتوا كيف چميلة اتقتل! مو شوفتوا شو عملوا بزوچ چميلة وكيف عذبوه؟ حرام عليكم! مو بتتعلموا ليش؟ لك قولتله قولتله بترچاك اترك الثورة، بترچاك اترك كل هاد و..."

قاطعته بصراخها الأعلى منه، تنهره باشتعال"ولما كلنا نتركها مين رح يضل فيها؟ هدول ال****ولا شو؟ لما كلنا رح نصير چُبنا مين بده يدافع عن أرضه؟ ليش بنرتضي حياة الذُل؟ ليش بدك نكون خانعين لألهم؟ ليش نقف إلهم سالمين وهم عم يأوصوا علينا؟"

_لا بنقف وبنتظاهر فبتسحبي متل المذبوحة مشان تكوني عشا چندي من هدول القذرين! عشا وفطور وغدا كل چندي، ما بتردي الذل لكن بترضي عحالك وعـ أمك يچروكن مشان تكونوا مچرد...آآه يا الله! عبود.
من نوبة غضبه الممتزج ببكائه هذا قطع جملته وهو يردد بخفوت وقلبه محترق باسم صديق، وتابع بتحسر_:

_كل رفقاتي ماتوا! بالأول عبد الله زوچ چميلة، وياسر اعتقلوه، وجهاد، وأحمد، وچميلة ماتت! وهلأ عبود! عبود رفيق طفولتي وشبابي! كان عم يكلمني والله من..من شهر بس!
كان متحسر وهي حدثته بنبرة هادئة"الله يرحمه مات شهيد، مات من تلت أسابيع بس، وأمي بعد ياللي صارله كانت رح تچن، قالتلي والله والله لو قعدت في سوريا يوم زيادة رح تنتحر، رح تموت بسببي أنا وعبود؛ لأن نحنا ياللي بننزل نتظاهر، والله بنريد الحرية بس يامنقذ! بنريد بس شوية عدل!"

انتهت من جملتها وسقطت هي الأخرى تبكي بوجعٍ على شقيقها، رمقها وهو في عالم ثاني، كانت تتوشح بالسواد، وهي التي لطالما كانت ترتدي ملابس ملونة فقط مدعية إنها تحب الحياة، والحياة لن تكون حياة إلا بإحراق هولاء الحقراء!

_أي حرية يا رُها؟ الله يسامحكم ع حرق قلبي عليكم.
ابتعد عنها تارك المحل وهو يسير يبكي، يبكي بكاء عنيف، بكاء على صديق طفولة، وأنيس، وخير جليس!، يبكي بحرقة على جميع مَن يخصه، يبكي سوريا!

وهي ركضت خلفه تلحقه، حالته مزرية، وأوقفت أول سائق أمامها، دفعت منقذ بخفة إلل السيارة وركبت بجانبه، تخبره بجدية"عنوان بيتك وين؟"

_مو بيتي؛ أنا هون غريب، لاچئ، مشرد.
نطقها ليجعلها هي تجهش في البكاء بحرقة، تركت أرضها التي أقسمت ألا تتركها إما منتصرة إما شهيدة! تركتها وحيدة خائفة، ضاع سندها بالحياة! تركتها فاقدة للأمل وللحياة!

حاولت أن تنتزع منه عنوانه وبالفعل فعلت، وجلس صوت بكائه عالي، وشريط ذكرياته مع عبود يحوم أمامه، وآخر لقاء لهم كان منقذ دموعه تهطل يترجاه بجملته_:
_مشان الله يا عبود تعال معنا، إحنا مو باقي لألنا حدا هون، مشان الله.

_باقي سوريا! لمين بنسيبها؟ هادي أرضي ومو رح اتركها إلا بموتي ورح أدفن تحت ترابها.
كان قوي ورأسه صلبة، وهو صاح بحدة"لك بيكفي! چميلة ماتت بسبب هادي المظاهرات! بيكفي شوي أنتم مو قدهم! هدول معهم..معهم روسيا و...
1

قاطعه بنبرة جامدة"وإحنا معنا الله فوق كل شي، مو رح اترك أرضي، رح ضل حارب مشانها."

وبعدما وقف السائق هي نزلت معه، قادته قدمه تجاه بيتها، ودخل معها المصعد كالمغيب، وهي كانت تقوده مع استفهامه فقط عن المكان، كانت تخشى أن يصيبه مكروه وهو في تلك الحالة رغم إن حالتها أصعب! وقفت تدق على الباب، وفتحت لها رودينا لترى أغرب شيء، زوجها يقف مستند على الجدار برأسه بتعبٍ وتسانده إمرأة غريبة!

بُهت لونها لكنها سمعت صوت شهقات منقذ! هل يبكي؟ زوجها يبكي؟ انتفضت بفزع وهي تدفع يدها ضامة منقذ بسؤالها"منقذ مالك يامنقذ؟"

رمى رأسه على صدرها وهو يردد بنبرة مقهورة"عبود مات! مات وأنا مو بعرف، مات وأنا ما شوفته من سنين! مات وأنا ما ضميته لصدري متل زمان."

عبود؟ صديق طفولته الذي كان يقطن معه بنفس البناية؟ الذي لطالما اخبرها عنه وعن صداقتهم العظيمة؟ الذي كان يحدثه بالساعات؟

رفع نظراته الباكية لها وهو يخبرها بوجعٍ"بس فهمت هلأ ليش ما كان عم يرد عليا عبود من آخر اتصال بينها، فهمت إنه كان مات بعد آخر اتصال! مات بعد ما قالي إنه اشتاق لوچودي."

هل تحدث منقذ من قبل إن له أصدقاء أقرب له من الأخوة؟ نعم وكان أقربهم لقلبه هو"عُبيد"المُلقب بعبُّود، خرجت والدته تسمع جملته لتشهق بصدمة، ضيع حياته وفنى عمره عبود! لم يفكر حتى في تكوين أسرة صغيرة!

دخل منقذ مع رودينا، ووالدته سحبت يد رها مع حديثها"في الچنة إن شالله، بيكفي لهون يابنتي، الله يخليكي، راحوا كل أولادنا!"

_يا خالة راحوا وبنروح فدا سوريا!
قالتها بشراسة، ورجعت تكمل حديثها بنبرة متأثرة"والله رح أرچع لبلدي، رح أرچع لهاد عدو الله الكلب وأضل أدافع عن أرضي، أرضي رح ترچع، وحاكم بلدي رح يكون من بيناتنا".

صدح صوت منقذ المنفعل وهو يصيح"لك روحي هونيك لإلهم، ليش عم تسترچلي؟ اتركي الجيش تبعنا يعمل شو ما بده، الله رح يعينهم عَ هدول الكلاب! نسيتي إنك المفروض بنت وبتركضي عَ المظاهرات! لك غبية وأخوكي غبي لأنه مو كان قادر عليكي، لك الله يكسر راسك يا رُها."

كان منفعل ورودينا كانت مستنكرة علاقته القوية بها التي دفعته للحديث معها بتلك الطريقة، رغم إن الفتاة ملامحها بريئة وصغيرة للغاية! بشرتها بيضاء كالثلج كأغلب السوريين وعيونها سوداء لكن حادة! أبصرت بها الحدة رغم براءة وجهها! ولكن واضح إن لسانها حاد! وردت على منقذ باشتعال_:
_لك الله يكسر إيدم قبل ما تمسني أو تخدشني مجرد خدش، لك مشان الله بيكفي بنت بنت ياللي عم تسمعوني لإلها من لما كان عمري ١٣سنة! بيكفي.

_عبود...
نطق بكلمته وهي قطعته بقلة حيلة"عبود شهيد، مات مشتبك معهم مشان كانوا عم يضربوا بنت صغيرة هي وأُمَّا"

"الله يرحمه كان رچال قوي."
قالها دافن وجهها بين راحت يديه، وشعور الفقد يتجرعه للمرة التي لا يعلم عددها، وتذكر شقيقته ويوم قتلها، وكيف قُتِل زوجها، كل شيء مُهلك له ولأعصابه! يتمنى القصاص وتحرير بلاده فقط! يتمنى أن يزيل الله الغمة عن بلدته وبلاد المسلمين أجمعين.

لكنه كان قلبه مفطور، ويبكي صديقه بحرقة، ورودينا تبكي معه تخبره أن يتوقف، هو شهيد، هو الآن بين يدي الله مُنعَّم_إن شاء الله_ومن وسط كل هذا نطق هو بكرهٍ صريح"الله يلعن إيران وروسيا وبشار، الله يلعنهم."

رفع نظراته لرودينا وكإنه يشرح لها الأمر على هيئة عتاب حزين"هديك إيران الشيعية الدولة القذرة عم تدمر فينا، وهاد بشار بيموت في شعب الدولة ياللي بيحكمها! لك بده نعبده، نعبد بشار العلوي، ياللي مو بيعبده بيموته بأبشع الطرق!"

وصدر صوت تلك الفتاة رُها رقيقة الملامح تسأله باستشاطة منافية لرقتها وصوتها الأنثوي الرقيق، كانت قوية!
"ولَك رح نضل نبكي؟ بيكفي يازلمة! راح عبود فدى وطنه وشهيد! خلص خلصت."

_إيه وچميلة؟ چميلة كانت رح تقع بين إيد هدول الكلاب بس الله نجدها وماتت، لك الله وحده بيعلم كيف كانت رح تكون لو بس هدول الكلاب مو ضربوها وماتت، كانت رح تكون مغتصبة متلها متل كتير غيرها، ولا محمد چارنا الله وحده بيعلم بس كيف كان وهو هُنيك معتقل ومو بنعرف عنه شي؟ كل قرايبنا ياللي اعتقلوا بنعرف عنهم شي؟ نص ياللي قريبين منا مو بنعرف هنن ماتوا ولا اعتقلوا، ومن كل قلبي بقول يارب يكونوا ماتوا ومو وقعوا بين يد هدول الكلاب.

كان سيكمل لولا إنه وجد حياة تقف بجانب عابد وغيث يحدقون به، ويعلمون عن ماذا يتحدث، زفر باختناق وهو يجفف عباراته، واقتربت منه حياة تسأله باختناق الدموع في عيونها"ليش بتبكي؟"

ختمت جملتها واقتربت منه تقبل عيونه تفعل وتردد كما يفعل معها"ما بيصير عيونك يبكوا، أنت رچال كبير، ما تزعل، سوريا رح تتحرر ونرچع لإلها."

ضمها إلى صدره ومن داخله يتمنى ألا تكون سمعت حديقه عن أمها، يتمنى فقط أن تكون وصلت في نهاية جملته، هدأ من روعه، وردد بجانب أذنها بحنانٍ"ادعيلها اكتير."

وجه نظراته لغيث بهدوء"خدهم واطلعوا فوق ياحبيبي."

نفذ ما طلبه لكن قبل أن يصعد اقترب من رُها محدثها ببسمة صغيرة"كيفك ياخالة رُها؟ إنتِ كمان إچيتي مصر؟"

داعبت وجهه بحنو مع حديثها اللطيف"إيه ياقلبي أنا، اشتقتلك ياصغير أنت وهاد العسول."

ابتعد عنها يصعد للأعلى، ودخل منزله مردد بنبرة عالية"ماما ماما، چارتنا بسوريا تحت عند خالي وستي."

خفضت صوت التلفاز واستفهمت منه باستغراب"مين؟"

_خالة رُها.
اسم بريء نطقه صغيرها لتقفز بفزع تسأله بنبرة صارخة"شو؟ شو ياللي چاب رها لهون؟"

رفع منكبيه بعدم معرفة، وجملة صغيره لفتت انتباهه هو، ترك هاتفه وجسده كله تحفز، رُها بمصر؟ هل الدنيا صغيرة؟ أم هو يتوهم؟ اشتاقها فإچى شبحها عَباله؟ لم يستوعب ما يحدث إلا وزوجته تضع وشاح رأسها وتهبط! ياويله حرفيًا! ستحدث كارثة!

هبط يلحقها، كان منزل منقذ مفتوح، دخلت كالصاعقة بالفعل، لم تمهل الفرصة لعيونها أن تبحث بعيونها عن حبيبة زوجها السابقة، لا بل حبيبة زوجها _المعششة_في قلبه! وصاحت بنبرة عالية هجوميه_:
_لك إچيتي ياثورچية؟ والله كنت بس بتمنى إنهم يعتقلوكي وما نشوف خلقتك العكرة مرة ثانية، يامسترچلة ياثورچية.

حدقت بها رودينا بدهشة، لا تعلم ما الذي يجري في بيتها! لا ومَن تلك رُها التي شقلبت كيان الجميع! استدارت لها رها بملامح باردة، وبسمة مستفزة مرسومة باحتراف على محياها، مرحبة بها بمنتهى الرُقي!
_أهلين يا"ميسة"، صارلنا سنة مو شوفنا بعضنا!

وصعدت بنظرها إلى أحمد الذي أمسك بذراع ميسة يجبرها على الصعود معه"كيفك؟ إن شالله تكونوا بخير."

لم يرد، تلك صفحة وقديمة للغاية، صفحة هو حرقها وحرق معها قلبه، وبالأساس ميسة لم تكن تسمح له بالرد، سحبتها بعصبية من شالها تصرخ عليها بعصبية"لك ياوقحة عم تتواقحي قدام الكل بلا خچل؟ ليش إچيتي؟ ليش تركتي سوريا؟ وينه حكي ساروتكم ياللي عم ترددوه؟"

ورها وضعت كفيها الاثنين على موضع رسغي ميسة وفي لحظة واحدة كانت قيدت يدها مرددة بنبرة حادة مشمئزة"لك يا قابيسية مو بتستحي عَحالك؟ هادي بلدك ياقابيسية."
2

_رُها! عيب هيك.
نهرها أحمد بعدما اتسعت عيونه، ورها تركت يدها بعنفٍ تخبره باحتدام"العيب منها هي، لك يامرا الساروت رحمه الله ولا أنا ولا أخي ولا أي حدا شارك بالثورة لمين كنا بنعمل كل هاد؟ مو مشان حياتكم وحياة أولادكم وحياة بلادنا؟"

واو
كلمة خرجت من فم رودينا باندهاش من تلك الفتاة الجبارة التي تغلبت على ميسة! لا وواضح إنها عدوة لدودة لميسة، اتسعت بسمتها وهي ترى العرض المجاني، لنترك منقذ في حزنه هذا لوقتٍ قصير وتذهب هي في رحلة فريدة من نوعها؛ ميسة والفتاة التي تستفزها!
2

وميسة ليس من السهل أن يُصمتها لسان ضحكت واخبرتها بسخرية"يا ثورچية چيتي هون بعد ما عرفتي إن كل هاد بلا فايدة، بس ضيعتي حياتك، مين ياللي كان بيحب يربط حاله بمسترچلة كل يوم خارچة عالثورة وبتصرخ بصوتها!"

جاءت لها على جرحها وهدر أحمد بعصبية بعدما وصل للجميع مغزى حديثها"احترمي حالك شوي، ما إلك علاقة بحياة حدا."

وهي لم تكن تنتظره، وفي لحظة واحدة كانت رفعت كفها تهوي به على وجهها، سحبتها من وشاحها تخبرها بتهديد صريح"الكف الچي رح يخرسك خالص، اتكلمي عن أي حدا إلا أنا ياقابيسية، والله العظيم رح بلعك الأرض لو چيبتي سيرة ماضيَّا، لو بتريدي نفتح الماضي صدقيني رح تبكي دم، لو إنتِ فيكي لسان فأنا فيني إيد، وبتعرفي ياميسة مين رُها، والله العظيم رح زعلك."

_رُها الإرهابية ياللي بتسهر كل يوم مع الثوراچية الرچال مشان تخفف عنهم تعب الصريخ.
قالتها بتحدي هي الأخرى وردت لها الصفعة ببصقة مشمئزة خاتمة بها حديثها.

ولولا يد أحمد ياللي فصلت بينهم لكانت رها قتلت ميسة بعد فعلتها، وفي لحظة فاصلة عن العالم رها كانت وجهت عتابها لأحمد وهي تبتعد عنهم"مرتك واضح إنها عم تحب المذلة، مو بدها تعيش كأي دولة."

_لك أنتم ياللي بسببكم الوضع عم يزيد سوء، عم تشردونا من ديارنا مشان ولا شي، ليش بنتكلم وبنتحدى الحاكم؟ لك أنتم متخلفين يا عالم؟ بنموت بسبب تحدي تافه.
قالت وجهة نظر الجُبناء، هي لا تدعم الحاكم وتبغضه مثلهم لكنها لا تفهم ما سبب الثورة وتشتيت العالم من بيوتهم؟؟ والقتل وكل هذا!

وتلك المرة لم يكن من نصيبها لسان رها بل عصبية أحمد مستنكر ما تقوله"لك شو عم تقولي؟؟ إنتِ متخلفة ولا شو؟ شكلك خلطتي بين مين بده نعبده ونصير كلاب عنده وبين مين بده يحررنا من هيك عيشة."

رمى نظرة سريعة على منقذ ليجده بعالم ثاني وواضح إنه كان يبكي! جلس بجانبه يسأله بقلق"شو فيك؟"

_عبود مات أحمد، عبود مات.
أغمض عيونه بقوة، ومن داخله يريد البكاء كما فعل أول مرة وردد بنبرة مهزوزة"كنت بعرف بس ما حبيت زيد همومك."

_ليش؟ أنا كنت عم اتصل فيه ورح چن وأنت سبتني هيك؟
عاتبه بكلماته الحزينة، والثاني ضمه مع حديثه الجاد"فوق هيك يامنقذ، كلنا رح نموت، والشهيد ربنا مكرمه، الزعل مو ع عبود الزعل عحالنا إحنا، عبود كان رچال قوي في الحق، وقوي في الدين، وهلأ هو لحق رفاقنا، ليش عم تبكي؟ الحمدلله إنه مو اعتقل ولا وقع تحت إيد حدا منهم."

كان جاد، وأحمد دائمًا هكذا، ووجه نظراته لرها مع أمره الحاد لها"وإنتِ اقعدي شوي واتهدي، أمك محتاچة لإلك، عقلك طاقك بعرف بس هون ما إلك إلا أمك، هون أنتم بمصر، مصر بلد الآمان."

نهض يفرد جزعه مربت على منقذ بحنان، وسحب يد زوجته موجه حديثه لرها"البقاء لله، ربنا يرحم عبود، كان أحن رفيق وأقربهم لقلبي أنا ومنقذ."

انتهى من جملته وسحب ميسة تسير خلفه صاعد للأعلى، ورودينا تقرأ نظرات العشق من على بُعد ألف متر فما بالك بنظرات عشق أحمد؟ نظراته الحزينة؟ ابتسمت بسمة جانبية واقتربت من رُها محدقة بميسة التي تصعد للأعلى"إنتِ ضيفتنا وشكلك على علاقة قوية بمنقذ وأحمد، وطالما دخلتي بيتي لازم تتغدي معانا، أنا رودينا مرات منقذ."

رمقتها بتدقيق وفي لحظة واحدة كانت توسعت بسمتها مع صياحها"لك يازلمة هادي مرتك؟ بتچنن! يا ماشالله يا ماشالله ع بنات مصر! ما أچملها!"

_دا من ذوقك، آسفة على إللي حصل من ميسة في بيتي بس...
قالتها بحرج لكن قاطعتها رها بضحكة ماكرة"اتركينا من ميسة، ميسة بتتخانق في أي وقت وأي مكان مع أي حدا، الله يكون في عونك يا أحمد يا صغير على هديك ميسة!"

رائعة، الفتاة قوية وماكرة! نهرتها والدت منقذ بعصبية"يا الله رها! لك قفلنا صفحة أحمد من زمن! ليش بتعملي مشاكل؟؟"

وجهت نظراتها الهادئة لها مع سؤالها الجاد"وأنا شو عملت؟ چيت هون مع رفيقي ودوغري هي نزلت تقولي إني ثورچية بلا ترباية وكلكم سمعتم! هديك القابيسية".

_لك يا رها بيكفي، ميسة مانا قابيسية.
5

قالها منقذ معترض لكن رودينا كانت تريد الاعتراض وتأكيد حديث الفتاة إنها قابيسية، هي لا تعلم ما معنى الكلمة لكن رها قالتها كثيرًا لها فهذا معناه إنها تسبها، يا الله هي تكره الشماتة لكن يعجبها الزمن حين يدور! والزمن في ثانية دار يأخذ لها حقها، وإن كان أحمد يريد زوجة ثانية فالأولى بنت بلده! بنت بلده التي في أشد الحاجة إليه، هي هنا بدون لا رَجُل ولا سند! وميسة لا تمانع الزواج لمرة ثانية، ستكون متفهمة الجميـ..القابيسية!

_مانا قابيسية لكن چبانة وبترضى بالإهانة.
أكدتها رها بهدوء، ووجهت نظراتها لوالدت منقذ تحدثها بهدوء"بعرف إنها بنتك بالرضاعة بس معلش بتعرفي الحق حق".
3

رجعت تكمل لمنقذ بحزنٍ"آسفة إني قولتلك إن عبود مات، ما كنت بعرف إنك مو بتعرف، أمي كانت مكلمة خالتي عيشة من تلت أيام لما چينا هون ففكرتك عرفت."

رمق والدت بتعجب، كانت تعلم؟ لذلك كانت تبكي قبل أيام بقوة وارتدت الأسود بدون مبرر، هز رأسه بهدوء وتحدث ببسمة منطفئة"كانت بتعرف إني رح أبكي هيك."
وجه نظراته لرودينا بنصف بسمة"حطي لإلنا الأكل، دوقيها الكشري المصري الأصيل ياللي بتعمليه."

قال جملته ونهض يدخل غرفته، عالمه الخاص، وقف في نصف الغرفة يدور بنظره على كل شيء، غرفة سورية لشخص ثورجي_لم يكتمل_في كل أرجاء الغرفة معلق صور لـشهيد الثورة عبد الباسط الساروت، صور تؤكد إنه من داعمين الثوار، الثوَّار لأجل الحرية..

ممكن إنو العين بتدمع..
ممكن إنو الچرح بيوچع..
لكن أوعا بيوم تفكر...
إن عن ثورتنا منرچع!
إن يمكن يوم منخضع!
ياظالم إلك يوم..
ممكن تقتل ممكن تقصف!
ممكن تنهب ممكن تقتل..
ممكن تغتال الطفولة
ممكن قلب الأم بتحرق
لكن بكرى الشمس بتشرق
ليلك مابدوم!!

جلس على الفراش منهزم، وهي دخلت عليه، جلست بجانبه تضمه بحنانٍ وكإنها أمه! مسدت على شعره الكثيف، وردد هو بانهيار_:
_تعبت يارودينا، صارلنا سنين هيك، كل رفاقي ماتوا، أختي وزوچها ماتوا وبطريقة بشعة، تعبت، بدي أرچع لأرضي وأرض چدودي، تعبت من التشرد بمصر وتركيا وألمانيا.
1

تابع بمرارة وهو يبتلع لعابه"تعبت من إن العالم بيشفونا چينا نسرق أرضهم، في أي ثانية بتلاقي الشعب بدهم يطردونا, لك بيتمنظروا علينا ويذلوا فينا، بيستغلوا إنَّا لاچئين وبيشغلونا أي شي حتى عرق الچبين ما بيكفي السعر ياللي بيعطونا إياه، لك والله كان عنَّا حضارة ودولة وأهل وبيت ومصاريف وديار، كان عنّا كل شي، يعني حنَّا مو حابين نترك بلدنا ونيچي نتشرد بأي دولة! بس عنَّا أطفال! شو بنعمل؟"
1

_هو إحنا زعلناكم في حاجة؟ دا إحنا بنحبكم أوي و...
قالتها وهو قطعها بهزة رأس خفيفة"لاء يارودينا أنتم أهل كرم والله وبنحبكم اكتير، أكتر شعب طيب وحنون، وأنا ما بقيت بحب قدكم، بس والله هادي بلدي وأهلي هونيك."

"هتتحرر يامنقذ وهترجعها، وهروح معاك هناك، وهيبقا عندنا بيتين، بيت هنا وبيت في سوريا، أنا واثقة."
دفعته بخفة وهي تكمل جملتها بمرحٍ"وبعدين أنتم ترجعوا بلدكم وبعد ما إحنا بقينا مدمنين شاورما سوري وتومية نقعد محتاسين!"
1

ضحك من بين موجة حزنه معلق بسخرية"إنتِ معك مصنع الشاورما والتومية كله، بس بوعدك إن والله لما أرچع عبلدي رح لففك سوريا كلها."

_أنا واثقة إن دا هيحصل، عارفة إن عبود دا كان قريب منك بس دا شهيد يا منقذ، ومش هيتعز على إللي خلقه، عشاني أنا متعملش في نفسك كدا.

حاول أن يتحكم في حاله مع جملته المختنقة"رح روق، بس أنا هلأ تعبان، اخرچي إنتِ لرُها وأنا رح نام، مو بدي آكل شي."
ابتعد عنها نائم على الفراش مغلق الأنوار معه، شرد في الحائط، وردد بنبرة واهنة متعبة_:
_متى النصر؟
2

"_______"

جسده كله ينتفض وهو نائم، وهي بين يديه، كانت متعجبة، لا تفهم ما دهاه، هزته برفق ورقة كعادتها، لم يستيقظ، بل كان يهزي بأشياء غير مفهومة، هزته أكثر والقلق ينهشها، وهو انتفض أخيرًا مستيقظ، ووجدها وجهها في وجهه لا وبين أحضانه!!
2

دفعها بعنفٍ مع صياحه الغاضب بدون مبرر"ابعدي عني."

رمشت بأهدابها بعدم فهم، وهو صاح أكثر بعصبية"ممثلة ومتستاهليش أي حاجة."

نهض من فراشها يخرج من الغرفة بطريقة غاضبة مبالغ بها، رمقت أثره بدهشة، هل هو جُنَّ؟؟ خرجت خلفه وهي تريد أن تصرخ عليه هي الأخرى تخبره ألا يرفع صوته عليها، وجدته جالس على الأريكة وواضح إن عقله سينفجر، جلست بجانبه وفمها مفتوح ببلاهة، كانت نائمة وهو نائم مثل القمر! وملامحه دافئة لكنه استيقظ يتشاجر معها!

وهو بدأ يستوعب إنه كان يحلم؟؟ حلم؟ حلم مُهلك! حلم كإنها حقيقي عاش فيه أشد لحظات خذلان وحزن! ذاق فيه مرارة الرفض؟؟
23

حتى ولو كل ذلك كان حلم وسما البريئة مستحيل تفعل كل هذا لكنه لن ينكر حقيقة حبها ليونس الكبير!
1

نهض من جانبها يدخل غرفته يريد أن يهبط الساعة الرابعة فجرًا! سيهبط ويصعد بعدما يهدأ من ذلك الكابوس المزعج، تنهدت وهي تمسك بيده وهو انفعل وهو يهدر بها_:
_سبيني دلوقتي، متعصب وهطلع عصبيتي كلها عليكي، اخرجي برا عشان مش طايق نفسي.

رمشت بأهدابها بفزع، وانهارت دموعها وهي تدفعه بعنفٍ تصرخ عليه بحرقة بعدما اندفعت الدماء في عروقها بسبب غضبها"أنت متزعقليش، أنا مش بعمل حاجة عشان تتعصب عليا، أنا غلطانة إني بسأل فيك واللهِ."
3

توقف الزمن بالنسبة له، عيناه اتسعتا بدهشة، وابتسامة بارزة ارتسمت على وجهه، بوضوح طفل يسمع أغنية أحبها لأول مرة! هل نطقت للتو؟ لا بل تحدثت بحرقة! وبكت بصوت عالي وهي تبعد عنه تدخل إلى غرفتها، لم تنتبه إنها تسمع صوتها، فقط تبكي بسبب طريقته الغريبة معها، سار خلفها بدهشة وقف على الباب يسمع حديثها العالي بتذمر"بجد حرام عليك أنت صاحي تتخانق معايا وأنا نايمة؟ أنا بجد هسيبلك البيت دا ومش هتعرفلي طريق."
1

ابتسم بسمة تدريجية، ها هي أحلامه تتحقق وفي نفس اليوم! لكن ليس بتلك الطريقة السيئة، اقترب منها يجلس أمامها وهي ألقت عليه هاتفها مع صراخها الحانق"أنت مستفز، وعايز تتعالج واللهِ، أنت مجنون."

_أيوة معاكي حق أنا شخص وحش ومجنون.
جارى حديثها، وهي أكدت عليه من وسط تلك الموجة"أيوة مجنون ووحش".

"مجنون عشان زعلتك، حقك عليا، بس قوليلي إنتِ صوتك وحشك؟"
سألها بانتباه في النهاية استغربت سؤاله لتهز رأسها متحدثة بحزنٍ"آه صوتي وحشني ونفسي.."

توقفت فجأة، يدها ترتعش، وشعرت بدفء غريب في حلقها وهي تنطق أخيرًا بعد مدة طويلة من فقد نطقها وعمل إياد بجد لعلاجها، اندهشت بكلماتها
"إياد أنا سمعاني! إياد أنا بتكلم! أنت سامعني؟"

ضحك وهو يلتقطها في أحضانه مع جملته السعيدة"آه سامعك ياعيون إياد، سامع أجمل صوت".

وكأن صوتها كان سجينًا في أعماق روحها، انطلق أخيرًا مع أول صرخة حرقة، ليحطم قيود الصمت التي كبلتها طويلًا، وكأن الحياة تنبض مجددًا في حنجرتها، تعيد تشكيل كلماتها المرتعشة بين دموعها وصوتها المتلهف للحرية!

هل تصف سعادتها؟ السعادة تغمرها، هي الآن طير حر طليق طار بعدما ذاق مرارة القفص الحديدي! طوقته بقوة وهي تشكره من بين دموعها المسرورة"شكرًا يا إياد، أنت إللي كنت بتعالجني، وكنت بتوفرلي كل حاجة عشان اتكلم، أنا بحبك أوي."

قالت أحبك؟ يا الله قالتها؟؟ ورجعت هي تكمل بلهجة ممتنة"بجد أنا عارفة إن الفضل كله ليك، أنا شوفت في جوجل إن الدعم النفسي أهم حاجة، وأنت كنت علطول معايا، ومسبتنيش رغم كل حاجة."

لم يستطيع يعبر، طارت الكلمات، ربت على رأسها بحنانٍ وردد بجملة واحدة فقط كانت دافئة، دافئة للغاية"مقدرش أسيب روحي."

ضغطت أكثر على خصره التي كانت تضمه وهي تتحدث بحماسٍ طفولي متناسية إنه كان يُبكيها قبل لحظات!
"أنا حاسة إني أول مرة اتكلم في حياتي، أخيرًا الكلام إللي في عقلي طلع من جوايا بجد، دي حاجة حلوة أوي."

أكمل بدلًا عنها بنبرة ذات مغزى"حاجة حلوة أوي تستاهل نشكر ربنا ليل نهار عليها، الحمدلله على نعمة النطق والبصر والسمع، لازم تشكري ربك."

_الحمدلله بجد، والله أنا هطلع صدقة كتير لكل الناس، وكمان هفضل أشكر ربنا على نعمه الكتيرة أوي في حياتنا.

طفلة صغيرة تتحدث بحماس، هو لا يراها سوى طفلة تعيش حياتها بداخل منزله وتكتشف العالم من خلف نوافذه، وهي رجعت تتذكر إنه صاح عليها لتمسك يده تعضها بقوة في لحظة غفلة منه، تأوه بنبرة عالية محاول إبعاد يده لكن فشل وردد بنبرة متوعدة"وربنا هقطعلك شعرك، سيبي إيدي يامحرومة اللحمة إنتِ".

ابتعدت عنه بعد لحظات وهي تضربه بشراسة على صدره متعللة بوجهٍ أحمر منفعل"دي عشان أنت زعقتلي، ودي عشان طردتني من أوضتك، ودي عشان أنت متخلف وصحيت من النوم تقولي كلام وحش، ودي عشان.."

نهت جملتها وهي تضمه طابعة قبلة رقيقة على وجنته اليمنى مكملة حديثها بنبرة متنافية مع تلك الشراسة قبل لحظات"ودي عشان أنت حضنتني وقولتلي إنك سامع أجمل صوت."
1

إن كانت تريد مصالحته عن هذا الكابوس فكانت لن تفعل كل هذا، كلماتها فقط جعلته يصعد لسابع سماء، أغمض عيونه يستشعر الموقف، وهي كانت عفوية لدرجة إنها لم تدري أثر هذا عليه، بعثرت شعره بسعادة وهي تردد بـ_:
_وأنت أجمل دكتور، مجنون شوية لكنك عسول وشطور.

_وإنتِ بسكوتة.
قبِّل أعلى جبينها بعمقٍ، وابتعد وبعدها عنه وهو يهتف بحماس"إحنا كدا محتاجين نحتفل، قومي بس الأول اتوضي وصلي ركعتين شكر لربنا وأنا هنزل أجيب لينا حلويات وتسالي."

وافقت ونهضت تصلي وأخيرًا وهي تتحدث، أخيرًا خرجت من سجن حنجرتها وتحدثت، وهو هبط وصعد ممسك بحلويات كثيرة، ومحمصات بالأطعم المختلفة، وجدها جالسة على بساط الصلاة، جلس بجانبها ومد يديه بالحقائب مخبرها بحنو"جبتلك كل إللي بتحبيه."

_أنت مش بتاكل حلويات دلوقتي عشان النظام بتاعك ميبوظش.
اعترضت باهتمام، وهو حرك منكبيه يهتف ببساطة"القليل من اليوم الفري لا يضر."

ضحكت وهي تشاكسه بكلماتها"أنت كدا هيبقى عندك كرش بعدين."

_فشر دا إنتِ ياماما، أنا مستحيل يجيلي كرش، مش بعد كل العضلات دي والچم إللي بدفع فيه دم قلبي يطلعلي كرش.
استرسل بنصف بسمة"صحيح تعرفي إني مش أي حد في الچيم؟ أنا بدرب أي حد جديد بيدخل الچيم، ومساعد للكوتش "شادي"ودا يعتبر إللي كان بيدربني من خمس سنين."

رفعت وجهها لوجهه وطبعت قبلة هادئة للمرة الثانية وهي تدعمه بكلماتهم الرقيقة"شطور يا كوتش."

رمقها بتعجب وسألها بدهشة"أنا ملاحظ في تطور وانحراف رهيب!!"

تسرب إليها الخجل وهي تضم شفتيها، اخبرته بنبرة متوترة"أنا مش قصدي، بس كنت....."
تلاشت بقية جملتها بسبب إنه لم يمهلها الفرصة لتبرر تخطيها حدودها معه، ضحك وهو يردد"إنتِ بتبرري إيه! دا أنا من زمان نفسي نوصل لمرحلة الانحراف دي! دا أنا بموت في الانحراف."

سرح معها لعالمه وهي لم تمانع رغم خجلها واضطرابها المسيطر عليها لكن هذا إياد، أفضل رجل رأته في حياتها، وهي بعدما شعرت إنه مقبل على إعلانها زوجة أبدية له رددت بنبرة مرتجفة وكإنها استعادت وعيها_:
_إياد... بلاش أنا مش البنت إللي بتتمناها تكون مراتك وتقضي حياة معاها، أنا أقل من إني أفضل معاك وأنت تدبس.

رمقه بتعجب، وقرأ الخوف على عيونها، وحركات أناملها المرتبكة، ردد بقلة حيلة وهو يهتف بنبرة قوية"إنتِ مش أقل من أي حد، إنتِ أحسن مني ومن الكل، إياكي ياسما تقللي من نفسك."

_أنت مش فاهم، أنا هبقا كدابة..كدابة لو كملت معايا، أنا مش....لو سمحت ابعد أنا مش عارفة أبرر.
سقطت دموعها بعدما شعرت إنها وأخيرًا تريده وتحتاج قربه، تنهدت بتعبٍ وهي تبعد عنه دافنة وجهها بين قدميها"أنا آسفة يا إياد، بس أنا أنا مكنش قصدي واللهِ، أنا كنت مراهقة وعندي ١٧سنة واللهِ، وهو هو يا إياد أقسم بالله كان زيك كدا ضخم وعنده عضلات وبيدرب في چيم بردو وأنا كنت رفيعة وضعيفة...."

جلس يستمع لها ونيرانه تكويه، كان يعلم لكن الحكاية منها محرقة، توقفت للحظات قبل أن تكمل بتردد"هو..هو، أنا مش وحشة يا إياد."
لا تجد عين تبرر سبب اغتصابها سوى إنها كانت فتاة طائشة ذهبت تحب شقيق صديقتها وتقابلت معه لينتهكها، سيراها كانت تريد كل هذا، ازدادت دموعها وهي تخبره بشهقات عالية_:
_أنا مقولتش ليونس وقت ما كنت معاه، وعمري ما كنت هقوله وهو مكنش هيكتشف ومحستش بتأنيب الضمير، لكن أنت مقدرش أخبي عليك.

اختنق صوتها ونظرت لعيونه تتحدث بوجعٍ تفضي عن مشاعرها"أنت أكتر راجل اتمنيت أقربله يا إياد، من أول يوم دخلت ليك العيادة وأنت شدتني ليك، وبعد ما اتعاملنا وكنت بروحلك اتمنيت إنك ياريت يونس كان أنت، ياريته كان اتعلم الرجولة منك، ولما عرفت إن رنا مراتك قلبي وجعني أوي، وغيرت وحقدت عليها عشان أنت متستحقهاش، عشان أنت كامل بالنسبة ليا، بس متستحقنيش بردو، أنا مينفعش أكون أنانية."

_أنا عارف ياسما، عارف كل إللي مش عارفة تحكيه، عارفه من أول ليلة دخلتيلي فيها العيادة، أنا مش عيل أو جديد في الشغلانة عشان مش مع أول كلمة أعرف إنك حصلك كدا و إنك مظلومة.

_بس أنا عملت حاجة غلط، وكبيرة و...أنا عملت عملية، مش عشان والله أكدب عشان هو إللي خدني ووداني وربنا غصب عني بعد ما كنت قاعدة كل يوم أعيطله، هو قالي أروح أعمل أي عملية وأسكت، بس أنا مكنتش والله عارفة حاجة فهو آخر ما زهق خدني هناك أقسم بالله، وأنا كنت مرعوبة وقعدت أقوله يرجعني وهو ضحك وقالي We will fix what is broken قالي كدا وهو بيضحك ودخلني للدكتور وبعد ما عمل كل دا هددني بردو طب هو عمل كدا ليه؟ أنا والله صغيرة كنت، وهو بعدين أخد مني فلوس كتير لحد ما أنا رميت نفسي من بلكونة أوضتي، بعدها مبقتش عارفة مكانه.

زادت شهقاتها وزاد اضطرابها، وتريد فقط أن تنفرد بحالها تبكي بحرية أكبر، وهو كان يظن إن الأمر هين، لكن واضح إنه كُتِب عليه أن يجلس الجلسة لمرتين يسمع فيهم نفس القصة لكن بتغير الشخصية، أخته، وزوجته، وهذا غير المرضى الكثير الذي يمسك حالتهن نتيجة اعتداءات، ومن داخله يعلم إن الرَجُل أقذر من الحيوان، الرَجُل له عقل لكنه لا يستخدمه ويركض وراء شهواته، أما الحيوان فهو يركض وراء شهواته بدون عقل! سمع آلاف القصص المشابهة لرودينا وسما، وكُتِب عليه أن يذيق مرارة الاثنين.

_خلاص ياسما كفاية، كان أفضلك إنك تفضلي ساكتة ومتحكيش ليا لإن إنتِ بريئة وملكيش ذنب وربنا سترك أهو، إنتِ عذراء ياسما لإن الموضوع مكنش بمزاجك.

حدثها بجدية لكنها قاطعته وهي لا تريد أن يراها الملاك المظلوم في هذا العالم الكاسر
"أيوة بس أنا إللي خرجت معاه بمزاجي، يعني أنا السبب في كل دا."

_يمكن بس دا بسبب قلة وعيك، صدقيني مش أنا إللي المفروض تخافي منه، أنا أكتر واحد عيشت في الحوار دا، وواخدك وعارف إللي فيكي كويس لإني مش ساذج، وعارف إنك كنتي مراهقة الكل سايبها بتحاول تكون صداقات وتكسب ود الكل عشان متبقاش وحيدة، واتولدتي في مجتمع فيه كل دا عادي، أنا أصلًا مستغرب إنك كنتي مهتمة وخايفة على نفسك في وسط الفُجر إللي حواليكي فاهم كل دا، بالنسبالي الشرف مهم أوي في حياة الإنسان وحياة المسلمين لكن أنا للأسف عارف إنك أشرف واحدة، وياستي للأسف وقعتي مع دكتور متفتح أوي، دكتور سمع حكايات أسخم من حكاياتك مليون مرة، وعارف إن غشاء البكارة حاجة مهمة في عاداتنا لكن مش شرط يكون في أغلب الوقت شرف للبنت لأن في بنات شريفة وبتغتصب، وفي بنات مقضياها وعارفين إزاي يحافظوا عليه، ومش كله طبعًا، في بنات ماشاء الله ونعمة التربية بس ربنا مكتبش عليهم النقطة دي، ربنا ميكتبش القهرة دي على أي بنت عفيفة، عارف إنه فرحة البنت وجوزها وفرحة أهل البنت، بس أنا واخدك وعارف عنك كل حاجة، إنتِ مظلمتنيش متقلقيش.

كان متفهم؟ حنون؟ يطمئنها؟ كان الأمان لها في وقت فقدت كل شيء، أعطاها الثقة الكافية، ونهض يلتقط المقرمشات، وضعهم بينهم يخبرها ببساطة"كلي، دول بالجبنة."

_أنت مش..
قبل أن يسمع سؤالها تحدث بسخرية"سما إنتِ حكتيلي كل اللي حصلك بالظبط عندي في العيادة، يعني قبل جوازنا وقبل ما تتحجبي أصلًا."

شهقت بصدمة، لا لم تقص عليه شيء وهو ذكرها بهدوء"اليوم إللي جاتلك فيه النوبة عندي في العيادة وفوقتي بعدها ومكنتيش فاكرة حاجة كنتي حكتيلي كل حاجة، وعقلك مقدرش يستحمل كل دا فمسح الجزء دا."

لا تتذكر لكنها تذكرت نوبتها في عيادته، يومها كانت لا تتذكر حتى ماذا حدث طوال اليوم وهذه الأعراض لأول مرة تحدث لها، رمش بأهدابها بعدم تصديق، وهو كان يأكل المقرمشات بشرودٍ، وهي من وسط شروده كانت نهضت متجهة لمغادرة الغرفة متحدثة ب"أنا آسفة."

_تعالي.
كلمة واحدة لم تكن آمرة بل كانت أشبه بالرجاء، تقدمت منه، وهو اخبرها بنبرة ناعسة"حلمت بكابوس وحش أوي."

لم ينتظر أن تسأله ليجيبها بسرد الحلم باختصار شديد"حلمت إنك بتكرهيني وعايزة تبعدي عني، وكنتي الشريرة في الحلم."

_أنت إللي يبعد عنك يبقا متخلف يا إياد، وأنا مستحيل أكرهك، أنا مشوفتش أحن منك عليا.
نطقها بصدق، حديث نابع من أعماقها، وهو بما إنه يوم الاعترافات سألها ببحة مختلفة"هو إنتِ لسة بتفكري في يونس؟"

ولمرة واحدة سما تبرد نيران قلبه بجملتها ذات المعاني الكثيرة ولكن في النهاية تهديك إلى طريق واحد"لو يونس إداني الأمان المزيف وعمل كل حاجة كدب وعشان الفلوس، فأنت كنت الحياة كلها يا إياد، أنت مجرد ما بذكر اسمك بعرف إني مش لوحدي، كل حاجة بتعملها من غير مقابل لدرجة إني أنا إللي عايزة أعوضك بأي مقابل إن شالله روحي، أنت عمرك ما زعلتني، وعمرك ما ظلمتني، أنت أحن حد، أنا بحبك أوي، ويونس دا لو كان عمل حاجة معايا حلوة متجيش حاجة في بحر حنيتك عليا رغم إنك لا وقفت تتحدى حد ولا وقفت تغنيلي ولا كل الحاجات دي عشان تثبتلي حبك، أنت بس احتوتني في عز ما أنا ضايعة وتايهة."

_ربنا ما يكتب عليكي أبدًا توهة ولا ضياع، وأنا مش عايز روحك لإن روحي أنا معاكي، أنا عايز نبدأ حياة هادية مع بعض، زوج وزوجة وبيت دافي وعيال يملوه علينا، وأنا جدير بالماضي إنك مش هتفتكري منه حرف، مش هتفتكري بس غير حياتك معايا.
وبعدة كلمات كان قلب الاثنين استسلم ومن بين موجة تخبطها تحدث بضحكة هادئة_:
_تحبي ياصغيرة على الحب تمثلي فيلم بطولة السندريلا والعاشق رشدي أباظة؟

_مين رشدي أباظة؟
رنت ضحكته وهو يردد"إللي حب الصغيرة على الحب."

"________"

انتهت منه أخيرًا! لم تتعب فيه لإنه لحبيب قلبها قبل عيونها، جلست ليلة بكاملها تعده له، والنتيجة كانت مبهرة، بلوڤر تريكو جميل للغاية مناسب لصغيرها الجميل محمد، صورته لرودينا مرددة بسعادة_:
_بصي جميل إزاي؟ حبيبي محمد هيكون اللهم بارك فيه.

_ياكوتي كوتي! تحفة يازينب بجد.
دعمتها برسالتها الحنونة، ورجعت ترسل لها بانتباه"ينفع تعملي بلوڤر لمنقذ؟ وليا ويكونوا شبه بعض ولحياة كمان."

سجلت مقطع صوتي تخبرها بهدوء"عارفة إن عندك ضغط شغل بس نفسي أوي أجيب لمنقذ أي حاجة تفرحه شوية، هو زعلان أوي عشان خاطر صاحبه عبود وبقاله كام يوم لا بياكل ولا بيشرب".

_إنتِ هبلة؟ كل الشغل دا إللي في خلال كام أسبوع بفضلك يارودينا بعد ربنا طبعًا، عيوني وربنا يصبر منقذ ويرحم الكل.

أغلقت المحادثة معها وضمت البلوڤر باشتياق لمولودها المتبقي على مجيئه فقط ثلاث أشهر، تطوق لرؤية حبيبها الصغير ونور عيونها، ضمت بطنها المنتفخة وهي مبتسمة بحبٍ مع كلماتها"قلبي ياماما أنت، هتكون إن شاء الله زين الرجال يا حبيبي، هخليك أجمل راجل وأحسنهم."
1

لفت انتباهها صوت صراخ خارج منزلها على الأدراج، نهضت تضع الخمار البيتي وتخرج ترى ماذا يحدث، وكالعادة كانت حبيبة وأمها، وتلك المرة حبيبة تصرخ عليها بصوت مبحوح"ياستي وربنا تعبانة، وربنا عندي السرطان، سبيني في حالي بقا."

_وربنا حامل، حامل من عيل من الصيع بتوعك.
قالتها بنبرة عالية، يا الله! يتشاجرون على الأدراج، وحبيبة لمحت زينب لتصيح عليها وكإنها وجدت طوق النجاة"أهي المهندسة زينب جت، ونبي قولي ليها إني متزفتة تعبانة."

اقتربت منها تحدثها بجدية"ياطنط حبيبة فعلًا مريضة كانسر، مش حامل ولا حاجة، ودي في المرحلة التالتة يعني مش ناقصة خناق."

قالت جملتها لتصدح زغرودة عالية من فم والدتها وهي تردد بشماتة"يا ألف نهار أبيض، يارب الدود ينهش في جسمك كدا والكيماوي وولا تتعالجي ولا تشوفي راحة يا صايعة يابتاعت الرجالة، عقبال كدا ما تموتي بسببه."
2

فزعت زينب من سيل الدعاء هذا، لا تصدق إن والدتها وتتمنى لها الشر! تذكرت زوجة والدها عندما علمت بمرضها قطعت حالها من كثرة البكاء عليها، وهي أمها! شهقت وهي تصيح عليها بعيون جاحظة"ليه بتقولي كدا حرام عليكي!"

_سبيها هي دي بيفرق معاها حاجة، المهم عندها نفسها.
قالتها حبيبة وهي تهبط من أمامهم، وزينب لحقت بها، تعلم كيف يكون مريض السرطان، هي ذاقت المعاناة والألم وكانت حميد، إذن ما بالها وهي خبيث وفي أواخر مراحله؟ ستموت ستموت!

حدثتها بحنان وهي تمسك بيدها"تعالي ادخلي الشقة، مش هسيبك تمشي وإنتِ تعبانة."

_ياست ابعدي عني، دا إيه الهم دا؟
قالتها بعصبية، وزينب تحدثت بنبرة جادة"ياحبيبة إنتِ تعبانة بلاش تعافري."

_عارفة؟ إنتِ بتعصبيني بسبب طيبتك، ياستي عامليني زي الكل ما بيعاملني، متحسسنيش إنك طيبة أوي كدا.
هاجمتها بدون مبرر، وزينب تعجبت من كلماتها، بعدت يدها عنها واخبرتها بحدة"ياستي أنا اتقرفت في عيشتي، مش عايزة أنا اختلط بيكي، نفسي بتموع من مدعين الدين إللي زيك، إيه المثالية دي! ابعدي بلا قرف."

دفعتها عنها بعصبية وهي تهبط، رمقتها بصدمة، هي كانت نيتها خير! زفرت بقلة حيلة، وقبل أن تدخل إلى منزلها وهي تضرب كف على آخر سمعت صوته هو! يحدث حبيبة بسخرية_:
_اتصدقي بالله خسارة فيكي مساعدتها، ما دي متخلفة نسيت أي كلام*** قولتيه عليها وبتجري تساعدك، فاكرة الكل يستحق المساعدة.

كان ينقصها عمير؟ وياترى لماذا أتى؟ استدارت له وهي تضحك بسخرية، مَن يتحدث؟ وحبيبة تحدثت بنبرة متهكمة"عم الأوروبي؟ ما تجيب بوسة."
غمزته في النهاية بطريقة ماكرة وقحة، اشمئزت منها الثانية، وكرهت إنها فكرت مساعدتها لعل الله يتوب عليها! لكنها حتى بعدما عرفت بمرضها لم تفكر بأمر توبتها رغم إن زينب حدثتها بعبارة صريحة_:
_التعب والشفا بإيد ربنا ياحبيبة، والأعمار بيد الله بس لازم تقربي من ربك عشان يساندك في محنتك ويرضى عنك.

لكن لم تهتم، هي فعلت الذي اخبرها به ضميرها لتريحه أمام الله، وعمير ردد بسخرية لاذعة"فالتة وهتفضلي طول عمرك كدا حتى بعد ما ربنا ابتلاكي بالمرض عشان تفكك من السفالة."

هبطت وهي ترن ضحكتها، وعمير وقف أمام زينب، جاءت لتدخل لكنه منعها بحديثه"بطلي طيبة شوية."

_أنا بعامل الرب مش العبد ياعمير، ربنا يهديها.
قالتها بهدوء، وهو رمق بطنها المنتفخة واقترب منها يضع يده عليها، فزعت وهي تنتفض بعدما لمست أنامله جدار بطنها مرددة بحدة"أنت بتعمل إيه؟"

_عايز أحس بيه.
لم تكن نيته خبيثة، كان صادق، وهي قالت بنبرة جادة"لو سمحت ياعمير مش كل شوية."

دخلت إلى منزلها ناوية إغلاق الباب لكنه كان وقح ودخل خلفها، توترت نظراتها وهي تهتف بنبرة متوترة"لو سمحت امشي، ماما مش هنا ولو حد شافنا ولا هي جت هيفهمونا غلط."

_غلط إيه! دا أنا جوزك! أومال لو شقطك!
استنكر بها بملامح متعجبة وهي تحدثت بهدوء"أنت جوزي بس ربنا عالم إني مش عيزاك، ربنا يهديك ياعمير مش عايزة حد يتكلم عليا كلمة وحشة."

ضرب كف على آخر باستهجان وهو يصيح"متخلفة وربنا."

دار بنظروه في المنزل ليجد كروشيه في كل مكانٍ بمختلف الألوان، ومكينة خياطة ليردد ببسمة حزينة"حظك باباشمهندسة إن مفيش حد بيشتغل بشهادته، أبوكي جبرك تدخلي مجال سوق العمل مش محتاج فيه غير الأغنيا."

_مش مهم رضا الحمدلله، أهو أنا دلوقتي بشتغل حرة لا ليا مدير ولا حاجة عشان تخليه يطردني زي ما بتعمل دايمًا، الشغل مش عيب طالما حلال، ودي الحاجة إللي بحبها من وأنا صغيرة أحسن من مليون مهندسة.
كانت راضية وهادئة، وهو زفر باختناق مع كلمته"أنا آسف."

رمقته مطولًا، وسألته بنظرات متفحصة"مش خايف أبلغ عنك؟ الظابط إياه إللي كنت متفقة معاه".

_أنا مأمِّن نفسي متقلقيش يعني أي حركة غدر هبقا مستعد ليها، أنا مهندس فأنا في الأمان.
قالها بلا مبالاة لكن هي فتحت عيونها بوجعٍ كانت تظنه علم إنها بريئة ولم تفعل كل هذا!! لكنه للأن مغفل ويضعها في خانة اللصة الخائنة، ضحكت وهي تجلس على أحد المقاعد"ربنا يهديك يا نمرود."
قالتها بسخرية، ولمح هو ذلك البلوڤر الصغير، سألها بنظرات شبه سعيدة"دا لابننا؟"
3

لم ترمق البلوڤر متحدثة بلا مبالاة"آه دا لابني."
لاحظ إنها نسبته لها فقط! ليصحح كلمتها"لابننا يازينب."

_ابني مش هيعرفك ياعمير، ابني هيبقا مكتفي بأمه وبس، وربنا ياعمير لو فضلت تذل وتهين فيا كدا لا هدخل قلبه الكره ليك، هخليه يكره ينسب نفسه ليك لمجرد بس إنك بتيجي على أمه.
كانت تتحداه، وهو ظنها تغيرت وأصبح لسانها بارد! يا الله عليها لا تتغير، احتنق وجهه منها وتحداها بجملته_:
_طيب يا زينب عشان إنتِ مصممة تصعبي الموضوع علينا كلنا؛ ابني وواللهِ لو بس فكرتي تبعديه عني إنتِ بس إللي هتزعلي، أصلك مش عايزة ابنك يفتح عينه يلاقي أمه سيلا.
2

توسعت عيونها وصاحت تسأله بازدراء"أمه سيلا؟ شكلك عايز يتربى مع حبيبة هانم وبدر بيه ويكون هو عمير جديد، عايز تقهره زي ما كنت مقهور زمان؟"

بسبب جملته دارت أمام عيونه أسوأ أيام حياته ليؤلمه قلبه، لا يتمنى أن يعيش ابنه مثلما عاش هو، ونطق أخيرًا بيأسٍ"لاء يا زينب بعد الشر عليه إنه يكون مقهور زيي دا أنا أحطه في قلبي وأخبيه، أرجوكي يازينب مش عايز ابننا يدوق إللي دوقته، حرام يعيش بين نارين يازينب، هيتظلم، يا الظلم هيكون في بُعدك يا هيكون في بعدي، ارجوكي يازينب متعودتش عليكي ظالمة."

هل حديثه جعل قلبها يتراخى! يا رب! تهاوى قلبها وشعرت إن عمير الذي أمامها تعرفه ولأول مرة بعد ثورة غضبه! تنهدت وهي تخبره بنبرة ضعيفة"أرجوك أنت متجيش عليا، سيبني أربي ابني في سلام، نارك ياعمير هتحرقه واللهِ، عشان خاطر ربنا عايزة ابني يبقا بني آدم!"

_حاضر يازينب، وربنا ما هقدر أخده منك دا أي كلام عشان تخافي وتبطلي تعندي معايا، أنا أطيب من كدا يازينب أقسم بالله، ابنك زي ماهو دلوقتي جواكي فهو هيفضل معاكي، بس عشان ربنا ما تحرميني منه، مش طمعان إنه يبقا معايا علطول بس يبقا بيحبني، ووالله هبعده عن شغلي وكل حاجة، واللهِ يا زينب بس متشوهيش صورتي قدامه ومتكرههوش فيا أنا بحبه أوي، ومش عايزة يكرهني زي ما كنت بكره أبويا، مش عايز الكره يملى قلبه.
3

كان يتوسلها! يتوسلها ألا تكون قاسية وتحرمه من روحه! وهي أخيرًا لمست صوته الحنون الخائف كما عاهدته، وتنحت جانبًا تخبره بنبرة مهزوزة"مقدرش أخلي ابني يدخل الكره قلبه وعليك بالذات وأنا كنت عارفة إنت إيه، امشي ياعمير، لو سمحت امشي، أمي لو شافتك وربنا هتطين عيشتي ياعمير."

_أنا جوزك يازينب.
للمرة الثالثة يخبرها بالأمر وكإنها تجهل الأمر؟ لم ترد وهو حدثها بتردد"ينفع أحط إيدي على بطنك؟ أنا بس نفسي أحس بالإحساس دا من زمان، أنا لما كنتي حامل أول مرة كنت بحب أحس بيه من قبل حتى ما يتكوِّن."

دفعها قلبها أن تستسلم له، وتراخت مغمضة عيونها، وهو ابتسم بسعادة، اندفعت يده بسرعة أصبحت متوترة بعدما وضعها على جدار بطنها، وهي كانت لمساته كفيلة بجعلها تشمئز وتتقزز، كيف تقول له إنها تريد التقيؤ أثر تلك اللمسات البريئة؟ تريد أن تدفعه عنها، وهو انحنى بجذعه يقترب من بطنها هامس بعدة كلمات لجنينها، همسه وصل لمسامعها لكن لم تميزه، وهي ارتجفت، حركاته عمير القديم!! ألم يكن مات؟

وهو وقف لها يحدق بعيونها، شعر بتشتتها، وضع يده يتلمس وجهها الناعم، لكنها أوقفت يده وهي تمسكها بجدية"أنا مستحيل أضعف ياعمير، والله العظيم مبقاش جوا قلبي ليك واحد في المية حب أو ضعف ليك ولعيونك، متبوظش الدنيا ياعمير وامشي."
4

لم يتحدث كثيرًا وابتعد عنها مغادر، وهي هوت على المقعد تحمد ربها إن والدتها لم تراهم معًا، هبط من البناية وسار بسيارته لأحد الأماكن الشهيرة بمصر القديمة"شارع المعز" عالم ثاني، وجلس على المقاعد الرخامية الملتصقة بالأرضية المخصصة للجميع، لم يحبذ الجلوس في المقاهي أو الطاولات المخصصة، يريد أن يتذكر عمير القديم لعله يعود!
1

"_____"

ثلاثة أشهر مروا، ثلاثة أشهر كاملين! هي الدُنيا تطير كالهواء ولا نشعر بها! سريعة، سريعة ومتغيرة، متغيرة تمامًا ككل شيء حولنا! هي الدُنيا.
1

هل استشعرت من قبل كرم ربك عليك؟ كان يبكي ويبكي بلا توقف لأجل حياته وبلدته المدمرة! لأجل نبذتهم وتشردهم في أرض الله الواسعة! يشعر بالألم ينخر قلبه! لكن قبل عدة أيام بدأ الأمل ينتعش بداخله!!

يجلس كل ثانية أما التلفاز ومع أصدقائه السوريين المتواجدين بداخل سوريا، وعلى الهاتف وأي شيء يخبره خبر لأجل موطنه! وها هو كل يوم يردد بكلمة جديدة لكن معناها واحد وهو النصر!

درعا تحررت
حماة تحررت
حمص تحررت
دمشق تحررت

وصدح صوت المذيع من التلفاز يردد بمنتهى الرسمية_:
_اليوم، 8 ديسمبر 2024، شهدت سوريا مظاهرات هامة وأبرزها إعلان سقوط نظام بشار الأسد وسيطرة المعارضة المسلحة على دمشق ومدن أخرى مثل اللاذقية. المعارض بتاريخ هذا اليوم عيد الميلاد وطنيًا تحت اسم "يوم الحرية"، بعد مرور 14 عامًا على الصراع، يريد أن يستهدف الحماية العامة في مرحلة انتقالية لتأسيس حكم ديمقراطي في سوريا.

وأخبار تتالت عليهم ووصل له الخبر الذي ثلج نيران قلبه"تحرير سجن صيدنايا!"
لم يكن أول سجن يتحرر لا بل رفاق طفولته المعتقلين منهم خرجوا! سقط قلبه لكن من سعادته!
1

وسقطت الدموع أخيرًا وتلك المرة كانت دموع سعادة! عزة ونصر! وصاح وهو يضم رفيق دربه وهو لا يصدق_:
_لك أخي! أخي هاد السجن ياللي فيه خال عمار! هاد السجن ياللي موچود فيه أهلنا!

ضمه أحمد بقوة وصاح يكبر تكبيرات النصر! وهتف منقذ لرودينا"بشار سقط يارودينا! بشار ياللي قال يسقط ربكم وما بيسقط بشار!"
2

وكلمات الساروت عظيم ثورتهم لم تنزاح عن رأسهم، وعانق أحمد وهو يرقص مع الدبكة وأخيرًا النصر!

كان يبكي قبل أيام! كان يبكي! بكى الجميع! وأمسك بالصغبرة حياة السعيدة محدثها بسرورٍ"لك ياوش السعد رح ترچعي بلدك وأرضك، رح تعودي لبيت أمك ياللي اتعلمت فيه أول خطواتها!"

چينا أهل سنة عشاقين للچنة..
أهل الحرب حنا ربي يا معين..
نصرخ بعالي الصوت إللي يعادينا يموت
ولأرضنا ما يفوت يا چنة چينا!
يا إدلب جودي ونادي يا مقبرة الأعادي
سوريا عز بلادي صمودك يحينا!
يا حماة جودي ونادي يا مقبرة الأعادي
يا حمص جودي ونادي يا مقبرة الأعادي
يا دمشق جودي ونادي يا مقبرة الأعادي
سوريا عز بلادي صمودك يحينا.
1

وأخيرًا هو استكان في أحضانها مردد بنبرة مستريحة"قولتيها، قولتي إن سوريا رح تتحرر، أنا مو مصدق، هاد الحقير سقط! رح أرچع أرضي يارودينا! دم عبود وعبدالله وچميلة وغيرهم ما راح هدر!"

_قولتلك يامنقذ حتى لو البلاء طال ربنا قادر يزيله في غمضة عين.

حدثها بتحمس وهو يدخل إلى غرفته"رح ننزل كلنا نحتفل بمحلنا، اليوم عيد عنَّا، رح فرق عل كل ورد وقهوة بدون مصاري، ورح فرق عالمصرين إهداءات لأنكم ساعدتونا ومو عاملتونا إنَّا لاچئين، عطوتنا أرض وأهل وحب."

وأخيرًا في وسط البلد حيث المصريين وأخواتهم السوريين أو لنقول حيثُ مصر هُنا مصر أم الدنيا، تحتضن الجميع، وتتقبل بصدر رحب الكل! ملجأ للكل! يامرحبًا بكل عربي.. وطن واحد أو لنقول أمة واحدة تجمعها شعار واحد"لا إله إلا الله محمد رسول الله"
1

حيث القاهرة كان الاحتفال، السورين يوزعون الطعام والشراب على الجميع بمنتهى السعادة، الليلة نصر! صواريخ الاحتفال صوتها يدوي ونورها يضوي! ودمشق كان الاحتفال بها حقيقي، الجميع في أرضهم يصيحون، دمُتِ يا سوريا حرة! منتصرة، ولعنة الله على الكافرين وكل من روسيا وإيران وأعداء الدين، حزب الله، زينبيون، فاطميون!
3

رحمة الله على الساروت شهيد لم ولن يُنسى قالها وكانت حق..والآن يرددونها بصدق!
لك ردَّوا عليهم ياثوار وقولوا حَمص
سوريا أم الأبطال؛ هي قبرهم
ياحَمص!
بنهج عمر وأبو بكر
حنا نچي..ياحَمص!
بنهج عمر وأبو بكر
حنا نچي..ياحَمص!
لك أبدًا مابنركع للروس وما بنرتچي!
ياحَمص..

اليوم حرَّة ورُفعت بها تكبيرات السنَّة! الله أكبر!
الله أكبر، لا إله إلا الله
صَدق وعده
ونصر عبده
وأعز جنده
وهزم الأحزاب وحده
لا إله إلا الله!

وسجد منقذ لله شكر، وهبطت دموعه وهو يهتف بتأثير، مشاعره فياضة اليوم ويريد أن يشكر ربه في الثانية الواحدة مئة مرة! حتى المئة مرة في الثانية لا يكفون، شعور إن روحك ردت إليك شعور جميل! مبهج ومريح، أذاقه الله على الجميع، ولعنة الله وتشتيته للكافرين.

كانت قضية عقيدة وشرف ليست مجرد ثورة جياع أو حتى ضياع أو صبية طائيشين، الثورة بدأت من كلمة"چيبوا نسوانكم مشان نحسنلكم نسلكم".
قالوا يسقط بشار فقالوا يسقط ربكم ولا يسقط بشار.
وانتهت ب"سقط بشار! وسوريا حرة منه ومن هولاء الفچار."
1

‏قالوا: "يسقط ربك ولا يسقط الأسد"
وسقط الأسد، والملك لله، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ﴾
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾
سبحانه وتعالى الله عما يقولون.
2

"_____"

مش عارفة أقول إيه بس أنا جوايا أحاسيس كتير كإني سورية، أنا يمكن اتعمقت في الموضوع بسبب شخصية منقذ، وحبيت سوريا بسبب شخصية زي الساروت، وحزنت على سوريا بسبب فيديوهات المساجين، وقلبي اتقهر على تشريدهم من أرضهم، فأنا بالنسبة ليا عايشة خمس أيام من أفضل الأيام وأنا شايفة تتالي النصر.
3

سبحان الله مشهد منقذ ورها وأقسم بالله كتباه قبل الحوارات دي كلها وكنت كتباه وأنا مقهورة وبعيط لكن طبعًا عشان أنا بطيئة في النشر فالبارت اتأخر، البارت اتأخر كتير أوي إني أنزله لحد ما فتحت الفيس من كام يوم لاقيت الأخبار المبهجة دي، قولت يارب ينتصروا، وانتصروا وربنا أراد زي ما كتبت بداية البارت عن تشتت وقتل أهل سوريا أختمه برجوع الحق لأصحابه، وبدل ما كنت بعيط بقرأ دلوقتي وبقول سبحان الله ماضي خمس أيام بس! خمس أيام غير خط الرواية!
وبين منقذ اللاجئ في أول الرواية لحد نهاية الرواية لمنقذ إللي هيرجع أرضع في نهاية الرواية! تغيير أحداث اتمنى إن دايمًا أغيره، وزي ما أول الرواية اتكلمت عن حرب فلسطين اختمها بتحرير فلسطين.
7

حبوا بلدكم، وحبوا بلد غيركم، كلنا عرب، كلنا واحد، متشلوش هم بكرة.
بكرة بيخلص هالكابوس وبدل الشمس تضوي شموس!🦋❤️❤️❤️❤️✨
2

الڤيديو إللي في أول البارت دا فيديو للساروت رحمه الله ياريت تسمعوا هتحسوا ببهجة كبيرة.❤️

حاسة البارت دافي رغم أي حاجة فيه واللهِ
2

المهم ياولاد أنتم فاكرني هغير سما على إياد ولا إيه؟😂😂
كان حلم ياعُبط والاقتباس إللي اتجننتم عليه مكنش حقيقي😉😆
3

المهم إيه رأيكم في علاقة إياد بسما؟
وإياد ورده وطريقته؟
وسما؟
1

ورأيكم وتوقعاتكم لو كان الحلم حقيقي ودي سما بجد؟ ورد إياد؟
1

وعمير وسيلا زفت؟
3

وعمير وزينب؟
4

ورودينا ومنقذ؟
3

ورها؟ وأحمد؟ وميسة؟
4

وأم منقذ ورودينا؟
2

وزينب وحبيبة؟


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات