رواية اقدار مؤجلة الفصل الخامس 5 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭𝟓: حين تنطفئ الأضواء
by Volny_morya
.................
لا رَغبةَ ليّ ، بِما هوَ مَرغوبٌ .
10
. . . . . . . . . . . . . . .
خرجت أولغا من الحمام، قطرات الماء لا تزال تنزلق على بشرتها الباردة بينما تلف المنشفة حول جسدها المبلل بإحكام...
3
أقدامها العارية لامست الأرضية الخشبية الباردة، فتوقفَت للحظة، تأخذ أنفاسًا هادئة، وعيناها تجولان في المكان الذي لم يعد كما تركته...
الستائر التي كانت منسدلة منذ أيام، مفتوحة الآن، وأشعة الشمس الخفيفة تجرّ خيوطها عبر الزجاج، تطارد آثار العتمة التي احتلت الغرفة طويلًا...
في الزاوية، كانت إيكاترينا واقفة أمام المغسلة ، تمسح يديها بعدما أنهت غسيل الصحون والأكواب التي أقسمت أولغا أنها لمست بعضها آخر مرة قبل أسبوع على الأقل..
2
أرضية الشقة الصغيرة لم تعد تئن تحت وطأة الفوضى، فقد كُنِسَت ونُظِّفَت، والبطانيات المبعثرة لُمَّت بعناية، وكأن أحدهم حاول بعناد إعادة الحياة إلى هذا المكان الذي أصبح يعكس فوضى صاحبته الداخلية...
على الأريكة، جلست الطفلة الصغيرة، ليوبا بشعرها الكستنائي الذي ينسدل على كتفيها الصغيرين، وعينيها الرماديتين اللتين تعكسان براءة لا يلوثها شيء..
3
كانت تتابع بشغف مغامرات "ماشَا والدب"، أصابعها الصغيرة تحرك الدمية التي تحملها، كأنها تحاول أن تجعلها جزءًا من المشهد الذي أمامها..
4
أولغا، التي لم تعتد منذ فترة طويلة على هذا القدر من النظام والدفء، شعرت بغصة غريبة في حلقها، لم تكن تعرف إن كانت امتنانًا أم تأنيبًا لذاتها على السماح لهذا الفوضى بابتلاعها كل تلك الشهور..
تنفست بعمق، ثم مررت يدها على وجهها، كأنها تحاول مسح أثر الارتباك الذي تسلل إليها..
لم تحتج إلى النظر إلى إيكاترينا كي تعرف ما الذي سيأتي، ذلك العتاب الصامت الذي يسبق العاصفة الصغيرة، والذي لم يكن سوى تعبير آخر عن القلق الذي لا تود صديقتها الاعتراف به صراحة..
بينما كانت إيكاترينا تضع الصحون على الطاولة، حمحمت بخفة، محاولة لفت انتباه أولغا دون أن تبدو كأنها تراقب ردود أفعالها...
1
كان من الواضح أنها لا تريد الضغط عليها، لكنها في الوقت ذاته لم تكن لتقف متفرجة أكثر... نظرت إلى المطبخ، إلى القمامة التي امتلأت بعبوات الطعام المعلب، وتنهدت بصمت...
.
أولغا اختفت إلى غرفتها، تجرّ قدميها، تاركة خلفها أثرًا خفيفًا من الماء على الأرضية، وكأنها لم تزل مترددة في العودة إلى الحياة الطبيعية..
إيكاترينا التفتت إلى الطفلة الصغيرة، ابتسمت ابتسامة دافئة، ثم مدت يدها لتربّت على شعرها الكستنائي الناعم..
"ليوبا، حبيبتي، تعالي هنا.."
نادت على ابنتها بصوت حنون وهي تنظر إلى عينيها الرماديتين، اللتين لم تفشل يومًا في تذكيرها بذلك الرجل، بذلك الماضي الذي لا تزال تحمله في قلبها رغم مرور السنين..
2
أمسكت يد الصغيرة برفق، رفعتها لتجلسها على الكرسي، ثم ربتت على كتفها قبل أن تعود إلى ترتيب الصحون، كأنها تحاول بيديها أن تُرتّب الفوضى التي خلّفتها الأيام في حياة أولغا..
بعد لحظات، عادت أولغا مرتدية بنطالًا رياضيًا رماديًا وسترة سوداء دافئة...
بدت أكثر يقظة، لكنها لا تزال تحمل تلك النظرة المنهكة، نظرة شخص فقد شيئًا لن يُعوض.. جلست على الطاولة، لكنها لم تتحرك لتناول الطعام، مما جعل إيكاترينا تتنهد، تستند إلى الطاولة بذراعيها، وتنظر إليها مباشرة..
"أولغا، لا يمكنك الاستمرار هكذا.."
قالتها بجدية، تحاول أن تُبقي صوتها هادئًا، لكنها لم تستطع إخفاء القلق الذي يطفو بين نبراتها..
"لقد مرّ عام، وليس أسبوعًا أو شهرًا... عليك الخروج من هذا السجن الذي حبست نفسك فيه.. عودي إلى العمل، إلى حياتك... أنتِ طبيبة، ولستِ شخصًا يمكنه الاختباء إلى الأبد.."
أولغا لم ترد على الفور، اكتفت بالنظر إلى الصحون الممتلئة أمامها، كأنها تبحث عن إجابة بين قطع الخبز الدافئة ورائحة الحساء المتصاعدة..
لكن إيكاترينا لم تكن تنوي التراجع، وضعت الملعقة أمام أولغا، ثم أسندت ظهرها على الكرسي قبل أن تقول بجدية أكثر:
"والدي منحك أسبوعًا... إذا لم تعودي إلى عملك خلال هذه الفترة، فسيرمي ملفك في القمامة...لن يهمه أنكِ كنتِ أفضل طبيبة طوارئ لدينا، ولن يهمه أنكِ مررتِ بما مررتِ به..المستشفى تابع لعائلة فولكوف، وهو لن يسمح لشخص لا يريد العمل بأن يشغل منصبًا مهمًا فيه.."
4
رفعت أولغا نظرها أخيرًا، وكأن كلمات إيكاترينا ضربتها بقوة أكبر مما توقعت.. كان ذلك تحذيرًا، لا، بل تهديدًا ، لكنها لم تستطع إنكار حقيقة واحدة: إيكاترينا لم تكن تكذب..
. . . . . . . . . . . . . . . . .
في قلب موسكو، حيث تتكدس ناطحات السحاب وتعج الشوارع بالحركة الصاخبة، كان مبنى شركة المحاماة "نيكيتا آند بارتنرز" يقف شامخًا، يعكس في واجهته الزجاجية انعكاس المدينة المتحركة بلا توقف..
كان الجو داخل الشركة مختلفًا عن الضوضاء الخارجية..أضواء هادئة، مكاتب مرتبة بدقة متناهية، وصوت الخطوات السريعة ينساب فوق الأرضية الرخامية، يختلط بأصوات الطابعات وأزيز أجهزة الكمبيوتر...
كل شيء هنا يسير وفق نظام صارم، لا مجال للفوضى أو العشوائية..
1
في الطابق العلوي، حيث المكاتب التنفيذية، كانت الأجواء أكثر هدوءًا لكن أكثر توترًا أيضًا... هنا لا تُناقش القضايا العادية، بل تُصاغ استراتيجيات معقدة، يتم فيها التعامل مع ملفات دولية تتجاوز حدود روسيا، ملفات تتداخل فيها السياسة، التجارة، وحتى الأمن القومي أحيانًا..
2
في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد، وخرجت جليندون بخطوات ثابتة..
كانت ترتدي بدلة رسمية باللون الكحلي، تنسجم تمامًا مع هالتها المسيطرة، شعرها مربوط بإتقان في كعكة منخفضة، وعيناها الزرقاوان تراقبان المشهد أمامها ببرود احترافي...
4
عندما سارت في الممر، ألقى عليها الموظفون التحية باحترام واضح، بعضهم بخوف خفي، إذ لم تكن جليندون محامية عادية، بل كانت واحدة من أقوى العقول القانونية في الشركة، ومن القلائل الذين يملكون سلطة اتخاذ قرارات حاسمة دون الرجوع إلى الإدارة..
1
"نيكيتا آند بارتنرز" لم تكن مجرد شركة محاماة، بل كانت إمبراطورية قانونية..
تضم قسمين رئيسيين: الأول يعالج القضايا المحلية، من القضايا الأسرية إلى القضايا الجنائية، قضايا الاحتيال، وحتى النزاعات التجارية العادية..
أما القسم الآخر، فهو عالم مختلف تمامًا، حيث تُدار القضايا الكبرى العابرة للحدود، قضايا الشركات العملاقة، المنازعات الحكومية، والتحقيقات الدولية..
أما عن الشركاء، فهم القلب النابض للشركة، وهم من يديرون الأمور من وراء الكواليس..
خمسة شركاء أساسيين، جميعهم محامون من الطراز الأول و من بينهم جليندون أصغر شريكة، باستثناء اثنين منهم، كانا قاضيين سابقين ذوي نفوذ كبير، انضما إلى الشركة بعد تقاعدهما، ليضيفا بعدًا قانونيًا أكثر عمقًا إلى المؤسسة..
4
كل منهم يملك شبكة علاقات واسعة، تتداخل بين القانون، المال، والسياسة، مما جعل الشركة في مصاف كبرى الشركات القانونية في أوروبا الشرقية..
جليندون، عملها المتقن، وقوة شخصيتها، وطريقتها في التعامل مع القضايا جعلتها واحدة من الأسماء التي لا يمكن تجاهلها في الشركة، ومن الصعب أن يخوض أحد في نزاع قانوني ضدها ويخرج دون خسائر..
عندما وصلت إلى مكتبها، وضعت حقيبتها الجلدية على الطاولة، ثم نظرت إلى شاشة الحاسوب التي أضاءت فورًا، تعرض أمامها تفاصيل القضية الجديدة...
القضية 746، شركة "جلوبال ترايدينغ"...
كل شيء في حياتها كان مبنياً على قرارات محسوبة، على استراتيجيات مدروسة، وعلى إرادة لم تسمح يوماً بالانحناء أمام العاطفة.. لذا، عندما قرأت اسم القضية، لم يطرف لها جفن، ولم ترتجف يدها وهي تتصفح الملفات أمامها..
أربع سنوات مضت...
أربع سنوات من العمل المتواصل، من بناء سمعة لا يشوبها ضعف، من فرض نفسها وسط مجتمع قانوني يلتهم فيه الأقوياء الضعفاء دون رحمة.. لم تصل إلى مكانها هذا بسهولة، ولم تكن لتسمح لنفسها بالسقوط الآن..
الربح لم يكن خياراً، بل كان النتيجة الوحيدة المقبولة..
3
بدأ عقلها يعمل بسرعة... هذه القضية ليست مجرد ملف عادي، بل معركة قانونية تحتاج إلى تخطيط دقيق، إلى تفكير استراتيجي يتجاوز النصوص الجامدة للقوانين..
لم تكن جليندون ممن يعتمدون فقط على الحجج القانونية الجافة، بل كانت تدرك أن القضايا الكبرى تُربح خلف الأبواب المغلقة، في التفاوض، في الضغط، في فهم نقاط ضعف الخصم قبل أن يدركها هو نفسه..
لن تنخرط في مواضيع ماتت منذ زمن..
لن تسمح لشبح الماضي بأن يخرج من قبره ليعرقل طريقها...ما كان قد انتهى، سيبقى كذلك... قلبها، الذي دفن مشاعر لم تعد تنتمي إلى حاضرها، لن ينبض مجدداً إلا بإيقاع الانتصار..
4
جلست على مقعدها، أغلقت عينيها لثوانٍ معدودة، ثم فتحتها بعزم لا يتزعزع.. هذه ليست سوى قضية أخرى ستضاف إلى سجل انتصاراتها... ستخوضها كما خاضت كل شيء في حياتها-بالعقل، بالحسابات الدقيقة، وببرود يحرق أي محاولة لإعادتها إلى الماضي..
روتينها سيظل كما هو..
العمل، النجاح، التقدم... لا مجال للانحراف عن هذا الطريق... لقد صنعت نفسها بنفسها، ولن تترك أي شيء-أو أي شخص-يعيدها إلى حيث لا تنتمي بعد الآن..
كانت جليندون بالكاد قد انتهت من مراجعة النقاط الأساسية في الملف عندما طرق الباب بخفة، ثم فُتح قليلاً قبل أن تُطل منه مساعدتها، وجهها المهني لا يحمل سوى الحيادية المعتادة..
1
"السيدة جليندون، المدير التنفيذي لشركة جلوبال ترايدينغ ينتظر في غرفة الاجتماعات.."
أومأت جليندون دون أن تُظهر أي رد فعل يُذكر.. التقطت الملف الموضوع أمامها، نظرت إليه للحظة قبل أن تغلقه، ثم نهضت بثقة مدروسة... لم يكن هذا الاجتماع مفاجئًا، لكنها كانت تدرك أن كل تفصيل فيه سيكون مهمًا..
بينما كانت تشق طريقها عبر الممرات الواسعة لشركة المحاماة، استوقفها صوت مألوف..
"جليندون!"
التفتت لتجد بافيل أندرييف، صديقها وزميلها في قسم شؤون الجرائم، يتكئ على إطار الباب الخاص بمكتبه، ابتسامة ساخرة على وجهه كما اعتاد دائماً..
"سمعت أنكِ ستتولين قضية جلوبال ترايدينغ.. إذا ربحتِها، فالمشروب سيكون على حسابك هذه المرة.."
3
رفعت حاجبًا بخفة، نظرة باردة لم تخلُ من لمحة ساخرة في عينيها..
"أنت تعلم أنني لا أخسر، لذا جهّز محفظتك.."
1
ضحك بافيل وهز رأسه قبل أن يلوّح لها بيده، وهي بدورها استمرت في طريقها دون أن تبطئ خطاها..
عندما وصلت إلى غرفة الاجتماعات، وقفت لثوانٍ قبل أن تدفع الباب وتدخله بخطوات ثابتة..
على الطاولة الكبيرة، كان يجلس ثلاثة أشخاص، وكل منهم كان تجسيدًا لمكانته في المجتمع الروسي الأرستقراطي..
نيكولاي بتروف، المدير التنفيذي، كان رجلاً في أواخر السبعينات، بهالة صارمة، ملامحه القاسية لم تذبها السنين بل زادتها رسوخًا..
1
كان يرتدي بذلة داكنة أنيقة، مع ربطة عنق كلاسيكية تعكس ذوقاً قديماً لكنه راقٍ..
إلى يمينه جلس ابنه، ديمتري بتروف، رجل في أواخر الأربعينات أو بداية الخمسينات، بهيئة رجل أعمال معتاد على القيادة، بدلة رمادية مصممة بعناية، وساعة سويسرية فاخرة تلمع على معصمه..
1
كان يشبه والده في الصرامة، لكن عينيه كانتا تحملان مزيجاً من الحذر والذكاء..
أما الفتاة التي جلست بجوارهم، فكانت ألكسندرا بتروفا، حفيدتهما.. شابة في منتصف العشرينات، ذات شعر أشقر مُرتب بدقة، ومعطف كشميري بلون الكراميل يُضفي عليها لمسة من الرقي العصري..
2
لم تكن مجرد زينة عائلية، بل بدا واضحًا من جلستها المتزنة أنها معتادة على هذا النوع من الاجتماعات..
1
عندما وقفت جليندون أمام الطاولة، نهض الثلاثة ليصافحوها، مصافحة رسمية لكنها محكمة..
كان نيكولاي هو أول من تحدث، صوته الجهوري يحمل ثقة لم تتزعزع مع العمر..
"أخيرًا نلتقي، جليندون.. لطالما سمعتُ عنك، ليس فقط بسبب نجاحاتك، بل بسبب إرادتك الصلبة.. أعتقد أن هذا متأصل فيك، فوالدك كان رجلاً محترماً في مجاله.."
لم تتغير ملامح جليندون، ابتسامة خفيفة بالكاد لامست زاوية شفتيها..
"أنا أقدّر كلماتك، سيد بتروف، لكنني اخترت مساري الخاص، بعيدًا عن إرث العائلة.."
هزّ رأسه ببطء، عيناه تفحصانها وكأنهما تقيّمانها من جديد..
1
"ربما، لكنك رغم ذلك رفعتِ اسم العائلة من زاوية أخرى.. لا يمكن إنكار أنكِ صنعتِ لنفسك مكانة لا يُستهان بها.."
1
ألكسندرا، التي كانت تراقب الحديث بصمت، مالت قليلاً للأمام، تقاطع بنبرة أقل رسمية لكن لا تخلو من الجدية..
"لا شك في أن سمعتكِ تسبقكِ، ولهذا نحن هنا.. نحتاج إلى أفضل من يمكنه الدفاع عن شركتنا، وأنتِ الأفضل.."
1
جليندون لم تُظهر أي رد فعل، بل فتحت الملف أمامها، وعينيها الثابتتين تعكسان الاحترافية المطلقة..
ساد الصمت للحظة بعد أن فتحت جليندون الملف، عيناها الزرقاوان تنتقلان بين الأوراق بخفة قبل أن ترفعهما إلى الثلاثة الجالسين أمامها..
"لندخل في صلب الموضوع.."
تنحنح نيكولاي بتروف، عدّل جلسته بينما شبّك يديه فوق الطاولة، نبرته كانت محكمة لكنها تحمل هدوء رجل يعرف كيف يلعب اللعبة..
"كما تعلمين، شركتنا تعمل في التجارة الدولية منذ عقود، ولدينا سجل نظيف.. لم يكن لدينا أي مشاكل قانونية من قبل، لكن هذه القضية..."
نظر إلى ابنه ديمتري الذي التقط الخيط بسلاسة..
"الشحنة المعنية خرجت من مصانعنا بشهادة كل الوثائق الرسمية، ووفقًا للإجراءات القياسية... بمجرد مغادرتها مستودعاتنا، لم يعد لنا أي تحكم بها، والمشكلة الحقيقية بدأت بعد ذلك.."
ألكسندرا، التي كانت تتابع الحديث بصمت، قطّبت حاجبيها قليلاً قبل أن تضيف بلهجة واضحة..
"الاتهامات تستند إلى أن هناك مواد محظورة تم العثور عليها ضمن الشحنة، لكن لا يوجد أي دليل مباشر يربطنا بذلك.. لقد تعرضت الشحنة لتلاعب ما بعد مغادرتها منشآتنا.."
1
جليندون لم تعلق فورًا، بل استندت إلى ظهر كرسيها، تداعب القلم بين أصابعها بينما تنظر إليهم كما لو كانت تنتظر شيئًا آخر..
ثم أخيرًا، حركت القلم فوق الورق، وكأنها توشك على كتابة شيء قبل أن ترفع عينيها ببطء..
"اسمحوا لي أن أكون واضحة... أنتم تقولون إنكم فقدتم السيطرة على الشحنة بعد مغادرتها، وإنها تعرضت للتلاعب في طريقها إلى المستلِم.. هل هذا ما تعتمدون عليه؟"
نظر الثلاثة إلى بعضهم للحظة قبل أن يجيب ديمتري..
"نعم، وهذا أمر وارد، خاصة في الشحنات التي تعبر الحدود المختلفة.."
رفعت جليندون حاجبًا بخفة، ثم وضعت القلم جانبًا، مستندة بمرفقيها على الطاولة، ابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيها، ليست ساخرة، ولكنها بالتأكيد ليست مريحة..
"سيد بتروف، نحن لا نتحدث عن شركة صغيرة تفتقر إلى الأمن، بل عن جلوبال ترايدينغ، واحدة من أضخم الشركات في مجالها... الشحنات لا 'تضيع' ببساطة، والحراس لا 'يغفلون' عن حمولات بملايين الدولارات.. هذا النوع من الدفاعات قد يعمل مع شركات متوسطة، لكنه لا ينفع معكم.."
ساد الصمت للحظة، قبل أن يعلق نيكولاي بصوت أخفض، وكأنه يزن كلماته بعناية..
"ما الذي تقترحين إذن، يا آنسة جليندون؟"
ابتسمت، إبهامها ينقر بخفة على سطح الطاولة..
"أنا هنا لأدافع عنكم، لا لأنسج لكم قصة تناسب الإعلام.. إذا كنتم تريدون فرصة حقيقية للخروج من هذا، فعليكم التحدث معي بصراحة.. أي شيء، مهما بدا صغيرًا أو غير مهم، قد يكون مفتاحًا للقضية.."
1
نظرت مباشرة إلى نيكولاي، عيناها تخترقان جمود وجهه المخضرم..
"أنا لا أعمل بطريقة 'لنحاول إلقاء اللوم على مجهول'.. إما أن نحصل على رواية متماسكة، أو سنجد أنفسنا في مأزق.."
ديمتري شبك يديه، أنفاسه تثقل قليلاً بينما ينظر إلى والده، ثم عاد إليها..
"هناك بعض... الأمور التي لم نناقشها بعد، ولكنها ليست ذات صلة مباشرة بالقضية.."
ضحكت جليندون بخفة، تلك الضحكة التي تُشعر من أمامها أنهم كشفوا ورقة من أوراقهم دون أن يدركوا.. ثم مالت للأمام، نظرتها لم تفارقهم..
"أنا من يقرر ما هو غير مهم، سيد بتروف.. لذا، لنبدأ من جديد.. ما الذي لم تخبروني به بعد؟"
ساد الصمت للحظة بعد أن ألقت جليندون سؤالها الأخير، وكأنها ألقت حجراً في مياه راكدة تنتظر أن تتسع دوائرها..لكن الثلاثة أمامها لم يكونوا من النوع الذي يستسلم بسهولة..
ديمتري كان أول من التقط زمام الأمور، مال إلى الأمام قليلاً، نبرته تحاول أن تبقى ثابتة لكن إنفعاله كان واضحاً في حدة صوته..
"المشكلة، آنسة جليندون، أننا نتعرض لمحاولة تلفيق واضحة.. هذه القضية ليست سوى جزء من حرب تجارية تهدف إلى تشويه سمعتنا.. نحن لا نتعامل بهذه الطريقة، ولم نفعل أبداً..."
ألكسندرا، التي كانت تتابع بصمت، زفرت بهدوء قبل أن تضيف بنبرة أكثر دبلوماسية..
"لقد كنا دائماً تحت التدقيق، ونعلم أن شركات بهذا الحجم تثير الأعداء.. هناك من يرغب في إسقاطنا، وهذا ليس بالأمر الجديد..."
جليندون أمالت رأسها قليلاً، وكأنها تستوعب حديثهما، ثم أومأت ببطء، وعادت لتدوين ملاحظة سريعة في دفترها..
سمحت لهما بالحديث، بالتشبث بموقفهما، بل حتى أعطتهما إيحاءً بأنها تستمع بجدية، قبل أن ترفع عينيها من جديد...
"إذاً، أنتم تدّعون أن جهة ما تلاعبت بالشحنة بعد مغادرتها منشآتكم، بهدف تشويه سمعتكم؟"
ديمتري عقد حاجبيه، لكنه هزّ رأسه مؤكداً..
"بالضبط."
ابتسمت جليندون قليلاً، وكأنها تتوقع الإجابة، ثم قلبت صفحة في ملفها، وكأنها تتفحص التفاصيل مجدداً... مررت إصبعها فوق بعض النقاط قبل أن تتحدث ببطء..
"إذن، لنقل إن شحنتكم سُرقت أو تم التلاعب بها في الطريق..هذا يعني أن هناك ثغرة أمنية خطيرة في أنظمة المراقبة الخاصة بشركتكم، أليس كذلك؟"
ألكسندرا تبادلت نظرة سريعة مع جدها، قبل أن تقول بنبرة متماسكة..
"نظامنا الأمني لا يسمح بذلك.. كل الشحنات تخضع لمراقبة دقيقة منذ لحظة خروجها وحتى وصولها.."
جليندون رفعت حاجبها بخفة، كما لو أن الإجابة كانت تماماً ما كانت تنتظره..
"إذن، إذا لم يكن هناك خلل أمني، فهذا يعني أن الشحنة وصلت إلى وجهتها كما هي، أليس كذلك؟"
1
ديمتري فتح فمه ليتحدث، لكنه أغلقه مجدداً، إدراك بطيء بدأ يتسلل إلى ملامحه. جليندون لم تمنحه فرصة للتراجع، تابعت مباشرة بنبرة أكثر ثقة..
"الشحنة كانت تحت مراقبتكم، لم يتم التلاعب بها، خرجت من مستودعاتكم، تم تسجيلها من قبل السلطات في الحدود، وتم العثور عليها لاحقاً تحتوي على مواد محظورة.. الآن، إما أن تخبروني أن لديكم تفسيراً آخر، أو أن علينا الاعتراف بأن تلك المواد لم يتم زرعها لاحقاً، بل كانت هناك منذ البداية.."
8
التوتر في الغرفة أصبح ملموساً، ألكسندرا شبكت ذراعيها، بينما بدا ديمتري وكأنه فقد القدرة على الرد.. نيكولاي، الذي كان يراقب بصمت منذ البداية، رفع يده أخيراً، بإشارة حازمة أسكتت ابنه قبل أن يتفوه بشيء آخر..
عينيه الرماديتين، التي شهدت عقوداً من المفاوضات والصفقات، استقرتا بثبات على جليندون، قبل أن يتحدث ببطء، وكأنه يزن كلماته بعناية شديدة..
"لا فائدة من الإنكار بعد هذه النقطة.. نعم، المواد تعود إلينا.."
2
ألكسندرا شهقت بصوت خافت، بينما شدّ ديمتري فكّه بانزعاج، لكن نيكولاي لم يترك مجالاً للاعتراض، تابع بصرامة...
"لكن هذا لا يعني أننا كنا نحاول تهريبها.. هناك تفاصيل لم تطلعوا عليها بعد، وأعتقد أن الوقت قد حان لنوضحها لك.."
جليندون لم تظهر عليها أي مفاجأة، بل مالت قليلاً إلى الخلف، ابتسامتها الماكرة لم تفارق شفتيها، وكأنها كانت تعلم مسبقاً أنها ستصل إلى هذه اللحظة.. نفضت القلم فوق الورق، كما لو أنها تشير إلى أن اللعبة الحقيقية قد بدأت لتوها..
5
"أنا أستمع.."
1
. . . . . . . . . . . .
في قلب سانت بطرسبرغ، حيث غلف الليل المدينة بردٍ قارس، كان الملهى الليلي الصغير ينبض بإيقاعٍ مختلف..
بعيدًا عن صخب النوادي الفاخرة وحشود المعجبين المتطفلين، كان هذا المكان وجهة مفضلة لرياضيي التزلج الذين يبحثون عن لحظات استرخاء دون أن تلاحقهم الأضواء..
الإضاءة الخافتة، الألحان العميقة التي تتردد عبر الجدران العازلة للصوت، والطاولات الخشبية التي تحمل آثار الزمن، كلها منحت المكان طابعًا دافئًا رغم برودة الليل في الخارج..
وسط الحشد، كانت سفيتلانا تتحرك بخفة، وكأنها جزء من الموسيقى ذاتها...
جسدها المشدود، الذي صقلته سنوات من التدريب البدني، كان يتمايل بإيقاع حيوي، حركاتها دقيقة، لكنها تحمل عفوية تجذب الأنظار..
شعرها الذهبي المموج كان يتطاير مع حركتها، يلتف حول كتفيها المكشوفين بينما تدور بخفة على وقع النغمات.. كانت ترتدي قميصًا أسود قصير الأكمام، يعانق منحنيات جسدها الرياضي، وسروالًا جلديًا ضيقًا يبرز طول ساقيها وقوتهما..
الحذاء ذو الكعب المتوسط أضاف لمسة أنثوية دون أن يعيق حركتها، وكانت ملامحها تفيض بالحياة، عيناها الزرقاوان تلمعان بانسجام مع الأضواء الراقصة..
بيد ثابتة، أمسكت بكوبين من الجعة الباردة، شقت طريقها عبر الحشد بخطوات واثقة، تضحك بصوت خافت بينما تتجنب الاصطدام بالراقصين الآخرين..
لم تكن امرأة تحتاج إلى جذب الانتباه، لكنه كان ينجذب إليها على أي حال. حركتها الديناميكية، والطاقة التي تنبعث منها، جعلتها تبدو كنجمة تتلألأ وسط هذا المكان الدافئ..
حين وصلت إلى طاولة زملائها، وضعت الكوبين أمام اثنين من أصدقائها، قبل أن تجلس على الحافة، تمسح العرق عن جبينها بظهر يدها وهي تلتقط أنفاسها.. أحدهم، وهو لاعب تزلج معروف، نظر إليها ضاحكًا وقال:
"ما زلتِ تمتلكين طاقة لا تنفد، حتى في إجازتك.."
ابتسمت سفيتلانا بمكر، رفعت كوبها قبل أن ترتشف منه جرعة، ثم مررت يدها عبر شعرها المبَعثر، وقالت بنبرة واثقة:
1
"إن لم أتحرك، سأشعر وكأنني أصدأ، ولا أطيق فكرة التباطؤ.."
ضحك الجميع، بينما كانت الموسيقى تتغير إلى إيقاع أكثر هدوءًا، لكن طاقتها لم تهدأ، كانت لا تزال تشعر بتلك النشوة التي يمنحها لها الرقص، الحرية المطلقة التي لا تقيدها جداول التمارين ولا صرامة الأنظمة التدريبية..
هنا، كانت مجرد سفيتلانا، وليست المدربة البدنية الصارمة، ولا اللاعبة السابقة التي كاد الحلم أن يسلبها كل شيء..
لم تكن سفيتلانا من النوع الذي ينتمي إلى مكان واحد...منذ أن تبدد حلمها بميداليات ذهبية لا تُحصى بسبب الإصابة التي أنهت مسيرتها الرياضية قبل أن تبدأ فعليًا، قررت ألا تنتمي إلى شيء بعد الآن..
صارت كطائر حر، تتنقل بين المدن، تعيش كل لحظة كما تأتي، دون أن تتقيد بجداول أو التزامات طويلة الأمد..لم تكن تبقى في مدينة واحدة أكثر من اللازم، ولم تكن تبني علاقات تدوم أكثر مما يجب..
في الحب، كما في الحياة، كانت سريعة العبور... لم يكن هناك رجل واحد استطاع أن يترك بصمة في ذاكرتها...
1
معظمهم كانوا رياضيين مثلها، محكومين بنفس الروتين الرتيب، نفس الحياة التي تدور في دائرة مغلقة من التدريبات والمنافسات، حتى شغفهم خارج الميدان بدا ميكانيكيًا، بلا مفاجآت...
لم تستطع أن تجد فيهم شيئًا يثير اهتمامها، ففقدت رغبتها في البحث.. منذ فترة لم تدخل في علاقة جدية، ولم تشعر بأنها بحاجة لذلك..
1
لكن الليلة، بينما كانت الموسيقى تهدأ قليلًا، كان هناك من يراقبها..
سيرجي ، الرجل الذي لا يحتاج إلى مقدمة في عالم التزلج السريع... صاحب الميداليات الذهبية التي يصعب عدّها، الأسطورة الحية، والرجل الذي اعتاد أن تكون الأضواء مسلطة عليه أينما ذهب..
رغم كل الإنجازات التي حققها، كان هناك شيء واحد استعصى عليه هذه الليلة: انتباه سفيتلانا..
منذ أن دخلت الملهى، وعيناه لم تفارقاها. كان يجلس في ركن بعيد، كوب شرابه أمامه، وكأنما ينتظر اللحظة التي ستلتفت فيها إليه، ولو بالصدفة...
لكنه انتظر طويلًا، ولم تأتِ تلك اللحظة.. لم تمنحه حتى نظرة عابرة، وكأن وجوده لم يكن ذا أهمية.. كانت ترقص، تضحك، تشرب، تتحدث مع أصدقائها، لكنها لم تلتفت ناحيته حتى عن غير قصد..
بل لم يكن معتادًا على السعي خلف شيء لم يُقدم له على طبق من ذهب... لكن هذه المرة، كان عليه أن يعترف أن سفيتلانا ليست مثل الأخريات...
6
وقفت سفيتلانا أمام الساقي، وضعت الكوب الفارغ على الطاولة، بينما كانت أنفاسها لا تزال متسارعة من رقصة طويلة ومفعمة بالحيوية..
لم تكن بحاجة إلى مزيد من الشراب، لكنها استمتعت بمراقبة انعكاس الأضواء المتراقصة على سطح الزجاجات المتراصة خلف البار..
لكن لحظة الهدوء هذه لم تدم طويلًا..
اقتحم أذنيها صوت مألوف، لكنه لم يكن مرحبًا به تمامًا...كلمات مشحونة بالسخرية، قريبة جدًا من أذنها، كما لو أن صاحبها أراد أن يهز شيئًا بداخلها..
"حقًا؟ هل ستفوتين اللاعب المثير اليوم أيضًا؟ لم أعتدك هكذا، أيتها المدربة..."
كان المتحدث مساعد المدرب، رجل لطالما أحب إثارة الجدل.. غمز باتجاه زاوية الملهى، حيث جلس سيرجي، مسترخيًا بطريقة متعمدة، وكأنه واثق تمامًا أن الزمن كفيل بجلب سفيتلانا إليه..
1
رمقته بنظرة محايدة، ثم استدارت ببطء نحو الاتجاه الذي أشار إليه..نظرت إلى سيرجي، ذلك الوجه المعروف، ذلك النجم الذي لا يحتاج إلى تقديم، ورأت تلك النظرة التي جعلتها تتنهد داخليًا..
نظرة رجل معتاد على أن تأتي النساء إليه، وليس العكس...نظرة رجل يظن أن انتباهه وحده كافٍ لإثارة الاهتمام..
عادت بصرها إلى مساعد المدرب، رفعت حاجبًا بخفة، ثم قالت ببرود:
"لا شيء مهم، كله متشابه.. أنا أبحث عن شيء..مميز.."
التفتت بعيدًا عنه، التقطت حقيبتها الجلدية التي تركتها على الكرسي العالي، ثم أضافت وهي تتحرك:
"على أي حال، سأغادر... لدي رحلة مهمة غدًا، وعليّ أن أرتب حقيبتي.."
لكن يدًا استوقفتها برفق عند معصمها... لم يكن سيرجي، بل مساعد المدرب، الذي بدا وكأنه غير مقتنع تمامًا بهذا الانسحاب..
"رحلة؟ أين هذه المرة؟"
ابتسمت، لكنها لم تجب مباشرة، فقط سحبت معصمها برفق، ثم قالت:
"مكان بعيد عن الملل الذي يحيط بي هنا.."
ثم، دون أن تمنح أي فرصة أخرى للنقاش، استدارت وانسحبت وسط الحشد، تاركة وراءها موسيقى صاخبة، وعيونًا متتبعة، وإحساسًا واضحًا بأنها لن تكون مجرد امرأة أخرى مرت مرور الكرام في هذه الليلة..
. ... .. . .... . . . . . . . . ..
يتبع...
🎬🎬🎬🎬🎬🎬
أهلا الأعزاء،
كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك! 🌙🎉
أتمنى أن يعيده الله عليكم بالخير والبركات، وأن يعم السلام والفرح قلوبكم وأيامكم. في هذا العيد المبارك، أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل أيامكم مليئة بالسلام والسعادة..
أما بالنسبة للفصول، فهي ليست جاهزة الآن، ولكن لا تقلقوا! بمجرد العطلة سأعمل على تعويضكم بكل ما هو جديد بإذن الله.. شكراً لكم على تفهمكم ودعمكم المستمر..
كل الحب والتقدير لكم، وكل عام وأنتم بخير! 💖🎁...
نرجع لرواية :
أولغا و إيكاترينا ✨😊صداقتهم..
1
ليوبا و الأعين الرمادية 🌚😫❤..
1
في نظركم أولغا رح ترجع؟ 🧐..
2
اممم، قضية جليندون في التطور، رح نخلي جزء غامض لأنه رح بنحرق عليكم بالأحداث من جهة البطل...
1
أسلوب جليندون في المحاصرة 🧿🤫..
كشفتهم من الأول 😅✨..
1
في تخمينات من ناحية القضية؟! يلا فعلوا شخصية المحقق كونان 😸😸..
2
حياة جليندون لحد الأن كلها روااااء فرواااء 😍..
شخصيتها؟!....
2
شرفتنا سفيتلانا اليوم المدربة البدنية... 🤩..
يعرف أن الأسماء صعبة الحفظ و النطق بس هي ذي الأسماء الغربية و الروسية و لأني بحب إني أكون مميزة بحثت على اسماء غير مكررة في روايات أخرى 😎..
2
كيف كان الفصل؟ ! ...
1
احبكم و ألقاكم في فصل جديد قريبا...