رواية عوض الله لا يضيع الفصل الرابع 4 بقلم وفاء الدرع
ذهب وحيد إلى مستشفى العباسية للأمراض النفسية حتى يطمئن على والده.
كان قلبه يخفق بقوة وهو يعبر الممرات الطويلة.
وعندما وصل إلى الغرفة، فتح الباب ببطء...
ثم تجمد مكانه.
رأى رجلًا مختلفًا تمامًا عن والده الذي كان يعرفه.
كان جالسًا في هدوء تام، ينظر إلى الفراغ، وكأنه يعيش في عالم آخر.
أما العبارة الوحيدة التي كانت تتكرر على لسانه فهي:
"يا ترى يا ابني عملت إيه في عز البرد في الشارع؟ سامحني يا ابني..."
اقترب وحيد والدموع تملأ عينيه وقال:
– يا بابا... أنا وحيد. ابنك يا بابا. سامحتك من قلبي.
لكن الرجل لم ينظر إليه.
ولم يعرفه.
واستمر يردد نفس الكلمات:
– سامحني يا ابني... سامحني.
شعر وحيد وكأن قلبه يتمزق.
خرج من الغرفة وسأل الطبيب عن حالته.
فقال الطبيب:
– للأسف، أصيب بجلطة قوية في المخ، وبعدها فقد جزءًا كبيرًا من وعيه وذاكرته.
وأضاف:
– لا أحد يزوره تقريبًا، وأنت أول شخص يأتي ليسأل عنه.
انهمرت دموع وحيد وقال:
– رغم كل اللي حصل... ده أبويا.
ابتسم الطبيب بإعجاب وقال:
– ربنا يجازيك خير يا ابني. مش أي حد يقدر يسامح بالشكل ده.
خرج وحيد من المستشفى حزينًا، لكنه كان يشعر بالرضا لأنه رأى والده واطمأن عليه.
لكن الأحداث لم تتوقف عند هذا الحد.
فبعد أيام قليلة، تلقى خبرًا صادمًا...
أخوه مازن توفي بسبب جرعة مخدرات زائدة.
شعر وحيد بصدمة كبيرة.
ورغم كل ما حدث في الماضي، ذهب بنفسه، وأخذ جثمان أخيه، وأشرف على دفنه.
وفي العزاء وقف أمام الجميع وقال:
– من النهارده أنا مسؤول عن إخواتي بعد ربنا.
نظر إليه أخوه إسلام بعينين مليئتين بالدموع وقال:
– ربنا يخليك لينا يا وحيد.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة وحيد...
مرحلة تحمل المسؤولية، ورعاية إخوته، والوقوف بجانب أسرته رغم كل ما حدث.
بعد ما خرجت زوجة أبي من عندي وهي تبكي، فضلت واقف أبص لها وهي ماشية بخطوات بطيئة.
أول مرة أشوفها بالشكل ده...
الست اللي كانت سبب في ضياعي وتشردي، واقفة قدامي مكسورة وبتطلب السماح.
رجعت البيت وأنا بفكر في حال الدنيا...
إزاي الأيام بتتغير؟
إزاي الإنسان ممكن يبقى في قمة القوة، وبعد فترة يلاقي نفسه محتاج كلمة رحمة من نفس الشخص اللي ظلمه؟
دخلت الفيلا، لقيت ماما وفاء قاعدة مع التوأم.
أول ما شافوني جريوا عليّ.
سيف مسك إيدي وقال: – وحشتني يا أبيه.
وسارة رمت نفسها في حضني وقالت: – هتقعد معانا النهارده؟
ضحكت رغم الحزن اللي جوايا وقلت: – طبعًا يا حبيبتي.
بابا حموده كان متابعني بعينه.
ولما الأطفال خرجوا يلعبوا، قرب مني وقال: – أنت تعبان يا وحيد.
قلت: – شوية يا بابا.
قال: – لسه بتفكر في أبوك؟
هززت رأسي.
قال بحكمة: – يا ابني، ربنا رزقك قلب كبير، بس أوعى تشيل فوق طاقتك.
سكت شوية وبعدين كمل: – ساعد اللي تقدر عليه، لكن متنساش نفسك ومستقبلك.
كلامه ريحني جدًا.
في اليوم التالي رحت المستشفى كالعادة.
دخلت على والدي.
لقيته قاعد في نفس المكان.
لكن المرة دي حصل شيء غريب...
أول ما شافني، رفع عينه ناحيتي للحظة.
لحظة واحدة بس...
لكنها كانت كافية تخلي قلبي يدق بقوة.
قربت منه بسرعة وقلت: – بابا... أنت عرفتني؟
فضل ساكت.
لكن دمعة نزلت من عينه ببطء.
وقتها حسيت إن في حاجة بدأت تتغير.
يا ترى... هل بدأت ذاكرة إبراهيم ترجع من جديد؟
وهل هيعرف إن الشاب اللي واقف قدامه دلوقتي هو نفس الطفل اللي طرده يومًا إلى الشارع؟